• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تاريخ المصحف

      المصحف ذلك الكتاب المعظم، ذو الحلة القشيبة والخط المزخرف، الذي يعكف الصائمون على قراءته وتدبره، لا شك أنه لم يصل إلينا بحلته البديعة وزخارفه المنمقة على طريق من الورد، وإذا كنا اليوم نحمل مصاحف مفسرة على هواتفنا المحمولة، ونستطيع أن نحصل على نسخة من المصحف الشريف في كل مكان، ونوقن تماما بأن جميع نسخ المصاحف اليوم في العالم كله مضبوطة ضبطا تاما ومطابقة لبعضها تمام المطابقة، لا تزيد حرفا ولا تنقص حرفا، وإذا كنا اليوم نعرف المصحف على هذه الحالة فعلينا أن نعلم أنه مر بكثير من المراحل عبر عصور الإسلام الطويلة حتى وصل إلى هيئته المألوفة لنا.
      ولكن ما هو مألوف ومعتاد لنا اليوم كان في زمن مضى مقصدا يسعى المسلمون إلى تحقيقه، فهل نتخيل مقدار العناء والمشقة التي وجدها المسلمون الأوائل في تدوين القرآن الكريم حين كانت وسائل التدوين غير ميسورة، فكانت كتابتهم له في الجلود والعظام واللخاف، بحيث إذا أرادوا أن يحتفظوا بنسخة واحدة من القرآن الكريم –كما يقول الشيخ طاهر الكردي - المكتوب بالخط الكوفي الغليظ على هذه الأشياء الثقيلة لاحتاجوا إلى مكان واسع حتى يمكن حفظها فيه!
      وهل نتصور أنه منذ أكثر من مائة عام –وهو عهد قريب في تاريخ المصاحف- كانت الجهات الرقابية في مصر تمنع دخول أي مصحف من خارج البلاد، نظرا لوجود كثير من المصاحف المملوءة بالأخطاء في ذلك الوقت! وأنه منذ قرابة الستين عاما كانت محاولات تحريف المصاحف لا تزال قائمة، خاصة في بعض البلاد الإسلامية النائية!
      إنها رحلة طويلة مر بها المصحف الشريف حتى انتهى إلى صورته المشرقة وحلته القشيبة التي نعهده عليها، وهي رحلة تثبت تحقق الوعد الإلهي بحفظ القرآن الكريم، فما من عصر مر على هذا الكتاب إلا وقد استخدم الله فيه طائفة من المسلمين وغيرهم لخدمة القرآن وتحقيق الوعد الإلهي بحفظه، فكيف بدأت هذه الرحلة وإلا انتهت؟
      1. في العهد النبوي:
      توفي رسول الله والقرآن كله محفوظ في الصدور، ومسطور فيما تيسر للمسلمين الأوائل من وسائل التدوين، فكان بعضه مدونا على العُسُب "وهي جريد النخل".واللِّخَاف: "وهي الحجارة الرقيقة".والرقاع: "وهي القطعة من الجلد أو الورق"، وكان مرتب الآيات على وفق ما هو عليه الآن بتوقيف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، غير أنه لم يكن مرتب السور ولا مجموعا في كتاب واحد أو ما سمي فيما بعد في مصحف واحد، بل كانت مدونات القرآن الكريم متوزعة بين الصحابة.
      وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابا للوحي، بلغ عددهم ثلاثة وأربعين كاتباً، وكان بعضهم منقطعاً لكتابة القرآن خاصة، ومن أشهرهم : عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت .وكان تدوين الآيات يتم عقب نزولها مباشرة كما تشير إلى ذلك كثير من الروايات، كما تشير الروايات أيضا إلى نهي النبي عن كتابة ما سوى القرآن
      ويعلل علماء القرآن لعدم جمع القرآن في مصحف واحد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لازم عن احتمال نزول آيات جديدة في حياته ، إذ إن من آيات القرآن ما تأخر نزوله إلى قبل وفاته صلوات الله وسلامه عليه بأيام كما روي في نزول قوله تعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) .
      ومن ثم كان من الطبيعي ألا يجمع القرآن في مصحف واحد في حياة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يكتب مفرقا في الرقاع والعسب، وقد روي عن زيد بن ثابت أنه قال: "كنا عند رسول الله -- نوَلِّف القرآن من الرِّقاع، أي نجمعه لترتيب آياته من الرقاع، وروى عثمان بن عفان -- أن رسول الله : كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول: "ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"
      فلما انتقل رسول الله إلى جوار ربه، انقطع الوحي، وتيقن المسلمون أن ما بأيديهم من الآيات المحفوظة في صدورهم ومدوناتهم هو مجموع القرآن دون زيادة أو نقصان.
      2. في زمن أبي بكر:
      بعد موقعة اليمامة التي استشهد فيها سبعون صحابيا من حملة القرآن (وهم الذين كانوا يوصفون بالقراء)، استشعر المسلمون تخوفا ما على القرآن الكريم، دفعهم إلى التفكير في طريقة جديدة لتثبيت حفظه وتيسير تلاوته، فكان هذا الخبر الذي يرويه زيد بن ثابت :
      " أَرْسَلَ إِلِيَّ أَبُوبكرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ اليَمَامةِ وعندهُ عُمرُ فقالَ أبو بكرٍ إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامةِ بالنّاس وإِنِّي أخشَى أن يستَحرَّ القَتْلُ بالقرّاءِ في المواطن فيذْهبَ كثيرٌ من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمعَ القرآن. قال أبو بكر قلتُ لعمرَ كيفَ أفعلُ شيئاً لم يفعله رسول الله فقال عمرُ: هو واللهِ خيرٌ فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالسٌ لا يتكلم فقال أبو بكر إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ ولا نتهمك كنتَ تكتبُ الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفني نقل جبلٍ من الجبال ما كانَ أثقلَ عليّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي فقال أبو بكر هو والله خيرٌ فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرحَ الله له صدر أبي بكرٍ وعمر فقمتُ فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسُبِ وصدور الرجال".
      وكان زيد لا يعتمد على الحفظ في الصدور فحسب، فبرغم أنه كان من كتاب الوحي ومن الذين جمعوا القرآن حفظا في عهد النبي فإنه تحرى أن يكون مع المحفوظ نص مكتوب وأن يشهد عليه شاهدان، فنودي في الناس: من كان تلقى من رسول الله شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب.
      وهكذا دون القرآن الكريم للمرة الأولى في كتاب واحد يجمع بين دفتيه جميع آياته وسوره، ثم إنهم اختلفوا في الاسم الذي يطلقونه عليه، فقال بعضهم نسميه (السفر) وقال بعضهم نسميه (المصحف) واختار أبو بكر هذه التسمية، وصار هذا الاسم علما بالغلبة على القرآن الكريم.
      وقد ظل مصحف أبي بكر في بيته حتى وفاته ثم انتقل إلى عمر بن الخطاب ثم انتقل إلى دار حفصة أم المؤمنين بعد مقتل عمر وتركه الأمر شورى بين ستة من أصحاب رسول الله، فيقي في بيتها إلى أن طلبه عثمان بن عفان ، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المصحف الشريف

