• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • حرف الراء دراسة صوتية مقارنة ـــ د.عمر الدقاق

      من أشيع المقولات السائدة منذ (أرسطو) أن الإنسان حيوان ناطق، متكلم.. فاللغة سمة الإنسان وحده، وظاهرة بشرية اجتماعية حضارية، وهي مواكبة لوجود الإنسان من الأزل، وعمرها مقترن بعمره. والفكر واللغة متلازمان، لا وجود لأحدهما مستقلاً عن الآخر أو منفصلاً عنه. وحقيقة الأمر أن اللغة هي التفكير جهراً، والتفكير هو التكلم سراً..‏

      قال ابن جني(1): "حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم". والصوت عنده(2): "عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً، حتى يعرض له في الفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده. فسمى المقطع (أي المخرج)، أينما عرض له، حرفاً. وتختف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها...: ومجمل القول "إن اللغة أصوات تفيد دلالات. وهي مجموعة من الرموز الدالة على أسماء وأفعال، وتؤلف النظام المتكامل للأصوات"(3).‏

      آ ـ الحروف المنطوقة وقانون السهولة والصعوبة:‏
      وقد توصل علم اللغة الحديث، ولا سيما الدراسات اللسانية Linguistiques والصوتية phonetiques إلى أن الأقوام السالفة الموغلة في القدم مرت في تطورها اللغوي خلال نشوئها السحيق بما يشابه المراحل نفسها التي يمر بها الأطفال في مجال نطق الحروف. فالبشر في عهودهم البدائية، لم يعرفوا أول الأمر سوى عدد ضئيل من الأحرف، وهي الأحرف الجوفية أو الصوتية، أي أحرف العلة. وذلك في مرحلة الصيد الغابرة التي شهدها العصر الجليدي. ثم تولدت لدى إنسان ذلك العصر بعد آماد طوال بعض الحروف التي تقع مخارجها الصوتية فيما بين الشفتين، أو ما كان قريباً منهما. وذلك لسهولة النطق بها، وهي الميم والباء والفاء والدال(4)....‏

      والمعهود في موازاة ذلك أن الأحرف الشفهية هي الأسبق ظهوراً على لسان الطفل الرضيع، وما ذلك إلا لأنها الأسهل نطقاً لديه، إذ لا يحتاج التلفظ بها إلى أية أسنان نابتة.‏

      وبوسعنا القول، وعلى قدر واف من اليقين تبعاً لمعطيات علوم الصوتيات واللسانيات وعلم نفس الطفل والإنتروبولوجيا، إن ما فطر عليه الطفل البشري في أي مكان من الدنيا من مناغاته لأمه بالمقطع "ما" أو "مو" أو "مام" أو "مم" أو "مامي" أو "ماما"، أو ما شابهه، على ذلك الكائن الأنثوي لدى مختلف الأقوام وعلى صعيد معظم اللغات.‏

      وعلى ذلك يكون حرف الميم أسبق الحروف قاطبة في النطق، ويواكبه أو يعقبه حرف الباء(5)...‏

      ولسهولة مخرج صوت الميم من الفم فإن بعض الحيوان يستطيع النطق به كما هو حال النعاج. وفي ذلك يقول الجاحظ في لفتة ذكية(6): "وأما الغنم فليس تقول إلا (ما)"، ويقول أيضاً: "والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم ماما وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان. وإنما يظهران بالتقاء الشفتين"(7).. وبوسعنا القول تبعاً لما تقدم(8): "إن حرف الميم أو لفظ مام إنما هو اختراع أبدعه الطفل منذ الأزل، وسوف يدأب على ترديده إلى الأبد"...‏

      وبعدئذ تمكن الإنسان القديم عبر الحقب، وحين دخوله طور الرعي، من ابتداع سائر حروف الهجاء الأكثر تعقيداً، وفي عدادها حرف الراء... ليتمكن ذلك الإنسان خلال تطوره المستمر من التعبير عن حاجاته المستحدثة، ومواكبة تجاربه المتنامية...‏

      وفي ضوء ما تقدم، ونظراً إلى أن الأقوام الغابرة وأن الأطفال جميعاً لم يستطيعوا عبر الأزمان التلفظ بحروف الكلام كاملة إلا تدريجياً وبعد ممارسات مديدة على الصعيد الفيزيولوجي، بوسعنا القول إن النطق بالحروف كان يتأتى في الأفواه تبعاً لمبدأ السهولة والصعوبة، حيث يتم فيها وفق مستويات متعددة يمكن اختزالها بزمرتين أو ثلاث من الحروف أولاها يسيرة على النطق، والأخرى عسيرة وثالثة بين بين... فألسنة البشر، على اختلاف لغاتها، تكاد تتشارك جميعاً في نطق حروف بعينها، مثل الميم والباء واللام والنون والسين والشين والزاي والكاف... وغيرها، باعتبارها الأسهل نطقاً، والأجرى على اللسان. على حين ثمة أحرف محددة أصعب على النطق في بعض اللغات، فتلفظها على نحو منحرف أو مغاير، وقد لا يكون لها وجود أصلاً في عداد أبجديتها، مثل: الغين والحاء والخاء والصاد والضاد والجيم والقاف والطاء والظاء...، وسواها من الحروف العربية. وفي الوقت نفسه قد يختلف نطق بعض الأحرف ضمن اللغة الواحدة على ألسنة العرب مثلاً في هذا العصر كما هو الحال بصدد حرف القاف، حيث يبلغ سبعة أوجه، تتراوح في مجال داخل الفم يمتد من الهمزة إلى الكاف، وهذا معهود في اللهجات المصرية والشامية والعراقية والخليجية والبدوية... ولعل الضاد أبرز مثال على هذه الظاهرة من حيث اختلاف نطقها، وذلك بسبب صعوبتها بالنسبة إلى كثير من الحروف. وقد أجمع علماء اللغة على ذلك، وفي عدادهم السيوطي، فقال(9): "الضاد أصعب الحروف في النطق". وهي تنطوي على إشكالية منذ القدم وحتى اليوم على هذا الصعيد، كما شغلت وما زالت تشغل حيزاً واسعاً في دائرة اهتمام الدارسين(10). واختلاط الضاد بالظاء أو تداخلهما عند النطق، بل عند الكتابة أيضاً ظاهرة ملحوظة ومزمنة تجري على أفواه كثير من الناس وعلى أقلامهم. وخبر عمر بن الخطاب في هذا الصدد معروف، حين أتاه رجل وقال له(11): "يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجل ظحى بضبي؟"، فجعل الضاد من ضحى ظاء، والظاء من ظبي ضاداً. فعجب عمر ومن حضره من ذلك".‏

      ومن هذا القبيل أيضاً التداخل في النطق بين الزاي والسين، وبين السين والصاد، والقاف والكاف، والدال والذال، والتاء والطاء، والحاء والهاء، والزاي والظاء، والسين والشين، والجيم والياء، والميم والنون، والراء واللام...‏

      وعلى صعيد الاختلاف بين اللغات المتعددة تغدو هذه الظواهر في مقابل ذلك أشد بروزاً، بحيث يتعذر على غير الناطقين بالعربية مثلاً التلفظ بأكثر حروف الحلق وأحرف أخرى غيرها، كالعين والحاء والغين والخاء، فضلاً عن الجيم والصاد والقاف والضاد.... ومع ذلك قد توجد أحرف مشتركة من هذه الحروف الصعبة ضمن لغتين أو أكثر، فالعربية مثلاً تشارك التركية في حرف القاف، كما تشارك الأسبانية في حرف الخاء، إلخ....‏

      وفي الوقت نفسه ثمة أحرف في لغات عديدة ليس لها وجود في العربية مثلU, E في الفرنسية، ومثل P,V في الفرنسية والإنكليزية. والعرب أيضاً قلما ينطقون هذه الأحرف كأهلها إلا بعد دربة ومران. وهكذا الشأن في سائر اللغات. وهنا لا بد من الاحتراز والملاحظة بأن قضية الصعوبة في النطق تبقى نسبية وليست مطلقة، وهي أكثر اطراداً في بعض الحروف اللثوية وحروف الحلق...‏

      ومن الطبيعي في هذا الصدد أن يتساءل المرء عن سبب وجود أحرف في لغة ما، وعدم وجود ما يقابلها في لغات أخرى..؟ والإجابة عن ذلك أو بعض ذلك ينطوي عليها ما سبق ذكره مجملاً، وهو أن نطق الحروف لم يتم على ألسنة البشر في سالف ا لأزمان جملة واحدة، والحال نفسه عند الأطفال أيضاً. ومرد ذلك بطبيعة الحال إلى مدى السهولة والصعوبة في نطق بعض الحروف دون بعضها الآخر، وهذا أمر معهود أيضاً داخل حروف أية لغة، حيث يكثر شعراء العربية مثلاً من النظم على روي الميم والراء واللام والنون...، على حين ينأون عن روي القوافي الأخرى، كالثاء والظاء والغين والخاء. وقد أحسن قدماء العرب ولا سيما العروضيون تصنيف هذه القوافي حين جعلوها في قسمين: القوافي الذلل، والقوافي النفر، وكأنها الخيل التي يسهل امتطاء بعضها، ويصعب امتطاء بعضها الآخر...‏

      لقد تبدت ملامح نظرية السهولة والصعوبة في نطق الحروف لدى علماء العربية قديماً ومنهم الخليل وسيبويه والأصمعي والجاحظ وابن جني والسيوطي... ثم مضى الدارسون المعاصرون على هذا الغرار يؤكدونها ويحللونها. وممن نادوا بهذه النظرية كورتيوس ويتني Curtius Whitney إذ رأى أن المرء بطبيعته يجنح إلى السهولة وإلى الاقتصاد في الجهد، وذلك بصورة لا شعورية(12). وهذا ما حدث لعدد من الحروف العربية عبر عصور مديدة، إذ تطورت من الصعوبة إلى السهولة، وهكذا فإن جملة من الألفاظ كالكلام والكاف والباء والميم والسين حافظت على طبيعتها لأنها لا تحتاج إلى مجهود عضلي خاص كسواها داخل الفم، كالراء والظاء والغين والقاف والحاء... وغيرها من حيث صعوبة نطقها، على تفاوت فيما بينها في مدى هذه الصعوبة.‏

      ومن أمثلة استسهال الناس نطق هذه الحروف، حتى غير الصعبة، ما نسمعه في اللهجات العربية المعاصرة لدى جماعات من أهل حلب وريفها، إذ يسقطون بعض حروف الحلق من كلمات معينة، كقولهم (أربين) بدل أربعين، و(رو) بدل روح، أو حروف أخرى كقولهم (خو) بدل خود أي خذ.. وكان سكان الحي اليهودي يقولون: يوم (الأحا) بدل الأحد. وفي كثير من البلاد العربية كمصر يسقطون الميم وهي علامة الجمع فيقولون (عندكو) بدل عندكم، على حين يسقط سائر العرب ميم الجمع في قولهم (انتو) بدل أنتم.‏

      ومعظم العرب اليوم، ما عدا كثيرين في الأرياف ومنطقة حوض الفرات في سورية والعراق، يسقطون نون الأفعال الخمسة، فيقولون (يلعبو، يصلو) بدلاً من يلعبون ويصلون.‏

      أما ألف الاثنين وصيغة التثنية فلم يعد لهما وجود في كلام الناس. وذلك كله من قبيل الاستسهال والاقتصاد في الجهد.‏

      وفي صدد تمايز اللغات على هذا الصعيد الصوتي، حيث ينطوي بعضها على حروف ليس لها نظير في لغات أخرى، كما تقدم، يبدو من العسير على أي دارس تعليل هذا الاختلاف المتجذر لدى الإنسان منذ الأزل. إنه يمثل إحدى الظواهر البارزة في المجتمعات البشرية التي تتوضع على بساط البحث ليتسنى رصدها وتحليلها. بل إن هذا الاختلاف النسبي في مجال زمرة معينة من الحروف ينم على خصوصية الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، كما ينم على تفرده دون سائر الحيوان، من حيث اتسامه الذاتي بملامح وجهه ونبرات صوته وبصمات أصابعه، وما ذلك في حقيقته إلا التعدد ضمن إطار الوحدة، والتنوع في رحاب الشمول.‏

      ب ـ حرف الراء من الوجهة الصوتية:‏
      وقد فطن اللغويون العرب قديماً إلى هذه الظاهرة الصوتية، في حدود معرفتهم ببعض لغات عصرهم ومغايرتها أحياناً للغة العربية في عدد من الحروف، ولعل أسبقهم الخليل الفراهيدي إذ قال(13): "وليس في شيء من الألسن ظاء غير العربية". ثم لاحظ الأصمعي مثل ذلك أيضاً وقال(14): "ليس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسريان ذال". ولو أتيح للخليل أو للأصمعي في ذلك الزمن المبكر المزيد من المعطيات المعرفية لأضاف إلى قوله هذه العبارة مثلاً "وليس لأهل الصين راء..." وهذه حالة مستغربة في اللغة الصينية التي قد تكون الوحيدة ـ في حدود علمنا ـ على هذا الصعيد دون سائر اللغات.‏

      أما حرف الراء من الوجهة الصوتية، وفي المنظور اللساني، فهو ذو خصوصية أخرى تميزه من سائر الحروف، وعلى صعيد كثير من لغات البشر.، إنه نادر الغياب عن بعضها، سائد الحضور في معظمها. وهو في الوقت نفسه مختلف الأداء على ألسنتها، وقلما يلفظ على نحو واحد وهذا معهود في اللغة الفرنسية وفي الإنكليزية والألمانية وغيرها. فالإنكليز، كما يصفهم العرب، يبتلعون الراء في كلامهم، على حين تبدو الراء على ألسنة الأمريكيين أجلى. وفي ذلك يذكر الدكتور كمال بشر(15): "إن الراء في الإنكليزية يختلف نطقها باختلاف موقعها. أما العرب فلا يميزون بين هذه الراء وتلك. ففي اللغة الإنكليزية النموذجية Standard British English لا تكاد الراء تلفظ إذا وقعت في آخر الكلمة مثل Singer، أو وقعت في وسط الكلمة غير متبوعة بحركة، كما في نحو Garden. وإنما تنطق الراء الإنكليزية إذا تبتعها حركة، سواء كانت في وسط الكلمة وأولها Present, Right, Red..." والراء كما يسميها علماء اللسانيات صوت مستلب أو مستل أو مفرد Flapped Consonant، ويحدث صوت الراء نتيجة طرقة واحدة من طرف اللسان على اللثة، ويصدر الوتران الصوتيان عند نطقها نغمة موسيقية فهذه الراء حرف صامت مجهور لثوي مستل(16) A Voiced alveolar Flapped consonant.‏

      أما الراء في اللغة الفرنسية، وعلى نحو أخص في لهجة باريس الغالبة، فيلفظها الفرنسيون على نحو مغاير بحيث تكون شبيهة بصوت الغين العربية، أو الغين الخفيفة. والراء الألمانية أقرب ما تكون إلى هذه الراء الباريسية. "ويحدث صوتها حين تتذبذب اللهاة على أقصى اللسان، أي بحدوث طرقات سريعة متوالية، فتصدر عندئذ عن الوترين الصوتيين نغمة موسيقية عند تكوين الصوت، وهو صوت صامت مجهور...". فكلمة Frère الفرنسية أي الأخ تنطق "فغيغ". وليس لفظها هذا ميسراً بدقة على ألسنة العرب بوجه عام. وفي مقابل ذلك يصعب على الفرنسي بل يكاد يتعذر عليه أن ينطق الراء العربية ـ وهي صوت مكرر ـ كأهلها.‏

      وفي هذا الصدد، من حيث اقتراب صوت الراء في لغات الغرب الأوربي من صوت الغين، يرى الدكتور محمود فهمي حجازي(17): "أن عدداً من اللغات الأوروبية لا تميز الراء عن الغين من الناحية الفونيمية... ولذا يجد أبناء اللغة الألمانية مثلاً صعوبة في التمييز بين الراء والغين عند تعلمهم اللغة العربية. ويصعب هذا الأمر لو التقى الصوتان في كلمة واحدة مثل (مغرب)، فتسمع هذه الكلمة عند كثير منهم كما لو كانت بغين مشددة"...‏

