• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل (طبعة منقحة وفيها زيادات مهمة)

      بسم الله الرحمن الرحيم

      هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل (طبعة منقحة وفيها زيادات مهمة)
      قبل عدة سنوات وضعت هذا البحث في الملتقى وهذه طبعة جديدة فيها زيادات مهمة كثيرة وتصويبات أسال الله أن يجعله عملاً صالحاً وأن ينفع به.
      وهو أحد الموضوعات التي تناولها كتابي الموسوم بـ"المسائل الكبرى التي خالف فيها القراء المتأخرون إجماع المتقدمين من القراء".
      وهو في المطابع الآن أسال الله أن ييسر خروجه قريباً.

      وبعد:
      هذه مسألة من كبار مسائل العلم قد خالف فيها كثير من المتأخرين ما عليه عامة الأولين.
      فاشتهر عن المتأخرين عن عصور السلف والقراء القول بأن القراءات القرآنية المختلفة كلها منزلة من عند الله بألفاظها المختلفة الكثيرة, وكلها أقرأها جبريل للنبي , وكلها أقرأها النبي للصحابة.

      وسبب اشتهار هذا القول عند المتأخرين ورود بعض النصوص التي ظاهرها يفهم منه أن الأحرف والقراءات كلها منزلة من عند الله, وسيأتي إن شاء الله بيان المعنى المراد بهذه النصوص, وأنه يقابل هذه النصوص أدلة كثيرة ونصوص صريحة تدل على أن القرآن إنما أنزل على حرف واحد, ورخص للناس أن يقرؤوه بلغاتهم ولهجاتهم.
      وسيأتي الكلام على هذه الروايات بالتفصيل, وبيان المراد بهذه النصوص التي يدل ظاهرها على أن الأحرف والقراءات كلها منزلة من عند الله.

      وما اشتهر عند المتأخرين هو أمر لا يعرف عن الأولين من الصحابة والتابعين وغيرهم ولم يصـرح به أحد منهم.
      وأول من رأيت ذكره ابن قتيبة في القرن الثالث ثم أبو بكر الباقلاني في آخر القرن الرابع, ثم أبو عمرو الداني والبغوي وابن حزم في القرن الخامس, ثم ابن عطية في القرن السادس, ثم السخاوي في القرن السابع ثم اشتهر بعد ذلك حتى صار لا يكاد يعرف غيره.
      وذكره ابن خالويه المتوفى سنة (370) هـ عن بعض العلماء كما سيأتي.
      وأبو عبيد اختلف قوله في المسألة كما سيأتي التنبيه عليه.

      أما سائر الناس في القرون الأولى والسلف والقراء الأولون وأهل العلم القدماء فلم يقل أحد منهم بذلك, ولا يفهم من أقوالهم وأحوالهم وتصـرفاتهم إلا أنهم يرون أن الذي كان ينزل به جبريل هو حرف واحد وأن الناس رخص لهم أن يقرؤوه بلهجاتهم.

      ومما يؤيد هذا القول الصحيح الموافق لما عليه كافة السلف والقراء والذي لم يقل بغيره أحد من الأولين النص الصريح على أن القرآن أنزل بلسان قريش كما سيأتي.
      كما يؤيده أيضاً أن الذي كان يكتب حين نزول الوحي إنما هو حرف واحد ولغة واحدة, وهي لغة قريش, ولم يكن يكتب بأي لهجة أخرى.
      كما يؤيده أن الرسول ما كان يقرأ في الصلاة وما كان يقرئ الصحابة إلا بلسان قريش.
      كما يؤيده أيضاً إلغاء عثمان لبقية الأحرف وإلزام الناس بحرف واحد, وهذا يستحيل وجوده لو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله.
      كما يؤيده أيضاً أن الرخصة والإذن بالأحرف السبعة إنما تم في أواخر العهد المدني, ولو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله لكان ذلك من أول نزوله.
      كما يؤيده أن النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف), ولم يقل: (أنزلت سبعة أحرف) وهناك فرق بين اللفظين سيأتي توضيحه والكلام عليه.
      كما يؤيده أن الحديث بلفظ (إن الله يأمرك أن تُقْرِئ أمتَك) لا يثبت, والصواب أنه بلفظ (إن الله يأمرك أن تَقْرأ أمتُك) كما سيأتي.
      كما يؤيده أن الرخصة بالقراءات والأحرف المختلفة لم يأت إلا قبل وفاة النبي بسنتين أو أقل, فكيف يتصور في هذا الزمن القصير أن يقرئهم بكل تلك القراءات المختلفة كما سيأتي توضيحه.
      كما يؤيده أيضاً أدلة متنوعة وقرائن أخرى كثيرة ونقول عن طائفة من أهل العلم المحققين سيأتي ذكرها لاحقاً.

      قال الإمام الشافعي في "الأم" (1/142): "وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند النبي ولم يختلفوا في معناه فأقرهم, وقال: هكذا أنزل, إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه, فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يوسع هذا فيه إذا لم يختلف المعنى".

      وقال في "الرسالة" ص (274): "فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِل معناه".

      وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان وهو يقرر عدم وجوب الالتزام الحرفي للنص في رواية الحديث: "ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى, وقد رخص فيه على سبعة أحرف".
      وقال: "أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ, لأن القرآن أعظم حرمة ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحداً". "كما في "الكفاية" للخطيب ص (210)

      وعن أبي أويس قال: "سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث, إذا أصيب معنى الحديث ولم يحل به حراماً ولم يحرم به حلالاً فلا بأس". كما في "السير" للذهبي (5/347)

      وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (8/292): "ذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال: قيل لمالك: أترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله؟ فقال: ذلك جائز. قال رسول الله : (أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر), ومثل ما تعلمون ويعلمون, وقال مالك: لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأساً...
      قال ابن وهب: وأخبرني مالك بن أنس قال: اقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً (أن شجرة الزقوم طعام الأثيم) فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم, فقال له ابن مسعود: طعام الفاجر. فقلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال: نعم أرى ذلك واسعاً".

      وقال أبو عوانة المتوفى سنة (316) هـ في "مستخرجه": "باب بيان السعة في قراءة القرآن إذا لم يُخِلَّ المعنى ولم يختلف في حلال ولا حرام".

      وكل هؤلاء الأئمة الأعلام الشافعي ومالك والزهري ويحيى بن سعيد وأبو عوانة يشيرون بأقوالهم تلك إلى أصل الرخصة, وأنه كان مرخصاً للناس القراءة هكذا ولو بالتقديم والتأخير ونحو ذلك, ولا يعني هذا أنهم يرون استمرار القراءة بما يخالف المصحف بعد توحيد القراءة عليه, إلا ما يظهر من قول الإمام مالك .
      وهو مع ذلك يمنع القراءة في الصلاة بما يخالف مصحف عثمان.
      فقد قال كما في "التمهيد" لابن عبد البر (8/293): "من قرأ في صلاته بقراءة ابن مسعود أو غيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصلَّ وراءه وعلماء المسلمين مجمعون على ذلك إلا قوم شذوا لا يعرج عليهم".

      وقال ابن حجر في "الفتح" (9/27) "ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً".
      وهذا القول ـ وهو أن جبريل لم ينزل إلا بحرف قريش ـ قد ينفر منه الإنسان إذا سمعه أول مرة, لكن إذا تأمله وعرف أدلته وحججه هدأت نفسه واطمأن قلبه, وتقشعت عنه حجب الحيرة والاضطراب, وحل محلها السكون والطمأنينة, وفهمت به مسائل كثيرة حيرت بعض أهل العلم, وزال بفضل ذلك كثير من التعارض والتضارب الذي يجده ويراه كل من بحث في هذه المسائل.

      يقول الدكتور صبري الأشوح في كتابه "إعجاز القراءات" ص (283): "تتسم لغة الخطاب في معظم المؤلفات التي تتحدث في القراءات بالحذر الشديد, وتجاهل القضايا ذات الشأن, والقفز فوقها وفوق العقل أحياناً, للتأكيد في النهاية على أنها متواترة كلها, مسموعة من فم النبي كلها, موحى بها كلها, معلومة من الدين بالضرورة كلها, وهو ما لم يقل به أحد من القدماء.
      فهل يعتبر هذا إبداعاً من المحْدَثين أم بدعة؟
      فالقضايا الخلافية لا تتطلب إلا منطق الإقناع ومناخ الحوار, وطرح الرأي والرأي الآخر, ثم تسري عليها السنة الخالدة (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)"اهـ
      ولتوضيح هذه المسألة المهمة أقول مستعيناً بالله:
      أنزل الله القرآن على خاتم أنبيائه ورسله محمد بلسان عربي مبين بلغة قريش, بلفظ واحد لا بألفاظ مختلفة ولا بقراءات متنوعة, فكان يقرؤه جبريل على النبي فيحفظه.
      ثم يقرؤه النبي على أصحابه, ويأمرهم بكتابته فوراً, فيكتب بعد نزوله بلغة قريش التي نزل بها القرآن.
      ولذلك حين أمر عثمان بكتابة المصحف على حرف واحد قال للرجال الأربعة الذين تولوا تلك المهمة كما في صحيح البخاري (4702) : (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم).
      فهذا يدل على أن القرآن أنزل بلفظ واحد, وهو لغة قريش, وهي أفصح لغات العرب.
      وكان النبي يقرؤه على الصحابة رضوان الله عليهم في الصلاة وفي غيرها.

      ومن المعلوم ضرورة أن في القراءات القرآنية كلمات كثيرة هي بلهجات عربية, ولكنها غير قرشية.
      فمن أين جاءت هذه القراءات القرآنية الكثيرة المختلفة إذا؟
      إنها جاءت من اختلاف الناس في القراءة, وهو أمر سائغ جائز بإذن من منزل القرآن الله العزيز الرحمن, ثم بإقرار من النبي .
      فقد كان النبي حريصاً أشد الحرص أن يهون الله على أمته قراءة القرآن, وطلب من ربه أن يأذن أن يقرأ الناس بلهجاتهم ولغاتهم, فكان يقول: (اللهم هون على أمتي), ويقول: (إن أمتي لا تطيق ذلك) أي: القراءة على حرف واحد وطريقة واحدة مع اختلاف ألسنتهم ولهجاتهم.
      فأجاب الله لنبيه, وأذن أن يُقْرأ القرآن بلهجات كثيرة وباختلافات متعددة.
      فقد ثبت في صحيح مسلم (821) من حديث أُبيّ بن كعب (أن النبي أتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تَقرَأ أمتُك القرآن على حرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تَقرَأ أمتُك القرآن على حرفين, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تَقرَأ أمتُك القرآن على ثلاثة أحرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تَقرَأ أمتُك القرآن على سبعة أحرف, فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا).
      وفي رواية أخرجها مسلم (820) من حديث أبي بن كعب عن النبي قال: (أُرسِل إليَّ أن اقرأ القرآن على حرف, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف).

      وإنه من الأمور المستحيلة أن يؤمر الناس كلهم أن يقرؤوا القرآن بلسان قريش ولهجتها, فإن القرآن نزل للناس كلهم هادياً يهديهم للتي هي أقوم, وقد أودع الله فيه كل ما فيه صلاح وسعادة للبشر في معاشهم ومعادهم, فكلفهم تلاوته وفهمه وتدبره ليفهموه ويدركوا أسراره ويستضيئوا بنوره, ويبلغوه غيرهم.
      ومما هو معلوم ومشهور أن اللهجات العربية المخالفة للهجة القرشية كثيرة جداً, والناس قد جبلوا على التمسك بلغاتهم ولهجاتهم التي نشأوا عليها, ولو طلب منهم أن يتخلوا عن لغاتهم ولهجاتهم لما استطاعوا, ولوجدوا صعوبة قد تصدهم عن الإقبال على القرآن والانتفاع به والعمل به.

      ففي أواخر العهد المدني بعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً, وبدأ الإسلام ينتشر في عموم الجزيرة العربية تمهيداً لانتشاره في الأقطار المجاورة للجزيرة, فدخل في الإسلام قبائل وجماعات وأمم لهجاتها وطريقتها في الكلام مختلفة متباينة, فكيف سيقرؤون القرآن وقد نزل بلهجة قريش!
      وكيف سيحافظون على النص المنزل وسيحفظونه كما نزل وهم أمة أمية فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام, مع عدم اعتيادهم على الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بأمور معاشهم وغير ذلك.
      هنا طلب النبي من ربه أن يهون على أمته قراءة القرآن لأجل أن يعملوا به, فلا ثمرة فيه دون فهمه والعمل به, فأجاب الله نبيه كما سبق.
      فجاء الإذن من الله أن يقرأ القرآن على أكثر من وجه وبغير لغة قريش شريطة أن لا يتغير المعنى الذي أراده الله تعالى, رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر, ولضرورة هذه المرحلة من الدعوة الإسلامية الناشئة.
      فوجد من جراء هذه الرخصة أنواع من الاختلاف في الألفاظ والمترادفات, والاختلاف في الإعراب, وفي الحروف, والإفراد والتثنية والجمع, والتقديم والتأخير, والزيادة والنقصان, والتذكير والتأنيث, وتصريف الأفعال وغير ذلك.
      وكان يقول لهم: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) أي: لا تقتصروا في قراءته على طريقة واحدة, فهو منزل على أن يقرأ على أكثر من وجه وعلى أن يقرأ بلغة قريش وغيرها, لأن الكل لهجات عربية، فلم يخرج عن كونه بلسان عربي مبين.
      فتبين جلياً أن القراءات القرآنية الكثيرة المختلفة إنما هي ناشئة عن اختلاف الناس في القراءة, وهو أمر سائغ جائز بإقرار من النبي , بل بطلب وإلحاح منه إلى ربه رحمة بالأمة, فمن هنا اختلفت القراءة وتنوعت, والأصل لفظ واحد عربي قرشي, فقد أنزل القرآن بلغة قريش كما سبق.
      ومجيء هذه الرخصة في هذا الوقت من حكمة الشريعة الإلهية البالغة, فإن زمن صدر الإسلام وأول نشأته وبنائه كان له ميزة وخاصية ليست لغيره, فجاءت هذه الرخصة ليكون لها دور كبير في انتشار القرآن وسهولة أخذه, ولم يدم ذلك إلا في مدة لا تتجاوز عقدين من الزمن من حين الرخصة إلى أن جمع عثمان الناس على حرف واحد, وهذه المدة وجيزة بالنسبة لبقية الزمن, ولها خصائصها وخاصيتها وتميزها باعتبارها الركيزة الأولى وقاعدة الانطلاق إلى ما لا حدود له من الزمان والمكان لدعوة الإسلام الخالدة, فلا يقاس زمن أول البعثة بما بعده من الأطوار.
      ولما كثر الاختلاف بسبب ذلك في زمن عثمان عمل على كتابته على حرف واحد وهو حرف قريش, وأمر بإلغاء جميع الأحرف والقراءات الأخرى لأن الحاجة إليها ضعفت, في حين أنها أضحت تشكل سبباً للاختلاف والتنازع, ولو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله وأقرأ بها رسول الله ما أتلفها عثمان وأنى له ذلك كما سيأتي توضيحه.
      وقد بقي من القراءات شيء يسير وهو الذي لا يتعارض رسم المصحف, وذلك أن المصحف رسم بغير شكل ولا نقط كما هو حال في الكتابة في ذلك الزمن, وكان هذا سائغاً لا مانع منه بأصل الرخصة التي تتيح للقارئ أن يقرأ على أكثر من وجه, فإنه كلام الله أراد أن يقرأ هكذا على أكثر من وجه.
      وإن كان عثمان ما أراد حين كتابة المصحف إلا قراءة واحدة ونطقاً واحداً كما هو مبين بالتفصيل في كتاب "المسائل الكبرى"
      يقول الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن" ص (40): "وحين هاجر النبي وصحابته إلى المدينة تغيرت الحال, فمن حيث الكم زاد عدد المؤمنين بالدعوة, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وأتيح للدعوة في المركز الجديد أن تراسل الأقوام والقبائل في شتى أنحاء الجزيرة العربية وخارجها, وجاءت الوفود تترى ممثلة لمختلف الألسنة واللهجات, يضاف إلى ذلك أن العهد الجديد يحتاج إلى إمكانيات واسعة في تبليغ الدعوة ونشـر القرآن نصها المنزل, ليكون دستوراً للحياة الإسلامية في الدولة الجديدة, كذلك كانت أعمار المؤمنين تتفاوت وأكثرهم من الكبار الذين فاتهم عهد التعلم والحفظ, فأصبح من العسير أن يداوموا على استظهار القرآن.
      والنبي فوق ذلك كله مشغول بمسؤوليات هائلة في التوجيه والتنظيم, والحكم والحرب والسلام والدعوة, وتقرير النظم والعقائد والفتوى, وتلقي الوحي وإملائه ومراسلة الملوك والشعوب.
      كل هذه الظروف جدت في المجتمع, وأحاطت بالنبي وصحابته, وفي مثل هذا الزحام من الناس ومن المشكلات لا تعرف الحياة الأناة, بل من استطاع أن يظفر بقطعة أو قطعتين من فم النبي فقد واتاه خير كثير, وليقرأ بقدر ما تسعفه ذاكرته ولهجته"اهـ

      هذا القول الذي ذكرته في الكلام السابق هو الذي يؤيده النقل والعقل والتصور الواقعي للأمور, وسأذكر عليه الدلائل الكثيرة والنقول المتنوعة من أقوال أهل العلم من السابقين والمعاصرين, وسأذكر كلام المخالفين من المتأخرين, وأجيب عن أدلتهم كلها إن شاء الله.
      ولكن قبل ذلك أذكر أقوال بعض العلماء التي نصوا فيها على ما سبق ذكره من أن الأحرف كانت رخصة لمن تختلف لهجاتهم عن لهجة قريش, ورخصة أيضاً لمن لم يتمكن من حفظ الآية بنصها كما وردت أن يقرأها ولو بشـيء من التغيير ما لم يتبدل المعنى الذي أراده الله .
      أولاً: قال الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/124) : "السبعة الأحرف هي مما لا يختلف معانيه وإن اختلفت الألفاظ التي يتلفظ بها, وأن ذلك كان توسعة من الله عليهم لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه, وإن كان الذي نزل على النبي إنما نزل بألفاظ واحدة".

      ثانياً: قال الطحاوي أيضاً كما في "التمهيد" لابن عبد البر (8/294), وكما في "المرشد الوجيز" ص (106) : "كانت هذه السبعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها, لأنهم كانوا أميين لا يكتبون إلا القليل منهم, فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات, ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة, فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقاً, فكانوا كذلك حتى كثر من يكتب منهم وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله , فقرؤوا بذلك على تحفظ ألفاظه فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها, وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك, ثم ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف, وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد". وانظر: "شرح مشكل الآثار" للطحاوي (8/117)

      ثالثاً: قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (97) : "إن المتقدمين من الصحابة والتابعين قرؤوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلوا أنفسهم وسوم طبائعهم، فكان ذلك جائزاً لهم، ولقوم من القراء بعدهم مأمونين على التنزيل عارفين بالتأويل".
      رابعاً: قال ابن قتيبة أيضاً ص (94) : "ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة, فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعاً في اللغات ومتصـرفاً في الحركات".

      خامساً: قال القاسم بن ثابت كما في "المرشد الوجيز" ص (128) : إن الله بعث نبيه والعرب متناؤون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة لغة ذلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عادتهم، وفيهم الكبير العاسي والأعرابي القح، ومن لو رام نفي عادته وحمل لسانه على غير دربته تكلف منه حملاً ثقيلاً، وعالج منه عبئاً شديداً، ثم لم يكسر غربه ولم يملك استمراره إلا بعد التمرين الشديد والمساجلة الطويلة، فأسقط عنهم هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عاداتهم".
      سادساً: قال البغوي في "شرح السنة" (3/44) : "أظهر الأقاويل وأصحها وأشبهها بظاهر الحديث أن المراد من هذه الحروف اللغات، وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم، وما جرت عليه عادتهم من الإدغام والإظهار والإمالة والتفخيم والإشمام والإتمام والهمز والتليين وغير ذلك من وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة"اهـ
      تنبيه:
      تمثيل البغوي للأحرف السبعة بالإدغام والإظهار والإمالة والتفخيم والإشمام فيه نظر, فإن الصواب أن صفات الأداء كالإدغام والإظهار والإمالة وسائر صفات الأداء ليست من الأحرف السبعة ولا من القراءات, فإنها مجرد اختلاف في طريقة الكلام والنطق من غير تغيير للألفاظ, والأحرف السبعة اختلاف في اللهجات واللغات والإعراب, كما هو مبين بالتفصيل في كتاب "المسائل الكبرى"

      سابعاً: قال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (126) : "قد تقدم من حديث أبي بن كعب بإسناد صحيح أن النبي قال لجبريل : (إني بعثت إلى أمة أمية فيهم الشيخ الفاني والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف).
      قال أبو شامة: "قلت: فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها، أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد, لأنه نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله، ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو: هلم، وتعال، على جواز إبداله باللفظ المرادف، ودلنا ما ثبت من جواز غفوراً رحيماً موضع عزيزاً حكيماً على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ، فإن جميع ذلك ثناء على الله سبحانه، هذا كله فيما يمكن القارئ عادة التلفظ به، وأما ما لا يمكنه لأنه ليس من لغته فأمره ظاهر ولا يخرج إن شاء الله شيء من القراءات عن هذا الأصل وهو إبدال اللفظ بمرادف له أو مقارب في أصل المعنى، ثم لما رسمت المصاحف هجر من تلك القراءات ما نافى المرسوم، وبقي ما يحتمله".
      وقال أبو شامة أيضاً في "المرشد الوجيز" ص (95) : "قال بعض الشيوخ: الواضح من ذلك أن يكون الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك فتأخذه العزة، فجعلهم يقرؤونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم مناً منه لئلا يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان...
      قال أبو شامة: قلت: وهذا كلام مستقيم حسن، وتتمته أن يقال: أباح الله تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعاً على العباد".
      وقال أبو شامة أيضاً في "المرشد الوجيز" ص (102) : العربي المجبول على لغة لا يكلف لغة قريش لتعسرها عليه, وقد أباح الله تعالى القراءة على لغته.

