إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القول المؤيد الجريّ في دفع تخطئة أيمن سويد لابن الجزري

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي لا نبتغي إلا رضاه، ولا نعوّل إلا على نعماه؛ والمأمول أن نكون في حماه، والصلاة والسلام على نبيّه المجتبى؛ وحبيبه المصطفى، الذي لا تجب طاعة عمياء لمخلوق سواه، والذي" نشر " القرآن حتى بلغ مداه، ورضي الله عن صحابته وتابعيه، وعلماء دينه ، وخاصة منهم أهل الله ، ومن والاه، وبعد :
    فيقول العبد الضعيف المحتاج إلى ربه الغنيّ، السالم بن محمد محمود الجكنيّ المدنيّ :
    هذه مقدمة " بحث" سأعرضه على الإخوة الكرام حسب ظروف وقتي المشحون بأمور ليس هذا أهمها، بل هو فيها من باب " الكفاية " لا " العين" ، وسميته ارتجالاً :
    " القول المؤيّد الجريّ في دفع تخطئة وتشنيع أيمن سويد للإمام ابن الجزري"
    كتبته ابتغاء الأجر من الله تعالى، فإن كان حقاً وصواباً فالحمد لله، وإن كان غير ذلك فالله عالم بالسرائر، ومنه العفو والغفران.
    وأقول :
    بدأ في العشرين سنة الأخيرة أو قبلها بقليل، اهتمام الباحثين الأكاديميين من أهل القراءات بكتاب " النشر في القراءات العشر؛ لخاتمة حفاظ هذا العلم؛ بل لخاتمة " أهل الرواية " فيه؛ الإمام محمد بن محمد بن محمد الدمشقي( 751-833هـ ) المشهور ب : ابن الجزري ، .
    وقد قامت عدة دراسات على الكتاب المذكور؛ من تحقيق، وتعليق، واستلال مباحث ومسائل منه؛ إلى غير ذلك من صنوف الاهتمام به.
    قصتي مع هذا الكتاب:
    ذكرتُ في مناسبات عدة قصتي مع الكتاب، وأذعتُ الرؤيا التي أكرمني الله بها لهذا الإمام " مرتين؛ إحداهما سماع صوته، والثانية رؤية شخصه المبارك، ، وجزاه عني وعن أهل القرآن خير الجزاء .
    لكن الذي يهمّ هنا، وهو المتعلق بهذا البحث، هو ما سأذكره على وسائل التواصل لأول مرة؛ والعهدة فيه عليّ بيني وبين الله تعالى :
    في أواخر سنة 1417هـ تقدمتُ بفكرة بحث للدكتوراه في قسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عمرها الله.
    وفي شهر شعبان من سنة 1418هـ وبعد جهد طويل، وتقديم عدة مقترحات بحثية؛ صدر قرار المجلس العلمي بالموافقة على بحث بعنوان :
    " منهج ابن الجزري في كتابه النشر مع تحقيق قسم الأصول إلى نهاية باب جمع القراءات "
    وفوجئت بفقرة " تحقيق قسم الأصول" !
    والآن أقول: الحمد لله على ذلك؛ إذ ظهر لي أنه أمر خير وبركة، وتشريفٌ بعد أن كان من باب التكليف .
    اتصال مفاجئ بعد صلاة الفجر :
    تلقيت اتصالاً هاتفياً من فضيلة الشيخ الدكتور: أيمن سويد، حفظه الله، خلاصته :
    " أني – د. أيمن – انتهيتُ من تحقيق الكتاب على ( 5 ) خمس نسخ؛ وهو الآن في مرحلة الصفّ، وبالكثير خلال ( 6 ) ستة شهور سينزل إلى المكتبات!
    فقلت: وما المطلوب مني؟
    فقال: الاعتذار عن الموضوع واختيار بحث آخر للدكتوراه!
    فأجبتُ فضيلته باعتذاري عن قبول طلبه؛لأن ذلك سيكلفني ضياع وقت لا يقل عن سنة ونصف على أقل تقدير.