      ويتجلى الأمر نفسه، أي تداخل صوتي الراء والغين، في كلام صغار الأطفال من أي قوم. "إذ يغلب لديهم أن تكون الراء لهوية، وهذا سبب قربها من الغين لتقارب مخرجيهما"(18).‏

      والإسبان، خلافاً للإنكليز، يلفظون الراء شديدة النبرة والوضوح. ولا تختلف الراء الأرمنية عن الراء العربية إلا قليلاً، إذ إنها صوت مكرر أي مشدد. وهي مبثوثة في داخل الألفاظ وفي نهاياتها، لكن الألفاظ في الأرمنية التي تبدأ بحرف الراء قليلة بل نادرة لا تتجاوز عشر كلمات، وهذه في معظمها دخيلة على اللغة الأرمينية، كما أنها أخفت نطقاً من سائر الراءات(19).‏

      وإذا كان لهذا التداخل الصوتي بين الراء والغين لدى الأطفال وفي العديد من اللغات من دلالة، فهي أيضاً صعوبة نطق الراء، ومن ثم ترجرج أصوات هذا النطق وتعدد أوجهه. وقد يؤدي ذلك إلى اللثغة في تعدد أشكالها أيضاً، على غرار ما سيتضح بعد صفحات وربما كانت هذه الصعوبة المتحكمة في النقط أشق على الطفل، بحيث تدفعه إلى إسقاط الراء جملة من كلامه عوضاً عن البحث عن حرف بديل. وقد نقل الدكتور إبراهيم أنيس(20) عن أحد الأدباء الفرنسيين أن طفله نطق كلمة Merci (Meci)، أي من دون راء، وذلك وفق قانون الاستسهال المعهود.‏


      والراء من الوجهة الصوتية حرف منطوق لدى الأمم، قديمها وحديثها، وله حيز في لغات العالم القديم وكتاباتها، ومنها السومرية والأكادية والهيروغليفية والسنسكريتية والإغريقية وسائر اللهجات الكنعانية واللاتينية.... ونجد هذا الحرف مثلاً في كلمات "أرض" العربية، Erestu' الأكادية، وErd في العربية الجنوبية، وEres في العبرية(21).... وتعد الراء عند علماء العربية قديماً من أكثر الحروف دوراناً على لسان العرب"(22).‏

      وحرف الراء هو الحرف العاشر من حروف الهجاء العربية وفق الترتيب الألفبائي، وموقعه الحرف العشرون على حسب الترتيب الأبجدي. وهو يرمز إلى العدد مئتين 200 فيما يعرف (بحساب الجمّل)(23). ومن المصادفات أن يكون موقع الراء هو العشرين أيضاً في الترتيب الحلقي للخليل الذي بنى عليه معجمه "العين"، وأن يحافظ هذا الحرف أيضاً على موقعه العشريني في تعاقب حروف معجم "البارع" لدى أبي علي القالي، وكذلك في معجم "تهذيب اللغة" لدى معاصره الأزهري...(24).‏

      وقد حظيت الراء، ومعها أحرف أخرى قليلة وهي الضاد والجيم باهتمام اللغويين والأدباء من العرب الأقدمين، وكانت لهم فيها دراسات مسهبة ودقيقة. وحين ألّف الخليل معجمه الرائد وجعل ترتيب الحروف على حسب مخارجها في الفم بدءاً من أقصى الحلق وانتهاء بالشفتين، غدا بذلك واضع علم الصوتيات Phonlogie. ثم مضى الذين أتوا بعده في تناولهم حروف الهجاء ومحاولتهم تبيين مخارجها، والكشف عن آلية النطق بها. كما عني تلميذه سيبويه ولفيف من اللغويين، وفي طليعتهم ابن جني برصد مخارج الحروف في ألفاظ العربية على أساس صوتي من حيث الجهارة والهمس، فجعلوها في صنفين، فهي إما مجهورة، كالهمزة والضاد والراء...، وإما مهموسة كالهاء والحاء(25). وكان الخليل هو الأسبق إلى التفريق بين المجهور والمهموس.‏

      وفي الوقت نفسه رأى سيبويه أن حروف العربية مطبقة أو غير مطبقة، فالمطبقة تضم الضاد والصاد والطاء والظاء....، تقابلها حروف غير مطبقة أي منفتحة ومنها الدال والزاي والسين... وهي تشكل غالبية حروف العربية، وفي عدادها حرف الراء. "والأصوات المطبقة عند سيبويه، أن ينطبق اللسان إلى ما يحاذي الحنك الأعلى، أي ارتفاع طرف اللسان وأقصاه نحو الحنك، وتقعر وسط اللسان"(26)، والإطباق في اللغة العربية كما يرى برغشتراسر(27) نوع من الاستعلاء الذي هو رفع أقصى اللسان نحو ما يليه من الحنك، ويزاد على ذلك تقلّص ما في الحلق وأقصى الفم".‏

      وعلى صعيد ثان، من حيث شدة الحروف أو رخاوتها وجد سيبويه أن حروف الهجاء العربية تقع ضمن ثلاث مجموعات أو زمر، الأولى حروف شديدة، وهي الهمزة والقاف، والكاف والجيم...، والثانية هي الرخوة، وتضم الهاء والحاء والخاء والسين.... إلخ.. ووجد زمرة ثالثة هي بين بين، أي بين الرخاوة والشدة، وفيها الراء والنون واللام. وهذه الصفة تعرف في الدراسات اللغوية الحديثة بأنها حرف مائع Liquide(28).‏

      ومن جهة أخرى أو على صعيد ثالث لاحظ سيبويه في حرف الراء سمة تميزه من سائر الحروف، فهو حرف منفرد لا يشاركه على صفته حرف سواه، وهي التكرير الصوتي، قال(29): "ومنها المكرر. وهي حرف شديد يجري فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام، وهو الراء". وقال في موضع آخر(30): "الراء إذا تكلمت بها أخرجت كأنها مضاعفة، والوقف يزيدها إيضاحاً"، والمقصود بذلك هو تكرار اهتزازات اللسان في أثناء النطق به. "ويصنف حرف الراء أيضاً في الدراسات المعاصرة بأنه وحده من الصوامت المكررة Rolled Consonants(31).‏

      وفي "باب الإدغام" يصنف سيبويه في كتابه أصوات الحروف المجهورة على أساس قوامه الجهر والهمس، ويذكر إن الأصوات المجهورة تبلغ تسعة عشر حرفاً، وفي عدادها حرف الراء. أما الأصوات الأخرى أي المهموسة فعددها عشرة أحرف. ثم يقول مفصلاً(32): "فالمجهور حرف أشبع الاعتماد عليه في موضعه، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه، وأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه".‏

      كذلك عين صاحب "الصحاح" هذا الصوت المجهور بقوله(33): "ومخرج الراء من طرف اللسان، بينه وبين ما فوق الثنايا العليا".‏

      ويبدو لنا أن أبا الفتح بن جني كان الأقدر في هذا الصدد، إذ استطاع تعيين آلية نطق الراء على اللسان، وبيان مخرجه في الفم، وفي ذلك قال(34): "الراء هو الصوت المنحرف، لأن اللسان ينحرف فيه مع الصوت، وتتجافى ناحيتا مستدق اللسان عند اعتراضهما فويقهما على الصوت، فيخرج الصوت من تينك الناحيتين ومما فويقهما". وقال في موضع آخر "ومن الحروف المكررة، وهو الراء، وذلك أنك إذا وقفت عليه رأيت طرف اللسان يتعثر بما فيه من التكرير، ولذلك احتسب في الإمالة بحرفين". وذكر غير هؤلاء أيضاً سمة التكرير(35) بقوله: "الراء يقال لها الحرف المكرر لأنك إذا نطقت بها كنت كأنك ناطق براءين". ثم فصّل الدكتور كمال بشر هذه السمة بقوله(36): "يتكون هذا الصوت بأن تتكرر ضربات اللسان على اللثة تكراراً سريعاً. وهذا هو السر في تسمية الراء بالصوت المكرر، ويكون اللسان مسترخياً في طريق الهواء الخارج من الرئتين، وتتذبذب الأوتار الصوتية عند النطق به، فالراء صوت لثوي مكر مجهور".‏

      ج ـ الإدغام وتقارب مخارج الحروف:‏
      تشكل الحروف العربية وفق مخارج أصواتها في الفم Point d' Articulation رمزاً متقاربة فيما بينها ومتشابهة مثل زمرة حروف الحلق، فحروف الذلق، فالحروف اللثوية، فالحروف الشفوية... وعلل أبو الفتح بن جني(37): "اختلاف الأجراس في حروف المعجم باختلاف مقاطعها (أي مخارجها) التي هي أسباب تباين أصدائها". وذكر أن "بعضهم شبه الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً...، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه".‏

      وتقع الراء ضمن حروف الذلق وهي ثلاثة: "الراء، اللام، النون". وتبعاً لتقارب مخارج الأصوات ضمن كل مجموعة وضيق حيز كل منها داخل الفم، فإنه من الطبيعي أن يحدث تداخل بين هذه الأصوات، أو اختلاط بعضها ببعضها الآخر، أو حلول أحدها محل الآخر... إلخ وهذا معهود مثلاً بين الحاء والهاء، وبين القاف والكاف، وبين الضاد و الظاء، وبين السين والصاد، وبين الزاي والسين وبين التاء والطاء...، وأيضاً بين الراء واللام...‏

      قال الخليل في كتابه العين(38): "اعلم أن الحروف الذلق والشفوية ستة، وهي ر ل ن، ف ب م. وإنما سميت هذه الحروف ذلقاً لأن الذلاقة في المنطق إنما هي بطرف أسلة اللسان والشفتين، وهما مدرجتا هذه الأصوات الستة، منها ثلاثة ذلقية ر ل ن تخرج بعد ذلق اللسان من طرف غار الفم" وقال: "ولا ينطلق طرف اللسان إلا بالراء واللام والنون". ثم قال: "ثم الراء واللام والنون في حيز واحد".‏

      ذكر صاحب الصحاح(39) أن: "الحروف الذلق حروف طرف اللسان والشفة، ثلاثة ذولقية: اللام والراء والنون، وثلاثة شفهية: الميم والباء والفاء"، وقال: "ذولق اللسان والسنان طرفهما".‏

      ولا ريب في أن فقهاء اللغة في الماضي أحسوا بالعلاقة الصوتية بين هذه الحروف الثلاثة، فجمعوها تحت اسم واحد هو الحروف الذلقية Apicales. وتمتاز هذه المجموعة بوضوحها الصوتي، "فهي شبيهة بأصوات اللين، ليست شديدة لا يسمع معها انفجار وليست رخوة فلا يكاد يسمع لها حفيف الأصوات الرخوة. ولذا عدها القدماء من الأصوات المتوسطة بين الشدة والرخاوة..."(40).‏

      والتداخل بين الحروف الذلق الثلاثة كثير الوقوع في كلام العرب وأيضاً في قوافي أشعارهم، بحيث يحل حرف محل آخر. من هذا القبيل مثلاً ما يقع بين الراء والنون، وفي ذلك يقول الخليل(41): "وأما الراء فمنحرفة من مخرج النون إلى اللام لمزية دموجها في ظهر اللسان عند الكلام، ولقرب مخارجها يبدل بعضها من بعض". كذلك يكون التداخل بين اللام والنون(42)، والراء واللام... وفي ذلك يذكر سيبويه بصدد الراء، ويجاريه أيضاً ابن جني والزمخشري في أن هذا الحرف(43) من مخرج النون غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه إلى اللام". وهذا يوافق ما نعبر عنه اليوم بأنه صوت لثوي.‏

      ومن خصائص العربية على الصعيد الصوتي ندرة اقتران الراء والنون بل عدمه، بسبب تجاور مخرجيهما. وإلى ذلك يذهب اللغويون العرب(44) فيرون أنه لا تكاد الراء تكون بعد النون من غير فاصل في كلام العرب" وهذا سائد في المعاجم وسائر كتب اللغة، على حيث يكثر ذلك في الكلمات الدخيلة، من الفارسية والهندية والتركية وغيرها، مثل: نرد، نرجيلة، نرمين نردين نرفانا... ويقول سيبويه في هذا الصدد تجاه هذين الحرفين الذولقيين(45): "ولا نعلم النون وقعت ساكنة في الكلام قبل راء ولا لام، لأنهم إن بيّنوا ذلك ثقل عليهم، لقرب المخرجين". وآية ذلك أن العرب كانوا يؤثرون إدغام النون باللام، بحيث يسقطون النون من كلامهم ويقلبونها لاماً، وذلك في مثل: (إن لا، أو أن لا). فيقولون: (إلا، وألا، ولئلا) كأن نقول: انتبه، وإلا أوذيت، أو: أرجو ألا تكون مخطئاً، أو ابتعد عن رفاق السوء لئلا تعد منهم.. وعلى ذلك جنح كبار القراء في الإسلام في تلاوتهم آيات القرآن الكريم إلى هذا المنحى، أي إلى الإدغام الذي غدا عنصراً مهماً في علم "التجويد".‏

      وإذا انعطفنا من النون واللام، إلى الراء واللام، وهذه جميعاً من زمرة الحروف الذولقية، تبدت أمامنا صور مشابهة من النطق أيضاً، ولعلها أشمل في هذا الصدد، أي ضمن الظاهرة الصوتية المسماة بالإدغام. ولسيبويه أيضاً آراء سديدة ضمن "باب الإدغام" الذي يعد من أهم فصول كتابه وأدقها في مجال الصوتيات. ومن نظراته في هذا الصدد تناوله لام المعرفة، أي لام التعريف، فهي(46) "تدغم في ثلاثة عشر حرفاً، لا يجوز معهن إلا الإدغام لكثرة لام المعرفة في الكلام، وكثرة موافقتها لهذه الحروف... منها حرفان يخالطان طرف اللسان. والأحد عشر حرفاً: النون والراء، كقولك النعمان والرجل... إلخ". والأمثلة على ذلك كثيرة في كلمات لا تكاد تحصى إضافة إلى ذلك ضمن ما اصطلح عليه النحاة حول الكلمات التي تتصل بها اللام الشمسية، والكلمات المقابلة التي تتصل بها اللام القمرية... غير أن سيبويه لا يرى الإدغام بين اللام والراء مطرداً إلا مع اقتران الراء بأل التعريف أي على صعيد اللامات الشمسية، فهو يمضي في قوله: "... فإن كانت غير لام المعرفة، نحو لام (هل وبل)، فإن الإدغام في بعضها أحسن، وذلك في قولك: (هرّ أيت). وإن لم تدغم فقلت (هل رأيت) فهي لغة لأهل الحجاز، وهي عربية جائزة". ويفصل سيبويه القول في حالات الإدغام، فيأتي بأمثلة أخرى للراء مع النون في مثل: مرّ أيت، أي من رأيت، ويقول(47): "وتدغم اللام مع الراء لقرب المخرجين، لأن فيها انحرافاً نحو اللام قليلاً، فقاربتها في طرف اللسان، وهما في الشدة وجري الصوت سواء، وليس بين مخرجيهما مخرج، والإدغام أحسن". ومن أمثلة ذلك أيضاً الكلمتان الواردتان في إحدى آيات القرآن الكريم، وهي(48): (كلا بل ران على قلوبهم( فقد أثر بعض قراء المسلمين تلاوة الآية: "كلا برّان"... بإدغام اللام مع الراء.‏

      ويعيد الزمخشري فيما بعد، تناول ظاهرة الإدغام بين بعض حروف العربية فيقول(49): "والراء لا تدغم إلا في مثلها كقوله تعالى: (واذكر ربك(، وهو يؤكد ما أورده سلفه سيبويه بقوله أيضاً: "إدغام الراء في اللام جائز في مثل لام هل وبل، ويتفاوت جوازه إلى حسن، وهو إدغامها في الراء، وإلى قبيح، وهو إدغامها في النون...".‏