      وقال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية" ص (59) : "إن مأتى هذه اللهجات العربية في القراءات القرآنية هو رحمة من الله بتيسيره للعرب أن يقرؤوا القرآن بلهجاتهم... فكان من رحمته أن يسر للعرب الذين نزل القرآن بلسانهم أن يقرؤوه بلهجاتهم, فهو سبحانه يعلم ما طبع عليه الإنسان من تمسكه بلهجته التي نشأ عليها, وصعوبة انتقاله عنها صعوبة قد تصده عن الإقبال على القرآن, ومن ثم عن تدبره وفهمه واستنباط أسراره, وقد سبق بلحظ هذه الرحمة والتنويه بها أئمة كثيرون ..."اهـ
      ما الذي تبين من الأقوال والنقول السابقة؟
      تبين مما سبق من هذه النقول أن القراءات المختلفة إنما هي رخصة لمن لم تكن لغته قرشية أن يقرأ القرآن بلغته, ورخصة أيضاً لمن لم يتمكن من حفظ الآية بنصها كما وردت أن يقرأها ولو بشيء من التغيير ما لم يتغير المعنى الذي أراده الله , كالاختلاف في الإعراب, وفي الحروف, والإفراد والتثنية والجمع, والتقديم والتأخير, والزيادة والنقصان, والتذكير والتأنيث, وتصـريف الأفعال وغير ذلك.
      بقي شيء مهم جداً, وهو لب المسألة والمقصود منها.
      وهو أن بعض أولئك الأئمة الذين ذكروا أن الناس رخص لهم أن يقرؤوا وفق لغاتهم ولهجاتهم تهويناً وتيسيراً كانوا يرون أن تلك القراءات المختلفة كلها قد نزل بها جبريل على النبي , وأن النبي اقرأ الصحابة بكل تلك القراءات الكثيرة المختلفة, ولم يكن مصدرها اختلاف لهجات الناس, إنما تلقوها من النبي , والسبب في اعتقادهم هذا ظاهر بعض النصوص التي فهم منها أن تلك القراءات كلها منزلة موحى بها إلى النبي .
      قال بهذا ابن قتيبة, وأبو عمرو الداني, وابن عطية, وغيرهم كما أشرت سابقاً.
      وسأذكر أقوالهم الآن ثم نعرضها على ميزان العقل والنقل, فإن ثقلت في الميزان فالقول قولهم, وإن طاشت أمام كفة المعقول والمنقول والإجماع فالحق أحق أن يتبع, ولا عصمة إلا للوحيين والإجماع والعقل الصحيح, والله الهادي إلى سواء السبيل.
      أولاً: قال ابن قتيبة المتوفى في القرن الثالث في "تأويل مشكل القرآن" ص (94) : "وكل هذه الحروف كلام الله تعالى, نزل به الروح الأمين على رسوله , وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من القرآن, فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء, وييسر على عباده ما يشاء, فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم".

      ثانياً: قال ابن خالويه الهمذاني المتوفى في القرن الرابع في كتابه "إعراب القراءات السبع وعللها" (1/18): "فإن سأل سائل فقال: أهذه الحروف نزلت على رسول الله بهذا الاختلاف والوجوه أم نزلت بحرف واحد وقرأها رسول الله باللغات؟
      فالجواب في ذلك:
      أن طائفة قالت : إنها نزلت على سبعة أحرف من سبعة أبواب في العرضات التي كان جبريل ينزل بكل سنة فيعرض عليه رسول الله .
      وقال آخرون : بل نزل القرآن بلغة قريش، وبحرف واحد ثم أمر النبي تسهيلاً على أمته أن يقرأ كل قوم بلغتهم"
      ثالثاً: قال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني المتوفى في القرن الخامس كما في "المرشد الوجيز" ص (143) : "الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة هو الذي حرقه عثمان ، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول .
      فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت أن الله تعالى أنزله... فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك".
      رابعاً: قال ابن عطية المتوفى في القرن السادس في "المحرر الوجيز" (1/45): "فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الرصف, ولم تقع الإباحة في قوله : (فاقرؤوا ما تيسر منه) بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه.
      ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن, وكان معرضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله, وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي ليوسع بها على أمته, فقرأه مرة لأُبيّ بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضاً.
      وفي صحيح البخاري عن النبي قال: (أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)".

      ثم قال ابن عطية: "وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان وقراءة هشام بن حكيم لها, وإلا فكيف يستقيم أن يقول النبي في قراءة كل منهما وقد اختلفتا: (هكذا أقرأني جبريل), هل ذلك إلا لأنه أقرأه بهذه مرة وبهذه مرة.
      وعلى هذا يحمل قول أنس بن مالك حين قرأ (إن ناشئة الليل هي أشد وطئاً وأصوب قيلاً), فقيل له: إنما تقرأ وأقوم, فقال أنس: أصوب وأقوم وأهيأ واحد.
      فإنما معنى هذا أنها مروية عن النبي , وإلا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه لبطل معنى قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)".
      تنبيه:
      الرواية التي ذكرها ابن عطية بلفظ (هكذا أقرأني جبريل) لا وجود لها, ولم يرد بهذا اللفظ أي رواية, ويبدو أنه يقصد قول النبي : (هكذا أنزلت), وسيأتي الكلام على هذا الحديث.
      كما سيأتي الكلام على رواية (أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف).

      خامساً: قال أبو عمرو الداني المتوفى في القرن الخامس في "جامع البيان" (1/58) : "فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأخذ عليه في كل عرضة بوجه وقراءة من هذه الأوجه والقراءات المختلفة، ولذلك قال : (إن القرآن أنزل عليها وإنها كلها شاف كاف), وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها والإقرار بكلها, إذ كانت كلها من عند الله تعالى منزلة، ومنه مأخوذة".

      وقال (1/62) : "هذه القراءات كلها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله وأقرأ بها".
      وقال (1/67) : "جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقيها منه".
      سادساً: قال البغوي المتوفى في القرن السادس في "شرح السنة" (3/45): ولا يكون هذا الاختلاف داخلاً تحت قوله : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً, إذ ليس معنى هذه الحروف أن يقرأ كل فريق بما شاء مما يوافق لغته من غير توقيف، بل كل هذه الحروف منصوصة، وكلها كلام الله ، نزل بها الروح الأمين على النبي ، يدل عليه قوله : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)، فجعل الأحرف كلها منزلة, وكان رسول الله يعارض جبريل في كل شهر رمضان بما يجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله فيه ما شاء وينسخ ما يشاء، وكان يعرض عليه في كل عرضة وجهاً من الوجوه التي أباح الله له أن يقرأ القرآن به، وكان يجوز لرسول الله بأمر الله تعالى أن يقرأ ويقرئ بجميع ذلك"اهـ

      سابعاً: قال ابن حزم المتوفى في القرن الخامس في "الإحكام في أصول الأحكام" (4/674) : "دعواهم أن عثمان أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من عند الله عظيمة من عظائم الإفك والكذب".
      ثامناً: قال الزركشي المتوفى في القرن الثامن في "البرهان" (1/220): "كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمر سبعة".
      وممن أثر عنه هذا القول أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة (224) هـ
      لكن أبا عبيد اختلف قوله:
      ففي "غريب الحديث" (1/214) يقول: "...يقرأ الرجل القراءة على حرف فيقول له الآخر: ليس هكذا ولكنه كذا على خلافه، وقد أنزلهما الله جميعاً، يعلم ذلك في حديث النبي أنه قال: (إن القرآن نزل على سبعة أحرف كل حرف منها كاف شاف)"اهـ
      وفي موضع آخر فسر الأحرف السبعة تفسيراً مختلفاً حيث قال في "فضائل القرآن" ص (339): "ليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، هذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأول، والثالث بلغة أخرى سواهما، كذلك إلى السبعة, وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض".

      قال ابن جرير في "التفسير" (1/24) معقباً على قول أبي عبيد: "هذا القول لا يجهل فسادَه ذُو عقل، ولا يلتبس خَطؤه على ذي لُب".
      وقال: "وفي صحة الخبر عن الذين رُوي عنهم الاختلاف في حروف القرآن على عهد رسول الله بأنهم اختلفوا وتحاكموا إلى رسول الله في ذلك أبين الدلالة على فساد القول بأن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني".
      وممن يبدو أنه يرى أن الأحرف ليست رخصة مفتوحة بل محددة من قبل الرسول ابن جرير , لكنه ينص على الحرف أُنزل مرة، ولكنه أُمِر أن يقرأ بالقراءتين كلتيهما.
      قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (23/43) بعد أن ذكر القراءتين في قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون): فإن قال قائل: أكان التنزيل بإحداهما أو بكلتيهما؟
      قيل: التنزيل بكلتيهما، فإن قال: وكيف يكون تنزيل حرف مرتين؟ قيل: إنه لم ينزل مرتين، إنما أنزل مرة، ولكنه أمر أن يقرأ بالقراءتين كلتيهما، ولهذا موضع سنستقصي إن شاء الله فيه البيان عنه بما فيه الكفاية"اهـ
      مع أنه سيأتي قريباً أن ابن جرير يرى أن قراءة الرسول واحدة معينة.
      فهو يقول في "التفسير" لما ذكر الاختلاف في قوله: (هيت لك) قال: "قراءة من قرأه:(هَيْتَ لَكَ) بفتح الهاء والتاء وتسكين الياء هي اللغة المعروفة في العرب دون غيرها، وهي فيما ذُكِر قراءة رسول الله ".

      وممن يرى ذلك أيضاً أبو بكر بن الأنباري المتوفى سنة (327) هـ لكنه لم ينص على أنها منزلة من الله.
      فقد قال معلقاً على ما روي عن أنس من أنه قرأ (وأصوب قيلاً): "وقد ترامى ببعض هؤلاء الزائغين إلى أن قال: من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب إذا لم يخالف معنى، ولم يأت بغير ما أراد الله وقصد له، واحتجوا بقول أنس هذا، وهو قول لا يعرج عليه ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرأ بألفاظ تخالف ألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها واشتملت على عامتها لجاز أن يقرأ في موضع (الحمد لله رب العالمين): الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله ، كاذباً على رسوله , ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: (نزل القرآن على سبعة أحرف، إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال وأقبل)، لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المأثورة المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي إذا اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كان ذلك بمنزلة الخلاف في هلم وتعال وأقبل، فأما ما لم يقرأ النبي وأصحابه وتابعوهم فإنه من أورد حرفاً منه في القرآن فقد بهت ومال وخرج من مذهب الصواب". ثم ضعف هذه الرواية عن أنس. نقله القرطبي في "التفسير" (19/41)

      وهاهنا تنبيهان:
      الأول: أن ابن الأنباري بكلامه هذا إنما يرد على من يقول: "من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآن فهو مصيب إذا لم يخالف معنى".
      فكأن هذا القائل يريد أن ذلك جائز كل وقت, وهذا باطل.
      فكلام ابن الأنباري حق, فإنه ليس لأحد أن يفعل ذلك بعد توحيد القراءة, إنما كان ذلك زمن الرخصة وقد انتهى بجمع الناس على حرف واحد.
      التنبيه الثاني: قوله: "ويتسع الأمر في هذا حتى يبطل لفظ جميع القرآن" هو كقول ابن عطية السابق: "ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن, وكان معرضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله".
      والحقيقة أن هذا الذي قاله ابن الأنباري وابن عطية لا يتصور ولا يمكن حصوله, وقد غاب عنهما حقيقة مهمة جداً, وهي أن القرآن كان يكتب بعد نزوله مباشرة, فهو محفوظ بتلك الكتابة, ولم يختلط بغيره من القراءات القائمة على مجرد الترخص, وهذا الذي كان النبي يأمر بكتابته جمع في عهد أبي بكر, ثم انتقل إلى عمر, ثم إلى حفصة بنت عمر, ومنها أخذت فنسخت المصاحف العثمانية, فلم يخلتط بها شيء ليس مكتوباً بأمر النبي .
      وكذلك نص الآجري المتوفى سنة (360) هـ على أن الرسول يقرئ كل قبيلة حسب لغتهم.
      فقال في "الشـريعة" (1/470) : "نزل هذا القرآن على رسول الله على سبعة أحرف، ومعناها: على سبع لغات، فكان رسول الله يلقن كل قبيلة من العرب القرآن على حسب ما يحتمل من لغتهم، تخفيفاً من الله تعالى بأمة محمد ".
      والآن وبعد عرض أقوال هؤلاء الأئمة أقول: إن ما ذهب إليه هؤلاء العلماء الأجلاء لا تؤيده الأدلة الكثيرة كما سيأتي, أما ظاهر بعض النصوص التي تشير إلى أن تلك القراءات كلها منزلة فسيأتي الكلام عنها وبيان المراد بها والله تعالى أعلم.
      وأما ما ذكر الداني والبغوي من أن جبريل كان يعرض على النبي في كل عرضة وجهاً من الوجوه والقراءات المختلفة فهو دعوى اطلاع على أمر غيبي خفي بهذا التفصيل الذي ليس عليه أثارة من علم.

      والذي تشهد له الأدلة النقلية والعقلية هو أن القراءات المختلفة لم ينزل بها جبريل, فلم ينزل إلا بحرف واحد بلسان قريش.
      وأنه ليس من شرط القراءة بلغة غير قرشية أن يتعلمها من الرسول أو يقرأها عليه, فإن القول بذلك يعني قلب الرخصة إلى تشديد, والتهوين إلى ضيق وتعسير كما سيأتي.
      والآن أذكر أقوال ثلة من أهل العلم مؤيدة لهذا القول, وموافقة لما كان عليه القراء والسلف, ثم أذكر عشرة أدلة كلها تؤيد وتؤكد هذا القول, ثم أجيب عن أدلة من يخالفون, والله المستعان.
      أولاً: إجماع الصحابة على ذلك, نعم لم ينصوا عليه بأقوالهم, لكن نصوا عليه بأفعالهم, فاتفاقهم على توحيد القراءة ونفي كل ما خالف المصحف دليل صريح على أنهم يعتقدون ذلك, وهذا أبلغ من أن ينص عليه بعضهم بالقول.
      فهم يعتقدون أن المنزل حرف واحد وأن النبي أقرأهم قراءة واحدة, وأن القبائل الداخلين في الإسلام رخص لهم للضرورة أن يقرؤوا ولو حصل منهم تقصير في القراءة بسبب عدم التمكن من قراءة النص كما نزل توسعة من الله لهم إلى حين.
      فاتفاق الصحابة على إلغاء تلك القراءات وعدم ترددهم وابتهاجهم بذلك ينافي أن تكون تلك الأحرف والقراءات منزلة من الله أو أن يكون رسول الله قد أقرأهم بها.
      قال مصعب بن سعد: "أدركت أصحاب رسول الله متوافرين فما رأيت أحداً منهم عاب ما صنع عثمان في المصاحف". أخرجه ابن شبة في "أخبار المدينة" (3/221)
      ثانياً: ذكرت في مقدمة المسألة قول الإمام الشافعي: "أنزل الله كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى".
      وقول الإمام يحيى بن سعيد القطان وهو يقرر عدم وجوب الالتزام الحرفي للنص في رواية الحديث: "القرآن أعظم حرمة ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحداً".
      وقول الزهري حين سأله أبو أويس عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: "إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث ".
      وقول أبي عوانة: "باب بيان السعة في قراءة القرآن إذا لم يُخِلَّ المعنى ولم يختلف في حلال ولا حرام".
      وقول الإمام مالك حين سئل: أترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله؟ فقال: ذلك جائز لا أرى باختلافهم في مثل هذا بأساً...
      ثالثاً: قال الإمام الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/124) : "كان ذلك توسعة من الله عليهم لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه, وإن كان الذي نزل على النبي إنما نزل بألفاظ واحدة".

      وقال أيضاً في "شرح مشكل الآثار" (8/117) : "كان أهل لسانه أميين لا يكتبون إلا القليل منهم كتاباً ضعيفاً, وكان يشق عليهم حفظ ما يقرؤه عليهم بحروفه التي يقرؤه بها عليهم، ولا يتهيأ لهم كتاب ذلك وتحفظهم إياه لما عليهم في ذلك من المشقة, وإذا كان أهل لسانه في ذلك كما ذكرنا كان من ليس من أهل لسانه من بعد أخذ ذلك عنه بحروفه أوكد, وكان عذرهم في ذلك أبسط, لأن من كان على لغة من اللغات ثم أراد أن يتحول عنها إلى غيرها من اللغات لم يتهيأ ذلك له إلا بالرياضة الشديدة والمشقة الغليظة، وكانوا يحتاجون إلى حفظ ما قد تلاه عليهم مما أنزله الله عليه من القرآن ليقرؤوه في صلاتهم وليعلموا به شرائع دينهم، فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بها ألفاظ نبيهم التي قرأه بها عليهم، فوسع لهم في ذلك...
      وكانوا على ذلك حتى كثر من يكتب منهم, وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ، فقرؤوا بذلك على تحفظ القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوه بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد".
      وقال الطحاوي أيضاً في "شرح مشكل الآثار" (1/262) : "لقراءة عاصم من صحة المخرج ما ليس لقراءة غيره.
      سمعت أحمد بن أبي عمران يقول: سمعت يحيى بن أكثم يقول: إن كانت القراءة تؤخذ بصحة المخرج فما نعلم لقراءة من صحة المخرج ما صح لقراءة عاصم, لأنه يقول: قرأت القرآن على أبي عبد الرحمن, وقرأ أبو عبد الرحمن على علي, وقرأ عليٌ على النبي ... وعن حفص بن سليمان الكوفي, عن عاصم قال: قال أبو عبد الرحمن: قرأت على عليٍّ فأكثرت وأمسكت عليه فأكثرت, ولقيت زيد بن ثابت بحروف القرآن فما خالف علياً في حرف".
      قال الطحاوي معقباً: "فلو أضاف مضيف قراءة عاصم كلها إلى النبي لما كان معنَّفَاً".
      فقوله: فلو أضاف مضيف... الخ يدل على أنه مستقر في أذهانهم أن قراءة النبي قراءة واحدة, وأما بقية القراءات فهي رخصة للناس لم يقرأ بها النبي ولم يقرئها.

      ومثله قول ابن جرير الطبري في التفسير لما ذكر الاختلاف في قوله: (هيت لك) قال: "قراءة من قرأه:(هَيْتَ لَكَ) بفتح الهاء والتاء وتسكين الياء هي اللغة المعروفة في العرب دون غيرها، وهي فيما ذُكِر قراءة رسول الله ".
      فقال: "وهي فيما ذُكِر قراءة رسول الله ".
      وهذا يعني أن الذي في أذهانهم أن قراءة الرسول قراءة واحدة معينة.
      رابعاً: قال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (139) : "اختار الصحابة الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته وترك الباقي للخوف من غائلته, فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله, بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم".
      وقال ص (89) : "الصحابة خافوا من كثرة الاختلاف، وأُلهِموا وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيراً, فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له".

      خامساً: قال ابن التين وغيره كما في "فتح الباري" (9/21) : "جمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات, فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك, فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد, واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش, محتجاً بأنه نزل بلغتهم, وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر, فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت".