      3. في زمن عثمان:
      تلقى المسلمون القرآن عن النبي وحفظوه في صدورهم ودونوه في صحفهم، ومع فتح مكة رخص لهم رسول الله في قراءة القرآن على سبعة أحرف، وقد أدت هذه الرخصة إلى وقوع بعض الاختلاف في تلاوة القرآن، لكنه اختلاف تنوع لا تناقض فيه ولا تضاد، ومضى المسلمون على ما تلقوه من رسول الله وما رخص لهم فيه من أوجه القراءة، وجمُع القرآن في مصحف واحد في زمن أبي بكر الصديق وظل السماع هو الأصل في تلقي القرآن وروايته، ولم يؤد اختلاف القراءات إلى فتنة بين المسلمين الأوائل لقرب عهدهم برسول الله وصحابته الكبار الذين يعلمون حقيقة الترخص في قراءة القرآن بالأحرف السبعة، ويتقبلون ما يظهر من اختلاف في تلاوة بعض الآيات لكونها بإقرار الرسول الكريم.
      إلى أن جاء زمن عثمان فانطلق المسلمون إلى أنحاء الأرض ولكل منهم إمام في القراءة يأخذون عنه القرآن ويتعلمونه منه، وقد حدث أن التقى المسلمون من أهل الشام والعراق في بعض المغازي فاختلفوا في القراءة حتى كفر بعضهم بعضا، فهرع حذيفة بن اليمان إلى خليفة المسلمين عثمان ليدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها اختلاف اليهود والنصاري، فأمر عثمان على الفور بإحضار مصحف أبي بكر الذي كان قد استقر في بيت حفصة أم المؤمنين، وأمر بنسخه عدة نسخ، وأن يبعث إلى كل مصر من الأمصار بنسخة منه، واحتفظ لنفسه بنسخة سميت بالمصحف الإمام.
      وتدور تساؤلات كثيرة حول الفرق بين جمع القرآن في زمن أبي بكر وفي زمن عثمان، وتختلف الأجوبة عنها تبعا لاختلاف المسلمين حول مفهوم الأحرف السبعة، ومهما كان هذا الخلاف فإن الثابت أن النسخ التي أمر عثمان بكتابتها قد ارتضتها الأمة وتلقتها بالقبول، بالرغم مما حدث وقتئذ من تحريق بعض المصاحف لكبار الصحابة وغيرهم، وكانت تشتمل على اختلافات لما عليه المصاحف العثمانية، فإن هذه الاختلافات على الأرجح لم تستند إلى رواية متواترة تثبت صحة كونها قرآنا، فلذا أهملتها المصاحف العثمانية ومُنع من القراءة بها.

      والذي استقر عليه علماء القراءة أن المصاحف العثمانية لم تهمل شيئا من القراءات القرآنية المتواترة عن رسول الله ، وقد تيسر لها ذلك من طريقين:
      الأول: أنها لم تكن منقوطة ولا مشكولة، فأتاح لها ذلك أن يصح قراءة الكلمة الواحدة بغير وجه من القراءة، ولكن من المهم أن نشير إلى أن اختلاف القراءة لم يكن لمجرد احتمالية الرسم لها، بل لابد أن يكون لها سند صحيح متواتر من الرواية السماعية، التي هي الأصل في تلقي القرآن وتلاوته.
      الثاني: أن المصاحف العثمانية راعت اختلاف القراءات في الكلمات التي لا يحتملها رسم واحد، بأن وزعت هذه الكلمات على المصاحف، فبعض القراءات تثبت كلمة وبعضها تسقطها، وهذا لا يتيسر أن يكون في مصحف واحد، فكتبت بعض المصاحف بإثبات الكلمة وبعضها بإسقاطها، تبعا للصحيح المتواتر من روايتها.
      وعندما أرسل عثمان هذه المصاحف إلى الأمصار بعث مع كل مصحف منها مقرئا يقرئ الناس، فلم يخرج عن الأصل السماعي في تلقي القرآن، وإنما نسخت المصاحف لضبط الخلاف الذي اتسع وكاد أن يفضي إلى فتنة كبيرة بين المسلمين في تلاوة كتابهم.
      يقول القاضي أبو بكر الباقلاني عن الفرق بين جمع القرآن في زمن أبي بكر وجمعه في زمن عثمان: "لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، إنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبتٍ رسمه ومفروضٍ قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد".
      وقد ارتضت الأمة طريقة الرسم الإملائي للمصاحف العثمانية الذي سمي (بالرسم العثماني)، وبالغ بعضهم فقال بتوقيفيته وحرمة مخالفته في كتابة المصاحف، وهذا وإن كان محل خلاف بين العلماء فإن واقع كتابة المصحف يشير إلى احترام كبير للرسم العثماني، حتى عده علماء القراءة شرطا أساسيا لقبول القراءة واعتماد صحتها.
      ولا يزال الرسم العثماني معتبرا إلى يومنا هذا في كتابة المصاحف، لكن ثمة تعديلات طرأت عليه، وذلك في مرحلة جديدة من مراحل تاريخ المصحف.
      (يتبع)

    • #2
      تابع: تاريخ المصحف

      4. في عصر الأمويين:
      كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل كما أسلفنا، وكان العرب بسليقتهم يستطيعون أن يضبطوا نطق النص المكتوب وأن يميزوا بين الحروف المتشابهة في الرسم، فلما اختلط المسلمون بالأعاجم مع توسع الفتوحات الإسلامية ظهر آفتان في لسان العرب اقتضتا أن يفزع المسلمون إلى مصحفهم فيدخلوا بعض التعديلات على رسمه ليستقيم ضبطه ونطقه بغير خلل أو تحريف.
      كانت هاتان الآفتان هما: اللحن، والتصحيف. فأما اللحن فهو الخطأ النحوي الذي يتعلق بضبط أواخر الكلمات حسبما يقتضيه موقعها في الجملة، وفي زمن الخليفة الأموى معاوية بن أبي سفيان، رأى واليه على البصرة زياد بن سمية ظهور اللحن فطلب من ابى الاسود الدؤلى ان يضع طريقة لإصلاح الألسنة عند القراءة فلم يجبه إلى طلبه فدبر زياد حيلة فقال لرجل من أتباعه اقعد على طريق أبى الأسود واقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن ففعل الرجل ذلك وقرأ " أن الله برئ من المشركين ورسوله " وكسر اللام، فلما سمعه أبو الأسود أعظم ذلك وقال عز وجه الله تعالى من أن يبرأ من رسوله، فذهب من فوره إلى زياد وقال له قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن فابغنى كاتبا فبعث إليه ثلاثين كاتبا فاختار واحدا منهم وقال له خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد فإذا رأيتنى فتحت شفتي بالحرف فانقط واحدة فوقه وإذا كسرتهما فانقط واحدة أسفله وإذا ضممتهما فاجعل النقطة بين يدى الحرف فإن تبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين.
      وسمي ذلك بنقط الإعراب، وذلك أن أبا الأسود أشار إلى العلامات الإعرابية بنقط فوق الحرف أو تحته، وقد تطور هذا النقط في مرحلة تالية من تاريخ المصحف.
      وأما التصحيف فهو الخطأ في قراءة الحرف، ومعلوم أن كثيرا من الحروف العربية تتشابه في الرسم، ولما كثر التصحيف في زمن عبد الملك بن مروان، فزع الحجاج بن يوسف –وكان واليه على العراق- إلى بعض الكتاب لإيجاد طريقة تميز بين الحروف المشتبهة، وكان المسلمون يتحرجون من التدخل في الرسم العثماني، وبعد البحث قام اثنان من تلامذة أبي الأسود الدؤلي وهما نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني، بإدخال تعديل على طريقة كتابة الحروف، فوضعا النقط أفرادا وأزواجا لتمييز الحروف، فصارت الحروف المنقوطة تسمى معجمة، وغير المنقوطة تسمى مهملة، وسمى ذلك بنقط الإعجام، وكان يوضع بلون مداد المصحف حتى لا يختلط بنقط الإعراب الذي كان يوضع بمداد أحمر.