      وإذا كان هذا حال الراء واللام بصدد ما بينهما من "تداخل" فثمة جانب آخر يضارعه تجاه هذين الحرفين فيما يمكن أن نسميه في المقال "التبادل"، حيث نقع في لغة العرب على جوانب من كلامهم المسموع الذي ترد خلاله ألفاظ كثيرة رويت على وجهين، وجه بالراء ووجه باللام، من ذلك قولهم: رمقه ولمقه أي لحظه ونظر إليه، وربكه ولبكه أي خلطه.‏

      ويقال امرأة جلبّانة وجربانة وهي الصخابة السيئة الخلق. ويقال عود متقطل ومتقطر أي مقطوع. وقال أبو عبيدة: يقال سهم أملط وأمرط إذا لم يكن عليه ريش، وقد تملّط ريشه وتمرّط. ويقال جلمه وجرمه إذا قطعه. قال أبو علي: ومنه سمي الجلم الذي يؤخذ به الشَّعر. والتلاتل والتراتر: الهزاهز...." إلخ.‏

      كلها أصوات اتحدت في الصفة وفي الدلالة، ولكنها اختلفت في نسبة وضوحها في السمع. وهذه الأصوات يحل بعضها محل بعض، كالراء مع اللام، فإن الأولى أوضح في السمع، مع أن كلاً منهما من الأصوات المتوسطة الشبيهة بأصوات اللين"(50).‏

      على أن هذه الظاهرة في اللغة تتطلب منا وقفة متأنية، ففي كتب اللغة والغريب ثنائيات أخرى مغايرة من الألفاظ يتضمن كل منها حرفاً مجانساً بطبيعة صوته لحرف آخر، فقد أورد صاحب الأمالي كلمات كثيرة من هذا القبيل. فبصدد ما تعاقب فيه الفاء والثاء مثلاً يورد ألفاظاً عديدة مثل(51): "الدفينة والدثينة، وفلغ رأسه وثلغ رأسه، والنكاث والنكاف، واللثام واللفام، وانفجر وانثجر، والحثالة والحفالة" إلخ. كما أورد ابن جني أمثلة أخرى في هذا الصدد، منها(52): "جدث وجدف، ورجل قح وأعرابية قحة، ورجل كح وأعرابية كحة...‏

      إن تعاقب بعض الكلمات مثلاً، مرة بالثاء ومرة بالفاء بمعنى واحد أمر فيه نظر، فالمخرجان متقاربان في الفم واختلاط جرسهما معهود في الأذن، ومثل هذا كثير في ألفاظ أخرى مثل القحط والكحط، قهر وكهر، وردم ولدم. وقد يحق لنا بعد ذلك أن نشك أيضاً في صحة بعض هذه المرويات اللغوية، ونعزو هذه الظاهرة إلى آثار الجمع الأولي، والاعتباطي لمفردات العربية، حين كان العلماء ينسخون ما يتفوه به الأعراب سماعاً. وآية ذلك ما ذكره ابن جني(53) إذ قال: "إنهم قد اجمعوا في الجمع (جدث) على أجداث، ولم يقولوا أجداف. كذلك روي عن أبي زيد أن العرب تقول أعرابي قح وأعرابية قحة، وحكي في جمع قح أقحاح ولم نسمعهم قالوا أكحاح". وقد يدل هذا النص على أن كلمة جدف وكلمة كح ليستا راسختين في كلام العرب. وفي مثل هذه الأحوال كثيراً ما تختلط الأصوات المتشابهة أو المتقاربة، فلا تستطيع الأذن أحياناً أن تمايز بينهما، هذا إذا سلمنا بسلامة أسماع الرواة الجامعين، ومنهم من تقدمت بهم السن(54) غير أن هذا ليس مطرداً إلا في أحوال بعينها، فمثل هذه الازدواجية أو التعددية في اللفظ الواحد بسبب تقارب مخارج الحروف ناجم في أحيان كثيرة عن تعدد اللهجات لتعدد القبائل في مثل: قشط وكشط، فقريش تقول: "كشطت عنه جلده، وقيس وتميم وأسد تقول قشطت(55)، وفي القرآن الكريم(56): (وإذا السماء كشطت(، وفي مصحف ابن مسعود "قُشطت.." وكتب العربية حافلة بمثل هذه الثنائيات اللفظية مثل أرخ وورخ، أو أكد ووكد...".‏

      د ـ التواشج الصوتي بين الراء واللام:‏
      من الظواهر التي تتناولها الدراسات اللغوية في مجال اللسانيات والصوتيات في كلام البشر ظاهرة التبادل أو التناوب بين بعض الحروف بسبب تقارب مخارجها الصوتية، من مثل ما يكون بين الزاي والسين بوجه عام. ويكثر ذلك أيضاً في العربية بين الحاء والهاء، وبين القاف والكاف وبين الضاد والظاء وبين الراء واللام...، ولا سيما ضمن حروف الذلق.‏

      ففي كلام العرب ربد ولبد أي أقام، وركد ولكد أي لزم وسكن، ورمز ولمز أي أشار، وجرف وجلف أي قذف وأبعد، والخيزري والخيزلى...(57) ومن هذا القبيل ما أورده أبو علي القالي في كتابه الأمالي في فقرة مطولة حول ما تعاقبت فيه اللام والراء.‏


      (1) الخصائص، 1/33، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، 1952.‏
      (2) سر صناعة الإعراب، 1/6، تحقيق مصطفى السقا وآخرين. طبعة البابي الحلبي. مصر 1954.‏
      (3) مدخل إلى علم اللغة، الدكتور محمود فهمي حجازي، المقدمة، القاهرة 1998.‏
      (4) انظر مقالة حسن عباس، الحرف العربي بين الأصالة والحداثة، مجلة التراث العربي، العددان 42 ـ 43، كانون الثاني ـ نيسان. دمشق 1991.‏
      (5) انظر تفصيل ذلك في بحث عمر الدقاق "لفظ الأم وتجذر بنيته في لغات البشر" حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. جامعة قطر، العدد السابع عشر، 1415هـ ـ 1994م.‏
      (6) البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون 1/62، القاهرة 1968.‏
      (7) عامة الناس ولا سيما الأطفال في كثير من البلاد العربية يحاكون صوت الغنم هذا بلفظ (ماع).‏
      (8) عمر الدقاق، لفظ الأم وتجذر بنيته في لغات البشر.... 35.‏
      (9) همع الهوامع، 2/228، جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد بدر الدين النعساني.‏
      (10) توقف كبار اللغويين في الماضي عند هذه الظواهر الصوتية على ألسنة الناطقين بالعربية وفي هذا الصدد كتب جمّة ودراسات في القديم والحديث تكاد لا تحصى.‏
      (11) كتاب ذيل الأمالي، أبو علي القالي، 142، دار الكتب المصرية 1953، وكتاب الفرق بين الحروف الخمسة، أبو محمد عبد الله البطليوسي، تحقيق عبد الله الناصير، 187، دار المأمون للتراث، دمشق 1984.‏
      (12) الأصوات اللغوية، الدكتور إبراهيم أنيس، 235، القاهرة 1981.‏
      (13) كتاب العين 1/53، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي. ط 2، إيران 1409هـ 1989م.‏
      (14) البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، 1/65، القاهرة 1968.‏
      (15) الأصوات اللغوية، 177، القاهرة 1987.‏
      (16) انظر: علم اللغة، الدكتور محمود السعران، 187 ـ 188، دار الفكر العربي، القاهرة 1962.‏
      (17) مدخل إلى علم اللغة، الدكتور محمود فهمي حجاز، 38 ـ 39. القاهرة 1998.‏
      (18) الأصوات اللغوية، الدكتور إبراهيم أنيس، 218، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 1981.‏
      (19) استقيت هذه المعلومات من الباحث الأرمني الحلبي مهران ميناسيان.‏
      (20) انظر: الأصوات اللغوية، الدكتور إبراهيم أنيس، 224، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1981.‏
      (21) علم اللغة العربية، الدكتور محمود فهمي حجازي 199، الكويت 1973.‏
      (22) شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي، حوادث سنة 131هـ، مكتبة القدسي، مصر 1351هـ.‏
      (23) معجم الصحاح في اللغة والعلوم، مادة "الراء" أبو نصر، إسماعيل بن حماد الجوهري 1/449، تصنيف نديم مرعشلي، دار الحضارة العربية، بيروت 1974.‏
      (24) أذكر أنني قرأت لأحد الباحثين مقالة أحصي فيها عدد الراءات في القرآن فكانت 93711 ثلاثة وتسعين ألفاً وسبعمئة وإحدى عشرة مرة، ولكن فاتني ذكر عنوان المقالة واسم صاحبها.‏
      (25) "الكتاب" سيبويه، أبو بشر، عمرو بن عثمان، تحقيق عبد السلام هارون، 4/435. سلسلة تراثنا، القاهرة 1975. وأيضاً سر صناعة الإعراب لأبي الفتح عثمان بن جني، 1/68 ـ 69، تحقيق مصطفى السقا ورفاقه، طبعة عيسى البابي الحلبي، مصر 1954.‏
      (26) مدخل إلى علم اللغة، الدكتور محمود فهمي حجازي، 57 ـ 58، دار قباء، القاهرة 1998.‏
      (27) التطور النحوي للغة العربية، محاضرات برغشتراسر 26، مكتبة الخانجي، ط ثانية، القاهرة 1994.‏
      (28) في علم الأصوات اللغوية وعيوب النطق، الدكتور البدراوي زهران 332، دار المعارف، القاهرة 1994.‏
      (29) الكتاب، سيبويه، 4/435.‏
      (30) الكتاب، 4/136.‏
      (31) المدخل إلى علم اللغة، الدكتور محمود فهمي حجازي، 56، دار قباء، القاهرة 1998.‏
      (32) الكتاب، سيبويه، 4/435، وسر صناعة الإعراب، 68 ـ 69.‏
      (33) الصحاح في اللغة والعلوم، الجوهري: مادة الراء. تصنيف نديم مرعشلي، 1/449، بيروت 1974.‏
      (34) سر صناعة الإعراب، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق مصطفى الساق ورفاقه، 1/52 ـ 53، 72... القاهرة 1954.‏
      (35) الإبانة في اللغة العربية، سلمة بن مسلما لعويتبي. تحقيق الدكتور عبد الكريم خليفة، 1/84. مسقط د.ت.‏
      (36) الأصوات اللغوية، الدكتور كمال بشر، مكتبة الشباب، القاهرة 1987.‏
      (37) سر صناعة الإعراب، 1/9.‏
      (38) كتاب العين، 1/51، 52، 58.‏
      (39) الصحاح في اللغة والعلوم، مادة "ذلق" وأيضاً المفصّل في علم العربية، جار الله محمود بن عمر الزمخشري، 2/289، القاهرة، د.ت.‏
      (40) الأصوات اللغوية، الدكتور إبراهيم أنيس، 63، مكتبة الأنجلو مصرة، القاهرة 1981.‏
      (41) تذكرة النحاة، تحقيق عفيف عبد الرحمن، 25 مؤسسة الرسالة، بيروت 1986. ورد ذلك بإسناد عن طريق الليث بن المظفر عن الخليل.‏

      (42) يكثر استعمال النون في العربية، ولا سيما التنوين في الأسماء، وهو أنواع عند النحاة. وبعض العرب كانوا يقلبون اللام نوناً فيلفظون لعلّي: لعنّي. كما ورد في أمالي القالي وسواه (2/134)، ومن هذا القبيل ما نسمعه اليوم لدى سكان حوض الفرات غربي العراق وشرقي سورية وبعض أهالي حلب وصعيد مصر من قلب اللام نوناً، أو النون لاماً في لهجاتهم المحلية كقولهم: اسماعين، منيح، نيرة، برتقان، بدل إسماعيل، مليح، ليرة، برتقال. أو كقولهم عكس ذلك: أنتيل، كمبيالة، بدل فنجان، أنتين، كمبيانة.‏

      (43) سر صناعة الإعراب، ابن جني، تحقيق السقا، 1/52 ـ 53. مصر 1954.‏
      (44) تاج العروس، الزبيدي، مادة (نرس): "وليس في الكلام نون فراء بلا فاضل". وفي القاموس، مادة نرش: ليس في كلامهم راء قبل نون".‏

      (45) الكتاب، 4/456، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة 1975.‏
      (46) الكتاب، 4/457.‏
      (47) الكتاب، 4/448 ـ 452.‏
      (48) سورة المصففين، الآية 14.‏
      (49) المفصل، الزمخشري، جار الله محمود عمر، 2/295، شرح محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، د.ت.‏
      (50) في اللهجات العربية، الدكتور إبراهيم أنيس، 189.‏
      (51) كتاب الأمالي، أبو علي القالي، 2/3، دار الكتب المصرية 1926.‏
      (52) سر صناعة الإعراب، 1/250، 251، 278، 280.‏
      (53) سر صناعة الإعراب، 1/280 ـ 278.‏

      (54) لمزيد من التوسع يمكن الرجوع إلى كتاب "أبو علي القالي ومنهجه في البحث واللغة". الدكتور عمر الدقاق 184، منشورات دار الشرق، حلب 1977.‏

      (55) كتاب الأمالي، أبو علي القالي، 2/135، وسر صناعة الإعراب، 1/278.‏
      (56) سورة التكوير، الآية 11.‏
      (57) أورد الدكتور إبراهيم أنيس هذه الألفاظ وسواها في كتابه اللهجات العربية، 189، القاهرة 1980.‏

      [align=center]يتبع [/align]
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

    • #2
      قال الأصمعي([1]): "لثدت القصعة بالثريد وقد رثدت. ويقال هدم ملدّم ومردّم أي مرقع، وقد ردم ثوبه أي رقعه، قال عنترة:
      هل غادر الشعراء من متردم= أم هل عرفت الدار بعد توهم
      وهدل الحمام يهدل هديلاً، وهدر الحمام يهدر هديراً. وطلمساء وطرمساء للظلمة. ويقال للدرع نثلة ونثرة إذا كانت واسعة...".

      وذكر أبو حاتم السجستاني([2]) أنه "قيل لعيسى بن مريم : ابن العذراء البتول. والبتيل أيضاً المنقطعة إلى ربها. ويقول ابن المناذر: ويقال البتور أيضاً، ويقال انبتلت وانبترت إلى ربها".

      وبسبب هذا التشابه اللفظي، ومن منطلق التقارب النطقي، أطلق الرسول محمد (r) على الشاعر الجاهلي زيد الخيل اسم (زيد الخير) حين أتاه معتنقاً الدين الجديد بين يديه، فقد سرّ به الرسول وقال له: "إنما أنت زيد الخير". على عادته في مثل هذه الأحوال([3])، حين كان يقلب بعض أسماء صحابته من مثل عبد شمس وعبد العزى ونحوهما إلى عبد الله أو عبد الرحمن... وإنه لتحوير جميل من الخيل إلى الخير.

      ومثل هذا التداخل أو التبادل بين صوتي الراء واللام كان يحدث في الشعر كحدوثه في الكلام، ومن أمثلته البارزة ما أورده الخليل الفراهيدي في معجمه من قول الراجز([4]):
      أعددت من ميمونة الرمح الذكر = بحربة في كف شيخ قد بزل
      فاختلاف روي إحدى القوافي عن سائرها في القصيدة الواحدة يسميه العروضيون (الإكفاء)، ويعدونه من عيوب النظم. على أن ذلك لا يعد في نظرنا خطيراً على الصعيد الصوتي لتقارب مخرجي الحرفين في النطق، وهو يتيح لنا أن نقول أن العرب في كلامهم وسائر منثورهم ومنظومهم قد لا يشعرون بمثل هذا الفارق الصوتي الضئيل، أو لا يعونه كل الوعي، أو ربما كانوا أحياناً يعونه ويرتضونه من قبيل الترخص دون أن يجدوا فيه حرجاً، وكأن الراء واللام سيّان لديهم.