      سادساً: ذكر ابن خالويه في كتابه "إعراب القراءات السبع وعللها" (1/18) أن طائفة قالت: نزل القرآن بلغة قريش، وبحرف واحد ثم أمر النبي تسهيلاً على أمته أن يقرأ كل قوم بلغتهم".
      سابعاً: قال ابن الجزري في "منجد المقرئين" ص (95) : "أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي على جبريل عام قبض، وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه، وعلى ما صح مستفاضاً عن النبي دون غيره, إذ لم تكن الأحرف السبعة واجبة على الأمة، وإنما كان ذلك جائزاً لهم مرخصاً فيه".
      فقال : (وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه).
      وهذا صريح في أن الأحرف السبعة لم تنزل, وإنما أذن الله فيها, وهذا هو الموافق لسائر الأدلة والأقوال التي ذكرتها وسأذكرها.
      وقال ابن الجزري أيضاً في "منجد المقرئين" ص (99) : "فثبت من ذلك أن القراءة الشاذة ولو كانت صحيحة في نفس الأمر فإنها مما كان أُذِنَ في قراءته ولم يتحقق إنزاله، وأن الناس كانوا مخيرين فيها في الصدر الأول، ثم أجمعت الأمة على تركها للمصلحة, وليس في ذلك خطر ولا إشكال لأن الأمة معصومة من أن تجتمع على خطأ".
      وقال أيضاً في "النشر" (1/7): "أجمعت الأمة المعصومة من الخطأ على ما تضمنته هذه المصاحف وترك ما خالفها من زيادة ونقص وإبدال كلمة بأخرى مما كان مأذوناً فيه توسعة عليهم ولم يثبت عندهم ثبوتاً مستفيضاً أنه من القرآن".
      وابن الجزري وإن كان له أقوال مشهورة تخالف هذا القول إلا أنه هنا صرح بكل وضوح بهذا القول الموافق لما عليه الأولون.
      ثامناً: قال ابن حجر في "الفتح" (9/30): "والحق أن الذي جمع في المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي , وفيه بعض ما اختلف فيه من الأحرف السبعة لا جميعها... وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلاً, فلما آل الحال إلى ما وقع من الاختلاف في زمن عثمان وكَفَّر بعضهم بعضاً اختاروا الاقتصار على اللفظ المأذون في كتابته وتركوا الباقي".
      وقال في "الفتح" (9/27) "ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً".

      وابن حجر له كلام مخالف لهذا حيث قال في "الفتح" (9/27) بعد أن ذكر ما نقله أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء, ثم أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب, ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة...
      قال ابن حجر: قلت: "وتتمة ذلك أن يقال إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته بل المراعى في ذلك السماع من النبي ".
      ثم استدرك ابن حجر فقال: "لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له, ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود قراءته (عتى حين) أي (حتى حين) وكتب إليه إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل".

      وإيراد ابن حجر لهذا الاستدراك يؤيد أنه يميل إلى القول السابق, وهو أن المصحف هو المتفق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمر النبي , وما عدا ذلك من القراءات مما لا يوافق الرسم فهو مما كانت القراءة جوزت به توسعة على الناس وتسهيلاً.
      تاسعاً: قال الزركشي في "البرهان" (1/326) : "اختلفوا في الآية إذا قرئت بقراءتين على قولين:
      أحدهما: أن الله تعالى قال بهما جميعاً.
      والثاني: أن الله تعالى قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن يقرأ بقراءتين.
      وهذا الخلاف غريب رأيته في كتاب "البستان" لأبي الليث السمرقندي, ثم اختار في المسألة أنه إن كان تفسيرهما واحداً كالبِيوت والبُيوت والمحصِنات والمحصَنات بالنصب والجر فإنما قال بأحدهما وأجاز القراءة بهما لكل قبيلة على ما تعود لسانهم.
      فإن قيل: إذا صح أنه قال بأحدهما فبأي القراءتين قال؟ قيل: بلغة قريش"اهـ
      عاشراً: استدل أبو الفتح ابن جني في "المحتسب" بالقراءات الواردة عن أنس على جواز القراءة بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً.
      فذكر ما ورد عن أنس أنه يقرأ : "لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمِزون"، قيل له: وما يجمزون؟ إنما هي "يجمحون"، فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد.
      قال أبو الفتح في "المحتسب" (1/295): ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك, لكنه لموافقته صاحبه في المعنى.
      وكذلك ما ورد عن أنس أنه قرأ هذه الآية "إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وَطْئًا وأصْوَبُ قِيلا"، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة إنما هي(وَأَقْوَمُ قِيلا) قال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد.
      قال أبو الفتح (2/335): هذا يؤنس بأن القوم كانوا يعتبرون المعاني ويخلدون إليها، فإذا حصلوها وحصنوها سامحوا أنفسهم في العبارات عنه.
      قال أبو الفتح (2/366): "وقرأ أنس فيما رواه أبان عنه "وحططنا عَنْكَ وِزْرَكَ"، قال: قلت يا أبا حمزة "ووضعنا"، قال: وضعنا وحللنا وحططنا عنك وزرك سواء. إن جبريل أتى النبي فقال: اقرأ على سبعة أحرف، ما لم تخلط مغفرة بعذاب، أو عذاباً بمغفرة"اهـ

      قلت ومما ورد أيضاً وهو يؤيد الروايات السابقة ما أخرجه ابن جرير في "التفسير" (25/131) من طريق: همام بن الحارث (أن أبا الدرداء كان يُقرئ رجلاً (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ) فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء: قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر).
      الحادي عشر: قال الدكتور عبد الهادي حميتو في كتابه "اختلاف القراءات وأثره في التفسير" ص (40) بعد أن ذكر قول ابن عطية الذي يرى فيه أن جميع القراءات المختلفة أقرأ بها النبي :
      قال الدكتور حميتو معقباً: "هذا توجيه وجيه التفت إلى قضية الإعجاز, ولكن الحافظ ابن حجر ذهب في "الفتح" إلى أن بعض الصحابة كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن له مسموعاً, ومن ثم أنكر عمر على ابن مسعود فكتب إليه: (إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل, فأقرئ الناس بلغة قريش, ولا تقرئهم بلغة هذيل, وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة".
      ثم قال الدكتور حميتو: "وما ذهب إليه ابن حجر هو الذي تشهد له الآثار, وتؤيده النقول التي أسلفنا, إذ لو كان الأمر في ذلك مقصوراً على ما سمع من النبي حتى في كيفيات الأداء لم يرتفع الحرج الذي شرعت له الرخصة, رفقاً بالشيخ والعجوز والجارية والغلام والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط.
      فلذا أرى أن الترخيص كان للأمة يومئذ إلى حين الإجماع على المصحف الإمام في عهد عثمان, لتقرأ بحسب الأحرف السبعة دون أن يكون الأمر مقيداً تقييداً صارماً بالرواية والسماع من لفظ النبي , ولذلك فهم بعض العلماء من أحاديث الأحرف السبعة أنها تعني كل ما هو واقع فعلاً بين القراءات المروية من وجوه الاختلاف"اهـ

      الثاني عشر: قال الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (1/55) : "لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مراداً لله تعالى, ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني، فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئاً عن آيتين فأكثر، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب، ونظير التورية والتوجيه في البديع، ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني، وهو من زيادة ملائمة بلاغة القرآن"اهـ
      وقال ابن عاشور أيضاً عندما ذكر قراءة حمزة وخلف بِمُصـرِخيِّ بكسـر الياء: "والذي ظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يربوع من تميم، وبنو عجل ابن لجيم من بكر بن وائل، فقرؤوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرؤوا القرآن بلهجاتهم, وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي : (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه)".
      الثالث عشر: قال الزركشي في "البرهان" (1/318) : "اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد للبيان والإعجاز, والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما"اهـ
      أي: أن القرآن هو الوحي المنزل, والقراءات اختلاف ألفاظ هذا الوحي, فطريقة اللفظ بهذا الوحي مختلفة لكن حقيقته قرآن ووحي واحد منزل على محمد
      وكذلك قال القسطلاني في "لطائف الإشارات" (1/358)
      وكذلك قال أحمد البنا في "الإتحاف" (1/69) : "القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, فالقرآن هو الوحي المنزل للإعجاز والبيان، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف، أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما"اهـ
      وكذلك قال الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن" ص (40) : "وليس صحيحاً أن القراءات تعتبر من النص القرآني, فهناك فرق بين القرآن والقراءات, وهما في الواقع يمثلان حقيقتين متغايرتين, فالقرآن هو ذلك النص المنزل بوساطة الوحي على قلب الرسول , والثابت بالتواتر ثبوتاً قطعياً لا ريب فيه, وأما القراءات فهي روايات ووجوه أدائية, منها المتواتر, ومنها الصحيح, ومنها الضعيف, ومنها الموضوع, وهي بذلك تغاير القرآن تغايراً كبيراً, لأنها تتعلق باللفظ لا بالتركيب".
      وكذلك قال الدكتور صبري الأشوح في كتابه "إعجاز القراءات" ص (105) : "أرجح القول بأن القرآن والقراءات العشـر المشهورة حقيقتان متغايرتان".
      وكذلك قال الدكتور خالد مسعود خليل في كتابه "دراسات في اللغة والقراءات" ص (141) : "نود الإشارة إلى أننا نميل إلى التفريق بين القرآن والقراءة, ونرى أن القرآن هو كلام الله , وأن القراءة هي طريقة تلاوتنا نحن لكلام الله تعالى, ولا غرابة في هذا التفريق, فهو رأي الكثير من علماء القرآن".
      وذكر الدكتور شعبان إسماعيل في كتابه "القراءات وأحكامها ومصدرها" أن القول بأن القرآن والقراءات حقيقتان متحدتان هو قول مردود غير مقبول, لم يقل به أحد من العلماء السابقين. ذكره صاحب كتاب "إعجاز القراءات" ص (14)
      الرابع عشر: قال الأستاذ الدكتور محمد جبل أستاذ أصول اللغة في جامعة الأزهر في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية" ص (71): "القول (بأن إباحة قراءة كل إنسان بلغته لم تقع بالتشهي بأن يغير كل أحد الكلمة بمرادفها في لغته, بل المرعي في ذلك السماع من النبي ).
      هذا القول هو أولاً:
      تبرع بقيد لا أساس له إلا الحماس غير العلمي, فإن اشتراط السماع من النبي في كل لهجة وكل كلمة لهجية تعليق بمستحيل, بسبب كثرة اللهجات ومواضع الاختلاف اللهجي في الكلمات, وبعد المسلمين كل في ربعه, واشتغال النبي بأمور المسلمين, فهذا القيد يتناقض مع التيسير ويلغيه".
      ثانياً: ما استشكله بعضهم بأنه يلزم عنه أن جبريل كان يلفظ باللفظ الواحد عدة مرات, وما أجيب عنه بأن جبريل كان يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمت السبعة إنما هو تسور على أمر غيبي بين جبريل ورسول الله لم يطلع عليه أحد, وليس بيد مدعي هذا بينة تثبت مدعاه في هذا الأمر الخطير"اهـ
      وقال ص (61) : "إنني أنا محمد حسن حسن جبل أشعر أيضاً وأنا أكتب هذا أنني أسعى في تحصيل حاصل, لأني أريد أن أثبت أمراً فطري الثبوت, ولكن عذري أني عايشت طلاب كلية القرآن الكريم وعرفت المقولات التي تتحكم في نفوسهم فرأيت أن واجبي أن أبصـرهم وأرشدهم لتتسع آفاق مداركهم ولا يركنوا إلى الذين يقودونهم بأفكار قائمة على حماس ليس له أساس علمي.
      إن المسلمين وفي مقدمتهم أهل القرآن يواجهون أخطاراً جساماً تتهدد دينهم, والدفاع الأمثل عن الإسلام في عصرنا وظروفنا يكون بالعلم الفاقه البصير, والله الموفق والمعين".

      وقال ص (62) : "والآن فإني أعلم أن ما عُبِئْتَ به أيها الدارس من المقالات الحماسية قد يصدك عن رأيي على الرغم مما قدمته لك من أن الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بلهجاتهم دون تلق من الرسول , وإنما بناء على الأصل الفطري وعلى الإذن العام من الرسول لكل إنسان أن يقرأ بلهجته"اهـ
      وقال ص (172): "القول بأن الأحرف كلها متلقاة يلغي التخفيف, لأنه يعني أن الوجه أو الأوجه الجديدة التي أبيح للناس أن يقرؤوا بها هي مما يجب الالتزام به, وهذا مستحيل نظرياً وعملياً, لأن الرخصة كانت مفتوحة ومتاحة للمسلمين جميعاً في ذلك الوقت, وحسب اختيار كل منهم تبعاً لظروف حفظه وأدائه, والأصل أنهم هم الذين يبدؤونها, فإن التيسير كان يتمثل أصلاً في إجازة التحلل من الالتزام الحرفي الدقيق بالمتلقى لمن لا تسعفه ظروفه بالحفظ الحرفي, وكانت هذه رخصة للقراءة الشفوية لمن ظروفه تقتضيها, في حين أن النص الأصلي المنزل ظل محفوظاً كما أنزل, لأنه كتب فور نزوله بإملاء النبي ".
      الخامس عشر: قال الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن" ص (81) : "معنى ذلك بداهة أن الوحي القرآني استمر ينزل على قلب النبي واحداً وعشرين عاماً على حرف واحد, وأن المجتمع كله كان يقرأ القرآن طيلة هذه المدة من حياة النبي على حرف واحد, وأن إقراء هذه المدة من حياة النبي كان على حرف واحد, وأن تدوين ما كان ينزل من القرآن كان أيضاً على حرف واحد, لا شك في هذا أبداً بعد أن وضحت لنا المعالم التاريخية السابقة".

      وقال ص (84) : "لم نتلق أي خبر أو إشارة إلى أن الرسول كان يكرر إملاء الوحي على كتبته, ولو حدث هذا لاستفاضت به الأحاديث, لأنه يكون حينئذ مما ينبغي أن يعلم من أحواله في أخص ما يتصل بحفظ القرآن مكتوباً.
      ويؤكد هذا الوجه أيضاً أن الذين كتبوا النص القرآني في جمع أبي بكر وفي جمع عثمان لم يصادفوا مرة واحدة نصاً مكتوباً مرتين على حرفين, فضلاً عن سبعة أحرف, لا مفرقة على مواضع من القرآن ولا مجتمعة في كلمة واحدة".

      وقال ص (68) : "الذي يعين سياق الأحاديث على القول به أن من الحروف ما كان منشؤه الرخصة العامة, لا سيما ما كان بزيادة أو نقص أو إحلال كلمة في موضع أخرى, بسبب النسيان أو الرغبة في الاستمتاع بالرخصة مع التذكر, وكلا الأمرين جائز ما دام باب التيسير مفتوحاً".
      السادس عشر: قال الدكتور غانم قدوري الحمد كما في "لقائه العلمي مع شبكة تفسير": "ويمكن أن نخلص من العرض السابق إلى نتيجة تلخص المراد من الأحرف السبعة، وهو التعبير عن الرخصة في القراءة للصحابة الذين لم تمكنهم عاداتهم اللغوية من نطق القرآن الكريم باللفظ المنزل بلغة قريش، وذلك بالترخيص لهم بقراءته بعربيتهم التي اعتادوها ونشأوا عليها، وهي لا تبتعد كثيراً عن عربية قريش التي نزل بها القرآن، فكانت القراءات القرآنية نتيجة الرخصة" .
      وقال أيضاً: "يصعب القول إن النبي علّم كل صحابي القراءة على لغته التي اعتاد عليها، لأن ذلك يحتاج من الوقت والجهد ما لم يكن يسمح به وقت النبي الذي كان مشغولاً بالدعوة والتعليم والتربية لأصحابه، وبالجهاد والقتال لأعدائه، والأقرب إلى التصور أن النبي كان يعلِّم الصحابة ما ينزل عليه من القرآن، ويأمرهم بكتابته، ويقرؤه عليهم في صلواته، ورخَّص لهم بقراءته بما يستطيعون من وجوه النطق".

      وقال أيضاً: "إن عصر الرسالة له خصوصية في أمور كثيرة، لأنه عصر بدء الدعوة لهذا الدين الجديد ونشـره وتأسيس دولته، فكانت السنوات الثلاث والعشرون التي عاشها رسول الله بعد بعثته مليئة بالحركة والتنقل والدعوة والتعليم والتربية، وكان أصحابه يجارونه في تلك الحركة، وكان حالهم من الأمية واختلاف اللغات وضيق الأوقات قد جلب لهم الرخصة في القراءة ، حتى لا يُحْرَمَ أحد من الصحابة من قراءة القرآن وتعلمه ونيل ثوابه والتفقه فيه, ولم تكن هناك مدارس ولا معاهد ولا كتب ولا وسائل للتعليم سوى التلقين والمشافهة، فجاءت الرخصة لتسهِّل عليهم تلقي القرآن وحفظه على ما هم عليه من تباين اللغات وانعدام وسائل التعلم في أول ذلك العهد".
      السابع عشر: قال الدكتور صبري الأشوح في كتابه "إعجاز القراءات" ص (25) : "ابن الجزري يميل إلى أن جميع القراءات كانت إقراء من النبي , وليست إقراراً منه, ولا أدري إن كان الأمر كذلك قد جرى به الواقع, فأين يذهب إذن معنى الرخصة والتيسير والتوسعة.
      إذا سلمنا بمفهوم ابن الجزري فإن هذه القراءات المتعددة ستكون تعسيراً, أيُّ المهمتين أسهل نقل وحفظ القرآن بقراءة واحدة أم بعشرات القراءات؟!
      وهل يعقل أن يطلب من أي عقل بشري أن يؤمن بأن النبي قد قرأ بنفسه كل هذا الخضم الهائل من القراءات؟!"اهـ