      وفي ذلك الزمان أيضا قسم القرآن إلى أحزاب وأجزاء تبعا لعدد الحروف أو الآيات، وتنسب بعض المصادر هذا العمل إلى نصر بن عاصم ويحيى بين يعمر أيضا، فقد روي أن الحجاج بن يوسف كلف طائفة من الحفاظ والقراء بعدّ آيات القرآن، وتم تحزيب القرآن تبعا لهذا العد.
      وقيل إن تجزئة القرآن إلى ثلاثين جزءاً - وهي التجزئة التي عليها مصاحفنا اليوم- منسوبةً إلى أبي بكر بن عياش المتوفى سنة 193هـ ، والواقع أننا لا ندري على وجه الدقة من صاحب هذه التجزئة، أهو الحجاج أم غيره؟ ورأى بعض الباحثين المعاصرين أن التجزئة المعروفة حاليا في المصاحف تقوم على أساس عدد الصفحات لا عدد الآيات أو عدد الكلمات والحروف، وقد وضعت بحيث يكون لكل جزء عشرون صفحة، فيكون مجموع صفحات المصحف ستمائة صفحة.
      وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يحزبون القرآن، بمعنى أنهم يقسمونه إلى أجزاء في التلاوة، وكان تقسيمهم قائما على اعتبار السور لا الآيات كما ظهر في العصر الأموي وما بعده واستقرت عليه كتابة المصاحف، فكان يحزبونه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم.
      ولاشك أن تحزيب القرآن على هذا النحو –وإن كان متفاوت الأجزاء- يراعي اتصال آيات السور ولا يقطع حديثا متصلا، فإن التحزيبات المحدثة بالحروف أو بالآيات لم يراع فيها الوقف والابتداء ؛ فكثيراً ما تتضمن الوقوف على كلام متصل بما بعده ويكون الابتداء بما له ارتباط وثيق بما قبله ، وذلك كالابتداء بقوله تعالى " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم " مع اتصالها الشديد بما قبلها .
      قال الشيخ عبد الفتاح القاضي في كتابه عن تاريخ المصحف: "ومن كتاب المصاحف في الصدر الأول من كان يضع ثلاث نقط عند آخر كل فاصلة من فواصل الآيات إعلاما بانقضاء الآية، ويكتب لفظ خمس عند انقضاء خمس آيات من السورة، ولفظ عشر عند انقضاء عشر آيات منها، فإذا انقضت خمس أخرى أعاد كتابة لفظ خمس، فإذا صارت عشرا أعاد كتابة لفظ عشر، ولا يزال هكذا إلى آخر السورة، ولذلك قال قتادة (بدؤوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا)".
      والظاهر أن هذه العلامات الدالة على فواصل الآيات أو عددها قديمة، فقد روي عن ابن مسعود وأبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح كراهة وضع علامة التعشير في المصحف، وذلك لحرصهم على تجريد المصحف مما سوى القرآن.

      5. في عصر العباسيين والدول الإسلامية:
      شهد عصر العباسيين مزيدا من التحسينات التي سعى المسلمون من خلالها إلى تيسير تلاوة القرآن الكريم وخدمة المصحف الشريف، فتنوعت طريقة النقط حيث تفنن الناس في اتخاذ الألوان في نقط مصاحفهم، ففي المدينة استخدموا السواد للحروف ونقط الإعجام، والحمرة للحركات والسكون والتشديد والتخفيف، والصفرة للهمزات، وفي الأندلس استخدموا أربعة ألوان: السواد للحروف، والحمرة لنقط الإعراب، والصفرة للهمزات، والخضرة لألِفات الوصل، أما في العراق فاستخدموا السواد لكتابة حروف المصحف ونُقط الإعجام، والحمرة لنقط الإعراب (الحركات والهمزات)، واستخدم في بعض المصاحف الخاصة الحمرة للرفع والخفض والنصب، والخضرة للهمزة المجردة، والصفرة للهمزة المشدَّدة. ونظرا لتكاثر الألوان فقد قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بإدخال تعديل على طريقة ضبط الإعراب التي وضعها أبو الأسود الدؤلي، فاستغنى عن النقط الحمراء التي كانت توضع على آخر الكلمة برموز تشير إلى الحركات، فوضع للضمة واوا صغيرة في أعلى الحرف، وللكسرة ياء تحت الحرف، وللفتحة ألفا مبطوحة فوق الحرف، وأخذ رمز الشدة من أول كلمة شديد، وأخذ علامة السكون من رأس خاء كلمة خفيف. ثم ما لبث أن عدلت علامة الكسرة فصارت توضع بخط ممتد تحت الحرف كما هو متبع الآن. ثم أخذ الضبط يعم جميع حروف الكلمات ولا يقتصر على الحرف الأخير من الكلمة.
      كما أخذت تشتهر علامات التحزيب والتجزئة في المصاحف، فقد روي أن المنصور العباسي طلب من عمرو بن عبيد أن يجزئ له القرآن بحيث يحفظه في سنة، فجزأه له إلى ثلاثمائة وستين جزءا، وقال: إنه حفظ القرآن على هذه التجزئة وحفظ بها جماعة من الناس، فحفظ المنصور العباسي القرآن على تلك التجزئة وحفظ بها ولده المهدي العباسي.
      وفي ذلك العصر تفنن المسلمون في كتابة المصاحف بالخطوط العربية التي بدأت تزدهر وتتطور تطورا كبيرا، فقد صارت فنا له أصوله وقواعده، يقول الشيخ طاهر الكردي: "والمصاحف في العهد الأول كانت تكتب بأنواع متعددة بالخط الكوفي إلى القرن الخامس تقريبا، ثم لما تنوعت الخطوط صاروا يكتبونها بخط الثلث إلى القرن الثامن أو التاسع، ولما ظهر خط النسخ الذي هو من أجمل الخطوط صاروا يكتبونها به إلى عصرنا الحاضر".
      وإلى جانب جمال الخط فقد حرص الخطاطون وكتاب المصاحف على زخرفتها وتوشيتها بألوان الزينة والزخارف الذهبية، ولم تعرف زخرفة المصاحف وتحليتها إلا في العصر العباسي.