      على أن العامة ـ بالإضافة إلى الأسباب المذكورة ـ كثيراً ما تقلب الراء لاماً لأن نطق اللام أيسر على اللسان، على حين يصبح نطق الراء صعباً، وقد يكون من هذا القبيل قولهم "صلخد" بدلاً من "صرخد" وهو اسم بلدة جنوبي دمشق.

      وهذا المنحى يكثر في كلام العرب بصدد نطق الألفاظ الأجنبية أو الدخيلة، فقالوا (لذريق) لعظيم الروم بدلاً من (رودريك). وللسبب نفسه وهو الاستسهال ما كان يتردد على ألسنة بعض العامة في مدينة حلب حين يقولون (خليف) بدلاً من خريف، وقولهم أيضاً تحول اسم طبيب أجنبي كانوا يسمونه (الملكاني) أي الأمريكاني... وقد يعمد الناس، على قلة، إلى العكس أي إلى قلب اللام فيقولون (يا ريت) بدلاً من يا ليت، أو (بركون) بدلاً من بلكون أو (بنطرون) بدلاً من بنطلون...

      هذا وأمثاله كثير الوقوع في ألفاظ العربية فصيحها وعاميها. ويبقى التساؤل قائماً تجاه الكثير من الألفاظ المتوارثة المذكورة، وهو: إلى أي مدى نستطيع أن نعد الكلمات المتضمنة حرف الراء، ومرادفاتها المماثلة التي تتضمن حرف اللام أصيلتين. وإذا جنحنا إلى القول بوجود أحدهما فحسب، إما الراء وإما اللام، فأيهما الأصيل، وأيهما الطارئ؟ هذه مسألة تكاد تكون مستعصية، وقد يصعب حسمها.

      ومهما يكن من أمر فالحقيقة الباقية من الوجهة الصوتية تتجلى في تآخي حرفي الراء واللام على الألسنة حتى ليبدوان كأنهما أخوان توءمان:

      هـ ـ مخرج الراء وقضية التلاؤم والتنافر:

      وإذا تتبعنا هذه الظاهرة الصوتية من منطلق المقارنة بين نمطين من أنماط القول، وهما الأدب التراثي الفصيح والأدب الشعبي المحكي، وعمدنا إلى رصد الأمثال والأزجال ونحوها في لهجات العرب المعاصرة، بدت لنا ظاهرة التواشج بين الراء واللام حية مستمرة في كلام الناس، دائمة التردد على ألسنتهم. فمن مأثور أمثال العامة أن "الولد إذا بار فثلثاه للخال"، وفي هذا القول إعلاء لشأن الأم ومنزلة الأخوال في حياة الأسرة والمجتمع. ومثل ذلك أيضاً مقولتهم الشائعة بصدد اختيار الزوجة الصالحة: "خود الأصيل ولو عالحصير". ومن أمثلة تآخي اللام والراء، فيما يعد من قبيل السجع في الكلام، تسمية أهل حلب لصنف من الحلو، معروف لديهم، هو "كول وشكور" أي كل واشكر. ومن هذا القبيل عبارات مشابهة على هذا الصعيد أورد خير الدين الأسدي نماذج طريفة منها خلال موسوعته الفريدة عن حلب، يقول([5]): "من تهكماتهم: لو كان في الشعر خير، ما طلع على دناب الخيل" وهذا لسان حال الأقرع يقلل من أهمية الشعر في الرأس.... ومن أشعار الترقيص الذائعة عند العرب قديماً قول أعرابية تتباهى بكون ابنها ذكراً لا أنثى:
      الحمد لله الحميد الغالي = أنقذني العام من الجواري
      كذلك صدرت عن الأمهات العربيات نماذج ما زالت متداولة في بعض الأوساط الشعبية ولا سيما في الأرياف العربية، كقول الأم لولدها وهي ترقصه بجذل([6]):
      حج الله يا حجيج الله = دبس وسمنة بالجرة
      ويضيف الأسدي إلى ذلك أمثلة مما تنشده الأم العربية لوليدها، بنبرات موقعة بقصد هدهدته وإلهائه وهي منهمكة في إعداد الكبة، داعية له بطول العمر. يقول([7]): "ومن مناغاة أماتهم:
      كبيبة كبه حرير = كبيبه عمرك طويل
      ومن الملاعبات في حياة الناس الاجتماعية خلال أسمارهم رغبة في التسلي والمضاحكة قول الأسدي في موسوعته([8]): "ومن معاظلاتهم، قولهم: خيط حرير على حيط خليل". ومن أبرز الأمثلة المتوارثة التي تتردد على ألسنة الناشئة أيضاً بقصد الملاعبة هذا البيت المكتظ بالراءات الذي أورده قديماً اللغويون العرب([9]):
      وقبر حرب بمكان قفر = وليس قرب قبر حرب قبر
      وقد قال الجاحظ في صدده "ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض لاستكراه". وقائل هذا البيت السائر مجهول. وذكر الأقدمون أن العرب جعلوه من أشعار الجن، لأنه لا يتهيأ لأحد أن ينشده ثلاث مرات ولا يتتعتع". وقد عزا ابن جني([10]) ذلك إلى ظاهرة التلاؤم والتنافر بين أصوات الحروف، وأن سبب التنافر ما ذكره الخليل من البعد الشديد والقرب الشديد. وذلك كما يرى الرمّاني([11]): "أنه إذا كان بَعُدَ البعد الشديد، كان بمنزلة الطفر. وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد". فقد جعل المعيار في ذلك جمالياً يقوم على الحس السليم والذوق المرهف.

      ولابن سنان الخفاجي، وهو التلميذ الحقيقي لابن جني قول طريف في هذا الموضوع، إذ يقول بصدد صفات اللفظة الفصيحة([12]): "أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج. وعلة هذا واضحة، وهي أن الحروف التي هي أصوات، تجري من السمع مجرى الألوان من البصر. ولا شك في أن الألوان المتباينة إذا جمعت، كانت في المنظر أحسن من الألوان المتقاربة. ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر، وبعد ما بينه وبين الأسود".

      و ـ اللثغ في الراء بين عيوب النطق:
      وقد عرف العرب قديماً، دون سائر الأمم، بأنهم أمة فصاحة وبلاغة. وكانوا في أغلبهم أمة أمية تتجلى قدراتهم ومواهبهم في الخطابة والشعر، وهما أبرز فنون القول عندهم.
      ومعلوم أن إلقاء الخطب وإنشاد الأشعار يرتكزان إلى ظاهرة صوتية واحدة تتبدى في الأداء والنطق. وكان العرب يولون سلامة النطق وحسن الأداء عناية فائقة، باعتبارهما أساس الفصاحة وعماد البلاغة. فقد كرهوا اللثغة والفأفأة والتأتأة والحبسة والحصر وغير ذلك مما يشين الكلام ويسيء إلى المقام. حتى إن بعضهم قد يعمد إلى تطليق امرأته حين يتبين له أنها لثغاء، مخافة أن تجيئه بولد ألثغ([13]). ولهذا كانوا يعيّرون الخطيب إذا لحن، والمتكلم إذا لم يكن سليم الأداء. وتبعاً لذلك غدا للإبانة والإفصاح ولمسائل اللحن وعيوب النطق حيز واسع في أمهات كتب اللغة والأدب، من مثل ما تناوله الجاحظ وابن قتيبة وابن السكيت والقالي والسيوطي...

      واللثغة بالضم، تحول اللسان من السين إلى الثاء، أو من الراء إلى الغين أو اللام أو الياء، أو من حرف إلى حرف، أو أن لا يتم رفع لسانه وفيه ثقل"([14]).

      واللثغة بالإجمال عجز الإنسان عن نطق حرف من الحروف، أو عدم إخراجه من مخرجه الخاص به، بل مما يجاوره أو يغايره، بحيث ينطق بحرف آخر عوضاً عنه. واللثغ بفتحتين هو مصدر للفعل لثغ، وهو مرض يعتري جهاز النطق، على غرار العمى والصمم والبكم... ونستنتج من ذلك أنّ اللثغ يعرض للحروف الأصعب نطقاً مثل السين والراء والضاد والقاف... على حين لا يصيب الحروف اليسيرة النطق كالحروف الشفوية الميم والباء والفاء والنون...

      ويعقوب الكندي في رسالته عن اللثغ يفصل القول في هذه الظاهرة اللسانية ويعزوها إلى أسباب فيزيولوجية لدى الإنسان فيقول([15]): "واعلم يا أخي أن اللثغة إنما تعرض من سببين: إما لنقصان من آلة النطق، وإما لزيادتها. فلا تقدر على تسريح الأماكن الواجبة للنطق، مثل مقاديم الأسنان وجميع الأماكن الواجبة للنطق. فأما الحروف التي تعرض فيها اللثغة من قبل زيادة العضو فهي السين والصاد والجيم والزاي والشين...". وقد اختلفت عدد الحروف التي يقع فيها اللثغ عند اللغويين العرب السالفين. فعلى حين اقتصرت عند الجاحظ على أربعة أحرف هي القاف والسين واللام والراء([16])، جعلها الكندي خمسة، كما رأينا. ثم بلغت عند ابن الأنباري ستة أحرف، هي([17]): "السين، والقاف والكاف واللام والراء وقد تكون في الشين".

      لقد حظيت اللثغة باهتمام بالغ في أوساط البحث والتأليف إبان القرنين الثاني والثالث للهجرة. وتجاوز هذا الاهتمام فئة اللغويين إلى الشعراء والكتاب وسائر المؤلفين. ومن هذا القبيل قول أبي حاتم السجستاني([18]): "وأما اللثغ فمعيب: وصاحبه معذور، لأنه ممنوع من الراء... وأما أنا فلا أحب الصلاة خلف القبيح اللثغ لأنه يقول (إياه) وهو يريد الله ... وإن صليت رجوت أن تكون صلاة جائزة إن شاء الله، لأن اللثغ في ألسنة الفصحاء ومولدي البادية. وليس جعل الخاء هاء والحاء هاء في ألسنتهم، إنما هي في ألسنة الأعاجم". فأبو حاتم يستدرك على حكمه العام، فيأبى لثغة الأعاجم في الصلاة، ويتقبل على مضض لثغة العرب".

      وإذا كان العرب قديماً قد استهجنوا اللحن واللثغ بوجه عام في هذا الصدد، إلا أنهم اغتفروا ذلك في بعض الأحوال لدواع تتصل بالطرافة أو التظرف، وإلى مثل ذلك أشار الشاعر إلى إحدى القيان([19]):
      منطق صائب، وتلحن أحيا = ناً، وأحلى الحديث ما كان لحنا
      أما اللثغة، فكانت أيضاً متقبلة بل مستملحة من أفواه الجواري، والغلمان، ولا سيما الأعاجم منهم. ومن قبيل التماجن يقول أبو نواس في غلام ألثغ([20]):
      وابأبي ألثغ لاججته = فقال في غنج وإخناث
      لما رأى مني خلافي لـه = كم لقي (الناث) من (الناث)
      نازعته صهباء كرخية = قد حلبت مِن كرم حرّاث
      إبريقنا منتصب تارة = وتارة مبترك جاثي
      وعلى هذا الغرار من خفائف الأشعار استملح أبو نواس اللثغة أيضاً من فم ساق مليح يميس ويتثنى في مشيته، وقد انقلبت السين في كلامه ثاء([21]):
      وشادن مر بنا ضحوة = سكران من خمرة حرّاث
      يميل في المشي لدى سكره = كأنه نرجس جثجاث
      فقلت: جد لي، إنني هائم = يا ساحراً قلبي كنفّاث
      فقال لي: أنت فتى مائق = ويحك، ما أنت من الناث
      إلى مثل هذه الأبيات عمد الشاعر الماجن، وهو في حالة من السكر، محاولاً تقليد ساقيه الألثغ فراح ينادي، "أين الكاث والطاث....([22])".
      وشادن قلت لـه ما اسمكا = فقال لي بالغنج: (عباث)
      فصرت من لثغته ألثغا = فقلت: أين "الكاث والطاث"

      ومثل هذه الظواهر الأدبية والاجتماعية شاعت في حياة الناس وأسمارهم في إبان العهود العباسية، ولا سيما في معرض التفكه والتماجن، ورويت في هذا الصدد أخبار وأشعار حول التغزل بالغلمان ومنادمة الخصيان. وكان من ذوق ذلك العصر أن يكون الغلام الذي يستهتر به أغنّ الصوت، غناجاً، ألثغ السين..([23]).

      ومن هذا القبيل أبيات ابن الوردي في فتاة لثغاء([24])، وتصح قراءتها على وجهين:

      لثغة من أهواه من حسنها= عندي على الوجهين محمولـه
      قلت: سهام الطرف منسولة = لرمي قلبي قال منثولة
      قلت سيوف الصبر مسلولة = عليك مني، قال مثلولة

      ز ـ أوجه اللثغة بالراء:

      أما اللثغة بالراء، فكانت موضع اهتمام الجاحظ في "البيان والتبيين". وقد استهل كتابه الكبير بالكلام على عيوب النطق، وذكر أنواعاً من اللثغ في بعض الحروف، وانتهى إلى أن اللثغة بالراء أشهرها وأشيعها على الألسن. وفي ذلك يقول([25]): "وأما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام". ثم يفصّل القول على صعيد الراء نفسها، فيرى فيها أنواعاً تعرض لبعض من ينطقونها، "لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف". ثم يبين أن منهم من يجعل الراء "ياء"، ومنهم من يجعل الراء (ذالاً) أو (ظاء). وأتي بمثال من شعر عمر بن أبي ربيعة في قوله([26]):
      ليت هنداً أنجزتنا ما تعد = وشفت أنفسنا مما تجد
      واستبدت مرة واحدة = إنما العاجز من لا يستبد
      فيذكر أبو عثمان أن بعضهم يلفظ كلمة مرة (مية)، أو (مغة)، أو (مذة)، أو (مظة). أي أن انحراف مخرج الراء من اللسان يجعل نطقها ياء أو غيناً أو ذالاً أو ظاء...

      ولكن الجاحظ ـ فيما نرى ـ فاته أن يذكر حالة أخرى من اللثغ، وهي نطق الراء (لاماً). وعلى ذلك من المفيد أن نضيف إلى حالات اللثغ الأربع عند الجاحظ حالة خامسة، وهي نطق الراء لاماً، حين يلفظ الألثغ كلمة مرة في بيت عمر (ملة)([27]). وقد ذهب أبو حاتم السجستاني إلى مثل ذلك ـ وهو معاصر لأبي عثمان الجاحظ إذ قال([28]): "... فمن اللثغ من يجعل الراء غيناً فيقول في سرير (سغيغ)، ومنهم من يجعلها لاماً فيقول (سليل)، ومنهم من يجعلها ياء ويجعل اللام أيضاً ياء...". على أن أبا حاتم يضف إلى ما ذكره حالة أخرى من اللثغ بقوله: "وقد رأيت من يهمز كل راء، ولا يقدر على ذلك"، إلا أنه لا يمثل لهذه الحالة بلفظ ما ولا يورد الحرف البديل المنطوق.

      وما تقدم في هذا الصدد يعني أن ثمة أوجهاً ستة وربما أكثر من ذلك لنطق الألثغ في حرف الراء. وعندئذ يمكننا تلاوة بيت عمر ذاك وأمثاله أيضاً على هذا الغرار, ولا سيما البيت الذائع على ألسنة الناشئة والمتأدبين، وهو جدير بأن يزيدهم إطرافاً ومتعة:

      أمر أمير الأمراء = بحفر بئر في الصحراء

      أما اللثغة في الراء حين تلفظ (ظاء)، أي (مظة) بدلاً من مرة فهي اللثغة الأندر، في حدود علمنا. ولم نقع في هذا الصدد على شيء من كلام العرب، منظومه ومنثوره تتبدى فيه هذه الظاهرة اللفظية. على أن هذا لا يحول دون وجودها في كلام بعض الناس، مهما يقلوا. وأغلب الظن أنها لثغة قبيحة تعيب صاحبها. أما نطق الألثغ للراء ذالاً فقريب من نطقها (ظاء)، وهي لثغة مخففة من سابقتها، وتعد أيضاً قبيحة.