      قلت: لكن سبق أن ابن الجزري له قول آخر صرح فيه بخلاف ذلك, وأن القراءات لم تكن منزلة إنما هي مأذون بها فقط.
      وهو قوله: "أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي على جبريل عام قبض، وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه".
      فقال: (وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه).
      وكذلك قوله: "القراءة الشاذة ولو كانت صحيحة في نفس الأمر فإنها مما كان أذن في قراءته ولم يتحقق إنزاله، وأن الناس كانوا مخيرين فيها في الصدر الأول، ثم أجمعت الأمة على تركها للمصلحة".
      وقال الدكتور صبري الأشوح أيضاً ص (23) : "إن الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون العلاقة بين الوحي الإلهي والواقع متمثلاً في تعدد اللهجات ومحدودية القدرات البشرية في النطق والتذكر من جهة, واختلاف الناس في التذوق والميول من جهة أخرى, اقتضت الحكمة أن تكون العلاقة بينهما علاقة تكامل ومشاركة لا أن تكون علاقة فرض وإملاء وإلزام وإجبار, فتركت للناس مساحة محدودة للمشاركة, تضمن على مر الأيام ولاءهم, وتعمق على اتساع الرقعة انتماءهم, فيعتز التميمي بالقرآن إذ ينطقه ببعض لهجته اعتزاز القرشي والهذلي والأسدي وغيرهم, فالقرآن ينطق بلهجاتهم جميعاً, لذا فهو ملكهم جميعاً".
      وقال ص (56) : "القرآن كلام الله هو علم على تلك الرسالة المحمدية, وهدية الله إلى العالمين, فكان لزاماً أن يكون كلاماً واقعياً ينطقه الناس بلغتهم السائدة بينهم, وهي العربية المبينة, وبلهجاتهم أيضاً على تعددها وتنوعها واختلافها, وهو ما جعله قطعة من النسيج الثقافي لهم جميعاً على الأقل في مرحلته الأولى, وحتى يتمكن من صدورهم ويستولي على ألبابهم, وهو صلب ما أدت إليه رخصة الأحرف السبعة العبقرية البالغة الحكمة"اهـ
      من أدلة هذا القول الصحيح:
      والآن وبعد سرد تلك النقول الكثيرة التي قد توشحت بالنظرة المتأملة والتحقيق وتزينت بالإدراك والفهم العميق أذكر عشرة من الأدلة كلها تؤيد أقوال هؤلاء الأئمة الكرام.
      الدليل الأول:
      حديث أبيّ قال: (لقي رسول الله جبريل فقال: إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العاسي، والعجوزة الكبيرة، والغلام, قال: فمرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف). أخرجه أحمد (35/132)
      فقوله: (مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف) واضح جداً أنه رخصة مفتوحة لأولئك الشيوخ والعجائز والغلمان والذين لم يقرؤوا كتاباً قط أن يقرؤوه دون أن يتلقوا ذلك ويُعَلَّمُوه, ولو طلب من كل أولئك العجزة والشيوخ والغلمان أن يتعلموا القراءة ويحفظوها كما نزل بها جبريل لانتفت الرخصة, ولم يحصل ما أراده النبي .
      كيف وهم أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالمعاش وأمور الحياة، وكيف يطلب النبي من ربه التهوين والتيسير ثم يُعَيِّن لهم ما يتيسر ويلزموا به, إن التيسير يتمثل في أن يقرأ القارئ من أولئك الشيوخ والعجائز بدل الكلمة القرآنية التي ذهل عنها كلمة تؤدي معناها فتقوم مقام التي ذهل عنها كما أن له أن يقرأ الألفاظ بلهجته وإن كانت مخالفة للهجة قريش, أما تعيين الكلمات البديلة فهو تكليف شاق ينافي الرخصة.
      ولو أن كل واحد من أولئك الشيوخ والعجائز والأميين كلف أن يقرأ ولا يبدل حرفاً ولا كلمة فكم في ذلك من التعسير والتشديد والمشقة.
      فرخص لهم في تلك الفترة بعدم الالتزام الحرفي بعين تفاصيل القراءة المتلقاة عن النبي , وأبيح لهم التحلل من تلك القيود.
      أما النص الأصلي الذي كان ينزل به جبريل على النبي فإنه كان يحفظ فور نزوله عن طريق الكتابة, فإن النبي كان يمليه على من يكتب الوحي فيكتبه فوراً, وبالتالي لا خوف على النص الذي نزل بلسان قريش فهو محفوظ ومكتوب, وبهذا يعلم تمام رحمة الله وحكمته , وحفظه لكتابه.
      ولهذا قال أبو شامة كما سبق: "قلت: فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد, لأنه نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله، ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو: هلم، وتعال، على جواز إبداله باللفظ المرادف، ودلنا ما ثبت من جواز غفوراً رحيماً موضع عزيزاً حكيماً على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ، فإن جميع ذلك ثناء على الله سبحانه".
      الدليل الثاني:
      أن القراءات المختلفة لو كانت كلها منزلة من عند الله لم يكن بوسع الخليفة عثمان أن يلغيها ويبقي على حرف قريش, فهذا من أوضح الأدلة على أن الأحرف السبعة إنما هي رخص لكل أهل لهجة أن يقرؤوا بلهجتهم, وكانت رخصة مؤقتة, وما فعله عثمان كان قد هم بفعله عمر , فقد أراد أن يجمع الناس على قراءة واحدة, لكنه طعن وقتل قبل تنفيذ ذلك.
      فلو كانت الأحرف منزلة من عند الله ما كان عثمان يفكر ولو مجرد تفكير أن يلغيها ويحرق المصاحف, هل يعقل هذا! وهل يمكن أن يسكت الصحابة وهم يرون عثمان يلغي بعض كلام الله الذي جاء به جبريل!
      ليس السكوت فقط بل قد ورد أن علي بن أبي طالب قال: "لو وليت لفعلت في المصاحف الذي فعل عثمان" كما في "فضائل القرآن" لأبي عبيد ص (284)
      وليس التمني فقط بل قد ورد الثناء والمدح لعثمان بما فعل, وهو أمر مشهور معروف, ومن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي: كان لعثمان شيئان ليس لأبي بكر ولا عمر مثلهما: صبره نفسه حتى قتل مظلوماً، وجمعه الناس على المصحف.
      وقال حماد بن سلمة: كان عثمان في المصحف كأبي بكر في الردة, كما في "المرشد الوجيز" ص (71)
      ألا يمكن أن يأمر عثمان بكتابة الأحرف السبعة ويلزم الناس بها دون غيرها فيزول الاختلاف.
      قال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (71) : عثمان قصد أن يقتصر الناس على تلاوته على اللفظ الذي كتب بأمر النبي ، ولا يتعدوه إلى غيره من القراءات التي كانت مباحة لهم المنافية لخط المصحف.
      وقال أيضاً ص (89) : "كان هذا سائغاً قبل جمع الصحابة المصحف تسهيلاً على الأمة حفظه, لأنه نزل على قوم لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشـيء بلفظه، بل هم قوم عرب فصحاء يعبرون عما يسمعون باللفظ الفصيح.
      ثم إن الصحابة خافوا من كثرة الاختلاف، وأُلهِمُوا وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيراً فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له... وبقي من الأحرف السبعة التي كان أبيح قراءة القرآن عليها ما لا يخالف المرسوم، وهو ما يتعلق بتلك الألفاظ من الحركات والسكنات والتشديد والتخفيف, وإبدال حرف بحرف يوافقه في الرسم ونحو ذلك".
      وقال أبو شامة أيضاً في "المرشد الوجيز" ص (142) : لأن خط المصحف نفى ما كان يقرأ به من ألفاظ الزيادة والنقصان والمرادفة والتقديم والتأخير، وكانوا علموا أن تلك الرخصة قد انتهت بكثرة المسلمين واجتهاد القراء وتمكنهم من الحفظ.
      تنبيه:
      هذا الدليل وهو إلغاء عثمان لبقية الأحرف من أقوى الأدلة على هذه المسألة, ولو لم يوجد غيره لكفى لشدة وضوحه وجلائه.
      فإن قال قائل: إن الأحرف كانت رخصة ليست واجبة على الأمة, ولهذا منعها عثمان, ولا يعني منعها له أنها ليست منزلة, ولكن لأنها رخصة للتوسعة ليست واجبة.
      فالجواب: أنه حتى على افتراض صحة هذا الزعم فإنه من الممتنع المستحيل أن عثمان بإجماع الصحابة يمنع ويلغي قراءات قرآنية أنزلها الله على نبيه وأقرأها جبريل للنبي , وأقرأها النبي للصحابة .
      كان بإمكانه أن يكتبها في مصاحف ويرسل بها إلى أولئك المختلفين ويعلمهم أن كلها حق منزلة من الله وأن عليهم أن يحفظوها كلها ولا يختلفوا فيها (كما يفعل الناس اليوم حين يحفظون سبع قراءات).
      لا سيما وأن بعض المتأخرين يزعمون أن تلك الأحرف والقراءات تشتمل على معان عظيمة من الله! فكيف يمنع عثمان الأمة إلى قيام الساعة من هذه المعاني العظيمة التي مَنَّ بها الله على عباده.
      كيف يسوغ أن يعمد إلى إلغائها بكل هذه السهولة وبمباركة من جميع الصحابة .
      هذا ممتنع أشد الامتناع على الصحابة المعظمين للقرآن المنزل على محمد .
      فإن قيل: إن عثمان لم يحذف شيئاً من الأحرف السبعة, ولا يمكن أن يحدث ذلك, وكيف يعمد إلى حذف قراءات أنزلها جبريل على النبي , ويُقِرُّه الصحابة جميعاً على ذلك, وإنما حذف ما نسخ من القرآن والقراءات, وما يعتبر شاذاً من القراءات لم يثبت عن النبي .
      فالجواب أن هذا الاعتراض غريب جداً.
      كيف يقال: إن عثمان لم يلغ شيئاً من الأحرف, وعثمان قد قال: (اكتبوه بلسان قريش).
      ما فائدة قوله هذا إن كان لم يلغ شيئاً من الأحرف, وما علاقة ما نسخ من القرآن بقوله: (اكتبوه بلسان قريش).
      إن هذا النص من عثمان يدل بكل وضوح أن هناك لهجات أخرى غيرها, ولكنه أمر أن يقتصر على لهجة قريش, وهو أمر مشهور معروف عند كل أحد.
      إلا أن يقال: إن الأحرف السبعة كانت كلها بلسان قريش, وهذا لم يقل به أحد.

      ثم إن الذين قالوا بهذا القول غفلوا عن أمرين هما في غاية الأهمية:
      أولهما: أن عثمان بكتابة المصحف على حرف واحد ومنع الناس من سواه لم يحذف شيئاً من القرآن, فإن القرآن باق لا يمكن أن يذهب منه حرف واحد ولو أجتمعت الإنس والجن على ذلك وكان بعضه لبعض ظهيراً.
      ولكن الذي ألغاه عثمان إنما هو بعض طرائق النطق بالقرآن, وهو ما يعبر عنه بالأحرف السبعة, فإن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان كما سبق ذكره, فالقرآن هو الوحي المنزل, والقراءات اختلاف ألفاظ هذا الوحي, فطريقة اللفظ بهذا الوحي مختلفة لكن حقيقته قرآن ووحي واحد منزل على محمد .
      وإنما ألغاها عثمان لزوال الحاجة إليها, فإن الرخصة كانت لزمن معين وقد انتهى, ولأنها صارت سبباً في الاختلاف والتنازع.

      وثانيهما: أن القراءات المثبتة في كتب القراءات كالنشر وغيره ليست إلا قليلاً من كثير وقطرة من بحر بالنسبة للقراءات التي تركت ولم تدون, وقد ذكرت النقول التي تؤكد ذلك عن المهدوي وأبي حيان والزركشـي وغيرهم في كتاب "المسائل الكبرى"
      فكيف يُدَّعَى أن الذي في المصحف الآن جميع الأحرف السبعة, وأن عثمان لم يحذف منها شيئاً.

      قال ابن الجزري في "النشر" (1/33) : "فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِلٌّ من كُثْرٍ ونَزْرٌ من بَحْر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين, وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر وهلم جراً".
      وقال في "المسائل التبريزية: "ما التزمنا في "النشر" أن نذكر كل ما صح من الروايات والقراءات, بل اخترنا ذلك من الصحيح, ولكن في نفسـي أن أجمع كتاباً في القراءات, وأعتمد فيه على كل ما صح عندنا إن شاء الله"اهـ
      وهذا يعني بكل وضوح أن ذهاب كثير من القراءات الصحيحة لا يعني ذهاب شيء من القرآن, وإنما القراءات طرائق مختلفة لقراءة القرآن, الغاية منها التسهيل والتيسير والتهوين.
      الدليل الثالث:
      أن عثمان حين أمر بكتابة المصحف قال للرهط القرشيين الثلاثة: (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم). أخرجه البخاري (4702)
      وكذلك قال عمر لابن مسعود : (إن الله أنزل القرآن بلسان قريش, فأقرئ الناس بلغة قريش) كما سيأتي ذكره قريباً والاستدلال به من جهة أخرى.
      وهذه نصوص صريحة واضحة, ولو نزل جبريل بجميع القراءات والأحرف ما كان لقول عثمان أو عمر أي معنى.
      وهو أمر مستقر معروف عند السلف .
      قال مجاهد: نزل القرآن بلسان قريش.
      وقال عكرمة بن خالد: نزل القرآن بلساننا, يعني قريش. أخرجهما ابن أبي شيبة (7/157)
      وسمع خالد بن سلمة قتادة يحدث عن أبي الأسود الدؤلي أنه قال: نزل القرآن بلسان الكعبين: كعب بن عمرو وكعب بن لؤي. فقال: خالد بن سلمة لسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: "ألا تعجب من هذا الأعمى يزعم أن القرآن أنزل بلسان الكعبين, وإنما نزل بلسان قريش!" أخرجه ابن جرير (1/29)
      ولا يصح أن يقال: إن المراد أول ما نزل, فيضاف إلى هذا النص الواضح الصريح لفظة (أول ما نزل) ليفرغ من دلالته الصريحة.
      فإن هذا تحريف للنص وتغيير لمعناه.
      ولو كان المراد (أول ما نزل) ما أنكر عمر على ابن مسعود قراءته (عتى حين), فإنه علل نهيه بقوله: (إن الله أنزل القرآن بلسان قريش).

      وكذلك أخرج الداني في "المحكم" ص (21) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أنه قرأ عباد الرحمن قال سعيد: فقلت لابن عباس: إن في مصحفي (عند الرحمن) فقال: امحها واكتبها (عباد الرحمن).
      وإنما أمره ابن عباس بحذفها لعلمه أن الذي نزل به جبريل هو (عباد) وهو الذي كتب, وأما (عند) فهو من الأحرف التي أذن أن يقرأ فيها.
      فالأمر بَدَهِيٌّ في أذهان الصحابة إذاً, فعثمان يصرح به والصحابة يُقِرُّونَه على ذلك, ولا يدور في خلدهم غيره, فالقرآن نزل بلهجة قريش, وهذا يعني بكل صراحة ووضوح أن بقية الأحرف واللهجات والقراءات ما أنزلها جبريل, بل هي رخصة من الله أن يقرأ الناس ما أنزله الله بلهجاتهم ولو لم يأت به جبريل, ولو لم يقرئهم النبي , فإن المقصود التيسير والتهوين عليهم.
      تنبيه:
      استشكل بعض العلماء وجود الهمز في القراءة مع أنه نزل بلسان قريش لأن قريشاً والحجاز لا يحققون الهمزة.
      فقال بعضهم: المراد أكثره وأعظمه.
      قال ذلك أبو عمرو الداني في "جامع البيان" (1/68), وابن عبد البر في "التمهيد" (8/280), وأبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (69), وغيرهم.

      وما ذهب إليه هؤلاء الأجلة بعيد عن ما يفهم من عموم النص أن القرآن أنزل بلسان قريش.
      ولكن الحقيقة أن وجود الهمز أو عدمه لا ينافي نزوله بلسان قريش, وذلك أن الهمز ليس من صلب الكلمة, وليس هو تغيير حرف بحرف, بل هو تحقيق أو تسهيل فحسب, فهو طريقة أداء كغيره من صفات الأداء كالإمالة والإدغام والصلة وضم ميم الجمع والترقيق والتفخيم والتغليظ وغير ذلك.
      فهي طرق أداء مختلفة, ولم تأت الرخصة بالأحرف من أجل أن يتمكن من لا يقدر إلا على الهمز أو الإمالة أن يقرأ بهما, لأنه سيقرأ بهما حتماً دون شعور ودون أن ينتظر رخصة ودون أن يحس أنه يقرأ كلاماً مختلفاً.
      فاللفظ هو اللفظ سواء حققت فيه الهمزة أو سهلت لا يتغير لفظه ولا معناه.

      قال ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (13/392) :"وأما ما اتحد لفظه ومعناه وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات والمدات والإمالات ونقل الحركات والإظهار والإدغام والاختلاس وترقيق اللامات والراءات أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القراءات الأصول فهذا أظهر وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى, إذ هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً.
      ولا يعد ذلك فيما اختلف لفظه واتحد معناه أو اختلف معناه من المترادف ونحوه, ولهذا كان دخول هذا في حرف واحد من الحروف السبعة التي أنزل القرآن عليها".

      وقال ابن الجزري في "النشر" (1/30) : "ما اتحد لفظه ومعناه مما يتنوع صفة النطق به كالمدات وتخفيف الهمزات والإظهار والإدغام والروم والإشمام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات ونحو ذلك مما يعبر عنه القراء بالأصول فهذا عندنا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ أو المعنى, لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً".
      وصفات الأداء لا علاقة لها بالأحرف ولا بالقراءات وبيان هذا والاستدلال عليه مبين بالتفصيل في كتاب "المسائل الكبرى"
      وأما وجود ألفاظ وردت بلغات بعض العرب فلا يعني هذا أنها ليست من لغة قريش, لتوافق لغات العرب في كثير من الكلام.

      قال ابن قتيبة كما في "المرشد الوجيز" ص (94): "هذا القول عظيم من قائله, لأنه ‌غير ‌جائز ‌أن ‌يكون في القرآن لغة تخالف لغة قريش لقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، إلا أن يكون القائل لهذا أراد ما وافق من هذه اللغات لغة قريش".
      الدليل الرابع:
      أن النبي ما كان يقرأ عليهم أو يقرئهم إلا بلسان قريش, ولم يكن يقرئهم بغيرها إلا ما ورد في قصة عمر مع هشام بن حكيم وسيأتي الكلام عليها وبيان حقيقة هذه الرواية.
      ولو كانت الأحرف والقراءات قد نزل بها جبريل لكان النبي يقرئهم بها كثيراً كما يقرئهم بحرف قريش, ولرأيته يقرأ بها في صلاته بهم, ولكان هذا مشهوراً ظاهراً بيناً لا يخفى على أحد.
      ولو حصل هذا كثيراً لنقل في نصوص كثيرة واشتهر وتواتر ذكره, فعدم نقله يدل على أن الأمر بخلاف ذلك, وأن النبي ما كان يقرأ ويُعَلِّمُ إلا بلهجة قريش.
      ومما يدل على ذلك أيضاً ويؤكده أنه لما اختلف عمر وهشام بن حكيم في شأن القراءة لم يكونا على علم أن القرآن أنزل على سبعة أحرف إلا بعد أن قرأ كلاهما على النبي فصحح لهما, ولو كان النبي يقرئ بكل الأحرف واللهجات لاشتهر وما كان ليخفى على مثل عمر .
      فليس من المعقول أن يحصل إقراء النبي بقراءات متنوعة ثم لا يعلم به صحابي مثل عمر .

      وقد روى أبو إسحاق عن مصعب بن سعد قال: (سمع عثمان قراءة أُبيّ وعبد الله ومعاذ فخطب الناس ثم قال: إنما قبض نبيكم منذ خمس عشرة سنة وقد اختلفتم في القرآن, عزمت على من عنده شيء من القرآن سمعه من رسول الله لما أتاني به, فجعل الرجل يأتيه باللوح والكتف والعسيب فيه الكتاب، فمن أتاه بشـيء قال: أنت سمعته من رسول الله ...) أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" ص (101), وذكره السخاوي في "جمال القراء" ص (110)
      فعثمان أراد أن يزيل الاختلاف بجمع ما سمع من رسول الله , فماذا يعني هذا؟
      يعني أن الرسول كان يقرأ ويقرئ بلفظ واحد, وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن لا بألفاظ مختلفة.

      قال أبو عبد الرحمن السلمي كما في "المرشد الوجيز" ص (68) : "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ

      ومما يؤيد ويؤكد أن الرسول ما كان يقرئهم إلا بحرف قريش أنه لم يعرف أبداً أن الأحرف غير حرف قريش كانت تدون وتكتب كما كان يكتب القرآن الذين نزل بحرف قريش, ولم يرد أبداً أن أحداً من الصحابة كانت يتتبعها ويكتبها, أو يتعلمها ويحفظها, ولو حصل ذلك لعُلِمَ واشتهر.
      وهذا يدل دلالة واضحة على أن الرسول ما كان يقرئهم بها, وأنها ليست منزلة, وإنما هي رخصة مفتوحة, إذ كيف تكون منزلة ويقرئهم الرسول بها ثم لا يعبؤون بها ولا يكتبونها ولا يجمعونها ولا يتعلمونها, ولا يأمرهم رسول الله بشيء من ذلك البتة.
      وقد ذكر ابن تيمية في "الفتاوى الكبرى" (1/55) "أن جمع القراءات لأجل الحفظ والدرس هو من الاجتهاد الذي فعله طوائف في القراءة، وأما الصحابة والتابعون فلم يكونوا يجمعون"اهـ
      فالصحابة لم يهتموا بالأحرف ولم يجمعوها, وهذا من أوضح الأدلة على أن الرسول لم يقرئهم بها, وأنها لم ينزل بها جبريل على النبي .

      ومما يؤكد عدم اهتمام الصحابة بها حديث أبي المنهال قال: (بلغنا أن عثمان قال يوماً وهو على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف), فقال عثمان : وأنا أشهد معهم) أخرجه أبو يعلى في الكبير كما في "مجمع الزوائد" (7/152)
      إن عثمان يحتاج في إثبات أن القرآن أنزل على أحرف إلى أن يشهد معه أحد, فقام رجال فشهدوا معه, وهذا لا يدل إلا على شيء واحد, وهو أن مسألة الأحرف والقراءات عند الصحابة ليست ذات بال عندهم, ولم يشغلهم أمرها, لأنهم فهموا المراد بها والغاية منها, ولو كانوا قد تلقوها من النبي , وكانوا يحفظونها أو يجمعونها ما احتاج عثمان أن يطلب من يشهد على ذلك, لوضوح الأمر واشتهاره بينهم.
      الدليل الخامس:
      أن كثيراً من أهل العلم الراسخين من القراء والمفسرين واللغويين وغيرهم قد تكلموا في بعض القراءات, وفاضلوا بينها أو خطأوا بعضها, وهذا أمر مشهور معلوم, كالإمام الأعرج عبد الرحمن بن هرمز, ويحيى بن يزيد الفراء, وأبي عبيد القاسم بن سلام, وأبي حاتم السجستاني, ومحمد بن جرير الطبري, وابن مجاهد وهو من جمع قراءات القراء السبعة, وأبي شامة, وأبي الحسن الأخفش, وأبي العباس المبرد, وأبي إسحاق الزجاج, وأبي جعفر النحاس, وأبي علي الفارسي, وغيرهم, حتى بعض القراء السبعة, وكثير منهم مع كونه إماماً في التفسير أو اللغة كان إماماً في القراءات أيضاً.
      وهذا صريح في أنهم كانوا يرون أن تلك القراءات المختلفة ليست كلها منقولة عن النبي , ولذلك ينقدون ويخطئون ويضعفون ويفاضلون, فينقدون كل لهجة ضعيفة, أو ما تشوبه مخالفة للغة الفصحى, ولا يجدون أي حرج في ذلك, لأنهم على يقين وطمأنينة أن الذي أنزله جبريل على محمد في أعلى درجات الفصاحة والبيان واللسان العربي المبين, فهم يعتقدون أن تلك القراءات الكثيرة المختلفة ليست من قراءة رسول الله , إنما هي قراءات أذن للناس أن يقرؤوا بها في زمن الرخصة.