      تتابعت الدول الإسلامية على تعظيم المصحف الشريف وخدمته، ففي العصر الفاطمي اعتنى الفاطميون بكتابة المصاحف وزخرفتها، وظهر الخط (الفاطمي)، وخط (الكوفي الفاطمي) وكتبت به المصاحف، وفي ذلك العصر اخترعت أقلام دقيقة بسن يكتب خطًا بعرض مليمتر واحد خُطت بها مصاحف صغيرة توضع في الجيب أو تعلق على الصدر.
      وفي العصر المملوكي بالغ السلاطين في الاعتناء بالمصاحف وتشجيع كبار الخطاطين على كتابة مصاحف خاصة تنسب إليهم، ولا يزال بعضها محفوظا في مكتبات العالم ودور الوثائق.
      ومن أشهر هذه المصاحف مصحف بيبرس الجاشنكير، وهو أحد أهم المصاحف المملوكية وأحد أعظم المصاحف من ناحية جمال الخط وروعة التزيين، وهو مكتوب في سبعة أسباع بالخط الثلث الكبير المذهب.

      ومصحف السلطان الناصر محمد بن قلاوون الموقوف على جامعه بالقلعة وهو مكتوب بماء الذهب، ومصحف السلطان برقوق ، ومصحف السلطان المؤيد شيخ و مصاحف السلطان الأشرف برسباي والسلطان الأشرف أبي النصر قايتباي.
      وقد عرف عن سلاطين المماليك وأمرائهم وقف المصاحف الضخمة على المدارس والمساجد التي أنشأوها، وقد كتبت بأروع الخطوط وزينت بالذهب والزخارف البديعة، ويمتاز تجليد المصاحف التي ترجع إلى العصر المملوكي بتغطية جلدتي المصحف بزخارف هندسية متشابكة.
      وفي إيران في القرن التاسع الهجري بلغ فن تزيين جلود المصاحف بالزخارف المفرغة أوج عظمته، وذلك بفضل مدارس الفنون التي أنشأها خلفاء تيمور لنك، وفي مكتبة رئاسة الجمهورية بطهران مجموعة من أجمل المصاحف التي تميزت أغلفتها بقمة الإبداع والفن، كما برع الصفويون منذ القرن الرابع في نوع من الزخرفة لأغلفة المصاحف بطلائها بمادة اللك (اللاكيه)، حيث يصبح غلاف المصحف أشبه بالزجاج من شدة اللمعان.
      وفي المغرب العربي ظهر الخط الكوفي المغربي حيث ازدادت فيه استدارة الحروف وتطور في النهاية إلى الخط المغربي ، وشاع استخدامه في القيروان منذ القرن الخامس للهجرة ومنها انتشر إلى سائر شمال أفريقيا والمغرب والأندلس وتفرعت عنه خطوط أخرى، وكتبت بها المصاحف، وتميز المغاربة بطريقة خاصة في النقط وفي تجزئة المصاحف.
      (يتبع)

      تعليق


      • #3
        تابع: تاريخ المصحف

        6. في عصر العثمانيين:
        عني العثمانيون كسابقيهم من ولاة المسلمين بالمصحف الشريف، وكان لديهم شغف باقتناء المصاحف دفعهم إلى تكليف الخطاطين بكتابتها لهم كما كان شائعا من قبل، وزادوا على ذلك أنهم كانوا يجمعون نفائس المصاحف المخطوطة من الولايات العثمانية لتستقر في خزائن السلطنة، وتوجد أكبر وأروع مجموعات المصاحف في العالم في مكتبة متحف طوبقابي سراي في استنبول، وهي المصاحف التي كانت في الخزانة الخاصة لسلاطين آل عثمان.
        كما سار العثمانيون على سنة من قبلهم في وقف المصاحف على المساجد ودور العلم والمدارس والمكتبات، حيث كان لهم إسهام كبير في وقف عدد من المصاحف النفيسة على الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى وغيرها من أماكن العبادة ودور العلم.
        ومن التقاليد الاجتماعية الإسلامية التي اعتاد عليها العثمانيون: إهداء المصحف الشريف، تعبيرا عن المحبة والتقدير، وكان السلاطين العثمانيون يعتبرون المصحف الشريف أثمن الهدايا وأقيمها.
        وقد استطاع الخطاطون الأتراك أن يرتقوا بفن كتابة المصاحف وأن يخطوا فيه خطوات كبيرة، ويجدر بالذكر أن بعض السلاطين والأمراء والوزراء وشيوخ الإسلام تعاطوا فن الخط وكتبوا المصاحف، مما كان له أكبر الأثر في رعاية الخطاطين وازدهار فن الخط العربي في ذلك العصر، وهو ما انعكس على كتابة المصاحف ونسخها، سواء من الناحية الجمالية أو من الناحية العددية، حيث إن ما كتبه الخطاطون العثمانيون من المصاحف يعادل أضعاف ما كتبه غيرهم من الخطاطين المسلمين.
        وفي العصر العثماني أصبح خط النسخ هو الخط المفضل لكتابة المصاحف بعد أن كان يزاحمه بعض الخطوط الأخرى كالمحقق والريحان والثلث، وساعد على غلبة خط النسخ في كتابة المصاحف ما يتميز به من سهولة الأداء والقراءة.
        ومن أشهر الخطاطين العثمانيين الشيخ حمد الله الأماسي الذي تتلمذ عليه السلطان بايزيد الثاني أول خطاط من السلاطين العثمانيين، والشيخ درويش علي الذي قام بتهذيب بعض أشكال حروف خط النسخ في كتابة المصحف الشريف، والشيخ الحافظ عثمان الذي بلغ عنده خط النسخ غاية الجمال والفن، وكان مصحفه أول المصاحف العثمانية التي طبعت منذ بداية الطباعة العثمانية للمصحف الشريف سنة 1877م.