      واللثغة الأخرى هي نطق الراء (ياء) كما ذكر الجاحظ، بحيث تلفظ (مية) بدلاً من مرة. وهي أشيع من السابقة، وتكثر عند الأطفال. وفيها يقول سيبويه([29]): "وهي من موضع اللام، وقريبة من الياء. ألا ترى أن الألثغ يجعلها ياء...". وهي أقل قبحاً، في رأينا، من سابقتها الظاء والذال، ويعاب أيضاً من يلثغ بها...

      وأما نطق الراء غيناً، أي في مثل قول الجاحظ (مغة) بدلاً من مرة في بيت عمر بن أبي ربيعة أيضاً، فهي لثغة شائعة، وتكثر بطبيعة الحال عند الأطفال، لصعوبة نطق الراء لديهم أيضاً". والراء عند الطفل يغلب أن تكون لهوية، وهذا سبب قربها من الغين لتقارب مخرجيهما([30]). وعندئذ يحدث اللثغ. وعلى الصعيد الذوقي، ومن المنظور الجمالي يتراءى لنا أن هذه اللثغة الماثلة بصوت الغين أقل قبحاً من سائر اللثغات في الراء. والجاحظ يقرر ذلك بقوله([31]): "واللثغة في الراء تكون بالغين، والذال والياء. والغين أقلها قبحاً، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم". ويبدو أن هذه اللثغة أقل تمكناً من لسان الألثغ، بحيث يستطيع تفاديها أحياناً بقدر من الرياضة والمران. وإلى ذلك يشير الجاحظ أيضاً فيضرب مثلاً محمد بن شبيب المتكلم الذي كانت لثغته بالغين، "فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه، أخرج الراء"([32]).

      وقد تكون لثغة الراء الغين أكثر دوراً على ألسنة البنات مما هي على ألسنة البنين. وهي في أية حال تنطوي على قدر من الملاحة، ولا سيما إذا صدرت عن المرأة الشابة أو الحسناء، وعندئذ تغدو سائغة محببة. وقد ذكر الجاحظ أن العرب([33]): "كانوا يستملحون اللثغاء إذا كانت حديثة السن، ومقدودة مجدولة". وبوسعنا أن نستشهد على ذلك بأبيات لأبي نواس أيضاً بصدد اللثغة المحببة بالراء، حيث قال في فتاة موصلية لثغاء([34]):

      لقد فتنتني لثغة موصلية = رمتني في تيار بحر هوى اللثغ
      تقول وقد قبلت واضح ثغرها = وكان الذي أهوى ونلت الذي أبغي
      (تغفق، فشغب الخمغ من كغم غيقتي = يزيدك عند الشغب سكغاً على سكغ)

      وحقيقة البيت الأخير الذي لفظت الفتاة راءاته ملثوغة:
      ترفق، فشرب الخمر من كرم ريقتي = يزيدك عند الشرب سكراً على سكر
      وخير الدين الأسدي في كلامه على حرف الراء ضمن اللهجات العربية المعاصرة، فطن إلى هذه الظاهرة الصوتية التي استملحها أبو نواس في كلام فتاته الموصلية، ثم ذهب إلى "أن لهجة الموصل تلفظ الراء غيناً، فتقول في صورة (صوغة)، تشبه في هذا لهجة باريس"([35]). غير أن هذا الحكم في رأينا يقوم على التعميم، وربما ينطبق على بعض كلام الموصليين السالفين. ولا نعتقد أن هذه اللثغة تشكل ظاهرة شاملة لسكان الموصل([36]). يضاف إلى ذلك أنه لم يسمع عن العرب قديماً من خلال لهجاتهم، أن قرية أو قبيلة كانت لديها لثغة تعم أفرادها، إذ اللثغ ظاهر فردية يصاب بها المرء بسبب علة فيزيولوجية عارضة تعتري جهاز النطق لديه.

      ومهما يكن من أمر فإن اللثغة بأنواعها لم تكن محببة عند العرب، وآية ذلك كما بينا أنها معدودة من عيوب النطق. وهذا أيضاً هو الشأن لديهم بصدد تحول الراء إلى غين. لقد عمد ابن الوردي إلى ذم بعض القضاة، معرّضاً بجهلهم أو فسادهم، وأحياناً بلثغتهم التي تشين فصاحتهم، فقال([37]): "راؤه غين، ومنطقه شين. إذا سبّح الرب، ما تدري أسبّح أو سب". ثم أنشد هذه الأبيات:

      الألثغ الطاغي تولى القضا = عدمت هذا الألثغ الطاغي
      إن سبّح الرب حكى سبه = فقال سبحانك يا (باغي)
      يريد: يا باري

      ولابن الوردي أبيات أخرى عديدة تجعله من الشعراء المكثرين إلى حد ما في هذا الصدد([38])، ومنها أيضاً وصفه فتى ألثغ أو فتاة لثغاء، على سبيل التفكه، وهو يمهد لأبياته بقوله([39]): قلت في ألثغ يجعل الراء غيناً، ويصح بالوجهين:

      ألثغ بالراء زار بيتي = فجاءنا حاسد وأصغى
      قلت أفق فالحسود برّا = قال أفق فالحسود بغّا([40])
      وهو يروي يا باري.

      ويفضي بنا ما تقدم من الكلام على أنواع اللثغة في الراء إلى نوع مشهور وشائع على الألسنة، وهو نطقها لاماً.

      لقد طلع الخليل وسيبويه بمعلومة صوتية مهمة تناولها من بعدهما كثير من فقهاء العربية بالتعليق، ولم يقبلها بعضهم على إطلاقها([41])، وهي أنه "كلما تباعدت مخارج الحروف ازدادت حسناً". فمع أن الراء واللام من زمرة صوتية واحدة، إلا أنهما متمايزتان في سماتهما الفونولوجية. "فالراء صوت غير جانبي، على حين أن اللام جانبية. كما أن الراء تقابل اللام على الصعيد الفونولوجي([42]). وهنا تكمن صعوبة نطقها كيلا تنطق لاماً، وينطبق الأمر نفسه على أحرف أخرى، من مثل ما يكون في صوت القاف المجاور للكاف، وصوت الحاء المجاور للهاء، وصوت الصاد المجاور للسين، والطاء المجاور للتاء...، بحيث يصعب على الكثيرين أيضاً، ولا سيما غير الناطقين بالعربية أن ينطقوها، فيجنحون بها إلى الأسهل، وإذ ذاك تخرج القاف من أفواههم معدولة إلى الكاف، والحاء إلى الهاء والصاد إلى السين والطاء إلى التاء... ومرد هذه الصعوبة في تمييز نطق الراء من اللام إلى عجز المتكلم عن التحكم الدقيق في هذا الحيز الضيق من الفم. وعندئذ لا يصدر الصوت المطلوب من مخرجه بل من جواره فيخرج لاماً، شأن الماء يسيل نحو الصعيد الأخفض.

      كل هذا يعيدنا إلى وجود هذه الظاهرة لدى الطفل بوجه عام، وفي أي أمة من الأمم، حين لا يستطيع نطق الراء فتخرج من فمه لاماً... "واللام لا تحتاج إلى جهد عضلي كبير"([43])، مثل قوله (نْهل، ولدة، لاديو، صولة، دفتل، عصفول). ويقصد: نهر، وردة، راديو، صورة، دفتر، عصفور...

      وما تقدم ذكره ينقلنا إلى أهل الصين صغاراً وكباراً، حيث لا وجود في لغتهم لحرف الراء أصلاً. ولما كان الإنسان يكتسب لغته، بحروفها وأدائها، من محيطه الخارجي بطريق السماع، بدءاً من الأم والأسرة ثم سائر الناس، فإنه من الطبيعي أن لا يستطيع الصيني نطق الراء في سائر اللغات الأخرى. وقد أتيح لي وأنا أدرس العربية في بكين وشنغهاي([44])، أن ألمس هذه الظاهرة الطريفة والفريدة من كثب، حين كان الطلاب والطالبات يقرؤون النصوص العربية. ويقلبون كل راءات الكلمات فيها لامات. وكانوا يلفظون الأسماء عمر، رشيد، مريم... هكذا: (عمل، لشيد، مليم...)، كما لفظوا "الجمهورية العربية السورية: "الجمهولية العلبية السولية". وقد دأبت على محاولة تمكين أولئك الدارسين من نطق الراء من خلال كلمات عديدة اخترتها، ولكن معظمهم أخفق في ذلك، على حين استطاع بعضهم النطق المنشود بعد لأي.

      فهل بوسعنا، في ضوء ما تقدم أن نقول إن ما يقارب خمس سكان العالم، أي أكثر من ألف مليون من المتكلمين باللغة الصينية هم لثغان([45])؟.

      ح ـ لثغة واصل بن عطاء:

      وعلى صعيد التراث العربي الحافل يواجهنا في هذا الصدد نموذج إنساني فريد عرف بلثغة أخرى، ولكنها مجهولة لا تعرف ماهيتها ولا يعرف نوعها، وهي تبعاً لذلك مغايرة للمعهود من حيث خفاؤها على الناس. إنها لثغة واصل بن عطاء المعتزلي. والجاحظ يقف وقفة متأنية عند ظاهرة اللثغة في الراء، ولا سيما عند واصل، وذلك في مواضع متعددة من كتابه "البيان والتبيين". إنه لا يبين طبيعة هذه اللثغة ولكنه يصفها في كل مرة بصفات سلبية حادة كأن يقول([46]): "وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها. وكان طويل العنق جداً([47])....".

      وبوسعنا القول إنه كان لواصل أثر واضح في تسليط الضوء لغوياً واجتماعياً على هذه الظاهرة الصوتية في الكلام. وابن عطاء هو من هو بين رجال عصره منزلة وفضلاً([48]). كان فطناً ذكياً راجح العقل حاضر البديهة، واسع الحيلة، كما كان خطيباً بليغاً. لكنه كان مصاباً بلثغة قبيحة تقع له في حرف الراء. فهاله الأمر، وعزم على أن يروض نفسه على مجانبة الراء والتغلب على هذا العيب واجتثاث الداء من أصله. وقد أوضح لنا الجاحظ حالته تجاه هذه العلة ببيانه المشرق فقال([49]):

      "ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل، وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى إتمام الآلة، وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج، وجهارة المنطق، وتكميل الحروف، وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الفخامة والجزالة، وأن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى إليه الأعناق، وتزين به المعاني...، ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة، رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله، ويساجله، ويتأتى لستره، والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمّل...".

      وكان واصل قد دعي لإلقاء خطبته على الملأ في حفل جامع ضم صفوة القوم، أقامه والي العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فقد حضر المجلس سادة المفوهين والبلغاء، وفي طليعتهم ثلاثة من أعلام الخطابة وأرباب الفصاحة، هم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى([50]). وشرع كل واحد يلقي خطبته، وكان واصل بن عطاء أخرهم، فارتجل خطبته العتيدة وسط دهشة الحاضرين وإعجابهم([51]). قال:

      ط ـ خطبة واصل التي جانب فيها الراء:

      "الحمد لله، القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلق على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعدّ له اصطناعاً، فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته. وذلّ كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل لـه، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يُعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية، وصدق طوّية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضياً على سنته، موفياً على قصده، حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل وأعلى، صلاة صلاّها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد.

      أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معادٍ. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول. فكم عاينتهم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلواً، ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد. قبضتهم بمخلبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقاً، ومن العز ذلاً، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا تعاين إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم أحداً ولا تسمع لهم نبساً.

      فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله، الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.

      أعوذ بالله القوي، ومن الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

      نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. أقول ما به أعظكم، وأستعتب الله لي ولكم.

      ي ـ أصداء الخطبة:

      كان لخطبة واصل بن عطاء، فيما تروي لنا كتب الأدب والأخبار، دوي في أوساط الشعراء والمتأدبين، وتعدت هؤلاء إلى سائر الناس. وكان ذلك اليوم بمنزلة المباراة بين خطباء العصر، وقد تفوق واصل عليهم جميعاً. وكما قال الجاحظ([52]): "كان واصل مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم".

      وما يجدر قوله إن أهمية خطبة واصل التي جانب فيها الراء لا تنبع من مضمونها ومعطياتها المعرفية والدينية وما إلى ذلك. إنها على هذا الصعيد خطبة كسائر الخطب المعهودة في عصر الراشدين والأمويين، وفيها شبه كبير بخطبتي عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك([53])... غير أن أهميتها تتجلى في بنيتها اللفظية وسمتها الأسلوبية، وكونها مرتجلة تدل على اقتدار صاحبها في امتلاك ناصية اللغة، وتمكنه من معطياتها التعبيرية، من قوة بديهة وحسن أداء... وكل ذلك أكسبها قيمة فنية وقيمة تاريخية، بحيث غدت قطعة نثرية بالغة الطرافة والتفرد في الأدب العربي.

      وقد نجم عن خطبة واصل كثير من منظوم الكلام ومنثوره، لم يخرج في جملته عن مشاعر الإعجاب والتقدير. من مثل وصف الشاعر صفوان الأنصاري ما حدث في ذلك اليوم المشهود إذ قال من قصيدة([54]):

      فسائل بعبد الله([55])في يوم حفله = وذاك مقام لا يشاهده وغد
      أقام شبيب وابن صفوان قبله = بقول خطيب لا يجانبه القصد
      وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل = فأبدع قولاً، ما له في الورى ند
      فما نقصته الراء إذ كان قادراً = على تركها، واللفظ مطرد سرد
      ففضل عبد الله خطبة واصل = وضوعف في قسم الصِّلات له الشكد([56])

      ويعد بشار بن برد في طليعة المادحين لواصل والمشيدين بنبوغه، وذلك بطبيعة الحال قبل أن يختلف معه في مسائل من صلب عقيدة الإسلام، فانقلب عليه وهجاه. فقد أفعمت نفس بشار إعجاباً بواصل، ونظم أشعاراً عديدة ينوه فيها بفضله ويعلي من بداهته وقدرته على الارتجال، ومفضلاً إياه على أنداده([57]):

      أبا حذيفة، قد أوتيت معجبة = من خطبة بدهت من غير تقدير
      تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا = وحبروا خطباً ناهيك من خطب
      فقام مرتجلاً تغلي بداهته = كمرجل القين لما حف باللهب
      وجانب الراء لم يشعر به أحد = قبل التصفح والإغراق في الطلب

      وإذا خرجنا من نطاق خطبة واصل إلى دائرة أرحب في حياته، وحرصه المستديم خلالها على مواجهة اللثغة في الراء، بدا لنا مدى اهتمام العديدين بدراسة هذه الظاهرة الصوتية لديه. ومن هذا القبيل قول الجاحظ([58]): "وكان واصل إذا أراد أن يذكر البُر قال القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية...". وهذا ما قاله أيضاً ضرار بن عمرو شعراً، وبقدر من الزيادة([59]):

      ويجعل البر قمحاً في تصرفه = وجانب الراء حتى احتال للشّعر
      ولم يطق مطرا والموت يعجله = فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر

      وحدث أن وقعت القطيعة بين ابن عطاء و ابن برد حين "صوّب بشار رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول r([60]). وعندئذ ضاق واصل ذرعاً به وقال غاضباً([61]): "أما لهذا الأعمى الملحد المشنَّف، الملقب بأبي معاذ من يقتله؟ أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزلـه، وفي يوم حفله". فلم يقل: بشار وابن برد، وقال المشنف بدلاً من المرعث، والملحد بدلاً من الكافر، وقال الغالية بدلاً من المنصورية والمغيرية، (وهما من غلاة الشيعة).. وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه ولم يقل لأرسلت إليه من يبقر بطنه على فراشه... وبذلك تجنب الراء في كل كلامه.