    وختمنا المكالمة بقولي لفضيلته : ثق تماماً أن تحقيقكم إذا نزل واطلعتُ عليه واستفدت منه فإني سأذكر أي فائدة أخذتها منه بأنها منه والإحالة على تحقيقكم بكل أمانة.
    أقول: يعلم الله أن هذه المكالمة جرت بيني وبينه حفظه الله في السنة المذكورة ( 1418هـ ).
    والآن؛ بعد مرور (21) سنة كاملة، خرج " النشر" بتحقيق الدكتور أيمن سويد، حفظه الله، وفرحتُ به كما فرح به غيري، وقد زاد فرحتي ما كتبه بعض طلاب الدكتور من مدح للكتاب والجهد الذي بذله ( محققه) فيه؛ فزاد شوقي واشتياقي، وعظُم لهفي للوقوف عليه.
    فقيّض الله تعالى بفضلٍ منه ونعمة نسخة ، فبدأت بقراءتها من أول يوم وصلتني فيه، وأخذت قلمي لتسجيل ما أراه فائدة جديدة لي في دراستي للنشر، وعكوفي عليه فترة زمنية طويلة، جعلها الله خالصة لوجهه، وكتب لي فيها أجر طلب العلم .
    لكن :
    ما إن قرأت مقدمة ( المحقق ) حتى لاحظت التالي :
    أولاً :
    1- اعتماد المؤلف على ( 5 ) نسخ فقط، كما أخبرني قديماً، وهي نسخٌ يوجد غيرها أحسن من بعضها التي اعتمد عليها في التحقيق، كنسخة السليمانية؛ وهي نسخة قوية جداً قرئت على ابن الجزري في ( 50) خمسين مجلساً، تجاه الكعبة المشرفة سنة823هـ، وكنسخة ( تشستربيتي ) التي رمزتُ لها ب ( ك )، مع أنه اعتمد على نسخة أخرى من نفس المكتبة لكن ليست كالتي عندي. وإني لأعجب كيف يستغرق تحقيق النشر أكثر من عقدين من الزمن ثم يخرج على هذه النسخ المذكورة؛ مع الإمكان الحصول على أفضل منها!!
    2- اعتماد ( المحقق ) على مذهب " التلفيق " بين النسخ .
    3- بل زاد عليه بالتدخل في النص بإضافة بعض الكلمات التي ليست في أي نسخة من النسخ المعتمدة عنده، ولا يشفع له وجودها في الأصل الذي ينقل منه الإمام ابن الجزري .
    4- حذف كلام أثبته ابن الجزري في النشر في جميع النسخ الخطية؛ لكن ( المحقق ) وهو الدكتور أيمن سويد ( اجتهد ) فحذفه وقال في الحاشية :" وقع في نسخ النشر الخطية هنا زيادةٌ نصها:" حدثنا ابن منيع، حدثنا جدّي، حدثنا حسين بن محمد بن أحمد المروذي" وليست هذه الزيادة في هذا الموضع بجامع البيان، ولا يفتقر النص إليها؛ لثبوتأخذ أبي عمر الدوري عن إسماعيل بن جعفر بلا واسطة " اهـ ( 3/2033) وإني أقول : كيف يحق لشخص أن يحذف كلام ابن الجزري من كتابه " النشر " وموجود في كل النسخ الخطية المعتمدة عنده في التحقيق !!! إن لم يكن هذا تلاعبٌ بالنشر! فماذا نسميه؟!
    5- عدم التحقق في بعض مسائل المقدمة ؛ خاصة في ضبط بعض الأسماء، كما في : ج1ص15: الحاشية(1) : قال الدكتور: " أُمَيلة ك: جُهينة، قاله الزبيدي في تاج العروس"اهـ قلت : وهو خطأ من ( المحقق المعلّق ) ومن الزبيدي ، والصواب: أَمِيلة على وزن ( فعيلة ) قال ابن الجزري نفسه :" أَمِيلة: بفتح الهمزة وكسر الميم وإسكان الياء آخر الحروف وباللام: اسم أعجمي " اهـ ( الأربعون العوالي:51).
    6- ص31 س1: ذكر من ضمن مؤلفات ابن الجزري: " الإعلام في أحكام الإدغام " اهـ قلت : المعروف أن الكتاب لابنه وليس له، والله أعلم .