        وقد شهد عصر العثمانيين علامة فارقة في تاريخ المصحف، وهي ظهور المطبعة التي اخترعها جوتنبرج في ألمانيا عام 1436م، ولم تلبث أن استقدمها العثمانيون إلى الأستانة بعد تحفظ فقهي كبير، حيث كان الفقهاء يفتون بحرمة طباعة المصحف والكتب الدينية، وتعددت التفسيرات لهذا الموقف، فمن قائل إنه التخوف من تحريف القرآن وتغيير حروفه، ومن قائل إنه التخوف من تواكل طلاب العلم وتركهم الحفظ، ومن قائل إن الطباعة كانت تمثل تهديدا لفئات كثير من الفقهاء والقضاة وكبار موظفي الدواوين ممن كانوا يعتمدون في تحصيل رزقهم على نسخ الكتب والمصاحف.
        ومهما يكن من أمر فقد عرفت المطبعة طريقها إلى دار السلطنة العثمانية، كما عرفت طريقها إلى بعض البلاد الإسلامية في فترات تاريخية مبكرة، إلا أن المصحف لم يطبع في أيٍ منها إلا متأخرا نسبيا إذا ما قورن بطبعات القرآن في أوربا.
        فقد طبع القرآن لأول مرة في البندقية في حدود سنة 1530م ، ويذكر بعض الباحثين أن السلطات الكنسية أمرت بإعدام هذه النسخة، ثم طبع في هانبورغ سنة 1694م بإشراف المستشرق الألماني هنكلمان، وامتلأت بالأخطاء الطباعية وأخطاء أخرى، ويوجد نسخة منها في دار الكتب المصرية وفي مكتبة الملك سعود بالرياض، كما طبع المصحف في مدينة بتافيا الإيطالية سنة 1698م.
        وفي عام 1834 ظهرت طبعة فلوجيل التي لاقت رواجا كبيرا في أوربا، وسنفصل الحديث عنها لاحقا.
        ثم ظهرت أول طبعة إسلامية للمصحف في سانت بترسبورغ بروسيا سنة 1787م وأشرف عليها مولاي عثمان، كما ظهرت في قازان العاصمة الحالية لمنطقة تاتارستان طبعة أخرى عام 1801م بإشراف محمد شاكر مرتضى أوغلو ، ولم تلتزم بالرسم العثماني ولا ذكر أرقام الآيات.
        وفي إيران ظهرت طبعتان حجريتان إحداهما في طهران سنة 1828م، والأخرى في تبريز سنة 1833م.
        وظهرت في الهند طبعات متعددة للقرآن أولها الطبعة التي ظهرت في مدينة لكنو بالهند عام 1850م، ثم طبع المصحف أيضا في كلكوتا ونيودلهي. وقد تميزت مصاحف الهند بتجزئة السور إلى أجزاء تقرأ في الصلوات ويركع بعد انتهاء كل جزء، ولا زالت علامات الركوع المرموز لها بالحرف (ع) على هامش المصحف ثابتة في مصاحف شبه القارة الهندية .
        7. المصاحف التركية وانتشار رواية حفص عن عاصم
        بعد ظهور عدد من المصاحف المطبوعة في أنحاء العالم الإسلامي أدلت الأستانة بدلوها في هذا السياق، فطبعت المصحف سنة 1877م بخط الخطاط الشهير الحافظ عثمان، الذي كان قد كتب بخطه خمسة وعشرين مصحفا، وقد طُبِعَ مصحفه مئات الطبعات في مختلف الأقطار الإسلامية، وانتشر في العالم الإسلامي، وفاق الطبعات السابقة واللاحقة، ومع ذلك فقد تباينت أصداؤها بين من يصفها بأنها من أفضل الطبعات وأدقها، وبين من يمنع من إطلاق كلام الله عليها، وذلك لأنها لم تكن ملتزمة للرسم العثماني التزاما دقيقا.
        وقد ضبطت المصاحف المطبوعة في عصر العثمانيين –وإلى يومنا هذا- بما يوافق قراءة حفص عن عاصم الكوفي، لما عرف عن الأتراك أنهم يقرؤون القرآن بهذه القراءة، وعزا ذلك بعض الباحثين إلى مذهبهم الحنفي وهي ملاحظة لها ما يؤيدها، إذ إن القراءة المتبعة في بلاد المغرب إلى يومنا هذا هي قراءة نافع المدني، ومعلوم أن أهل المغرب يلتزمون في الفقه مذهب الإمام مالك إمام أهل المدينة، فلا يبعد أن يكون الأتراك قد التزموا قراءة حفص تبعا لهذا الأصل.
        ويذكر بعض الباحثين أيضا أن الدولة العثمانية مارست نوعا من التدخل القسري لتعميم قراءة حفص وتوحيد العالم الإسلامي على الالتزام بها، ويعارض هذا الرأي بشيوع قراءة نافع وأبي عمرو في بعض البلدان الإسلامية التي كانت خاضعة للحكم العثماني، ويعارض أيضا بشيوع قراءة حفص والتزامها في شرق العالم الإسلامي: تركستان والهند وأندونيسيا وإيران، وقد كانت إيران في وقت الخلافة العثمانية تحت إمرة الصفويين وبينهم وبين العثمانيين عداء كبير كما هو معروف، فما سبب انتشار قراءة حفص لديهم إذا كان أصل انتشارها راجعا لدور العثمانيين في ذلك؟
        ربما يكون الجواب متمثلا في طبعات المصحف الشريف التي انتشرت في بلدان العالم الإسلامي إبان الحكم العثماني والتي كتبت على ما يوافق قراءة حفص، ولا شك أن للمصحف المطبوع قدرة على الانتشار تفوق المصاحف المخطوطة، ونحن نشهد في عصرنا هذا تنافسا ظاهرا بين قراءة حفص وورش في بلاد المغرب، فمن المعروف أن مجمع الملك فهد القائم على طباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة يقوم بتوزيع كميات كبيرة من المصاحف المطبوعة بقراءة حفص، وقد ساهم ذلك في انتشار جزئي لقراءة حفص في بلاد المغرب مما دفع وزارة الثقافة المغربية إلى منع هذا المصحف من التداول حفاظا على انتشار رواية ورش، ومثل ذلك نجده في السودان التي كانت على قراءة الدوري عن أبي عمرو ثم بدأت تشيع فيهم قراءة حفص، وقد قامت دار مصحف أفريقيا بطباعته على قراءة حفص إلى جانب قراءة الدوري.
        8. طبعات استشراقية: طبعة فلوجيل
        وفي سنة 1834 ظهرت طبعة المصحف التي أشرف عليا المستشرق الشهير جوستاف فلوجل، وحظيت بانتشار واسع لدى المستشرقين، وظلت هي النسخة المعتمدة لديهم لوقت طويل، وقد تميزت طبعة فلوجيل بقلة الأخطاء إلى جانب أنه قصد بها أن يقدم النص القرآني فقط دون أي تعليقات أو انتقادات للإسلام أو المسلمين، ولذلك أطلق عليها: " النص العربي للقرآن طبقا لبعض المخطوطات والمراجع المطبوعة، وحسب قراءات وقواعد مشاهير القراء"، واعتمد فيها على نسخ من المصاحف الموجودة في بعض المكتبات الأوربية إلى جانب نسخ من بعض التفاسير الشائعة، ولا سيما تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود العمادي.

        ولم تلتزم طبعة فلوجيل بالرسم العثماني. وفضلا عن ذلك فإنها حفلت بكثير من الأخطاء الجسيمة فيما يتعلق بعدد الآيات وفواصل السور، فنشأ عن ذلك اضطراب شديد في ترقيم الآيات، ظهر أثره في كتابات المستشرقين الذين اعتمدوا على هذا المصحف، ويجدر بالذكر أن فلوجيل أعد أول معجم مفهرس للقرآن الكريم ونشره بعنوان "نجوم الفرقان في أطراف القرآن"، وقد اعتمد عليه بشكل كبير الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في معجمه المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
        وقد تنبه المستشرق الألماني برجستراسر إلى الأخطاء التي وقعت في طبعة فلوجيل، وانتهز فرصة إقامته في مصر ليطلع على طبعة الأزهر التي سمع عنها قبل مجيئه إلى مصر بعام أو عامين والتي صدرت عام 1924م، وعندما وصل إلى الإسكندرية في عام 1929 حمل معه نسخة من طبعة فلوجيل، ففوجئ بهيئة الجمارك تصادر منه تلك النسخة، إذ كان يُشترط صدور تصريح بدخول أي مصحف إلى مصر، وفشلت محاولاته لاستعادة النسخة فتوجه إلى شيخ المقارئ المصرية آنذاك الشيخ محمد بن خلف الحسيني، وعندما زاره في مكتبه فوجئ بأن نسخته المصادرة على مكتبه، وأن الشيخ الحسيني طلب من الشيخ الضباع –عضو لجنة مراجعة المصاحف- أن يكتب تقريرا عنها، وذكر برجسترسر أنه رأى على مكتب شيخ المقارئ ملفا خاصا بمصادرات المصاحف المغلوطة، وقد أعاد الشيخ الحسيني إلى برجستراسر نسخته بعد توقيعه على تعهد بإدخال التصحيحات عليها، وألا تعاد طباعة أي نسخة غير مصححة من طبعة فلوجيل، ووقع برجسترسر على هذا التعهد بكل ارتياح لأنه اقتنع بأفضلية الطبعة التي أصدرها الأزهر للمصحف الشريف، وقد أشاد بها إشادة بالغة واعتبرها إنجازا ممتازا تُهدى من أجله التهنئة الصادقة إلى العلماء المصريين، وهو إنجاز لم يكن بإمكان الاستشراق الأوربي تقديم ما هو أفضل منه أو يوازيه .
        (يتبع)