      ويبدو أن بعض الشباب كان يطيب لهم أحياناً أن يتحرشوا بابن عطاء بدافع الفضول وبقصد امتحانه أو إحراجه والتندر بعاهته، إذ ليست مجانبة الراء في الكلام بالأمر الهين، ولا سيما أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على الألسنة، فكان واصل شديد الحرص على ألا يقع في شركهم. ويروى أن نفراً من هؤلاء دفعوا إليه رقعة ليقرأها عليهم، وفيها([62]): "أمر أمير الأمراء الكرام أن تحفر بئر على قارعة الطريق فيشرب منها الصادر والوارد". فقرأ واصل على الفور: "حكم حاكم الحكام الفخام أن ينبش جب على جادة الممشى، فيستقي منه الصادي والغادي". وكان واصل إذا أراد أن يقول أعوذ بالله القوي من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يقول: "أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، باسم الله الفاتح المنان".

      وكان طبيعياً لدى معاصري واصل بن عطاء أن يجلوه ويكبروا فيه اقتداره ونبوغه، إذ انطوت مشاعرهم تجاهه على مزيج من الإعجاب والاستغراب. وقد عبر أحدهم عن ذلك بتساؤلات تنم على الدهشة والحيرة، إذ قال([63]): "... وكيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف يصنع بعشرة وعشرين وأربعين؟، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان. وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب...". وإذ ذاك تمثل أحد السامعين بقول الشاعر صفوان الأنصاري الذي سبق أن أشاد بنبوغ واصل:
      ملقن ملهم فيما يحاولـه = جم خواطره جواب آفاق
      وكأن الرجل اكتفى بهذا الجواب المقتضب تجاه أسئلة السائل المتلاحقة، مشيراً إلى أن ما انطوى عليه واصل بن عطاء من موهبة كان من قبيل الإلهام، إذ ليس إلى تفسير العبقرية من سبيل.

      والحق أن الإمساك بزمام اللغة، وامتلاك ناصية التعبير، مع البداهة والقدرة على الارتجال....، كل ذلك لا يستطيعه إلا من كان من أولي العزم. ومن قبل رأى سهل بن هارون([64]): "أن سياسة البلاغة أشد من البلاغة".

      ك ـ موقع لثغة واصل بن اللثغات:

      والآن إذا تأملنا في ظاهرة اللثغ عند واصل بن عطاء، ورجعنا قليلاً إلى شعاب هذا البحث تبين لنا أن اللاثغين بمجملهم كانت لثغاتهم معروفة لدى الناس، هذا يلثغ بالسين فيلفظها ثاء، وذاك بالراء فيلفظها غيناً إلخ.... أي أن الحرف البديل المنطوق أو المقابل لدى الألثغ، وهو الثاء أو الغين أو اللام أو الياء...، كان معلوماً أيضاً ومسموعاً لدى الآخرين. ولذلك كانت الأحكام متعددة، وأحياناً متفاوتة تجاه اللاثغين واللاثغات، وقد تتراوح بين الاستهجان والاستحسان. وإلى ذلك تشير الأشعار الكثيرة في هذا الصدد على نحو جلي.

      وعلى ذلك يواجهنا سؤال ملح تجاه نوع اللثغة التي كانت في فم واصل بن عطاء، هل كانت الراء لديه تنطق لاماً، أو كانت ياء، أو غيناً، أو ظاء....؟ إن ما بين أيدينا من معطيات في هذا الشأن ضئيلة، وقلما تسعفنا في تحديد نوع تلك اللثغة. والسبب في ذلك أن ابن عطاء نفسه أسقط الراء أصلاً من كل كلامه، ومن ثم لم يتح لأحد من معاصريه أن يسمع لثغته تلك قط، لحرصه الشديد فيما نقدر على تغييب هذا العيب لديه. وتبعاً لذلك كان من الطبيعي لدى الذين تناولوا أيضاً لثغة واصل في منثورهم ومنظومهم أن يغفلوا هذا الأمر لافتقادهم أحد طرفي المعادلة، فلم يحاولوا تبين ماهية تلك العلة عنده. وهذه حالة خاصة يكاد ينفرد بها واصل بن عطاء دون سائر اللاثغين. وآية ذلك أن جميع الذين خاضوا في هذه القضية، من شعراء وكتاب ومؤلفين، اكتفوا بأن قالوا إن لثغته كانت قبيحة أو مستهجنة. والجاحظ نفسه وصف ذلك بكلمات واضحة وشديدة عندما قال([65]): "أنه ألثغ فاحش اللثغ ذو هجنة". كما وصف لثغته "بالقبح والشناعة". فهل يعني هذا أن لثغة واصل كانت الأسوأ بين اللثغات المعهودة، وأنه ربما كان ينطق الراء ياء أو ظاء؟.... ولكن لثغته المفترضة هذه لا تسوغ وصف الجاحظ لها مرات عديدة بأشنع النعوت وأقبحها. وواقع الأمر أن ابن عطاء لم يكن يلثغ في الراء بهذه الصورة ولا بتلك ولا سوى ذلك مما عهدناه من أنواع اللثغات وصورها. وهي اللثغات الأربع في الراء التي تناولها الجاحظ، وهي الياء، والذال والظاء والغين. لقد لاحظ أبو عثمان بفطنته المعهودة أنه أمام لثغة لا كسائر اللثغات، وذلك من عدة وجوه، فرأى أن يفردها بالبحث ويخصها بالقول. فقد مهد لحديثه عن هذه اللثغة الغريبة بكلام بالغ الأهمية، مفاده أن ثمة لثغات لدى البشر تغاير ما هو جار على ألسنة الآخرين، وأنها فيما يبدو نادرة الوجود بين الناس. وذكر أن من اللثغات([66]): "شيئاً لا يصوره الخط، لأنه ليس من الحروف المعروفة، وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى، ولا يوقف عليها. وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، وليس ذلك في شيء أكثر منه في لغة الخوز. وفي سواحل البحر من أسياف فارس ناس كثير، كلامهم يشبه الصفير".

      ثم يعمد الجاحظ إلى التخصيص بصدد ما نحن فيه، بعد أن يفرغ من الكلام على اللثغات، الأربع التي ذكرها فيقول([67]): "وأما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء ولسليمان ابن عدوي الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل... وليست لها صورة في الخط ترى بالعين. وإنما يصورها اللسان وتتأدى إلى السمع...".

      وبذلك يكون الجاحظ، بنفاذ رؤيته، قد جلا هذه المسألة، أو حسمها بصدد واصل بن عطاء بعد أن بدت لنا أول الأمر غائمة... ومصداق هذا الرأي السديد أننا إذا حاولنا اليوم رصد كلام أحد من شعوب الشرق الأقصى من الصين أو كوريا أو فيتنام أو غيرهم، وعمدنا إلى تدوين ما يلفظه من حروف وكلمات وعبارات، فإننا قلما نخرج من ذلك بطائل، لأن رسم أشكال حروفنا مصطلحات تقابل مخارج وطرائق نطقنا، ولا تصلح إلا قليلاً لرسم حروف اللغات الأخرى وتصوير أصواتها.

      وفي نهاية المطاف، واعتماداً على كل ما تقدم، بوسعنا القول: إن واصل بن عطاء أشهر اللاثغين بين الناطقين بالضاد...

      ل ـ خطبة كرم ملحم كرم:

      على أن واصل بن عطاء ليس آخر اللاثغين، وإن كان أشهرهم في أمة العرب. فقد شهد امتداد عصر النهضة العربية الحديثة علماً لبنانياً رائداً، كان كاتباً وخطيباً، وصحفياً وقاصاً وروائياً ومؤلفاً هو كرم ملحم كرم([68]). وكان هذا الأديب يلثغ بحرف الراء، ويلفظه غيناً. كما كان يتأذى من هذه الظاهرة لديه، ولا سيما أن اسمه ينطوي على راءين. وقد حرص على مواراة هذا العيب في أقواله وأحاديثه الإذاعية. ومما روي عنه أن صديقه الشاعر إلياس أبو شبكة([69]) شاء أن يحرجه يوماً بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال شاعر المهجر فوزي معلوف في زحلة وحفل تدشين مستشفى تل شيحا، حين طلب منه أن يلبي رغبة الحاضرين بأن يلقي خطبة في هذه المناسبة الخيرية، فما كان منه إلا أن سعى إلى المنبر بخطا واثقة تنم على قبوله التحدي، وألقى على الملأ كلمة أرتجلها، دون أن ترد خلالها كلمة فيها راء..([70]).

      وكان يؤثر أن يعرف نفسه بأبو ملحم وأن يناديه الناس بذلك. كما كان يستبدل بكلمة مصر وادي النيل وبهارون الرشيد أبا الأمين أو أبا المأمون، وبالأمير بشير أبا سعدى...

      م ـ وظائف الراء في اللغات الأخرى:

      وعلى هذا الصعيد من كثرة دوران الراء على ألسنة الشعوب يشكل مثلاً اقتران الراء واللام (لر) في اللغة التركية، مقطعاً من اللواحق Suffixes يشير إلى علامة الجمع: (أفندي، أفنديلر...).

      وفي الألمانية تقترن الراء بالدال في المقطع در DER وهو بمنزلة السوابق Prefixes، فيشكل بذلك أداة التعريف في المذكر، وصيغة التذكير في الألمانية هي الأصل في هذا الصدد وهي أيضاً الأعم في مجمل الأسماء.

      أما الفرنسيون ولا سيما أهل باريس، وهم من أشهر اللاثغين في حرف الراء في اللغات الحديثة، فإن لهذا الحرف R في لغتهم شأناً أكبر، إذ يلتصق بطائفة بالغة الكثرة في مفرداتهم أسماء وأفعالاً، ومعاجمهم مثل Larousse وأشباهه حافلة بذلك. وحرف الراء، كسائر حروف الفرنسية، صامت Consonne ولا بد أن يتلوه صائت Voyelle من مثل E, I, O, A. غير أن ما يعنينا الآن هو نوع محدد من السوابق Prefixes، وهو المقطع Re. وهنا يخرج عن نطاق بحثنا كل لفظ أساسي الحروف، أي المجرد الذي يبدأ بهذين الحرفين أصلاً مثل Repondre بمعنى أجاب، Regler بمعنى رتب، Rempir بمعنى ملأ. أما ما نحن بصدده فهو دخول هذا الحرف، أو المقطع Re على كلمة ما لتصبح مزيدة، أي بعد أن يضاف إليها السابق المراد Prefixes.

      وهذه السوابق التي تلتصق بأصل الألفاظ في اللغات اللاتينية بوجه عام وأيضاً بالإنكليزية، تكسب اللفظ عدة دلالات، وذلك على قاعدة "زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى". أهمها دلالة تكرار الفعل أو إعادته، مثل Relier أي إعادة الربط، Remarier أي الزواج ثانية. وقد يضيف السابق Re إلى أصل الكلمة معنى جديداً لم يكن فيها، كقولهم Retourner أي عاد ورجع، لأن الأصل المجرد Tourner يعني دار. وكذلك تعني كلمة Renaissance النهضة والانبعاث، إذ معنى المصدر في الأساس، أي Naissance هو الولادة. وفي أحيان أخرى أقل على هذا الصعيد يدل هذا المقطع Re على الضدية في مثل كلمة Reaction التي تعني الارتكاس أو ردة الفعل، مع أن أصل الكلمة المجردة Action يعني الفعل والعمل...

      كل ذلك يشير في العديد من اللغات، كالفرنسية والإنكليزية والتركية والألمانية وسواها، إلى الوظائف المتعددة لحرف الراء فيها.

      ن ـ الراء في اللغة المحكية:

      إن نظرية نشوء اللغة عند البشر الأولين من منطلق محاكاة الأصوات في الطبيعة، والتي استحسنها ابن جني([71]) في كتابه "الخصائص"، قد تبدو صالحة لتعليل دلالات جانب من ألفاظ اللغة، ومن هذا القبيل دلالة صوت الراء.

      إن هذه الراء كما وصفها اللغويون العرب قديماً وحديثاً، صوت مكرر مجهور، يحدث حين تتكرر ضربات اللسان على اللثة تكراراً سريعاً. ويبدو لنا أن هذا التكرار الصوتي على صعيد المبنى ينطوي على دلالة مقابلة على صعيد المعنى، إذ يفيد أيضاً التكرير أو الإعادة أو الاستمرار، أو ما كان من نحو ذلك. فكما دل المقطع Re أو السابق Prefixe في عدد من اللغات الأوروبية واللاتينية على تكرير الفعل وإعادته واستمراره، فإننا نجد هذه الظاهرة، على نحو ما، في العديد من الألفاظ العربية. فمادة "شرّ" أو "شرر"، كما تذكر المعاجم، تفيد الحركة والاستمرار والنشاط والشدة...، من ذلك: شرَّ الشيء أي عضه، وأشرَّ الشيء أظهره، وشرشره قطّعه، والشرير جانب البحر، وشرة الشباب نشاطه وعنفوانه، والشرر والشرار ما يتطاير من النار... وبوسعنا أن نجد دلالات مشابهة في ألفاظ أخرى ترتكز أيضاً إلى الراء مثل: ثرّ، جرّ، خرّ، در، ذرّ، فر، كرّ، مرّ.... وكلها دلالات تشير إلى الحركة والنشاط والشدة والتواصل والتكرير والاستمرار...، ونحو ذلك مما يمتاز به حرف الراء من الوجهة الصوتية، سواء في العربية وفي اللغات الأخرى...

      وحين ينعطف الباحث إلى التدقيق في اللهجات العامية السائدة اليوم يلاحظ حضور حرف الراء في كثير من الأفعال الثلاثية المجردة، حيث لم يكن له وجود أصلاً في عداد حروفها. ومن هذه الأفعال: "فقع، فشخ، طبش، عرش، شبك، طبق، حكش، وخمش....، فالناس يحولونها إلى "فرقع، فرشخ، طربش، وتطربش، وعربش وتعربش، تشربك، طربق، تحركش، خرمش... إلخ وهذا التحويل أو التحوير لا ينضوي تحت باب المترادف من الألفاظ، لأن الدلالة تختلف من حال إلى حال بحيث تفيد معنى الزيادة أو التكثير أو الشدة، أو نحو ذلك في الفعل المعدول، وذلك وفق المبدأ السائد في فقه اللغة، وهو أيضاً أن "زيادة المبنى تقتضي زيادة المعنى". ففعل فرقع يعني قوة الانفجار، وطربش يعني شدة التحطيم، وتعربش، وهو فيما نقدر من العرش وعلوه أو العريشة ويعني المضي في التسلق، وخرمشه زاد في خمشه وتجريحه. وتحركش به أي تحرش به وأثاره... إلخ. وذلك كله يقابل دلالة صوت الراء على الحركة في مثل بعثر وقرزم ودحرج، وفي هذا الصدد مثلاً يتمحل بعض اللغويين فيرجعون دحرج الرباعي إلى فعين ثلاثيين معاص هما دحر/درج، وكلاهما أيضاً يتضمنان الراء.