    وهذا النوع وأمثاله؛ لا علاقة لي به في هذا البحث، أو " النقد " ، بل علاقتي بالتالي ، وهو :
    ثانياً: تلك العبارات الشنيعة والمستقبحة – حسب فهمي لدلائل ألفاظ مفردات لغة العرب - التي جاءت في كثير من تعليقات الدكتور أيمن ؛ متوجهاً بها للإمام ابن الجزري ؛ منها :
    1- وصف رأي ابن الجزري بالادعاء؛ كقوله :" ...ولا ما ادعاه " وكقوله:" هو تأكيد منه لما ادعاه"( 2/1331 تكملة للحاشية رقم (1) من الصفحة السابقة)
    2- قال:" لم ينص أحد .."كما ادعاه الإمام الجزري"اهـ ! ( 2/1004) حاشية ( 1)
    3- قال:" كما ادعاه إمامنا الجزري "اهـ !! ( 2/1006 ) وفي هذه الصفحة تغليط لأبي شامة صراحة قال: " مع تغليطنا لأبي شامة "اهـ وفيها أيضاً قوله :" ..فقول الهذلي.."غير دقيق " اهـ
    4- قال : "ذكر الجزري هذا الحكم بناء على ما ادعاه....وقد قدمتُ أن ذلك غير صحيح " اهـ ( 2/1043)
    5- قال: " ليست عبارة ( فوق الأولى ) من كلام أبي معشر، وإنما هي من زيادة الجزري؛ وهي زيادة خطيرة وتقوّل على أبي معشر، نتج عنها نفيُ مرتبة القصر المحض من التلخيص ! ... ولم ينقل الجزري هذه العبارة وهذا غريب منه اهـ ( 2/ 1063) حاشية ( 1 ).وبالله عليك دقّق في كلمة " تقوّل" !!!
    أكتفي بهذه المقدمة؛ على أمل الرجوع قريباً إن شاء الله للدفاع عن ابن الجزري ونشره، في كل ما خطأه فيه الدكتور أيمن، وكان الصواب – حسب علمي – مع ابن الجزري ، مستثنياً أخطاءه في كتابه " السلاسل الذهبية " فقد كتبت فيها مقالات في ملتقى التفسير، ونبهت عليها في شرحي لكتاب النشر في المقارئ القرآنية، مكتفياً هنا بالدفاع عن ابن الجزري ؛ ولا علاقة لي في سواه حتى وإن كنت أرى أنه خطأ.
    ومن باب الإنصاف :
    هناك تعليق جميل من ( المحقق) وهو قوله :
    " أقول: وأنت يا سيدي الجزري لم يسمح الزمان بعدك بمثلك، فأنت إمامنا وقدوتنا وشيخنا، ولنا الفخر بذلك، فلله درك من أستاذ محقق، وجهبذ مدقق، رحمك الله رحمة واسعة " اهـ ( 3/2033)
    والله من وراء القصد
    أ.د. السالم الجكني
    المدينة المنورة
    ليلة الأربعاء: 4 شهر الحج سنة 1439هـ
    أ.د. السالم الجكني
    أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

  • #2
    " دفع التشنيع وتهمة الادّعاء عن ابن الجزري "
    مسألة : " المراد بالإظهار السكتُ " :

    هذه العبارة قالها ابن الجزري ؛ فشنّع عليه الدكتور أيمن سويد، وطوّل التعليق عليها بما يظنّ أنه صواب؛ وهو – عندي – ليس كذلك، والله أعلم ، وإليكم التفصيل :
    1- العبارة جاءت في الحديث عن السكت لحفص في كلمتي: " من راق " و " بل ران " قال ابن الجزري:
    " واتفق صاحب «المستنير» و«المبهج» و«الإرشاد» على ‹الإدراج› في( عوجاً) و ( مرقدنا) كالجماعة، وعلى ‹السكت› في القيامة فقط ، وعلى الإظهار من غير سكت في التطفيف؛ والمرادُ بالإظهار: السكتُ، فإن صاحب «الإرشاد» صرّح بذلك في «كفايته»، وصاحب « المبهج» نص عليه في «الكفاية» له، ولم يذكرا
    سواه " اهـ.