      والمتأخرون حينما فاتهم فقه هذه المسألة كثر تهجمهم على أولئك العمالقة الكبار جهلاً أو تقليداً, وهم يظنون أنهم بذلك يدافعون عن القرآن الذي أنزله الله!
      إن الذين يتهمون أولئك بأنهم يطعنون في القراءات غلطوا في أمرين:
      أولهما: أنهم جزموا بأن جميع القراءات المختلفة قد نزل بها جبريل على النبي , في حين أن أولئك الأئمة لا يعتقدون ذلك, فهؤلاء المتأخرون يحاكمونهم إلى أمر لا يعتقدونه بل يعتقدون خلافه, فإن أولئك الأئمة ما كانوا يعتقدون أن جميع القراءات منزلة, بل كانت رخصة للناس أن يقرؤوا بلهجاتهم كما سبق بيانه, يتضح ذلك من مواقفهم من تلك القراءات كما بينت.

      وثانيهما: أنهم يحاكمونهم إلى الشاطبية والطيبة, فإذا قال أولئك عن قراءة: إنها شاذة وخطأ فإن المتأخرين ينظرون إلى الشاطيبة والطيبة فإن كانت تلك القراءة غير ورادة فيها قالوا: صدق أولئك إنها شاذة, وإن كانت واردة في إحداهما قالوا: لقد طعن أولئك في القراءات المتواترة.
      إن كثيراً من هؤلاء الكبار الأجلاء كانوا في زمن متقدم قبل أن توجد الشاطبية أو الطيبة أو القراء السبعة أو القراءات السبع, لقد كانوا في عصر لم تكن القراءات فيه مستقرة, وقد كثر القراء والقراءات, واخلط الشاذ بالصحيح والخطأ بالصواب والفصيح بالرديء الضعيف من اللهجات, فبذلوا جهوداً عظيمة في تمحيص القراءات وبيان الصحيح من السقيم منها حسب جهدهم وما بلغ إليه علمهم, وعلى أيديهم تمحصت كثير من القراءات وبان الصواب منها من الخطأ, فكيف يتهمون بأنهم يطعنون في قراءات متواترة, ويحاكمون بما عليه القراء السبعة أو العشرة أو الشاطبية أو الطيبة وهم لا يدرون ما السبعة ولا العشرة, فلم يوجدوا إلا بعد زمنهم ووقتهم, فالقراءات السبع لم تتميز ويكتب لها الشهرة إلا في بداية القرن الرابع الهجري, حين جمعها ابن مجاهد في كتابه "السبعة". وانظر: "تبرئة الإمام الطبري المفسـر من الطعن في القراءات" للدكتور سامي محمد عبد الشكور الأستاذ بجامعة طيبة بالمدينة النبوية.
      يقول الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل أستاذ أصول اللغة في جامعة الأزهر في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (61) : "إن قراءة الصحابة والتابعين بلهجاتهم هو أمر يقيني لأنه الأصل والطبيعي ولم يرد ما ينفيه, وهي حلقة بالغة الأهمية جديرة بالتنبه إلى وجودها, لأنها هي التي يرجع إليها كل ما كان موضع نقد في القراءات, لكونه لهجة ضعيفة, أو تشوبه مخالفة للغة الفصحى, فلنعلم أن مصدر تلك القراءة التي نقدت أو ضعفت هو تلك الحلقة لا غيرها"اهـ

      ويقول ص (77) : "يترتب على كون بعض القراءات أصله لهجي نشأ من أداء بعض الصحابة والتابعين أمران:
      الأمر الأول: جواز تفضيل قراءة أو وجه قرآني على آخر, فإن التفضيل هنا مرده إلى درجة الفصاحة في القراءة أو الأداء, وهذا التفضيل هو حق القرآن, لأنه أنزل بأفصح قراءة عربية وأفصح وجه عربي.
      الأمر الثاني: أن الطعن في فصاحة قراءة إنما يوجه إلى اختيارها وإلى لهجتها, وحاشا لله أن يكون موجهاً إلى القرآن نفسه أو إلى الرسول , ومن هنا وجدنا كثيراً من العلماء والأئمة المفسرين وأئمة القراءات واللغويين يضعفون بعض الأوجه القرآنية, وذلك محافظة منهم على رتبة فصاحة القرآن الكريم, وحاشا لله أن يظن بهم أنهم يوجهون التضعيف إلى القرآن نفسه أو إلى رسول الله نزه الله شأنه عن كل عيب, فهم أئمة الإسلام الذائدون بالعلم والحق عن حماه".

      ويقول ص (84) : "لا شك أن هؤلاء الناقدين يؤمنون بأن القرآن كلام رب العالمين منزه ويجب أن ينزه عن الأوجه الضعيفة في اللغة العربية, فهؤلاء العلماء دفعتهم الغيرة على كتاب الله تعالى إلى هذا النقد... فكل هؤلاء الناقدين بنوا نقدهم على أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان, وعلى أن الأداء المخالف للمستوى الأدبي المثالي العام من اللغة العربية هو غير متواتر, ونحن أيضاً يجب أن نعلم ذلك ونعتقده".
      الدليل السادس:
      أن الأحاديث السابقة في طلب النبي من ربه أن يهون القرآن على أمته ويأذن في قراءته على أحرف مختلفة إنما كان بالمدينة في وقت متأخر جداً بعد فتح مكة, ومما يدل على ذلك أنه لما اختلف عمر مع هشام بن حكيم وترافعاً إلى النبي لم يكونا يعلمان بأن القرآن يقرأ على أكثر من وجه حتى أخبرهم رسول الله , والقصة لم تحصل إلا بعد فتح مكة يقيناً, فإن هشام بن حكيم لم يسلم إلا بعد فتح مكة.

      وهذا يعني أن القرآن كان لا يقرأ إلا بلسان قريش إلا في أواخر العهد المدني حين بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً, فهي رخصة أُذِنَ فيها للحاجة إليها.
      وإذا كان الأمر كذلك فمتى سيقرأ النبي على أصحابه بكل الأوجه واللهجات والقراءات, إن من يعلم سيرة النبي , ويتصور أحواله وكيف كان يقضي وقته بين المشاغل الكثيرة المتنوعة, والدعوة والجهاد والتعليم والتوجيه واستقبال الوفود والحج والزوجات ومشاكل الناس وغير ذلك كثير يدرك أن النبي ما كان يتأتى له أن يمضي كثيراً من أوقاته في تعليم القراءات المتنوعة.
      يقول الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (60) : "الذين يشترطون أو يظنون ضرورة تلقي القراءة اللهجية من الرسول أي توقف جوازها على ذلك يقعون في خطأين:
      الأول: إبطال كون القراءة باللهجات تيسيراً على الأمة, وذلك أن تَوَقُّفُ تلك القراءة على التلقي تلزم كل من يريد القراءة بلهجته بأن يتلقاها عن الرسول وفي ذلك ما فيه من ضرورة لقاء الرسول , والاستماع إليه وهو يقرأ بتلك اللهجة, أو القراءة أمامه بلهجة القارئ, وذلك مستحيل, لأن أصحاب هذه اللهجات غير القرشية من الصحابة آلاف, ومنتشرون في البلاد, والنص القرآني الكريم طويل, ليس عبارة واحدة أو عبارات محدودة, والرسول له مشاغله الجمة, مع كون ذلك أولاً وأخيراً تحصيل حاصل, لأن قراءة الإنسان بلهجته أمر فطري.
      والثاني: أن اللهجات العربية جد كثيرة (نحو مائة وثلاثين لهجة), والرسول لا يتسع وقته عمره (عمر الدعوة 23 عاماً) لذلك, فإن الرسول له مشاغله العظيمة"اهـ
      قلت: لكن قوله : "لا يتسع وقته (عمر الدعوة 23 عاماً) لذلك".
      فيه غفلة عن الحقيقة التي أشرت إليها سابقاً, وهي أن المدة ليست 23 عاماً, بل عامين فقط أو ما يقرب من ذلك, فإن الرخصة لم تنزل إلا في أواخر العهد المدني كما سبق.

      وقال ص (85) : "إن الرسول كان يقرأ القرآن بلهجته القرشية, وهي اللغة التي تمثلت فيها العربية الأدبية العامة, وجمعت أحسن خصائص لغات العرب... وكان من الطبيعي جداً أن يؤديه الصحابة كل منهم بلهجته الخاصة التي نشأ عليها, ولم يصح عنه أبداً أنه منع أحداً أن يقرأ بلهجة قبيلته... ولا حاجة أن نحمل كلمة (يقرئ) على غير الإقرار أو الإجازة, لأن قبائل العرب كثيرة تقارب المائة قبيلة, وهناك نحو ثلاثين صقعاً لكل منها لهجته, ومحال أن يشتغل النبي بأداء القرآن بكل هذه اللهجات".
      قلت: قوله: "ولا حاجة أن نحمل كلمة (يقرئ) على غير الإقرار أو الإجازة"
      هذا على افتراض صحة الرواية بلفظ (إن الله يأمرك أن تُقْرِئَ أمتَك).
      وسيأتي قريباً بيان أن الحديث بهذا اللفظ لا يثبت, وأن الصواب أنه بلفظ (إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك).
      وقال ص (89) : "يستحيل أن يكون الرسول قد قرأ القرآن بكل تلك اللهجات, وليست هناك ضرورة لادعاء ذلك, فالرسول كان يتعبد, ويقوم الليل, ويرعى أحوال المسلمين جماعتهم وأفرادهم, وكان يرتب الجيوش, ويقودها في المعارك, ويوزع المغانم, ويؤم المصلين, ويخطب في الجمع وغيرها, ويجمع المسلمين ليعظهم ويبين له حكم الشرع في الأحداث التي تجد, ويبلغ القرآن الكريم, وله بيوت وزوجات, فادعاء أمر إليه تبرعاً بلا ضرورة ولا سند ولا حاجة لنسبته إليه هو من الحماس المبني على غير أساس, فهو ادعاء بغير علم, فالقرءان والقراءات حقيقتان متغايرتان: القرآن كلام الله بأداء رسول الله , والقراءات أداء البشر بجهودهم وخصائصهم البشـرية لكلام الله تعالى الذي سمعوه من النبي ".

      وقال الدكتور صبري الأشوح في كتابه "إعجاز القراءات" ص (25): "لو كانت جميع القراءات إقراء من النبي وليست إقراراً منه فأين يذهب إذن معنى الرخصة والتيسير والتوسعة, إن هذه القراءات المتعددة ستكون تعسيراً.
      أيُّ المهمتين أسهل, نقل وحفظ القرآن بقراءة واحدة أم بعشـرات القراءات؟!
      وهل يعقل أن يطلب من أي عقل بشري أن يؤمن بأن النبي قد قرأ بنفسه كل هذا الخضم الهائل من القراءات؟!"اهـ
      وقال الدكتور خالد مسعود خليل في كتابه "دراسات في اللغة والقراءات" ص (144) : "ليس من المتصور عندنا أن الرسول الكريم كان يقرأ على الناس القرآن بكل هذه القراءات وهذه الروايات وهذه الوجوه المعتمدة عندنا الآن وهو المنشغل بأمور الدعوة وشؤون الدولة, إن ذلك يعني بكل بساطة تحول النبي من صاحب رسالة وقائد أمة إلى معلم يعلم الناس كلاً حسب لهجاتهم كيفية نطق ألفاظ القرآن الكريم.
      ولسائل أن يسأل: ألا يتعارض هذا الزعم مع القول بتواتر القرآن؟
      فنجيب قائلين: إن مفهوم التواتر عندنا لا يعني فقط السماع من النبي الكريم, إنه بهذا المفهوم يتحول إلى مفهوم ضيق ينوء بالقراءات القرآنية, بل يعني مع ذلك القراءة ضمن الإطار الذي سمح به النبي".
      وقال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية" ص (163) : "قراءة جبريل مع النبي في كل عرضة بوجه أمر لم يرد به أي أثر هذا من ناحية.
      ومن ناحية أخرى فهو أمر يمنعه العقل من عدة جوانب.
      أحدها:
      أن التيسير رخصة للناس أن يقرؤوا كما تيسر لهم, ولا يسوغ أن يقال ذلك ثم يعين لهم ما يتيسر, ويلزموا به بمقتضى المعارضة, فتكون النتيجة إما أن تقرأ الكلمة كذا أو كذا دون أي شيء آخر.
      إن التيسير يتمثل في أن يقرأ القارئ بدل الكلمة القرآنية التي ذهل عنها أية كلمة يختارها هو بشرط أن تكون بمعنى التي ذهل عنها أو قريبة منه, أما تعيين الكلمات البديلة فهو تكليف لمن شاء التيسير بحفظ الكلمات البديلة, أي: أنه بدلاً من حفظ كلمة أصبح عليه أن يحفظ اثنتين أو ثلاثاً إلى سبع".
      الدليل السابع:
      ما ورد عن عمر (أنه سمع رجلاً يقرأ من سورة يوسف من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه عتى حين، فقال عمر: من أقرأكها؟ قال: أقرأنيها ابن مسعود، فقال له عمر: حتى حين، وكتب إلى ابن مسعود: أما بعد: فإن الله أنزل القرآن بلسان قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام). أخرجه ابن شبة في "أخبار المدينة" (3/227) , وابن عبد البر في "التمهيد" (8/278) , وغيرهما.
      وهذا دليل واضح جداً على أن الذي نزل به جبريل إنما هو حرف واحد, وهو حرف قريش, ولو كانت كلها منزلة ما أنكر عمر على ابن مسعود, وكيف ينكر عليه وهو يقرئ بقراءة أنزلها الله, ونزل بها جبريل على النبي .
      ولكن ابن مسعود كان يقرئ بلغة هذيل لعلمه أن القرآن يقرأ بأحرف كثيرة, فنهاه عمر لأن الرخصة تقدر بقدرها, فهي رخصة للتسهيل والتوسعة, أما التعليم والإقراء فشأن آخر, يختار به الحرف الذي نزل به القرآن, ولذلك قال: (أقرئ الناس بلغة قريش, ولا تقرئهم بلغة هذيل).

      ومثل هذا الدليل في الوضوح ما رواه عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال له زيد بن ثابت: والذين اتبعوهم بإحسان، فقال عمر: الذين اتبعوهم بإحسان، فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم، فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب، فسأله عن ذلك. فقال أبي: والذين اتبعوهم بإحسان، فجعل كل واحد منهما يشير إلى أنف صاحبه بإصبعه، فقال أبي: والله أقرأنيها رسول الله وأنت تتبع الخبط. فقال عمر: نعم إذن، فنعم إذن، فنعم إذن نتابع أبياً.
      قال السيوطي في "الدر المنثور" (4/268): أخرجه أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه".
      ولو كان هناك أحرف متعددة قد أقرأ بها النبي ما اختلفوا, ولفرحوا واعتبروهما قراءتين صحيحتين عن النبي .
      فشدة اختلافهما وكون كل واحد يشير إلى أنف صاحبه بأصبعه دليل واضح على أنه لم يكن في أذهانهم إلا قراءة واحدة قد أقرأ بها الرسول .
      الدليل الثامن:
      أن الله يقول: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
      والمعروف أن كثيراً من القراءات ذهبت ولم تحفظ, فإن من المعلوم أن القراء في زمن التابعين وتابعيهم كثيرون جداً, وتلاميذهم أيضاً كُثُر جداً وقراءاتهم كثيرة جداً.
      ولم يبق من أولئك القراء ورواتهم وقراءاتهم إلا عشرة وراويان فقط عن كل قارئ.
      والإمام ابن مجاهد اقتصر على سبعة فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه.
      والإمام أبو عمرو الداني اقتصر في التيسير على راويين عن كل قارئ فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه, ولم يُلْتَفَتْ بعد ذلك إلى قراءات أولئك القراء الآخرين.
      ولو كانت الأحرف والقراءات كلها منزلة من عند الله فأين وعد الله بحفظ كتابه.

      قال ابن الجزري في "النشر" (1/33): "فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِلٌّ من كُثْرٍ ونَزْرٌ من بَحْر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين, وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى..." الخ كلامه.

      وقال أبو حيان الأندلسي كما في "النشر" (1/41): "وهل هذه المختصرات التي بأيدي الناس اليوم كالتيسير والتبصرة والعنوان والشاطبية بالنسبة لما اشتهر من قراءات الأئمة السبعة إلا نزر من كثر، وقطرة من قطر، وينشأ الفقيه الفروعي فلا يرى إلا مثل الشاطبية والعنوان فيعتقد أن السبعة محصورة في هذا فقط، ومن كان له اطلاع على هذا الفن رأى أن هذين الكتابين ونحوهما من السبعة (كثغبة من دأماء وتربة في بهماء)..." الخ كلامه.
      الدليل التاسع:
      جاء في عدد من الروايات فيها الإذن بالرخصة والمنع فقط مما يغير المعنى, كإبدال آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب.
      ففي حديث أُبيّ عند أحمد (35/84) (اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب).
      وفي حديث أبي بكرة عند أحمد (34/70) (اقرأه على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
      وفي حديث أبي هريرة عند أحمد (14/120) (أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليماً حكيماً، غفوراً رحيماً).
      وفي رواية (ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة) أخرجه ابن جرير في "التفسير" (1/19)
      وهذه الروايات وما يشابهها تدل بوضوح على أن الأحرف والقرآءات رخصة للناس, وليست قراءات محددة نزل بها جبريل.
      الدليل العاشر:
      حديث عبد الله بن مسعود أن النبي قال: (من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد).
      أخرجه أحمد (1/211), وابن ماجه (138), وابن حبان (7066), وغيرهم, وهو حديث صحيح.
      فهذا الحديث يدل على أن القرآن أنزل بلفظ واحد وحرف واحد وأجيز أن يقرأ بحروف أخرى حسب لغات الناس.
      ومعنى الحديث من أراد أن يقرأ القرآن بالحرف الذي نزل من عند الله فليقرأ بقراءة ابن مسعود t, ولذلك قال: (غضاً كما أنزل).
      وكيف لا يكون كذلك وهو يقول : أخذت من فم رسول الله سبعين سورة.
      فقول النبي : (غضاً كما أنزل) يشير إلى أنه باق على حاله بالحرف الذي أنزل عليه, وليس بحروف أخرى مرخص بها.
      قال القرطبي في "التفسير" (1/57) : "قال بعض العلماء: معنى قوله: (غضاً كما أنزل) أي: أنه كان يقرأ الحرف الأول الذي أنزل عليه القرآن دون الحروف السبعة التي رخص لرسول الله في قراءته عليها, وقد روى وكيع وجماعة معه عن الأعمش, عن أبي ظبيان قال: قال لي عبد الله بن عباس : (أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد).
      هذه عشرة أدلة تدل كلها بوضوح على أن جبريل إنما نزل بقراءة واحدة, وأن النبي أنما أقرأهم بقراءة واحدة وهي التي نزل بها جبريل لغة قريش, وأن الناس رخص لهم أن يقرؤوا بلهجاتهم وحسب قدراتهم في ذلك الوقت, وإن حصل شيء من التغيير في القراءة, فإن القرآن لم ينزل على أن يقرأ على وجه واحد, بل نزل على أن يقرأ على أوجه كثيرة.