      وثمة زمرة أخرى من الألفاظ المشابهة، غير أنها في عرف الصرفيين من قبيل المجرد الرباعي، والراء فيها تبدو أصلية كباقي حروف الكلمة، بحيث لا يتبدى لنا بيسر أصل اشتقاقها ودلالاتها، وهي تنطوي أيضاً على دلالات خاصة في العربية المحكية وذلك بفضل وجود الراء ضمن حروفها، كوصف العامة لأحدهم بأنه "حربوق" أي ماهر نبيه كثير الحركة ويعرف من أين تؤكل الكتف. والأفعال في هذا الصدد عديدة كلها يفيد الحركة والكثرة والشدة والاستمرار أيضاً: مثل برطم، أي عبس وتجهمت سحنته، وفشخر أي تبجح وتفاخر، وبربر أي تكلم بألفاظ غير واضحة المعنى ولكنها تنم على التذمر والتوعد. ودربك أي رمى ودحرج. ودركل أي قذف بالآخر من الأعلى ودحرجه إلى الأدنى. وفرتن الطفل إذا اشتد بكاؤه ولم يجنح للسكوت. وطفشر أي بدد ما لديه وأنفق دون حساب، ومثلها بحتر أي أسرف في الصرف، وعكس ذلك قرحط، أي بخل وقتّر. ومن ذلك مرمطه أي زاد في إرهاقه ومضايقته. وفرفش إذا تمتع بماله واغتنى وصار إلى نعمة. وكركب أي بعثر، ومثلها خربط وهما ضدان لرتب ونظم. وبربك بمعنى تصنع اللطف وبالغ في التزلف. وشرشحه أي أساء إليه وجعله مهزأة. وفركش: أبطل الاتفاق ونقض الأمور وخربها وفي هذا المعنى أيضاً فعل خربط. وكذلك يقولون برطش اللعبة أو الحفلة، إذا أخرجها عن نسقها وقطعها عن سياقها. وفركشه تعني عطله عن متابعة مشيه وجعله يتعثر. وتقول العامة بصدد طريقة أخرى في شرب الماء زرنق وزمرق أي شرب على نحو مغاير للعادة بحيث يسيل الماء من وعاء في الأعلى إلى حلقه. وسرسق تسرب. وبربع جسده أي تفقع وعلت مواضع من جلده. وبرجم الحديدة رأبها وثبتها بالمسمار والمطرقة. ونكرزه عمد إلى مضايقته بقدر من المداعبة والممازحة فيما يطلق عليه النكرزات. والبربسة ولا سيما عند النساء تعني الإفراط في النظافة إلى ما يقارب الهوس. وجردمه أي قص لـه شعر رأسه بشكل اعتباطي يشوه منظره. والخربشة أو الخربشات ما تخطه أيدي الأطفال من كتابات ورسوم رديئة... وتفرعط الجمع إذا تشتت أفراده وتفرقوا سريعاً على غير هدى أو نظام. والدردشة الأحاديث العابرة المتبادلة بعيداً عن التركيز والعمق... وطرمخ، ومنها تطرمه أي اشتد به الإعياء وكأنه ضرب على مخه أو قحف رأسه. وعربق ومنها تعربق الأمر، إذا اضطرب وتعقد وانتكث فتله.

      وواضح أن هذه زمر لفظية يجمعها قاسم مشترك هو حضور الراء فيها جميعاً. ويلاحظ أنها في معظمها أفعال، أي أنها تفيد معاني الحدوث والفعل والحركة. وحرف الراء فيها، تبعاً لنطقه وكونه صوتاً مجهوراً مكرراً، فإن وجوده في اللفظ يزيده إيحاء بالحركة ودلالة على الحدوث، وذلك من منطلق محاكاة الصوت في الطبيعة، وآية ذلك كما هو معروف ألفاظ مثل خرير وزئير وشخير... فهذا لإيحاء لا يتأتى بغياب الراء عن الأفعال فقع وطبش وخمش بل يتأتى بحضورها في الكلمة حين نقول: فرقع وطربش وخرمش.... وعلى هذا الغرار توحي الألفاظ المشابهة مثل: بربر وشرشح وخربط وطفشر بدلالات خاصة بفضل الراء فيها.

      ولما كانت "اللغة ـ في البدء ـ أصواتاً يعبر به كل قوم على أغراضهم" وكانت بذلك تلبية لحاجات تعبيرية في حياتهم، من منطلق أن الحاجة أم الاختراع، فقد عمد الناس إلى إغناء لغتهم بالعديد من الألفاظ المستحدثة، ومن ثم حشوها ببعض الحروف المجهورة وذات النبر والتكرير، قاصدين بذلك ما يرمون إليه من دقة منشودة في التعبير عن غاياتهم والإفصاح عن أفكارهم. وكان أن هداهم حسهم السليم وفطرتهم الخالصة وذائقتهم المرهفة، إلى أن صوت الراء هو القادر على إبلاغهم مقصدهم، فارتضوه دون سائر الحروف، ومن حيث لا يقصدون، تبعاً لطبيعته الصوتية التكريرية ومن التكثيرية، وجعلوه في صلب جملة من الكلمات وجمهرة من الألفاظ.

      ومجمل القول إن كل ما سبق وروده إنما هو مصداق لما كان يردده علماء العربية من أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على ألسنة العرب. كما أن ذلك يشير في الوقت نفسه إلى تنوع وظائف هذا الحرف وتعددها، على نحو يشمل العديد من اللغات واللهجات عربيها وأجنبيها، وبذلك تتبدى الراء حرفً متميزاً له خصائصه ودلالاته دون سائر الحروف.

      س ـ منزلة الراء في جذور الألفاظ العربية وقوافي الأشعار:

      تعاظمت النزعة الإحصائية في الدراسات اللغوية الحديثة بفضل التقدم التكنولوجي الباهر واختراع أجهزة الحاسوب والكمبيوتر، فضلاً عن أجهزة التسجيل الصوتي وقياس الذبذبات وما إلى ذلك. وتمت معرفة أعداد مفردات اللغة وجذورها في آيات القرآن الكريم وفي مجموعة حسنة من معاجم العربية وكتب الأدب ودواوين الشعر العربي([72]).

      ويظهر إحصاء الجذور في معجم تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري أنها "بلغت 5639 خمسة آلاف وستمئة وتسعة وثلاثين جذراً، وأن حرف الراء في هذه الجذور بلغ 1003 ألفاً وثلاث مرات، وهي النسبة العليا بين سائر الجذور، أي أن حرف الراء هو الأكثر وروداً في ألفاظ العربية قاطبة. يليه في ذلك حرف الميم 837 مرة، فالنون 818 مرة، فاللام 804 مرات"([73]).

      وفي هذا الإحصاء تفصيل لما سبق أن أورده على نحو مجمل علماء العربية، وهو أن الراء من أكثر الحروف دوراناً على الألسنة.

      وانبرى عدد من دراسي العربية لإجراء إحصاءات أخرى مهمة بصدد جذور ألفاظ العربية([74])، وخلصوا إلى أن حرف الراء كان الأكثر عدداً، إذ بلغ 494 جذراً، يليه الميم 489، فاللام 462، فالباء 344، فالنون 344 إلخ...

      وفي دراسة إحصائية أخرى([75]) للأشعار التي وردت في كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وقد بلغ عددها 7254 قافية. كان روي الراء في طليعة القوافي كثرة، إذ بلغ 1084 ألفاً وأربعاً وثمانين. ثم اللام 985، فالدال 803، فالباء 775، فالنون 753، فالميم 708.

      وإذا مضينا في هذا الصدد، وعلى صعيد آخر، في تتبع مواقع الراء لدى شعراء العربية، واستشهدنا بقوافي الأشعار التي أثروها في نظم قصائدهم تجلت أمامنا معطيات جديرة بالاهتمام.

      وقد اخترت أربعة دواوين، لأربعة شعراء، في أربعة عصور تمثل مجمل عصور الأدب العربي، وذلك في سبيل رصد القوافي الأكثر وروداً في قصائدهم، بقصد تبين موقع روي الراء في قوافيهم. وهم زهير بن أبي سلمى([76]) وأبو الطيب المتنبي([77]), وابن الوردي([78])، والشاعر القروي([79])، وذلك وفق الجدول التالي:

      زهير
      المتنبي
      ابن الوردي
      القروي

      روي اللام 17
      اللام 47
      الراء 172
      الراء 104

      الراء 15
      الميم 40
      اللام 125
      الدال 73

      الميم 10
      النون 35
      النون 117
      الباء 70

      الباء 9
      الباء 35
      الباء 109
      النون 58

      الدال 34




      النون 5
      الدال 34
      الدال 84
      الميم 53

      الهمزة 4
      الراء 30
      الميم 82
      اللام 48

      العين 2
      القاف 13
      القاف 60
      العين 24


      ويشير هذا الجدول الذي يرصد مجمل عدد قوافي الشعراء إلى أن حرف الراء يتبوأ المنزلة العليا في عدد القصائد لدى شاعرين من الشعراء الأربعة هما ابن الوردي والقروي، ويقع أيضاً في المنزلة الثانية في شعر زهير. وفي مقابل ذلك تبوأت اللام المنزلة العليا أيضاً لدى الشاعرين الآخرين، زهير وأبي الطيب، كما وقعت اللام في المنزلة الثانية لدى ابن الوردي. وهذا التقارب الشديد الذي بلغ مستوى التعادل بين قوافي اللام والراء مؤشر ذو شأن يسمح لنا، في قدر من التعميم بالاستدلال على أفضلية هذين الحرفين لدى شعراء العربية، بحيث يبدوان كفرسي رهان ضمن مجموعة حروف الذلق، وعلى صعيد اللسانيات بوجه عام.

      وفي الوقت نفسه يبقى صوت الراء من أشيع الأصوات وأعلاها على ألسنة معظم الأمم كما هو شأنه في لغة العرب. وبسبب صعوبة نطقه كان اللثغ به متعدد الأوجه. كذلك، وللسبب نفسه، كان لفظه متعدد الأوجه أيضاً في كثير من لغات البشر، كما سبق تبيينه في صدر موضوعنا.



      ع ـ الراء في النقود والعملات:

      والآن، في نهاية المطاف قد يحسن بنا الآن أن نشير إلى ظاهرة لافتة للنظر، وهي حضور حرف الراء في غالبية أسماء العملات ووحدات النقود لدى كثير من دول العالم. وهذا من غريب المصادفات. ونود، بقدر من التتبع، أن نضع ذلك أمام القارئ في جدول يمكن أن يعد في ختام هذا البحث الصوتي اللغوي من قبيل الأحماض أو ما يشابه الإطراف، على عادة السالفين في بعض مجالسهم ومقالاتهم، وقد يعلل ذلك بأن هذه العملات كانت في الأصل معدنية تحدث عند تداولها رنة مضاعفة أو صوتاً مكرراً. فغلب على أسمائها هذا الصوت المكرر أي الراء. على أننا نكتفي في هذا الصدد بالإشارة إلى مدى تغلغل حرف الراء في كثير من لغات البشر ودورانه على ألسنتهم:

      اسم العملة
      اسم الدولة

      برّ
      ارتيريا

      برغوث([80])
      عملة سورية في العهد العثماني

      بوليفار
      فنزويلا

      بياستر
      فيتنام الجنوبية

      توغريك
      منغوليا

      دراخما
      اليونان

      دراغون
      هاييتي

      درهم
      الإمارات العربية المتحدة، ليبيا، المغرب

      دولار
      الولايات المتحدة الأمريكية، كندا

      دينار
      الأردن، البحرين، تونس، الجزائر، العراق، الكويت

      روبية
      اندونيسا، باكستان، بانغلاديش، الهند

      روبل
      روسيا، أوكرانيا

      رند
      جنوب أفريقيا، بوتشوانا، ليسوتو

      ريال
      السعودية، قطر، اليمن

      رينغيت
      ماليزيا

      سترلنغ
      بريطانيا

      سوكر
      إكوادور

      غروشن
      عملة ألمانية قديماً

      غواراني
      باراغواي

      غوردوبا
      نيكاراغوا

      غيلدر
      هولندا

      فرنك
      فرنسا، بلجيكا، سويسرا

      فيورنت
      المجر

      قرش
      سورية، لبنان، مصر

      قرقوف([81])
      دولة الخلافة العربية الإسلامية (قديماً)

      كراون
      النرويج

      كراونر
      الدانمارك

      كروزيرو
      البرازيل

      كورونا
      آيسلندا، تشيكيا، السويد

      لامبيرا
      هندوراس

      لير
      إيطاليا

      ليرة
      سورية، تركية، لبنان

      مارك
      ألمانيا (عملة سابقة)

      ماركا
      فلندة

      نايرو
      نيجيريا

      يورو
      دول الاتحاد الأوربي


      المصادر والمراجع

      الإبانة في اللغة ـ سلمة بن مسلم (العويتبي)، تحقيق الدكتور عبد الكريم خليفة، 1/84، مسقط، د.ت.

      أبو علي القالي ومنهجه في البحث واللغة ـ الدكتور عمر الدقاق. منشورات دار الشرق ـ حلب 1977.

      الحرف العربي بين الأصالة والحداثة ت حسن عباس، مجلة التراث العربي، العدد 42 ـ 43، كانون الثاني ـ نيسان، دمشق 1991.

      أسد الغابة ـ عز الدين بن الأثير الجزري، ت محمد إبراهيم البنا. القاهرة 1973.

      الأصوات اللغوية ـ الدكتور إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو مصرية 1981.

      الأصوات اللغوية ـ الدكتور كمال بشر. مكتبة الشباب، القاهرة 1987.

      الأغاني ـ أبو الفرج الأصفهاني، الحياة، بيروت، د.ت.

      الأمالي ـ أبو علي القالي، دار الكتب المصرية، القاهرة 1953.

      البيان والتبيين ـ عمرو بن بحر الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون، التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1968.

      تاج العروس ـ محمد المرتضى الحسيني الزبيدي ـ دار مكتبة الحياة ـ بيروت.

      تذكرة النحاة ـ أبو حيان الأندلسي، تحقيق عفيف عبد الرحمن، مؤسسة الرسالة، بيروت 1986.

      التطور النحوي للغة العربية ـ محاضرات برغشتراسر، مكتبة الخانجي، ط 2، القاهرة 1994.

      الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ـ آدم ميتز. ترجمة عبد الهادي أبو ربدة، 2/12، القاهرة 1947.

      الخصائص ـ أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتب المصرية، 1952.

      دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح (باستخدام الكمبيوتر) ـ الدكتور علي حلمي موسى، مطبوعات جامعة الكويت 1973.

      ديوان أبي نواس ـ الحسن بن هانئ، تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي، مصر، 1953، وديوانه أيضاً تحقيق فاغنر ـ شولر، فسبادن، ألمانيا ـ 1982.

      ديوان ابن الوردي ـ تحقيق الدكتور أحمد فوزي الهيب. دار القلم، الكويت 1986.

      ديوان القروي ـ رشيد سليم خوري، وزارة التربية والتعليم، القاهرة 1961.

      ذيل الأمالي والنوادر: أبو علي القالي، دار الكتب المصرية، القاهرة 1953.

      رسالة يعقوب الكندي في اللثغة: تحقيق محمد حسان الطيان، مجلة مجمع اللغة العربية، المجلد 60، الجزء 3، دمشق، تموز 1985.

      سر صناعة الإعراب ـ أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق مصطفى السقا ورفاقه، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1954.

      سر الفصاحة ـ ابن سنان الخفاجي ـ شرح عبد المتعال الصعيدي، القاهرة 1969.

      شرح ديوان زهير بن أبي سلمى ـ صنعة الأعلم الشنتمري، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، المكتبة العربية، حلب 1970.

      شذرات الذهب ـ ابن العماد الحنبلي، مكتبة القدسي، 1351هـ.

      الصحاح في اللغة والعلوم ـ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، تصنيف نديم مرعشلي، بيروت 1974.

      شرح رسالة الغفران ـ أبو العلاء المعري، بنت الشاطئ، عائشة عبد الرحمن، طبعة رابعة، دار المعارف، القاهرة 1950.

      ظواهر عروضية من شعر حافظ إبراهيم ـ الدكتور محمد عبد المجيد الطويل، مجلة البيان، الكويت فبراير 2003.

      العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ـ الشيخ ناصيف اليازجي، دار صادر، بيروت 1964.

      العروض والقافية ـ الدكتور عبد الرحمن السيد، القاهرة 1964.

      علم اللغة ـ الدكتور محمد السعران، دار الفكر العربي، القاهرة 1962.

      علم اللغة العربية ـ الدكتور محمود فهمي حجازي، الكويت 1979.

      العين ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق الدكتور محمد مهدي المخزومي والسامرائي، دار الرشيد، بغداد 1983.

      العين ـ مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، ط 2، دار الهجرة، إيران 1989.

      عيون الأخبار ـ أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار الكتب المصرية، 1924 ـ 1930.

      الفرق بين الحروف الخمسة ـ أبو محمد عبد الله البطليوسي، تحقيق عبد الله الناصير، دار المأمون للتراث، دمشق 1984.

      فن الإلقاء ـ الدكتور فاروق سعد، دار المعارف، الآفاق الجديدة، بيروت، 1985.