        تعليق


        • #4
          تابع: تاريخ المصحف

          9. الطبعات المصرية للمصحف الشريف
          يتداول الناس مقولة ذائعة تقول إن القرآن نزل في الحجاز، وكتب في تركيا، وقرئ في مصر، وذلك لما تميزت به دار السلطنة العثمانية في كتابة المصاحف ومبادرتها إلى طبع المصحف، ولما تميزت به الديار المصرية من إتقان التلاوة وجمالها، غير أن واقع تاريخ المصحف يشير إلى أن القرآن طبع في مصر أيضا كما قرئ فيها، بمعنى أن مستوى الإجادة التي قرئ بها في مصر لا يقل عن مستوى الدقة التي طبع بها، ولذلك من الحق أن يقال إن القرآن قرئ في مصر وطبع فيها أيضا.
          ففي مطبعة بولاق الشهيرة بمصر التي عرفت فيما بعد بالمطبعة الأميرية طبع المصحف الشريف لأول مرة على الأرجح سنة 1833م لكنه لم يخل من أخطاء دفعت بعض علماء الأزهر إلى حث الخديوي عباس الأول على الأمر بمصادرتها، ثم توالى طبع المصحف بعد ذلك في مطبعة بولاق وبلغ من العناية به أن خصص جزء من مطبعة بولاق لطبعه خاصة ، وعرف باسم مطبعة المصحف الشريف.
          وفي مصر ظهر أول مصحف مطبوع موافق للرسم العثماني كتبه الخطاط عبد الخالق حقي المعروف بابن الخوجه ، وكانت المصاحف المطبوعة كلها تهمل هذا الرسم وتسير على الرسم الإملائي أو لا تدقق في تحري رسم جميع الكلمات على وفق الرسم العثماني، وهو عمل جليل صدر بإشراف أحد أعلام الإقراء وهو الأستاذ العلامة المحقق الشيخ رضوان بن محمد الشهير بالمخللاتي، الذي نسب إليه المصحف وشاع خطأ أنه هو الذي تولى كتابته بنفسه، والظاهر أن يكون الشيخ قد كتب النسخة التي نقل عنها ابن الخوجه، فقد وقع في ضبط بعض الكلمات ورسمها أخطاء فادحة لا يمكن أن تصدر عن الشيخ المخللاتي المعروف بدقته وضبطه.
          وقد صدر هذا المصحف بمقدمة جليلة كتبها الشيخ المخللاتي وأشار فيها إلى مصادر تحرير الرسم العثماني وضبط الكلمات، ولخص تاريخ كتابة القرآن في العهد النبوي وجمعه في عهدي أبي بكر وعثمان ، وعرض بإيجاز لمباحث الرسم والضبط والعد ومعنى السورة والآية. كما عني أيضا ببيان عدد آي كل سورة في أولها على مذاهب العلماء مع الإشارة إلى مواضع الخلاف، كما أشار إلى مواضع الوقف الذي قسمه إلى ستة أقسام رمز إلى كلٍ منها بأول حرف من اسمه: كاف، حسن، جائز، صالح، مفهوم، تام.
          طبع هذا المصحف طبعة حجرية في المطبعة البهية لصاحبها الشيح محمد أبي زيد سنة 1890م، وصار هو المصحف المقدم على غيره من المصاحف، ولم يعبه سوى رداءة ورقه وسوء طباعته الحجرية، فضلا عما وقع فيه من أخطاء في رسم بعض الكلمات وضبطها.


          المصحف الأميري:
          ونظرا لما شاب مصحف المخللاتي من هنات ومآخذ، فقد سعى الملك فؤاد الأول إلى طباعة المصحف مجددا على نفقته، وانتدب لهذا العمل لجنة علمية ترأسها شيخ المقارئ المصرية آنذاك الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني الشهير بالحداد، بمصاحبة الأستاذ حفني ناصف العالم اللغوي، ومصطفي عناني المدرس بمدرسة المعلمين، وأحمد الإسكندري رئيس المصححين بالمطبعة الأميرية، فكتبوا القرآن كله حسب قواعد الرسم العثماني، وأتموا ضبطه وفق ما ذهب إليه المحققون من العلماء، وبينوا في ترجمة كل سورة عدد آيها وأنها مكية أو مدنية، وأنها نزلت بعد سورة كذا، ووضعوا لكل آية رقمها، ووضعوا علامات للوقوف وجعلوها خمسة أقسام: م للمتنع، قلي وتعني الوقف أولى، صلي وتعني الوصل أولى، ج لجواز الوجهين، لا للوقف الممتنع، كما وضعوا علامات الأجزاء والأحزاب والأرباع والسجدات. وقد أثبتوا في خاتمة المصحف تعريفا به لا يزال متداولا في المصاحف إلى يومنا هذا.
          عرف هذا المصحف بمصحف الملك فؤاد أو المصحف الأميري، وتم جمعه وترتيبه بالمطبعة الأميرية (مطبعة بولاق)، وقام بصف حروفه الخطاط محمد جعفر بك، وهو الذي كتب القاعدة النسخية للمطبعة الأميرية، ثم تولت مطبعة مصلحة المساحة طباعته، فظهر في طبعته الأولى عام 1924م.
          وبعد صدور هذه الطبعة لوحظ وقوع عدة ألفاظ على غير ما تقتضيه أصول رسم المصحف، فأمر الملك فاروق بتشكيل لجنة لمراجعة المصحف وتدقيقه، ترأسها الشيخ محمد علي الضباع شيخ المقارئ المصرية آنذاك، وبعضوية الشيخ عبد الفتاح القاضي والدكتور محمد علي النجار والأستاذ عبد الحليم بسيوني، وتم إعداد المصحف وطبعه بمصلحة المساحة، ثم تولت مطبعة دار الكتب المصرية ترتيبه وتجليده، فصدر في عام 1952 في طبعته الثانية، وهي الطبعة التي شارفت الكمال في ضبط المصحف ومراجعته، وتلقاها المسلمون في أنحاء العالم بالتقدير والاعتزاز.
          وقد كان هذا المصحف المصحح الذي صدر بإشراف هذه اللجنة الموقرة من كبار العلماء هو الأصل الذي اعتمدت عليه شركة الشمرلي في طباعة مصحفها الشهير الذي كان هو المتداول بين المسلمين في مصر وغيرها لفترة طويلة، واستطاع أن يحقق له انتشارا واسعا حتى طغى على المصحف الأميري، ويجدر بالذكر أن مصحف الشمرلي وإن اعتمد في تصحيحه وضبطه على المصحف الأميري لم يكن نسخة مطابقة له، وإنما توجد اختلافات بينهما أبرزها في الخط وعدد الأسطر، فقد طبع المصحف الأميري بنظام صف الحروف، وبلغت عدد الأسطر في كل صفحة 12 سطرا، بخلاف مصحف الشمرلي الذي طبع عن نسخة خطية –تمت تصحيحها ومراجعتها على المصحف الأميري- وبلغت عدد سطوره 15 سطرا.
          وقد كان المصحف الأميري يوزع على طلاب المدارس في مصر وبعض البلاد العربية إلى عهد قريب، وذلك لما تميز به خطه من الوضوح والسهولة، ولا يزال الخط الأميري الذي وضعه الخطاط محمد جعفر بك من أجمل الخطوط التي عرفتها المطابع إلى يومنا هذا.