      الجواب عن الأدلة التي ظاهرها يدل على أن جميع الأحرف والقراءات قد أنزلها جبريل على النبي .
      قد وردت نصوص قليلة فهم بعض المتأخرين من ظاهرها أن القراءات كلها نزل بها جبريل على النبي , وأن النبي أقرأ الصحابة بها جميعها.
      وهذه جزئية مفصلية في هذه المسألة, إذا سهل فهمها وتصورها واستيعابها انحلت أهم عقدة في هذا الشأن.
      فقد ثبت أنه لما اختلف عمر مع هشام بن حكيم قال كل منهما: هكذا أقرأني رسول الله .
      وثبت أنه قال لكل منهما حين سمع القراءة منهما: (هكذا أنزلت).
      وثبت أن النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف).
      وهذه نصوص ثابتة مشهورة, ولكن الاستدلال بها يجب أن يكون صحيحاً متوافقاً مع الأدلة الأخرى, فليس كل نص يفهم على ظاهره وما يتبادر منه.
      ولو كانت النصوص تفهم على ظاهرها دائماً لزم من ذلك لوازم باطلة بالاتفاق, مثل أن نعتقد أن بدء الخلق أصعب على الله من إعادته.
      لأن الله تعالى يقول: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)
      أو أن قوم نوح أرسل إليهم مجموعة رسل وليس نوح فقط.
      فإن الله تعالى يقول: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم)
      أو أن يكون القمر في السموات.
      فإن الله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا)
      أو أن الله يشك تعالى الله عن ذلك.
      فإن الله تعالى يقول: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ).
      أو أن الشمس تغرب داخلة في ماء.
      فإن الله تعالى يقول: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)
      أو أن إبراهيم كان شاكاً حين طلب من الله أن يريه كيف يحيى الموتى.
      لأن النبي قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم).
      أو أن الإنسان يعذب بفعل لم يفعله.
      فإن النبي قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه).
      أو أن الشيطان حسن المنظر.
      فإن النبي قال: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان)
      أو أن النار لا يدخلها أحد بأي ذنب إلا بسبب اللسان.
      فإن النبي قال: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)
      وهكذا نصوص كثيرة جداً.
      فالمتعين والمتحتم إذاً هو البحث عن المعنى الصحيح المراد من مثل تلك النصوص.
      ولا يمكن لأحد أن يقبل أن تفهم مثل هذه النصوص على ظاهرها وما يتبادر منها.
      فما الجواب إذاً عن هذه النصوص التي يفهم من ظاهرها أن الأحرف والقراءات منزلة, وهي التي جعلت كثيراً من أهل العلم المتأخرين يأخذون بظاهرها دون مزيد من النظر والسبر والتأمل.
      الجواب أن هذه النصوص هي أيضاً ليست على ظاهرها, وليس معناها كما يتبادر منها, بل لها معنى آخر, بدليل الأدلة الكثيرة المخالفة, ولهذا لم يفهمها أحد من السلف على ظاهرها, وأقوالهم وأفعالهم تدل على هذا كما سبق.
      أما كون النبي أقرأ صحابياً بقراءة وأقرأ آخر بقراءة مختلفة فقد جاء هذا في حديث عمر مع هشام بن حكيم, وفي بعض روايات حديث أبي بن كعب مع صاحبيه فهذا له احتمالان:
      الأول: أن النبي حقيقة أقرأ بعضهم بقراءة مختلفة وأراد من ذلك إعلان هذه الرخصة بالفعل والتطبيق, وكان ذلك في حالات قليلة نادرة, ليشيع أمر الرخصة ويظهر, فإن النبي كان شديد الحرص على أن يوسع على أمته.
      وقد يؤيد هذا ما جاء في إحدى الروايات في حديث أُبيّ بلفظ (فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: نعم، وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: نعم).
      لكن ذلك لم يرد في بقية الروايات, وإنما جاء برواية أنس, عن أُبيّ بن كعب.
      وبيان ذلك كالآتي:
      روى الحديث عن أُبيّ بن كعب جماعة.
      عبد الرحمن بن أبي ليلى, وابن عباس, وأنس, وعبادة بن الصامت, وسليمان بن صرد.
      واختلفت ألفاظ الروايات.
      ولم يأت هذا اللفظ إلا في رواية أنس فقط عن أُبيّ.
      أما رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبيّ بن كعب فهي بلفظ (إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله فقرآ، فحسن النبي شأنهما)
      وأما رواية ابن عباس عن أُبيّ فهي بلفظ (فقلت: يا رسول الله إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني، فقال رسول الله : اقرأ يا أُبيّ فقرأتها، فقال لي رسول الله : أحسنت، ثم قال للرجل: اقرأ فقرأ فخالف قراءتي، فقال له رسول الله : أحسنت)
      وأما رواية عبادة بن الصامت عن أُبيّ فهي بلفظ (قلت: يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى, قال: فإن هذا يدعي أنك أقرأته كذا وكذا)
      واختلف الروايات أيضاً في حديث سليمان بن صرد عن أُبيّ:
      ففي إحداها جاء بلفظ (فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى, قال ابن مسعود: ألم تقرئنيها كذا وكذا؟ قال: بلى)
      وفي لفظ آخر جاء هكذا (سمعت رجلاً يقرأ فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله فقلت: انطلق إليه، فأتيت النبي ، فقلت: استقرئ هذا، فقال: اقره فقرأ، فقال: أحسنت، فقلت له: أولم تقرئني كذا وكذا؟ قال: بلى، وأنت قد أحسنت)
      وفي لفظ ثالث (اختلفت أنا ورجل من أصحابي في آية، فترافعنا فيها إلى رسول الله فقال: اقرأ يا أُبيّ فقرأت، ثم قال للآخر: اقرأ فقرأ، فقال النبي : كلاكما محسن مجمل، فقلت: ما كلانا محسن مجمل)
      فتبين بذلك أن أكثر الروايات ليس فيها إلا أن أُبياً هو الذي يقول: (أقرأتني), وأن قول الرجل الآخر: (ألم تُقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى), لم يأت إلا في رواية واحدة من روايات حديث أُبيّ بن كعب, والله أعلم.
      وكذلك لم يرد في حديث ابن مسعود حيث قال: (أقرأني رسول الله سورة الأحقاف وأقرأها رجلاً آخر فخالفني في آية فقلت له من أقرأكها؟ فقال رسول الله , فأتيته وهو في نفر فقلت: يا رسول الله ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ فقال: بلى, قلت: فإن هذا يزعم أنك أقرأتها إياه كذا وكذا...)
      الاحتمال الآخر: أن هذا بسبب النسيان وعدم ضبط الحفظ فيحصل التغيير في بعض الألفاظ دون أن يشعروا, ولوجود الرخصة بالأحرف صوب النبي قراءتهم جميعاً.
      ولذلك لم يأت في الروايات أن النبي قال: إني أقرأت هكذا, بل قال قولاً يدل على التصويب, لأن الله رخص أن يقرأ على أحرف مختلفة.
      وعمر حين سأل هشاماً لم يقل له: (هذه الألفاظ هل أقرأكها رسول الله هكذا) وإنما سأله (من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ).
      وصدق هشام , فإن الذي أقرأه هو رسول الله , ولكن هشاماً ربما أنه هو الذي نسي فغير في بعض الألفاظ.
      وقد يؤيد هذا الاحتمال أن هشام بن حكيم حديث عهد بإسلام فهو لم يسلم إلا قبل زمن يسير, فما أسلم إلا بعد فتح مكة, ومن هذه حاله لا يستبعد أن يخطئ في الحفظ.
      وقد يكون الآخرون في حديث أُبيّ كذلك, ففي هذا الوقت كثر الداخلون في الدين.
      كما يؤيده أنه لم يرد إلا نصوص قليلة جداً جاء فيها التصـريح بأن النبي أقرأ بقراءة مختلفة عن القراءة التي أنزلت عليه والتي كان يقرؤها ويقرئ بها, فليس هذا من عادة الرسول .
      فلم يثبت إلا هذه الرواية, وكذلك جاء في بعض روايات حديث أُبيّ, ولو كان الرسول يقرئ بأكثر من قراءة لتعددت الروايات التي تدل على ذلك ولصار ذلك أمراً مذكوراً, فإن مثل هذا الأمر ليس من الأمور الخفية التي لا تشتهر ولا يجري لها ذكر.
      كما يؤيده أن النبي لو كان يقرئ بالقراءات المختلفة لعَلَّم ذلك قُرَّاء الصحابة ولاشتهر عنهم, فلماذا يختار النبي هشام بن حكيم بإقرائه بالرواية المخالفة, وأي ميزة لهشام بن حكيم, لِمَ لم يقرئ بذلك زيد بن ثابت أو معاذ بن جبل أو أبي بن كعب أو غيرهم ممن اشتهروا بالقراءة والإقراء!
      وقوله في حديث أُبيّ: (فحسن النبي شأنهما) وقوله في حديث عمر مع هشام: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه) يدل على أن الرخصة مفتوحة لمن احتاج إليها, وليس من شرطها التلقي من النبي , ولو كان الأمر كذلك لتحولت الرخصة إلى مشقة وعسر.
      وتخيل حين دخل الناس في دين الله أفواجاً في آخر حياة النبي ووجدت الحاجة إلى الترخيص في أمر القراءة حتى يسهل انتشار القرآن بين الناس كلهم على اختلاف أحوالهم وأصنافهم.
      لو أن كل من شك في كلمة توقف عن القراءة حتى يأتي النبي فيقرأ عليه والنبي في آخر عمره وأيامه وكثرة انشغاله بأمور عظام, أو يبحث عن من يعلمه القراءة الخالية من كل تغيير على قلة من يقرؤون وندرة من يكتبون كيف سيكون الحال, وكيف سيكون حجم العسـر, وكيف سينتشـر القرآن وتعم الدعوة, فتبارك الله أحكم الحاكمين.
      نعم جاءت بعض الرويات فيها أن النبي أقرأ بعض الآيات بقراءة غير متوافقة مع ما رسم في المصحف فيما بعد, ولكنها روايات لا تثبت.
      كحديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: (رأيت رسول الله وهو يقرأ الآية في خاتمة النور، وهو جاعل أصابعه بين عينيه يقول: (بكل شيء بصير).
      أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص (308) والطبراني في "الكبير" (17/282)
      ولكن ابن لهيعة ضعيف, وقد كان يلقن في آخر عمره ما ليس من حديثه.
      وقد رواه ابن لهيعة بلفظ آخر عند الطبراني قبل الرواية السابقة بلفظ (سمعت رسول الله يقول: «ربنا سميع بصير» وأشار بيده إلى عينيه)
      وكحديث نصير بن زياد الطائي، عن الصلت الدهان، عن جاثمة بن رئاب قال: (سألت سلمان عن قول الله ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا فقال: دع القسيسين في البيع والخرب أقرأني رسول الله ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً).
      أخرجه البزار (6/499), وابن أبي شيبة في "المسند" (465), والطبراني في "الكبير" (6/266), وغيرهم.
      ونصير بن زياد الطائي منكر الحديث.
      وكحديث ابن عباس (أن النبي كان يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً) أخرجه الحاكم (2/244)
      قال الذهبي: فيه هارون بن حاتم, وهو واه.
      وكحديث عاصم الجحدري, عن أبي بكرة أن النبي كان يقرأ على رفارف خضر وعباقري حسان
      أخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (3/91)
      وعاصم الجحدري لم يسمع من أبي بكرة.
      قال ابن جرير في "التفسير" (27/165): "هذا الخبر غير محفوظ ولا صحيح السند".
      وكحديث عبد الله بن مسعود قال: (أقرأني رسول الله : إني أنا الرزاق ذو القوة المتين)
      أخرجه أبو داود (3993), والترمذي (2940), وغيرهما.
      وظاهر إسناده الصحة والله أعلم بحقيقة الأمر.
      أما ما ثبت من مثل حافظوا على الصلوات وصلاة العصر, ومثل والذكر والأنثى فهذا مما كان أول الأمر ثم نسخ.
      قال البراء بن عازب : (نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أخرجه مسلم (630)
      المراد بقول النبي : (أنزل القرآن على سبعة أحرف) وقوله: (هكذا أنزلت)
      وأما قوله : (أنزل القرآن على سبعة أحرف) فإنه لم يقل: (أنزلت سبعة أحرف) وإنما قال: (أنزل على سبعة أحرف) والفرق واضح بين اللفظين, فقوله: (أنزل على سبعة أحرف) أي: أنزل على أن يقرأ على أحرف وأوجه متعددة, فإن الصحابة الذين قيل لهم هذا الكلام يعلمون أن القرآن أنزل بلسان قريش, فهم عايشوا الرسول ويرون الوحي يتنزل ويكتب صباحاً ومساءً ويقرؤه النبي في الصلوات كل ذلك بلسان قريش.

      وهذا ما يفسر عدم سؤال الصحابة للنبي عن هذه الأحرف وعن المراد بها, وهي مسألة حيرت كثيراً من العلماء أيما حيرة.
      إنها عند الصحابة واضحة كل الوضوح, ولذلك فهموها دون سؤال أو استفهام, فهموا فوراً أن المراد بذلك أن هذا القرآن المنزل على حرف واحد جاءت الرخصة أن يقرأ على حروف ولهجات مختلفة لأن الضـرورة دعت إلى ذلك.
      ولذلك قال كما أشرت: (أنزل على سبعة أحرف) ولم يقل: (أنزلت سبعة أحرف)
      وكذلك في الرواية الأخرى قال: (اقرأه على حرفين), وقال: (اقرأه على سبعة أحرف).
      وأما قوله : (هكذا أنزلت) فالمراد به التأكيد على أن قراءته هكذا صواب, فهو كالمنزل تماماً, لأن الله أذن أن يقرأ بالوجهين كليهما, فمن قرأه هكذا أو هكذا فقد قرأ القرآن الذي أنزله الله, فهو إذاً هكذا أنزل, فلم ينزل على أن يقرأ على وجه وحرف واحد بل على أحرف متعددة, فمن قرأه على هذا الوجه فهو هكذا أنزل ومن قرأه على الوجه الآخر فهو أيضاً هكذا أنزل, كما أنه قد أنزل على سبعة أحرف.

      ولذلك جاءت الروايات هكذا:
      (إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك القرآن على سبعة أحرف) (فقال: أن تَقْرَأ أمتُك)
      (أرسل إلي أن اقرأ القرآن على سبعة أحرف) (فقال: أن اقرأ القرآن)
      ولم يقل: (أقرئ أمتَك على سبعة أحرف) (سيأتي أن هذا اللفظ لم يثبت).
      ولم يقل: (اقرأني جبريل) إلا في رواية واحدة سيأتي بيان المراد بها بعد قليل.
      ومن يتأمل في هذه الروايات يدرك بوضوح أن جبريل ما كان ينزل على النبي بقراءات مختلفة, لكن النبي طلب أن يُقْرَأ على أحرف كثيرة فأجيب إلى ذلك.
      وتأمل قوله: (أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلي الثالثة اقرأه على سبعة أحرف).
      فلم يذكر النبي : أنه لما طلب التخفيف والتهوين جاءه جبريل بالوحي بألفاظ أخرى وقراءات مختلفة, وإنما جاءه فقال: (اقرأه على حرفين) ثم جاءه قال: (اقرأه على سبعة أحرف).
      أي: اقرأ ما أوحي إليك بأحرف كثيرة وبقراءات مختلفة متنوعة تيسيراً على أمتك.
      من يتأمل الروايات لا يدرك إلا هذا المعنى بكل وضوح.
      وكذلك في الرواية الأخرى حين قال جبريل للنبي : (إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك القرآن على حرف, فقال النبي : أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك), فأتاه جبريل المرة الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك القرآن على حرفين وهكذا.
      يقول الأستاذ الدكتور محمد جبل في كتابه الماتع "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية" ص (77) : "هي منزلة من عند الله بالمعنى الأساسي الواسع, وهو أن القرآن (بلسان عربي مبين), وكل لهجة عربية فهي من اللسان العربي المبين, ثم إن النبي أجاز القراءة بها, إذ أجاز لكل قوم أن يقرؤوا بلغتهم أي: لهجتهم...
      فلا تناقض بين أن يكون نازلاً بلغة قريش وأن يقرأ بلغات عربية أخرى ما دام القرآن نص على أنه نزل (بلسان عربي مبين), ولو كان القرآن نص على أنه نزل بلسان قرشي لما جاز أن يقرأ بأية لهجة عربية أخرى".

      تنبيه:
      وردت بعض روايات حديث أُبيّ بن كعب بلفظ (إن الله يأمرك أن تُقرِئ أمتَك).
      والحديث بهذا اللفظ لا يثبت, والصواب أنه بلفظ (إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك).
      وتوضيح ذلك كما يلي.
      مدار الحديث على شعبة, يرويه عن الحكم بن عتيبة, عن مجاهد, عن ابن أبي ليلى, عن أبي بن كعب .
      وقد اختلف عن شعبة ومن بعده في لفظ (تقرئ), فتارة يأتي بهذا اللفظ, وتارة يأتي بلفظ (تقرأ), ويحتمل أن الاختلاف سببه الكتابة والنسخ, فإن (تقرأ) قريبة جداً من (تقرئ) فالخطأ وارد جداً, ولكن على افتراض أن الاختلاف في الروايات فعلاً فإن الصواب أنه بلفظ (تقرأ) وليس (تقرئ).
      والآن إلى ذكر الاختلاف عن محمد بن جعفر, ثم عن شعبة:
      فقد رواه محمد بن جعفر, عن شعبة, عن الحكم, عن مجاهد, عن ابن أبي ليلى به بلفظ (تقرأ), كما عند مسلم (821)
      وقد رواه ابن أبي شيبة, وابن المثنى عند مسلم (821)
      ومحمد بن بشار عند مسلم (821) , والنسائي في "الكبرى" (1/326)
      كلهم (ابن أبي شيبة, وابن المثنى, ومحمد بن بشار) عن محمد بن جعفر, عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى به بلفظ (تَقْرَأ أمتُك) (ووقع في الصغرى للنسائي (939) بلفظ (تقرئ), وهو خطأ, والصواب ما في الكبرى).
      وأخرجه أبو داود (1478) عن ابن المثنى, عن محمد بن جعفر, عن شعبة به بلفظ (تقرئ), والصواب رواية الجماعة, بل حتى ابن المثنى نفسه قد رواه كما رواه الجماعة كما سبق عند مسلم.
      وأخرجه أحمد (35/103) عن محمد بن جعفر به بلفظ (تقرئ أمتك)
      وكذلك أخرجه (35/108) من طريق: ابن أبي شيبة، عن محمد بن جعفر به بلفظ (تقرئ أمتك)
      (ولكن ذكر في حاشية المسند في الموضعين كليهما أنه جاء في بعض نسخ الظاهرية بلفظ (تقرأ), وكان المحقق قد ذكر في المقدمة أن نسخ الظاهرية في غاية النفاسة).
      فالصواب أن محمد بن جعفر إنما يرويه عن شعبة بلفظ (تَقْرَأ أمتُك).
      وتابع محمد بن جعفر معاذ بن معاذ العنبري عند مسلم (821)
      وتابعه أيضاً شبابة بن سوار، وعبد الرحمن بن زياد, فروياه عن شعبة به بلفظ (إن الله يأمرك وأمتك أن تقرؤوا القرآن على سبعة أحرف) أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/125)
      فهؤلاء أربعة من الرواة أكثرهم ثقات أثبات إنما يروونه بلفظ (تَقْرَأ أمتُك).
      وخالفهم الطيالسي في "مسنده" (558)
      وحجاح بن محمد عند أبي عوانة في "مسنده" (3840) , فروياه عن شعبة به بلفظ (تقرئ)
      والصواب رواية محمد بن جعفر ومن معه, فإن محمد بن جعفر (غندر) ثقة من أثبت الناس في حديث شعبة.
      قال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم. انظر: "تهذيب الكمال" (25/5)
      وكذلك معاذ بن معاذ ثقة حافظ.
      وكذلك شبابة بن سوار ثقة حافظ أيضاً.
      وأما الطيالسي فإنه ثقة ثبت, ولكنه غلط في أحاديث. انظر: "تهذيب الكمال" (11/401)
      وأما حجاج بن محمد فإنه قد اختلط في آخر عمره. انظر: "التهذيب" (2/205)
      وأما رواية محمد بن جحادة عن الحكم به بلفظ (تقرئ) عند أحمد (35/109) , وأبي عوانة في "مسنده" (3843) , وابن حبان (3/13) , وابن عبد البر في "التمهيد" (8/287) , وغيرهم
      فيقابلها رواية عبد الله بن عيسى عن ابن أبي ليلى به بلفظ (تقرأ) عند ابن أبي شيبة (7/182) بلفظ (فليقرؤوا على سبعة أحرف) فيتساقطان.
      ومما يؤيد الرواية بلفظ (تَقْرَأ) قوله: (فأيما حرف قرؤوا عليه), ولم يقل: (فأيما حرف اقرأتهم عليه).
      إشكال وجوابه:
      روى ابن عباس أن رسول الله قال: (أقرأني جبريل على حرف, فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف) متفق عليه.
      هذا الحديث لا يصح أن يفهم منه أن جبريل أقرأ النبي سبع قراءات, فإن مؤشرات الأدلة كلها تشير إلى أن هذا لم يحصل البتة كما سبق.
      فلماذا لم يكن النبي يقرأ على الصحابة قراءات متنوعة ويعلمهم إياها.
      لماذا لا نجد إلا رواية أو روايتين وفيهما احتمال أيضاً.
      لماذا لم يكن النبي يأمر بكتابة شيء من تلك الأحرف التي اقرأه بها جبريل.
      لماذا تذهب تلك القراءات التي أقرأه بها جبريل والله وعد في كتابه بحفظ الذكر الذي نزل به جبريل.
      لماذا يقدم عثمان على إلغائها والنبي هو الذي حرص عليها وطالب بها حتى نزل بها جبريل وأقرأها للنبي .
      لماذا يجمع الصحابة على ذلك ويحمدون هذا التوجه ويثنون عليه.
      إلى غير ذلك من الدلائل.