      في علم الأصوات اللغوية وعيوب النطق ـ الدكتور البدراوي زهران، دار المعارف، القاهرة، 1994، الدكتور إبراهيم أنيس، القاهرة 1980.

      القافية في العروض والأدب ـ الدكتور حسين نصار ـ دار المعارف، القاهرة 1980.

      القاموس المحيط ـ مجد الدين الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1987.

      الكتاب ـ سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة تراثنا، القاهرة 1975.

      لفظ الأم وتجذر بنيته في لغات البشر ـ الدكتور عمر الدقاق، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، العدد السابع عشر. جامعة قطر 1994.

      المدخل إلى علم اللغة ـ الدكتور محمد فهمي حجازي، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1982.

      المدخل إلى فقه اللغة العربية ـ الدكتور أحمد قدور، جامعة حلب 1992.

      المذكر والمؤنث ـ تحقيق الدكتور عزة حسن، دار الشرق العربي ـ بيروت ـ حلب. د.ت.

      المزهر في علوم العربية و أنواعها ـ عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، شرح محمد أحمد جاد الموالى، مطبعة عيسى البابي الحلبي، د.ت.

      المفصل في علم العربية ـ جار الله محمود بن عمر الزمخشري، شرح محي الدين عبد الحميد، القاهرة، د.ت.

      موسوعة حلب المقارنة ـ م. خير الدين الأسدي، عناية محمد كمال، جامعة حلب 1984.

      النخلة، (كتاب النخلة) أبو حاتم السجستاني، مجلة المورد، مج 14، بغداد، 1985م.

      النكت في إعجاز القرآن ـ الرماني، ت محمد خلف الله ـ محمد زغلول سلام، دار المعارف، د.ت.

      نوادر المخطوطات ـ تحقيق عبد السلام هارون، طبعة ثانية، عيسى البابي الحلبي 1392هـ.

      همع الهوامع ـ جلال الدين السيوطي، تحقيق محمد بدر الدين النعساني، مطبعة السعادة، القاهرة 1327هـ.

      الدوريات:

      مجلة البيان، العدد 391، الكويت، فبراير 2003.

      مجلة التراث العربي، العددان 42 ـ 43، كانون الثاني ـ نيسان، دمشق 1991.

      مجلة الضاد، الأعداد 3 ـ 4، 1956، عدد أيلول 2003 حلب.

      حوليات كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، جامعة قطر، العدد السابع عشر، 1415هـ ـ 1994م.



      --------------------------------------------------------------------------------

      ([1]) كتاب الأمالي، أبو علي القالي، 2/146، دار الكتب المصرية 1926.
      ([2]) كتاب النخلة، أبو حاتم السجستاني، تحقيق حاتم الضامن، تم نشره في مجلة المورد، المجلد الرابع عشر، العدد الثالث 126. بغداد 1405هـ، 1985م.
      ([3]) أسد الغابة، عز الدين بن الأثير الجزري، ترجمة أبو هريرة، 6/319، تحقيق محمد إبراهيم البنا، القاهرة 1973.
      ([4]) كتاب العين، 5/415، تحقيق المخزومي والسامرائي، دار الرشيد، بغداد 1982
      ([5]) موسوعة حلب المقارنة، مادة خير ـ خيل، 3/373، منشورات جامعة حلب 1984. الأسدي، مادة (دبس)، 4/24.
      ([6]) موسوعة حلب المقارنة، الأسدي، مادة (دبس)، 4/24..
      ([7]) موسوعة حلب المقارنة، الأسدي، 3/194.
      ([8]) موسوعة حلب المقارنة، الأسدي، 3/194.
      ([9]) ورد هذا البيت في البيان والتبيين، 1/65، وفي كتاب الحيوان، 6/207، وفي معاهد التنصيص، 1/12.
      ([10]) انظر سر صناعة الإعراب، 1/75.
      ([11]) النكت في إعجاز القرآن، 96، والمزهر، 1/193.
      ([12]) سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي، 66 ـ 67، 109.
      ([13]) ورد في البيان والتبيين، 1/57، طبعة لجنة التأليف 1948، أن الشاعر أبا رمادة طلق امرأته، كيلا تجيئه في رأيه بولد فيه لثغة مثل ما فيها...
      ([14]) القاموس المحيط، مادة "لثغ"، وتاج العروس "لثغ"...
      ([15]) رسالة يعقوب الكندي في اللثغة، تحقيق محمد حسّان الطيان. مجلة مجمع اللغة العربية. المجلد 60، الجزء 3، 515 ـ 532. دمشق 1406هـ، تموز 1985.
      ([16]) البيان والتبيين، هارون 1/3.
      ([17]) تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، 1/160، القاهرة.
      ([18]) كتاب المذكر والمؤنث، 36، تحقيق عزة حسن، دار الشرق العربي، بيروت ـ حلب، د.ت.
      ([19]) كتاب الأمالي، أبو علي القالي، 1/5، وقد روى البيت: "وخير الحديث.... والبيان والتبيين، 1/147. وقد يكون للّحن في ذا البيت معنىً آخر
      ([20]) ديوان أبي نواس، الحسن بن هانئ، 25، تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي، مصر 1953.
      ([21]) ديوان أبي نواس، الحسن بن هانئ الحكمي. تحقيق: إيفالد فاغنر وغريغور شولر. منشورات جمعية المستشرقين الألمان، سلسلة النشرات الإسلامية، ج 20/4. دار النشر: فرانز شتاينز، فسبادن ـ ألمانيا 1982.
      ([22]) معجم الأدباء، ياقوت، 2/340.
      ([23]) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، آدم ميتز. ترجمة عبد الهادي أبو ربدة. 2/120، القاهرة 1947.
      ([24]) ديوان ابن الوردي، 401، تحقيق الدكتور أحمد فوزي الهيب، دار القلم، الكويت 1986.
      ([25]) البيان والتبيين، 1/34، عبد السلام هارون، القاهرة 1968.
      ([26]) أورد أبو الفرج أيضاً هذه الأبيات في كتابه "الأغاني" بصدد أخبار عمر بن أبي ربيعة، المجلد الأول، القسم الثاني، 136، دار مكتبة الحياة، د.ت.
      ([27]) يبدو أن الجاحظ لم يغفل عن ذلك، بل عمد إلى الكلام على اللثغة باللام في موضع آخر ضمن فقرة خاصة، معتبراً اللام كالراء من حيث تعرضهما لهذا العيب اللساني أي اللثغ.
      ([28]) المذكر والمؤنث، 36، تحقيق عزة حسن. جدار الشرق العربي، بيروت ـ حلب، د.ت.
      ([29]) الكتاب، تحقيق هارون، 4/136، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
      ([30]) الأصوات اللغوية، أنيس، 218.
      ([31]) البيان والتبيين، 1/15.
      ([32]) البيان والتبيين، 1/15.
      ([33]) البيان والتبيين، 1/46.
      ([34]) لم أجد هذه الأبيات في ديوان أبي نواس، وقد أوردها الدكتور فاروق سعد في كتابه: فن الإلقاء، ص 214، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1985، ولم يشر إلى مصدرها. وقد أرشدني إليها الدكتور صلاح كزارة جزاه الله خيراً.
      ([35]) موسوعة حلب المقارنة، "مادة الراء"، 4/123.
      ([36]) لم أتبين صحة ما ذهب إليه الأسدي في هذا الصدد حين أمضيت بضعة أيام في مدينة الموصل وجامعتها، على أني تبينت قدراً من التشابه بين حلب والموصل في أمور متعددة كالعبارات والأمثال والعادات والتقاليد.....
      ([37]) ديوان ابن الوردي، تحقيق الدكتور أحمد فوزي اللهيب، 171، الكويت 1986
      ([38]) في ديوان ابن الوردي 172 نقرأ قوله أيضاً بذم، فيما يبدو، قاضياً ألثغ:
      أضحى يصول على الفصاح بلثغة = منهوكة مهتوكة تستعظم
      عجباً لهم كيف ارتضو لمثلنا = حكماً، أما سمعوه إذ يتكلم

      ([39]) ديوان ابن الوردي، 403، الكويت 1986.
      ([40]) يقال: بغّ الدم أي هاج. وهنا ثارت مشاعر الحسد في نفسه.
      ([41]) انظر تفصيل ذلك في كتاب "المدخل إلى فقه اللغة العربية، الدكتور أحمد محمد قدور، 116 فما بعد، منشورات جامعة حلب 1991.

      ([42]) مدخل إلى علم اللغة، حجازي 1969..

      ([43]) الأصوات اللغوية، أنس 218.

      ([44]) أتيح لي أن أوفد في خريف عام 1979 إلى معهد اللغات في الصين لتأهيل دراسي اللغة العربية المرشحين للعمل مستقبلاً في البلاد العربية بصفة ملحقين ثقافيين وتجاريين أو مترجمين مصاحبين للوفود الطبية وللمعارض الاقتصادية، وغير ذلك من المهمات...

      ([45]) قلما تورد المعاجم جمعاً للمفرد ألثغ، وقد تبين لي بعد البحث أن ألثغ تجمع على لثغ، ضم فسكون، على غرار أزرق زرق، وأعمى عمي، فأجزت لنفسي قياساً قد لا يكون صحيحاً، فقلت لثغان، على غرار سود وسودان وعمي وعميان ثم طرشان وعوران وخرسان وعرجان وقرعان... ولا سيما أن وزن (فعلان) يدل في الغالب على آفة أو عاهة أو عيب دائم... وهذا الجمع يلبي حاجة الباحث فضلاً عن أنه يوافق الصيغ العربية.

      ([46]) البيان والتبيين، 1/16.

      ([47]) عمد بشار بن برد إلى ذم واصل بعد أن أ"نب في الثناء عليه، وشبه طول عنقه بطول عنق النعامة والزرافة.

      ([48]) هو أبو حذيفة الملقب بالغزال. ولقد بالمدينة المنورة سنة 80هـ. وتوفي في البصرة سنة 131هـ. نزح إلى العراق ولزم شيخه الحسن البصري، ولكنه اعتزل مجلسه بعد ذلك لخلاف في الرأي، وغدا بذلك رأس المعتزلة.

      ([49]) البيان والتبيين، 1/14 فما بعد.

      ([50]) البيان والتبيين، 1/24.

      ([51]) وردت الخطبة في "نوادر المخطوطات"، 1/134، تحقيق عبد السلام هارون. الطبعة الثانية، البابي الحلبي، مصر 1392هـ. والخطبة محفوظة أيضاً في مكتبة مدرسة النبي شيث بالموصل. انظر مخطوطات الموصل، ص 108. ومن الغريب أن يسهو الجاحظ عن إيراد خطبة واصل في كتابه "البيان والتبيين" على كثرة ما عني بالكلام عليها وعلى موهبة صاحبها.

      ([52]) البيان والتبيين، 1/24.

      ([53]) انظر عيون الأخبار، 2/246، 247. دار الكتب المصرية، 1924، 1930.

      ([54]) البيان والتبيين، 1/32.

      ([55]) هو عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق الذي دعا الخطباء إلى مجلسه...

      ([56]) الشكد: الجزاء والعطاء.

      ([57]) كتاب الأغاني، الأصفهاني، مج 2، ق 2، 117/118، دار مكتبة الحياة، بيروت لبنان. البيان والتبيين، 1/24.

      ([58]) البيان والتبيين، 1/17.

      ([59]) البيان والتبيين، 1/21 ـ 22.

      ([60]) البيان والتبيين، 1/16.

      ([61]) البيان والتبيين، 1/16 ـ 17، والمشنف الذي لبش الشنف وهو بالفتح، أي القرط في أعلى الأذن.

      ([62]) شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي. حوادث سنة 1312هـ، مكتبة القدسي. مصر 1351هـ.

      ([63]) البيان والتبيين، 1/22.

      ([64]) البيان والتبيين، 1/197.

      ([65]) البيان والتبيين، 1/14 ـ 15.

      ([66]) البيان والتبيين، 1/34.

      ([67]) البيان والتبيين، 1/36.

      ([68]) ولد كرم ملحم كرم سنة 1903 في بلدة دير القمر. اشتهر بمجموعته الروائية ألف ليلة وليلة، وعرف بغزارة إنتاجه القصصي والروائي، توفي سنة 1959.

      ([69]) شاعر لبناني برع في شعره بتصوير المتع والمباهج والملذات، وأطلق عليه بعض النقاد لقب بودلير العرب.

      ([70]) مجلة الضاد، بقلم عبد الله يوركي حلاق، العددان 3 ـ 4، ص 102، حلب 1956، وأيضاً مجلة الضاد عدد أيلول 2003.

      ([71]) الخصائص، 1/46 ـ 47.

      ([72]) انظر على سبيل المثال كتب الدكتور عبد الرحمن السيد، العروض والقافية، والدكتور إبراهيم أنيس، موسيقى الشعر، والدكتور حسين نصار، القافية في العروض، والدكتور على حلمي موسى بصدد معجم الصحاح. والدكتور محمد عبد المجيد الطويل شعر حافظ إبراهيم... إلخ.

      ([73]) دراسة إحصائية لجذور معجم الصحاح (باستخدام الكومبيوتر). الجدول 3، ص 55، الدكتور علي حلمي موسى. مطبوعات جامعة الكويت 1973.

      ([74]) انظر مجلة "البيان" العدد 391، فبراير 2003، دارسة الدكتور محمد عبد المجيد الطويل.

      ([75]) العروض والقافية، الدكتور عبد الرحمن السيد، 101.....

      ([76]) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى، صنعة الأعلم الشنتمري، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة. المكتبة العربية، حلب 1970.

      ([77]) العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب، شرح ناصيف اليازجي، جزءان دار صادر، بيروت 1964.

      ([78]) ديوان ابن الوردي، تحقيق الدكتور أحمد فوري الهيب، دار القلم، الكويت 1986.

      ([79]) ديوان القروي، رشيد سليم الخوري. وزارة التربية والتعليم، القاهرة 1961.

      ([80]) كان الناس يلفظونها "برغود" وهي عملة معدنية صغيرة القيمة.

      ([81]) القرقوف، وحدة نقود صغيرة كانت في عهد الدولة العباسية، وهي تقل عن الدرهم قيمة. وقد ذكرها أبو العلاء المعري في رسالة الغفران، ص 262، بصدد محاولة ابن القارح دخول الجنة، إذ قال: "فلما صرت إلى باب الجنة قال لي رضوان: هل معك جواز؟ فقلت له: لا. فقال: لا سبيل إلى الدخول إلا به". عندئذ طلب ابن القارح الدخول بضع خطوات ليحصل على ورقة صفصاف من شجرة بباب الجنة، ثم يعود بها ويسجل عليها الإذن المراد أو التأشيرة المنشودة. غير أن رضوان خازن الجنة قال له بحزم: "لا أخرج شيئاً إلا بإذن من العلي الأعلى..." حينئذ قال ابن القارح في نبرة يائسة: أنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال وكأنه يشكو من تشدد رضوان: لو أن للأمير أبي حمزة المرجّى خازناً مثلك ما وصلت أنا ولا غيري إلى قرقوف من خزانته".


      المصدر :

      مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 104 السنة السادسة والعشرون - كانون الأول 2006 - ذو الحجة 1427
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #3
        هل هناك كتاب يتحدث عن الماءات في القرآن موجود أستطيع أن أنزله .... وأخص بالذكر ( غاية البيان في معرفة ماءات القرآن للجعبري ) لأني أحقق مخطوط الكفاية في ماءات القرآن .... فرجائي إرشادي إليه .....وجزى الله الجميع خير الجزاء.

        تعليق


        • #4
          جزاكم الله وأحسن الجزاء، وهل تعرف المصادر اللغويّة الّتي تدرس دراسة إحصائية لورود الراء في الموادّ العربية فاءً و عيناً ولاماً؛ وهكذا كلّ الحروف العربية؟

          تعليق

          19,961
          الاعــضـــاء
          231,887
          الـمــواضـيــع
          42,545
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X