          مصحف الشمرلي
          يرتبط مصحف الشمرلي بأذهان جيل كامل من المصريين، فقد كان هو المصحف الذي تعلق به كبار القراء والعلماء وطلاب العلم وعوام المسلمين وخواصهم في مصر والدول العربية إلى أن أنشئ مجمع الملك فهد، وقد علل الدكتور المعصراوي -شيخ المقارئ الحالي- انتشار مصحف الشمرلي بعنايته البالغة بطباعة المصحف متمثلة في قلة الأخطاء وجودة الورق وتنوع الأحجام واعتدال الثمن.
          ولا يزال حفظة القرآن من الشيوخ الكبار يعتمدون على هذا المصحف الذي احتفظت ذاكرتهم بصورته، فيستطيعون أن يحددوا فيه مواضع الآيات وبدايات السور ونهايتها بالذاكرة البصرية، ويذكر أحد الباحثين في دراسة قدمها لندوة طباعة القرآن الكريم ونشره التي عقدت منذ عامين بالسعودية، أن الشيخ الحصري كان يكثر من إهداء هذا المصحف المفضل لديه لكل زائر لبيته، فكانت عربة المطبعة تأتي إليه كل شهر بكم كبير من المصاحف ليقوم بتوزيعها.
          ويجدر بالذكر أن شركة الشمرلي أصدرت المصحف الشريف بخط اثنين من كبار خطاطي العالم الإسلامي، كان أولهما الخطاط التركي السيد مصطفى نظيف الشهير بقدره غلي، والذي كتب مصحفا سبق طبعه في المطبعة العثمانية عام 1891م، وأعادت طبعه شركة الشمرلي منذ عام 1944.
          وكان الآخر هو الخطاط المصري محمد سعد حداد، وكان ذلك منذ عام 1975 وقد سار على خطى سابقه فالتزم بعدد الأسطر (15 سطرا) وأبقى تراجم السور كما كانت في نسخة قدره غلي، لكنه زاد في خاتمة المصحف دعاء لختم القرآن الكريم وفهرسا تفصيليا لسور القرآن وأجزائه وأحزابه، وحذف منها موضوع (شرح المهم مما اختلف فيه من كلم القرآن الكريم عن حفص).
          وقد كان المصحف الأميري يقتصر في التعريف بالسور على ذكر كونها مكية أو مدنية دون أن يذكر الاختلاف في بيان نزول آيات السورة الواحدة، فزاد مصحف الشمرلي بيان هذه الاختلافات.

          كما طبعت شركة الشمرلي مصحفا بنظام الربعة، حيث استقل كل جزء بفصلة، وكل فصلة داخل غلاف مزخرف، وتولى كتابة هذا المصحف الخطاط المصري سيد عبد القادر الشهير بزايد، وعدد سطوره 14 سطرا.
          (يتبع)

          تعليق


          • #5
            تابع: تاريخ المصحف

            10. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
            تعود بداية طباعة المصحف في المملكة العربية السعودية إلى عـــام (1949 مـ) عندما تمت طباعة مصحف باسم: مصحف مكة المكرمة، والذي كتبه الخطاط الكبير الشيخ محمد طاهر الكردي، وراجعه عدد من علماء مكة في ذلك الوقت.ثم ظهر مصحف آخر في مدينة جدة عام (1979مـ) في مطابع الروضة، بعد مراجعته، والموافقة عليه من الجهة المختصة في المملكة .
            وفي عام 1984 أزيح الستار عن أكبر مؤسسة إسلامية عالمية لطباعة وخدمته، وهي مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، والذي أخذ على عاتقه مهمة طباعة المصحف الشريف برواياته المختلفة ، إلى جانب ترجمة وطباعة معاني وتفسير القرآن الكريم إلى أكثر من خمسين لغة من أهم وأوسع اللغات انتشارا، وتسجيل تلاوة القرآن الكريم بأصوات مشاهير القراء، وإجراء البحوث والدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم والسنة المطهرة.
            وقد اختار المجمع الخطاط السوري عثمان طه لكتابة المصاحف وذلك لجودة خطه ووضوحه وسلاسته ولقلة الأخطاء فيه، وأوكل أمر مراجعتها والإشراف على كتابتها وطبعها إلى لجنة علمية مختارة بعناية من المختصين في علوم التجويد والقراءات والرسم والضبط وعد الآي والوقوف والتفسير، ويتبع المجمع عددا من المعايير الفنية الدقيقة التي تكفل خروج نسخ المصحف في غاية الدقة والإتقان، حيث تقوم اللجنة بمراجعته وفحصه فحصًا دقيقًا آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، وحركة حركة، مع الفحص الدقيق للاصطلاحات والرموز ويتم ختم القرآن في أثناء المراجعة أكثر من مائتي مرة.
            تصل الطاقة الإنتاجية للمجمع إلى ثلاثة عشر مليون نسخة من مختلف الإصدارات سنويا. وزاد عدد الإصدارات التي أنتجها المجمع حتى مطلع عام 2010 على 260 إصدارا موزعة بين مصاحف كاملة وأجزاء وترجمات وتسجيلات وكتب للسنة والسيرة النبوية وغيرها، وزاد إنتاج المجمع على 254 مليون نسخة.وقد قامت حكومة المملكة العربية السعودية بطبع ملايين النسخ من مصحف المدينة بأحجام مختلفة وتوزيعه في سائر أنحاء العالم الإسلامي هدية منها إلى الشعوب الإسلامية في كل مكان، حيث يتم إهداء نسخة من هذا المصحف لكل حاج أو معتمر، وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة السعودية منعت تداول أي مصحف آخر داخل المملكة حرصا على سلامة المصاحف المتداولة فيها من أية أخطاء، في ظل وجود مصحف المدينة الذي يمثل قمة الضبط والتحقيق في تاريخ المصحف.
            11. مؤسسات كبرى لطباعة المصحف
            في شبه القارة الهندية:
            في لاهور سنة 1929م تأسست شركة تاج لطباعة المصحف الشريف والكتب الدينية (تاج كمبني) وانتشرت فروعها في البلاد المجاورة لها، وقد طبعت هذه الشركة مصحفا شهيرا عرف بمصحف تاج، وله انتشار واسع في شبه القارة الهندية إلى يومنا هذا، وقد تميز بجودة الخط والتجليد وحسن التنظيم، إلى جانب مراجعته علميا من قبل كبار علماء الهند، وقد أعيد طبع هذا المصحف بمجمع الملك فهد عام 1989م باسم (مصحف نسخ تعليق) ويعاد طبعه إلى الآن، وجاءت طباعته تلبية لرغبة الحكومة الباكستانية في الثمانينات وذلك لخدمة المسلمين في هذه البلاد، حيث كانوا يجدون صعوبة بالغة في القراءة من المصاحف المطبوعة في البلاد العربية لكونها على رسم وضبطٍ لم يتعودوهما.
            وتشرف شركة تاج على ترجمات معاني القرآن الكريم إلى لغات محلية مثل الأردية والبشتو والسندية والفارسية والإنجليزية وغيرها.