      فما معنى هذا الحديث إذاً؟
      هذا الحديث فيه احتمالان:
      الأول: أن الحديث بهذا اللفظ بعينه قاله الرسول , فهو إذاً بكلام موجز يذكر ماحصل في حواره مع جبريل وسؤاله الرخصة بالأحرف.
      فإن ملخص القصة أن جبريل أمره أن تقرأ أمته القرآن على حرف, فاستزاده النبي بقوله: (إن أمتي لا تطيق ذلك) فلم يزل يطلب الزيادة حتى قال له جبريل: (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف).
      فهو تلخيص لما جاء مفصلاً في الرواية المشهورة عن أبي.
      فملخص الحادثة هو هذا (أقرأني جبريل على حرف, فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف)

      الاحتمال الثاني: أنه مروي بالمعنى من الراوي, ولم يكن من قول الرسول بهذا اللفظ, ولذلك جاء بلفظ مختصـر, وإلا فإن مضمونه وحقيقته هو ما جاء في حديث أبي بن كعب السابق.
      وهو (أن النبي أتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف, فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا).
      وفي الرواية الأخرى: (أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين, فرددت إليه أن هون على أمتي, فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف).
      فقوله: (أقرأني جبريل على حرف, فلم أزل أستزيده...) مفسـر بالروايات السابقة التي فصلت ووضحت, فقوله: (أقرأني جبريل على حرف) لفظه الحقيقي: (إن الله يأمرك أن تَقْرَأ أمتُك القرآن على حرف), وقوله: (فلم أزل أستزيد حتى انتهى إلى سبعة أحرف) هو كقوله في الرواية المفسـرة: (إن أمتي لا تطيق ذلك, فجاءه فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف).
      وليس كل حديث يأتي يكون مستقلاً, بل في أحيان كثيرة تأتي رواية مروية بالمعنى يكون مضمونها هو ما جاء في أحاديث أخرى رويت بألفاظ أخرى مختلفة, ومن له علم بالحديث ورواياته واختلافها يدرك فهم ذلك بسهولة.
      ويؤيد هذا ما جاء في حديث سليمان بن صرد عند ابن جرير في "تفسيره" (1/14) بلفظ (أتاني ملَكان فقال أحدهما: اقرأ. قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زِدْهُ. حتى انتهى به إلى سبعة أحرف).
      وقد جاء عن سليمان بن صرد نفسه عن أبي بن كعب بلفظ مطول عند النسائي قريباً من رواية أُبيّ المفصلة المشهورة.
      وهذه الرواية المفصلة فيها اختلاف أيضاً عن الرواية المشهورة فقد جاء فيها (ثم قال: إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف. وقال الآخر: زده. قال: فقلت: زدْني. قال: اقرأه على حرفين. حتى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأ على سبعة أحرف).

      ورواية الحديث بالمعنى مسألة مشهورة معروفة عند أهل الحديث, فكثير من الأحاديث مروية بالمعنى, يتبين هذا من خلال النظر في المرويات ومقارنة بعضها ببعض, ومن خلال ذلك تكتشف أخطاء بعض الرواة أو اختلاف ألفاظ الحديث, وهذا كثير جداً.
      ويوضح هذا أنه لم يقل: (أقرأني حرفاً فلم أزل أستزيده حتى أقرأني سبعة أحرف).
      وإنما قال: (أقرأني على حرف, فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة) أي: حتى انتهت الرخصة إلى سبعة أحرف.
      ولذلك جاء في رواية عن الإمام أحمد (35/84) أن النبي قال: (يا أُبيّ بن كعب إني أقرئت القرآن فقلت: على حرفين، فقال: على حرفين، أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: على ثلاثة، فقلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف).
      إشكال آخر وجوابه.
      وأما ما أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص (346), وسعيد بن منصور في "التفسير" (34) وغيرهما من طرق عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: (إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين، فاقرؤوا كما علمتم, فإنما هو كقول أحدكم: هلم، وتعال).
      وأخرج الإمام أحمد (2/199) عن عبد الله بن مسعود قال: (تمارينا في سورة من القرآن، فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ، فوجدنا علياً يناجيه فقلنا: إنا اختلفنا في القراءة, فاحمر وجه رسول الله ، فقال علي : إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم).
      فالمراد بقول ابن مسعود : (فاقرؤوا كما علمتم) هو مرتبط بقوله: (فوجدتهم متقاربين) أي: لا يترك أحد منكم قراءته لسماعه قراءة تخالفها, فالكل قراءات متقاربة وكلها حق, فليبق كل منكم على القراءة التي علمها.
      هذا هو المراد بقول ابن مسعود , والله أعلم.
      وكذلك كل رواية فيها (فليقرأ كما علم) أو (اقرؤوا كما علمتم).
      وأما قول علي : (إن رسول الله يأمركم أن تقرؤوا كما علمتم) فهو أيضاً حين اختلفوا في عدد آيات السورة نفسها, فأمروا أن يلتزموا بما أقرئوا لا يزيدون ولا ينقصون.
      اعتراضات وجوابها:
      بقي الإجابة على بعض الاعتراضات التي يُعْتَرض بها على هذا القول.
      وهي ثلاثة اعتراضات:
      وقبل ذكر هذه الاعتراضات والإجابة عنها أنبه إلى أن هذه المسألة لا احتياط فيها, فمن لم يقل بها فيزمه لوازم خطيرة جداً.
      منها أن بعض ما أنزله الله من القرآن قد ذهب, فأين وعد الله بحفظ كتابه.
      هذا ابن الجزري يقول: "فإن القراءات المشهورة اليوم بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِلٌّ من كُثْرٍ ونَزْرٌ من بَحْر".
      ويقول في "المسائل التبريزية": "ما التزمنا في "النشر" أن نذكر كل ما صح من الروايات والقراءات, بل اخترنا ذلك من الصحيح".
      ومن اللوازم الخطيرة القول بخيانة عثمان لله ورسوله وكتابه حيث ألغى بعض ما أنزل الله من القرآن والقراءات, بإبقائه على حرف واحد ورسم واحد وإحراقه ما سواه.
      ولْيُعْلَم أنه لن يغلق الباب على الطاعنين في حفظ الله للقرآن إلا بهذا القول الذي لا يوجد له مخالف من الصحابة أو التابعين أو السلف أو القراء, بل هم على توافق تام معه.
      لأن أولئك الطاعنين سيقولون: كيف تدَّعون أن الله أنزل وحياً بأحرف متعددة ووعد بحفظه كما تزعمون.
      أين هذه الأحرف والقراءات التي أنزلها الله, لقد ذهبت واستحالت إلى العدم.
      كيف سطا عليها عثمان فأحرقها بمرأى من الصحابة وسكوت مطبق! بل بمباركة وتأييد!, وهي من الله منزلة ومن رسول الله متلوة! وأين ذهبت تلك المعاني القرآنية العظيمة المضمنة في تلك القراءات الذاهبة!
      والآن إلى ذكر الاعتراضات:
      الأول:
      قول ابن عطية في "المحرر الوجيز" (1/45) : "ولم تقع الإباحة في قوله : (فاقرؤوا ما تيسر منه) بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه, ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرَّضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله"
      والجواب: أن هذا الذي قاله ابن عطية لا يتصور, فإن القرآن كان يكتب بعد نزوله مباشرة, فهو محفوظ بتلك الكتابة, ولم يختلط بغيره من القراءات القائمة على مجرد الترخص, وهذا الذي كان النبي يأمر بكتابته جمع في عهد أبي بكر, ومن صحف أبي بكر نسخت المصاحف العثمانية التي صورتها بين أيدينا.
      فقد كانت الصحف عند أبي بكر, ثم تحولت إلى عمر, ثم إلى حفصة بنت عمر, وحين عزم عثمان على جمع المصحف على حرف واحد طلب تلك الصحف التي عند حفصة فنسخ المصاحف منها, وأمر بتحريق ما سواه من المصاحف, فانتهى بذلك كل قراءة تخالف رسم المصحف
      وهذا المصحف الذي كتب بأمر عثمان كان المقصد منه الإبقاء على القراءة المنزلة التي أنزلها جبريل والتي لم تختلط بغيرها مما رخص فيه من الأحرف والقراءات.
      نعم بقي شيء من القراءات المختلفة التي لا تخالف رسم المصحف, لأن الرسم لم يكن مشكولاً ولا منقوطاً كما هي حال الكتابة في زمن الصحابة , وسيأتي الكلام على ذلك في الجواب عن الاعتراض الثاني.
      قال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (150) : "غاب عن الإمام ابن عطية أن القرآن كان يكتب فور نزوله بإملاء النبي , فالمعارضة كانت تقع بهذا الذي كتب, وهو الذي جمعه أبو بكر, ونسخه عثمان في سبعة مصاحف, فالذي أنزل لم يبدل ولم يذهب إعجازه برخصة الأحرف السبعة".
      وقال ص (184) : "ثبوت تدوين وحي القرآن فور نزوله يتيح وضوح أمر يصعب وضوحه بدون ثبوت هذه الفورية, فإن القول برخصة الأحرف السبعة المؤقتة لمن عجز عن الكلمة المنزلة يثير في النفس هاجساً خطيراً عن الموجود الآن أهو النازل على النبي أم المرادف؟ فورية تدوين الوحي تحسم هذا الهاجس, فيظل من المقطوع به يقيناً أن الذي في المصاحف الآن هو عين ما كتب بين يدي النبي , لأن ما كتب بين يديه كتب فور نزوله بحيث لم تكن هناك أدنى فرصة لتبديل كلمة بأخرى قبل الكتابة".
      الاعتراض الثاني:
      إذا قلنا: إن جبريل لم ينزل على النبي إلا بحرف واحد, وأن باقي الأحرف والقراءات إنما هي رخصة من الله وتوسعة على الناس أن يقرؤوا هذا الحرف المنزل على وجوه كثيرة فهذا يعني أن الآية إذا كان فيها قراءتان مثلاً فإحداهما هي القرآن المنزل, وهي كلام الله وهي التي أنزله جبريل على النبي وهي التي كان يقرؤها النبي .
      والقراءة الأخرى ليست كذلك, بل هي قراءة لبعض القبائل في وقت الرخصة, فكيف تصير قرآناً.
      فليست هي قرآناً إذاً, بل لهجة عربية فيها اختلاف عن المنزل على النبي .
      وكيف لنا أن نعرف النص نفسه الذي نزل به جبريل على النبي مع وجود هذه القراءات المختلفة.
      خاصة أن الاختلاف في القراءات يؤدي إلى الاختلاف في المعاني!
      وقبل الجواب عن هذا الاعتراض أنبه إلى ثلاثة أمور مهمة:
      أولاً: أن معظم الاختلافات بسبب الرخصة قد ذهب, ولم يبق منه إلى القليل مما لا يخالف الرسم وذهب كل اختلاف في القراءة يخالف الرسم, فالقراءات التي كانت في الأعصار الأول كثيرة لا حصر لها, ولم يبق منها إلا نزر من بحر.
      كما قال ابن الجزري في "النشر" (1/33) : "فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِلٌّ من كُثْرٍ ونَزْرٌ من بَحْر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين".
      فما أبيحت القراءة به كان مجرد رخصة للضرورة للتمكن من قراءة القرآن وكان ذلك في فترة زمنية محددة ثم ذهب كل ذلك بكتابة المصحف على الحرف المنزل.
      ثانياً: أن هذا الاختلاف القليل الباقي أكثره في ما يسمى بالأصول كما هو معلوم, كالإمالة والإدغام والمد والسكت والوقف والترقيق والتفخيم والتغليظ والتسهيل والإبدال وغير ذلك.
      ومن المعلوم أن الاختلاف في الأصول لا يتأثر به المعنى بالاتفاق, فالكلام هو الكلام وإن اختلف النطق فيه بإمالة أو إدغام أو مد أو صلة أو همز أو تسهيل أو غير ذلك.
      هذا على افتراض أن هذا النوع من الاختلاف يعتبر من الأحرف ومن القراءات, والأمر ليس كذلك كما هو مبين بالتفصيل في كتاب "المسائل الكبرى"
      وأنه اختلاف طبيعي منشؤه اختلاف طرائق القراء ومشايخهم واختلاف لهجاتهم بحسب البيئات التي عاشوا فيها.

      ثالثاً: أن أكثر الاختلاف بين القراء في ما يسمى بالفرش على قلته لا يعتبر اختلافاً مؤثراً, فهو اختلاف في التقديم والتأخير (فيقتلون ويقتلون) أو الغيبة والحضور (يذرهم نذرهم) أو التذكير والتأنيث (يغشى تغشى) أو التخفيف والشديد (ينجيكم ينَجِّيكم) أو اختلاف في الأسماء (البخل كرهاً الدرك) أو اختلاف في الأسماء في الإفراد أو الجمع (خطيئته خطيئاته) وغير ذلك من أنواع الاختلاف وهو كثير جداً ولكنه لا يغير في المعنى شيئاً.
      بل حتى الاختلاف الذي قد يُظَن أنه يختلف به المعنى هو في الحقيقة لا يتغير به المعنى بين القراءتين أو القراءات, وهذا في أغلب الاختلافات بين القراء العشرة, وعند الفحص والتَّبَيُّن يتجلى أن المعنى واحد أو المعنيان ملتقيان لا يختلفان في شيء.
      وقد ذكرت هذه الآيات بالتفصيل في كتاب "المسائل الكبرى" وبينت في كل آية كيف أن المعنى فيها متحد أو ملتقي مع القراءة الأخرى.
      ولا يستثنى من هذا إلا آيات قليلة جداً عددها أربع عشـرة آية ذكرتها في الموضع المشار إليه.
      ولو كان كثير من القراءات المختلفة تحمل معان متنوعة لرأيت حفظ القراءات المختلفة والقراءة بها شائعاً عند الصحابة والتابعين والقراء العشـرة وغيرهم, ولكنهم مجمعون على خلاف ذلك كما سبق, فكلهم قاطبة يختارون قراءة واحدة ويكتفون بها.
      والآن وبعد أن تبينت هذه الأمور الثلاثة يأتي الجواب عن الاعتراض, وهو أن القول بذلك يؤدي إلى عدم تمييز النص الأصلي الذي نزل به جبريل على النبي .
      والجواب أن الله حين أنزله على حرف واحد هو الذي أراد أن يُقْرَأ على وجهين مثلاً, فصار الوجهان مرادين لله لا فرق بينهما, فالله أراد أن يقرأ هكذا وهكذا.
      فمن قرأه هكذا أو هكذا فقد قرأ القرآن الذي أنزله الله.
      وإلا فما فائدة قوله : (أنزل على سبعة أحرف) أي: أنزل على أن يقرأ على أحرف وأوجه متنوعة لا على وجه واحد, وكله قرآن.
      ومعنى ذلك أن قوله: (يذرهم نذرهم) أو (يغشى تغشى) أو (ينجيكم ينَجِّيكم) أو (خطيئته خطيئاته) كل ذلك كلام الله وكله قرآن, فإن الله هو الذي أنزله وأراد أن يقرأ هكذا.
      والخلاصة أن النص الأول الذي نزل به جبريل باق ومحفوظ ومعلوم لم يتغير منه شيء, لكن وُجِدَ عند القراء الفاظ محددة قليلة قُرِأتْ على وجهين أو أكثر, وعامتها لا يتغير به المعنى, وكلها حق, وكلها قرآن, لأن الله أراد ذلك وأذن به.
      الاعتراض الثالث:
      أنه لو كانت القراءات ليست منزلة ما قال النبي لكل واحد من الرجلين المختلفين: (هكذا أنزلت), ولقال لأحدهما: هكذا أنزلت, وللآخر: هذا جائز ومرخص أن تقرأ هكذا.
      ولقال: أنزل القرآن على حرف ورخص أن يقرأه القارئ بما يتيسر له إلى سبعة أحرف, ولم يقل: (أنزل القرآن على سبعة أحرف).
      والجواب أن الراسخين في العلم يدركون أسرار الألفاظ النبوية وأنها في أعلى درجات السمو, ويدركون المعنى المراد من السياق والقرائن والأدلة, وليس دائماً يكون المعنى المراد هو ما يتبادر من النص.
      وما مثل من يقول: لو هكذا لقال النبي هكذا إلا كمن يقول: إن إبراهيم كان شاكاً حين قال: (رب أرني كيف تحيي الموتى).
      فإذا قيل له: كيف ذلك؟!
      قال: لأن النبي قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)
      فإذا قيل: ليس المراد ما يتبادر من النص, بل المراد نفي الشك عن إبراهيم.
      قال: لو كان هكذا لقال النبي : (إن إبراهيم لم يكن شاكاً حين قال ذلك).
      وهكذا نصوص كثيرة يقال فيها مثل ذلك.
      إن من يعلم طريقة الأساليب النبوية يدرك ذلك بسهولة.
      إن النبي كان شديد الحرص على التوسعة على الأمة والتسهيل عليها, ولو قال: (رخص لكم أن تقرؤوه بحروف أخرى غير الحرف المنزل) ما تمت الرخصة وما حصل مقصود النبي , ولن يترخصوا, وكيف سيتركون الحرف الذي نزل به جبريل, فسيكون ذلك في غاية العسـر والحرج في نفوسهم, ولن يحصل ما أراده النبي من التوسعة, ولن يسهل ذيوع القرآن واشتهاره في الناس والقبائل البعيدة المخالفة لهجتهم للهجة قريش التي أنزل بها القرآن.
      ولذلك صرح بكل وضوح أن القرآن أنزل هكذا على أوجه متنوعة, بمعنى أنه يقرأ على أكثر من وجه.
      ومن ناحية أخرى فقد أنزل الله القرآن وأذن ورخص أن يُقرأ بأكثر من وجه, فيصدق على كل وجه أنه هكذا أنزل.
      فإن الله حين أنزله أراد أن لا يقرأ على وجه واحد, بل على أوجه متعددة, وهذا تماماً معنى قوله: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)
      وأخيراً أقول:
      من لم يقبل بهذا القول فعليه أن يواجه سيلاً من الإشكالات والمعضلات التي ليس لها حل, والتي تنحل كلها بفهم المسألة السابقة, وقبولها والرضا بما كان عليه السلف والقراء جميعاً.
      نعم هذه الإشكالات والمعضلات أجاب على بعضها بعض أهل العلم لكنها أجوبة لا يقبلها المحقق المدقق, وإنما يقبلها التابع المقلد ويرتاح لها صدره وينام قرير العين.
      ومن هذه الإشكالات:
      أولاً: كيف ينهى عمر ابن مسعود أن يقرئ بأي قراءة إلا بحرف قريش.
      فحين علم أن ابن مسعود يقرئ بحرف هذيل قوله تعالى: من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه عتى حين) كتب إلىه إذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل. أخرجه ابن شبة في "أخبار المدينة" (3/227), وابن عبد البر في "التمهيد" (8/278), وغيرهما.
      كيف ينهاه عمر ويمنعه إذا قلنا: إنها قراءة أنزلها جبريل وأقرأها للنبي والنبي أقرأها للصحابة.
      ثانياً: كيف يمنع عثمان حروفاً وقراءات أنزلها الله وأقرأها جبريل للنبي وأقرأها النبي للصحابة.
      كيف يلغي عثمان أكثرها ويلزم الأمة إلى قيام الساعة بحرف واحد إذا كانت كل تلك الأحرف منزلة.
      ولا يصح القول بأن الأحرف كانت غير واجبة على الأمة, ولذا ألغاها عثمان.
      فإنه حتى على افتراض صحة هذا الزعم فإنه من الممتنع المستحيل أن عثمان بإجماع الصحابة يمنع ويلغي قراءة قرآنية أنزلها الله على نبيه وأقرأها جبريل للنبي وأقرأها النبي للصحابة .
      كيف يسوغ أن يعمد عثمان إلى إلغائها ومنع الأمة منها إلى قيام الساعة بكل هذه السهولة وبمباركة من جميع الصحابة .
      هذا ممتنع أشد الامتناع على الصحابة المعظمين للقرآن المنزل على محمد
      ثالثاً: كيف يقول عثمان للذين كلفوا بكتابة المصاحف: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم). كما في البخاري (4702)
      كيف يقول هذا إذا كانت الأحرف والقراءات كلها منزلة ونزل بها جبريل كما نزل بلسان قريش.
      ولا يصح أن يقال: إن المراد أول ما نزل, فيضاف إلى هذا النص الواضح الصريح لفظة (أول ما نزل) ليفرغ من دلالته الصريحة.
      فإن هذا تحريف للنص, وتغيير لمعناه.
      رابعاً: يقول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)
      والمعروف أن كثيراً من القراءات ذهبت ولم تحفظ, فإن من المعلوم أن القراء في زمن التابعين وتابعيهم كثيرون جداً, وتلاميذهم أيضاً كثُرٌ جداً وقراءاتهم لا تحصى كثرة.
      ولم يبق من أولئك القراء ورواتهم وقراءاتهم إلا عشرة وراويان فقط عن كل قارئ.
      والإمام ابن مجاهد اقتصر على سبعة فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه.
      والإمام أبو عمرو الداني اقتصر في التيسير على راويين عن كل قارئ فاشتهر العمل بذلك وترك ما سواه, ولم يُلْتَفَتْ بعد ذلك إلى قراءات أولئك القراء الآخرين.
      فأين وعد الله بحفظ كتابه إذا كانت القراءات كلها أنزلها جبريل وأقرأها للنبي وأقرأها النبي للصحابة.
      قال ابن الجزري في "النشر" (1/33) : فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قِلٌّ من كُثْرٍ ونَزْرٌ من بَحْر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين, وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى وطوائف لا تستقصى... الخ كلامه.
      خامساً: كيف لا يأمر النبي بكتابة شيء من الأحرف والقراءات إلا ما نزل بلغة قريش, فكان يملي لكُتَّاب الوحي فيكتبون ما نزل بحرف واحد ولغة واحدة, ولم يأمر أحداً منهم أن يكتب حرفاً واحداً من تلك الأحرف.
      كيف يتصور ذلك إذا كانت الأحرف كلها منزلة نزل بها جبريل, فأي فرق بينها وبين حرف قريش, فلِمَ لم يكتب منها شيء.
      سادساً: ثبت أن عثمان قال يوماً وهو على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف), فقال عثمان t: وأنا أشهد معهم) أخرجه أبو يعلى في الكبير كما في "مجمع الزوائد" (7/152)
      كيف يحتاج عثمان أن يُشْهِد على مثل هذا الأمر, وهو أمر معروف مشهور شائع إذا كانت الأحرف والقراءات كان ينزل بها جبريل على النبي ويُقرِؤها النبي كلها للصحابة بكل تفاصيلها.
      فهل هذا إلا كما لو طلب عثمان من يشهد معه على أن الله أنزل القرآن على محمد !
      سابعاً: كيف استطاع النبي في مدة وجيزة من إقراء الصحابة لجميع تلك الأحرف والأوجه والقراءات الكثيرة واللهجات المختلفة رغم مشاغله الكثيرة العظيمة المتنوعة, والدعوة والجهاد والتعليم والتوجيه واستقبال الوفود والحج والزوجات ومشاكل الناس وغير ذلك كثير.
      فإن نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كان بعد فتح مكة بزمن أي قبل وفات النبي بسنتين أو أقل.
      إن من يعلم سيرة النبي ويتصور أحواله وكيف كان يقضي وقته يعلم أن ذلك أقرب إلى المستحيل! فكيف ذلك إذا كانت الأحرف والقراءات كلها منزلة, وإذا كان النبي أقرأ بها كلها.