            في بلاد المغرب العربي:
            مر المصحف الشريف في بلاد الغرب الإسلامي بعدة مراحل، ابتداء من المصاحف المخطوطة، ويقترب تاريخها في المغرب من تاريخها في المشرق من حيث العناية بالمصاحف وزخرفتها وتنافس الولاة والأمراء في العناية بها، مع ملاحظة ما تميز به المغاربة من الخط المغربي، إلى أن ظهرت المطابع فطبع المصحف الشريف طبعة حجرية بالخط المغربي (المبسوط) برواية ورش في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ثم توالت الطبعات في عهد ملوك المغرب إلى أن بلغ غاية الدقة والإبداع في عهد محمد السادس الذي أنشأ مؤسسة باسمه لنشر المصحف الشريف، وهي هيئة مرجعية عليا في مجال الإعداد العلمي والمادي والفني لنسخ المصحف الشريف ونشره وتسجيله، وتعمل على الإشراف على طبع المصحف الشريف برواية ورش عن نافع وفق القواعد المعتمدة في علوم الرسم والضبط والقراءات والوقف، وقد عرف المصحف الصادر عن هذه المؤسسة بالمصحف المحمدي.

            في السودان:
            تأسست في الخرطوم عام 1994م مؤسسة دار مصحف أفريقيا، إسهاما في خدمة كتاب الله وطباعة المصحف الشريف وتوفيره لملايين المسلمين في أفريقيا، وقد افتتحت في 2001م، وجاء فكرة الدار من إحساس عميق بمدى معاناة المسلمين في كثير من البلاد الأفريقية في الحصول على المصاحف لا سيما بالقراءات المختلفة التي يقرأون بها القرآن وهي حفص عن عاصم، الدوري عن أبي عمرو، ورش عن نافع، قالون عن نافع، فرأى القائمون على الدار المساهمة في طباعة المصحف الشريف بمختلف الروايات السائدة في أفريقيا: ، وتوفير المصحف للمسلمين إلى جانب التسجيلات الصوتية للقرآن الكريم وطباعة ترجمات معاني القرآن ونشر الكتب الإسلامية، وقد قامت الدار بطباعة حوالي 3 ملايين نسخة من المصحف الشريف

            12. ولقد يسرنا القرآن للذكر
            أرأيت أيها المسلم، كيف قضى المصحف هذه الرحلة الطويلة عبر عصور الإسلام المختلفة حتى يصل إليك غضا سهلا؟ وفي كل عصر لم تخل بقعة من بقاع الإسلام إلا وجدّ فيها المسلمون واجتهدوا لخدمة كتابهم والمحافظة عليه، تحقيقا للوعد الإلهي بحفظه، فمنذ خرجت نسخ المصحف الشريف إلى الآفاق في زمن الخليفة الراشد عثمان بن عفان ونسخ المصاحف في ازدياد وانتشار، وجهود المسلمين لا تتوانى عن خدمة هذه المصاحف، تارة بتيسير ضبطها وكتابتها، وتارة بالاعتناء بها وزخرفتها وإبرازها في أجمل حلة للناظرين.
            وعندما عرف المسلمون الطباعة كان المصحف الشريف هو أهم ما اعتنوا بطباعته، حتى توالت الطباعة واحدة تلو الأخرى، وكل طبعة تحاول أن تستدرك على سابقتها ما وقع فيها من أخطاء.
            ولم تزل جهود المسلمين قائمة في خدمة المصاحف وتيسير تلاوة القرآن الكريم، ولم تقتصر هذه الجهود على طباعة المصاحف ومراجعتها، بل امتدت إلى جوانب أخرى من أهمها:
            - تسجيل المصحف وإذاعته مسموعا على الناس: وكان ذلك تحولا كبيرا في مسيرة المصحف، ونقلة نوعية في جمع القرآن الكريم، وقد سجل المصحف المرتل لأول مرة عام 1960 بصوت القارئ الجليل محمود خليل الحصري، وتعود فكرة تسجيل المصحف إلى الأستاذ لبيب السعيد، وقد ذكر ملابسات تسجيل المصحف المرتل ومراحل تنفيذ هذا المشروع العظيم في كتابه (الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم).
            - مصحف التهجد: وقد كتب ليكون معينا لختم القرآن الكريم في الصلاة، حيث التزم في كتابته أن يستغرق كل ربع من أرباع الجزء صفحة كاملة لا يتجاوزها إلى غيرها، فلا يضطر القارئ إلى تقليب الصفحات أثناء التلاوة في الصلاة.
            - مصحف التجويد: حيث وفرت إمكانيات الطباعة الحديثة استخدام الألوان للتعبير عن أحكام التجويد، فصدرت عدة طبعات لمصحف التجويد الذي يرمز فيه لكل حكم من أحكام التلاوة بلون مميز.
            - مصحف القراءات: وفيه أثبت النص القرآني مع ذكر اختلافات القراءات السبع أو العشر على الهامش.
            - مصحف التفصيل الموضوعي: وفيه تظلل الآيات التي تمثل وحدة مترابطة من السورة بلون خاص، تيسيرا على الحافظ والمتدبر.
            وفي عصر التقنيات الحديثة دخل المصحف عالم الحاسوب، فظهرت المصاحف الإلكترونية التي يستطيع المسلم أن يرفعها على هاتفه المحمول، ويوفر المصحف الإلكتروني كثيرا من خدمات البحث والتفسير والاستماع والفهارس والقراءات وغير ذلك مما يتصل بالقرآن الكريم.
            ولن تزال جهود المسلمين موصولة في خدمة المصحف الشريف، كتابهم المقدس الذي أنزله الله ليكون هداية للعالمين، فاللهم اجعلنا من خدمة القرآن العظيم وانفعنا به يا رب العالمين.

            د. حسام الدين طاهر عبد المنعم
            رمضان 1437هـ – يونيو 2016م

            تعليق

            20,335
            الاعــضـــاء
            233,519
            الـمــواضـيــع
            43,118
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X