      ثامناً: كيف يعمد كثير من الأئمة والعلماء والقراء والمفسـرين وغيرهم إلى المفاضلة بين القراءات والأحرف فيفضلون بعضها على بعض, ويجعلون بعضها أحسن من بعض, ولهم في ذلك كلام كثير شائع مشهور, فكيف يصح ذلك إذا كنا نقول بأن الأحرف والقراءات كلها منزلة من عند الله قد نزل به جبريل فهي إذاً في منزلة واحدة.

      تاسعاً: كيف يقول أبو عبد الرحمن السلمي كما في "المرشد الوجيز" ص (68) : "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ
      كيف تكون قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة إذا كانت كل تلك الأحرف والقراءات نزل بها جبريل وأقرأ بها النبي .
      لماذا لم يحصل اختلاف بينهم في القراءة بسبب كثرة القراءات, على الأقل لو حصل هذا من بعضهم.
      عاشراً: كيف لا يعرف عن أحد من الصحابة أنه حفظ القراءات والأحرف أو كان يقرؤها أو يقرئ بها, ولم يعرف عن أحد من الصحابة أو التابعين أو السلف عموماً أو القراء العشرة أو رواتهم أنهم كانوا يحفظون عدة روايات للقرآن ويقرؤون بها إذا كانت تلك الأحرف والقراءات كلها منزلة, لماذا لا يعرف هذا إلا بعد القرن الرابع الهجري! لماذا فرط السابقون والسلف والقراء في هذا الفضل العظيم!
      الحادي عشر: جاء في روايات صحيحة المنع فقط من أن تختم آية عذاب برحمة أو العكس, ويفهم من هذا أن النبي ترك لهم حرية واسعة في قراءة الأحرف والقراءات حسب طاقتهم وقدرتهم.
      ففي حديث أُبيّ عند أحمد (35/84) (اقرأ القرآن على سبعة أحرف، ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب).
      وفي حديث أبي بكرة عند أحمد (34/70) (اقرأه على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
      وفي حديث أبي هريرة عند أحمد (14/120) (أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليماً حكيماً، غفوراً رحيماً).
      وفي رواية (ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة) أخرجه ابن جرير في "التفسير" (1/19)
      فكيف يكون ذلك إذا كانت الأحرف والقراءات محددة معروفة أنزلها جبريل وأقرأها النبي للصحابة, فما الحاجة إلى القول: (ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).

      الثاني عشـر: كيف يقرئ النبي الصحابة بالأحرف والقراءات المختلفة ثم لا يأتي في النصوص النبوية أحاديث تدل على أنه أقرأ بقراءات مختلفة سوى حديث واحد وهو قصة عمر مع هشام بن حكيم, وقد سبق الكلام على هذه الرواية وتوجيهها.
      فلو كان النبي قد أقرأ بجميع تلك القراءات المختلفة فلا بد أن تأتي نصوص نبوية كثيرة أو قليلة فيها ذكر أو إشارة إلى ذلك, والواقع مخالف لذلك تماماً.
      فكل تلك الإشكالات السابقة ما كانت لتوجد إلا حين اشتهر القول المخالف لما هو مشهور ومعروف عند السلف والقراء القدامى, من أن القراءات القرآنية والأحرف كلها منزلة أنزلها جبريل على النبي وأقرآها إياه وأقرأها النبي للصحابة.
      فلما أُخِذ بهذه القاعدة وجدت كل الإشكالات السابقة وأصبحت نتيجة حتمية لذلك القول المخالف للحقيقة.
      أما حين تعرف الحقيقة وهو أن جبريل لم ينزل إلا بحرف واحد وقراءة واحدة وأن الأحرف والقراءات الأخرى الكثيرة ما هي إلا رخصة من الله فحسب فحينئذ تتقشع سحب تلك الإشكالات وتنحل تلقائياً, مما يؤكد تأكيداً بيناً أنه هو القول الصواب الموافق لقول القراء والسلف والمنقول والمعقول.
      وكل ما صح عند العشرة منها فله قدسية القرآن لأن الله هو الذي أراد أن يقرأ هكذا وهكذا.

      والآن إليك توضيح كيف تنحل كل تلك الإشكالات إذا قيل بالقول الصواب.
      فأولاً: عمر ينهى ابن مسعود أن يقرئ إلا بالحرف الذي نزل به جبريل, وهو حرف قريش فهو الذي نزل به القرآن, وما سواه رخصة مفتوحة للناس, فلا يحسن أن يُقْرِئ إلا باللفظ المنزل.
      وثانياً: عثمان لا يلغي شيئاً من القرآن الذي أنزله جبريل على النبي , وإنما يلغي قراءات مرخص بها للحاجة إليها في ذلك الزمن حين دخل الناس والقبائل في دين الله أفواجاً.
      وهو بذلك يلزم الناس بالحرف الذي نزل به جبريل والذي كان كله محفوظاً مكتوباً في الصحف عند أبي بكر ثم عمر ثم حفصة.
      وثالثاً: عثمان يقول للذين كتبوا المصحف: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم) لأن هذا هو الواقع وهو الحقيقة, فجبريل نزَّل على النبي القرآن بلغة قريش, ولم ينزل بالأحرف كلها, بل كانت رخصة للناس في صدر الإسلام للضرورة في ذلك الطور لبناء قاعدة انطلاق دعوة الإسلام الخالدة.
      ورابعاً: لو ذهب كثير من الأحرف والقراءات فلا ينافي هذا قوله تعالى: (وإنا له لحافظون), لأن القرآن لم يذهب منه حرف واحد فهو محفوظ كما وعد الله , أما تلك الأحرف والقراءات فليذهب منها ما يذهب فما هي إلا رخصة لمن لا يستطيع النطق بلغة قريش, ولم تكن هي مما أنزله جبريل على النبي , وإنما الذي أنزله حرف واحد بلسان قريش.
      وخامساً: النبي لا يأمر بكتابة شيء من الأحرف والقراءات إلا ما نزل بلغة قريش, لأن النبي يعلم أن الذي أنزله جبريل إنما هو هذا الحرف فقط, وبقية الأحرف رخصة للناس لم ينزل بها جبريل فكيف يأمر بكتابتها؟!
      وسادساً: حينما يقول عثمان وهو على المنبر: أذكر الله رجلاً سمع النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف) لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أن رسول الله قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف)
      فهذا يؤكد أن هذه المسألة عند الصحابة أمرها واضح تماماً, فليست الأحرف والقراءات مما أنزله جبريل على النبي , وإنما هي رخصة للناس, ولذلك تَغِيْبُ عن بال الصحابة ولا يُعِيْرُون لها اهتماماً كبيراً, حتى يحتاج عثمان أن يُشْهِد على مثل هذا الأمر, ولو كانت الأحرف والقراءات كلها منزلة لما كان المَشْهَدُ هكذا أبداً, ولما احتاج عثمان أن يُشْهِد أحداً على قرآن أنزله جبريل على النبي , وقرأه النبي على الصحابة وحفظوه وأقرؤوه, فالأمر واضح إذاً.
      وسابعاً: النبي لم يقرئ إلا بحرف قريش وهو الذي نزل به جبريل, ولم يُطلَب من النبي أن يقرئهم بكل اللغات واللهجات المرخص بها.
      ولا يمكنه في مدة وجيزة كالمدة المذكورة من إقراء الصحابة لجميع تلك الأحرف والأوجه والقراءات الكثيرة واللهجات المختلفة رغم مشاغله الكثيرة العظيمة المتنوعة, والدعوة والجهاد والتعليم والتوجيه واستقبال الوفود والحج والزوجات ومشاكل الناس وغير ذلك كثير.
      إن من يعلم سيرة النبي , ويتصور أحواله وكيف كان يقضي وقته يعلم أن ذلك لا يمكن أن يحصل, وهو لم يطلب من النبي أصلاً.
      وإلا لتحولت الرخصة إلى عسر وتشديد, والتهوين إلى ضيق ومشقة.
      وثامناً: هؤلاء الأئمة والعلماء والقراء والمفسرون وغيرهم يعلمون الحقيقة, وأن الذي نزل به جبريل إنما هو حرف واحد وقراءة واحدة, ورخص للناس أن يقرؤوه بلغاتهم ولهجاتهم, فهم لا يرون بأساً في المفاضلة بين القراءات والأحرف وتفضيل بعضها على بعض, وكلامهم في ذلك مشهور ومعروف فيقولون بدون أي غضاضة: إن هذه القراءة أحسن من هذه القراءة, وقراءة فلان أحب إلينا من قراءة فلان.
      وتاسعاً: قول أبي الرحمن السلمي: "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ
      موافق للحقيقة تماماً, فكانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة, وهي بالحرف الذي أنزله جبريل على النبي , وأما الحروف والقراءات المرخص بها فهي رخصة لمن يحتاجها, فهم في غنى ومنأى عنها.
      وعاشراً: لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يحفظ القراءات والأحرف السبعة أو يقرؤها أو يقرئ بها, ولم يعرف عن أحد من الصحابة أو التابعين أو السلف عموماً أو القراء العشرة أو رواتهم أنهم يحفظون عدة روايات للقرآن ويقرؤون بها, لعلمهم أن الذي أنزل على النبي إنما هو حرف واحد وقراءة واحدة, وأن الأحرف والقراءات الأخرى رخصة لمن يحتاجها ويضطر إليها فلا معنى لحفظ كل الأحرف والقراءات والقراءة بها.
      فلما عُلِمَت الحقيقة صافية دون كدر كانت النتيجة هكذا.
      والحادي عشر: هذه الروايات الصحيحة المذكورة قبل قليل تدل على الحقيقة وأن الحرف المنزل واحد وهو حرف قريش, وأن بقية الأحرف إنما هي رخصة مفتوحة, ولذلك جاءت الروايات بلفظ (ما لم تختم آية عذاب برحمة أو العكس) ونحو ذلك.
      فهي تدل بكل وضوح على القول الصواب وهو أن النبي ترك لهم حرية واسعة في قراءة الأحرف والقراءات.
      (قلت: غفوراً رحيماً، أو قلت: سميعاً عليماً، أو عليماً سميعاً فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب).
      (كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب برحمة).
      (ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة)

      والثاني عشر: لم يأت في النصوص النبوية ذكر إقراء النبي بقراءات مختلفة لأن النبي لم يكن يقرئ إلا بالحرف الذي نزل به جبريل وهو حرف قريش, ولم يكن يقرئ بحروف أخرى, فما تلك الأحرف إلا رخصة مفتوحة غير محصورة.
      فلم يكن النبي يقرئ بقراءات مختلفة, ولهذا لم تأتي نصوص نبوية كثيرة ولا قليلة في إشارة لذلك, بل هو نص واحد وقد سبق الكلام عليه وبيان حقيقته.
      فَفَهْمُ هذه المسألة حق الفهم يريح العقل والقلب إذاً, ويُوْصِل الدارس للراحة والأمان, وبسببه تذهب الإشكالات والحيرة, وتَحُلُّ كل مسألة من مسائل القراءات في محلها الصحيح.
      وأخيراً:
      إنها رخصة من الله , إنه مجرد تغيير لا يؤثر في المعنى الذي أراده الله .
      ما حيلة الأَمَةِ الأُمية والعجوز الكبيرة والشيخ الفاني والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط, كيف يحفظون ويعرفون ما أراده الله إلا بهذه الرخصة, فتبارك الله أحكم الحاكمين.
      ثم إنها رخصت لوقت محدد قصير لم يدم عقدين من الزمن فلما زالت الحاجة إلى تلك الرخصة كتب عثمان المصحف على حرف واحد وهو الحرف الذي نزل به جبريل على النبي وألغى عثمان بقية الأحرف.
      وبذلك يتبين ضعف ما ذهب إليه الدكتور عبد العزيز القارئ في كتابه "حديث الأحرف السبعة" ص (112) حيث يقول: "ووجه الرخصة في هذه الأحرف هو أن الكلمة عندما تكون منزلة على عدة أوجه يكون القارئ مخيراً في قراءة ما سهل منها على لسانه وتيسر على فهمه وذهنه, كما أنه عندما يغلبه لسانه فيخطئ في النطق بكلمة على خلاف لهجة قريش فإنه يجد فيما أنزل فيها من لهجات أخرى ما يلجأ إليه ويلوذ به فيرتفع عنه الحرج وتطمئن نفسه"اهـ
      قلت: ما أبعد هذا على (هون على أمتي), وهل العسر والمشقة إلا هذا, لأن معنى ذلك أن القارئ عليه أن يحفظ الأحرف كلها حتى يختار منها ما يسهل على لسانه, فتحولت الرخصة إلى ضيق وعسرة وآصار وأغلال.
      إن فهم كثير من مسائل الأحرف السبعة والقراءات مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسألة التيسير والتهوين, ومتى غفل الباحث عن هذه الحقيقة حصل عنده الخلل في التصورات والأحكام وتعارضت عنده أمور كثيرة في هذه المسائل.
      وقفة مع كتاب "المصاحف المنسوبة للصحابة"
      وأختم هذه المسألة بوقفة مختصرة مع كتاب "المصاحف المنسوبة للصحابة والشبهات المثارة حولها".
      للدكتور محمد بن عبد الرحمن الطاسان وفقه الله رسالة علمية قيمة بهذا العنوان, وقد ذكر فيها المصاحف المنسوبة للصحابة وذكر الشبهات التي يثيرها من يشككون في حفظ القرآن وكماله ووحدة آياته وكلماته من الروافض والمستشرقين وغيرهم.
      وقد ذكر فيها كل ما يتعلق بالمصاحف المنسوبة لبعض الصحابة, وأجاب على تلك الشبهات بأجوبة متنوعة مسددة, لكنه يرى أن عثمان لم يلغ شيئاً من الأحرف, وإنما كتب المصحف على ما استقر في العرضة الأخيرة, وأنه نسخ في العرضة الأخيرة كثير من الأحرف, وهذا هو رأي ابن الجزري.
      ومع احترامي وتقديري له أقول: إن هذا الجواب لا يستقيم ولا تعالج به هذه الشبهات وأمثالها.
      وسوف أبين ذلك بعد أن أشير إلى شيء من تلك الشبهات المذكورة باختصار.
      فمن ذلك قولهم: "إنه نسب إلى بعض الصحابة مصاحف تتخالف فيما بينها، وهذا أمر مخالف للضرورة، ولإجماع الأمة على الالتزام بتمامية هذا القرآن المتداول ورفض ما سواه, ومن الواضح لكل ذي لب أن تلك المرويات بعيدة كل البعد عن القرآن لفظاً وبلاغة، وبهاء وروحاً, وأن هذه المصاحف يختلف بعضها عن بعض, فكل نسخة منها اشتملت على ما جمعه صاحبها, وما جمعه واحد يختلف حرفياً مع ما جمعه الأخرون.
      وأن حرق عثمان للمصاحف ما هو إلا هتك للقدسيات, وأن ما تركه المصحف العثماني كان من ضمن ما يحويه اللوح المحفوظ, فالقرآن إذاً ناقص فاقد الأصالة".

      أقول: إذا كان الجواب على هذه الشبهات وأمثالها بأن الأحرف نسخت في العرضة الأخيرة وأن عثمان لم يلغ إلا ما نسخ من الأحرف, فإن ذلك لا يعالج الشبهة بل سيعيدها جذعة قوية, لأنهم سيحتجون بأن جماهير أهل العلم من السلف والخلف لا يقولون بذلك, بل يقولون: إن عثمان هو الذي وحد القراءة ومنع الأحرف الأخرى, وقولهم هذا حق, فإنه لم يقل بأن الأحرف نسخت في العرضة الأخيرة إلا نزر قليل من المتأخرين من أهل العلم ومن أشهرهم ابن الجزري كما ذكرته في الكلام على الأحرف السبعة في كتاب "المسائل الكبرى", وذكرت هناك عدم صحة هذا القول من خمسة وجوه.
      وسيقولون أيضاً: إنكم لا تملكون دليلاً على أن الأحرف نسخت في العرضة الأخيرة.
      وقد صدقوا في ذلك, فلم نصنع إذاً شيئاً في الجواب على شبهاتهم وطعونهم, بل إننا تركنا لهم الباب مفتوحاً بهذا الجواب.
      نعم لا شك أنه ينسخ في العرضات بعض السور والآيات وبعض الزيادات ولكن لا علاقة لذلك بالأحرف السبعة.
      وهذا يدل دلالة واضحة جلية أنه لن يغلق الباب في وجوه أولئك الطاعنين إلى يوم القيامة إلا بهذا القول الذي دلت عليه الدلائل والبراهين كما سبق, وهو أن القرآن هو الذي نزل به جبريل على لسان قريش, وهو الذي كتب بين يدي النبي وكان يراجعه بعد كتابته فوراً, وقد جمع في عهد أبي بكر وبقي محفوظاً ثم نسخ في المصاحف في عهد عثمان على حرف واحد, بلا زيادة ولا نقصان ولا اختلاف, وهو الموجود الآن في مشارق الأرض ومغاربها, وما سوى ذلك الحرف من الأحرف فلم ينزل بها جبريل, بل كانت رخصة وتوسعة للناس في زمن معين في أول الإسلام لعجزهم عن المحافظة على النص كما هو في أول الأمر فحصل بذلك الاختلاف, ثم انتهى كل ذلك بتوحيد القراءة في زمن عثمان.
      فلا يمكن أن يتم الجواب على تلك الشبه وغيرها إلا بهذا القول الصحيح. والله تعالى أعلم.
      والحمد لله رب العامين.

      كتبه
      صالح بن سليمان الراجحي
    20,335
    الاعــضـــاء
    233,250
    الـمــواضـيــع
    43,002
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X