    علّق الدكتور بقوله :
    " هذه الفقرة مليئة بالملاحظات، وهأنذا أبيّنها فأقول:
    أولاً : قوله :" والمراد بالإظهار السكتُ " عجيبٌ من إمام الأئمة هذا الكلام، كيف ينقل عن صاحب المستنيروالمبهج والإرشاد أنهم رووا " الإظهار من غير سكت في التطفيف" ثم يبيح لنفسه تفسير عبارتهم بقوله:" والمراد بالإظهار السكت "؟! ولو كان حكم موضعي القيامة والتطفيف عندهم واحداً فلماذا فرّقوا في التعبير عنهما فقالوا عن موضع القيامة :" إنه بالسكت "، وعن موضع التطفيف: إنه بالإظهار من غير سكت ؟!اهـ كلامه بحرفه ونصه .(2/1330).
    قلت : كل هذا الكلام لا يلزم إمام الأئمة؛ بل هو – - في وادي وكاتب الدكتور في وادي آخر، وإليكم البيان:
    أما قول الدكتور عن إمام الأئمة :" كيف ينقل عنهم أنهم رووا الإظهار من غير سكت ثم يبيح لنفسه تفسير قولهم " الإظهار السكتُ" ؟ّ!:
    فالجواب عنه :
    هذا الأسلوب أسلوب " تهكم " لا يليق أن يقال عن إمام الأئمة ، ومع هذا أقول:
    قد أوتيتَ من قِبَل فهمك يا فضيلة الدكتور، فهذا فهمُ من يريد التعليق لأجل التعليق، أو فهم من يريد الاستدراك لأجل الاستدراك؛ فإمام الأئمة – ابن الجزري – لم يذكر العبارة - أعني قوله : " الإظهار من غير سكت " -؛ على أنهم رووا الإظهار من غير سكت !ا ؛ وإلا لكان الإمام لا يعي ما يقول، وحاشاه من ذلك!
    بل مراده الواضح الجليّ لمن تأمله – والله أعلم – هو أن هؤلاء الثلاثة اتفقوا على ذكر " الإظهار " في موضع التطفيف ، ولم يذكروا السكت معه ، وتفسير كلامه :
    اتفق صاحب المستنير والإرشاد والمبهج على ذكر حكم " الإظهار " في موضع التطفيف ، ولم يذكروا " السكت " ؛ وهذا هو الموافق للثلاثة، وهذه نصوصهم :
    1- المستنير :" بل ران : حفص بإظهار اللام " اهـ
    2- الإرشاد : " بل ران : حفص بالإظهار " اهـ
    3- المبهج : " بل ران أظهر الراء عند اللام " اهـ
    فهذه النصوص نلاحظ فيها اتفاق الثلاثة على ذكر " الإظهار "، وليس فيها نص أحد منهم – غير المبهج وسيأتي آخر المسألة - على السكت أو عدمه ، وهو الذي نقله الإمام عنهم.
    وأما فهم العبارة على أن الإمام ذكر أن هؤلاء الثلاثة رووا في موضع التطفيف الإظهار من غير سكت؛ فهو فهم خاطئ؛ وأكثر خطأً منه التشنيع عليه بسببه.
    فإن قيل :
    ما الدليل على أن مراد ابن الجزري هو هذا؛ غير النصوص المذكورة؟
    فيقال:
    الدليل هو تعقيب ابن الجزري نفسه على الكلام بقوله :" والمراد بالإظهار : السكتُ "أهـ
    أي : هذا الإظهار الذي صرّحوا به في " بل ران " ولم يردفوا الكلمة بالسكت ؛ المراد به هو السكتُ.
    فلما لاحظ الإمام أن المستنير والإرشاد اكتفيا بذكر" الإظهار " جاء ببيان أن هذا " الإظهار عندهما المرادُ به السكتُ.
    وهذا – عندي والله أعلم – لا يمكن حمل الكلام على سواه؛ وإلا فأي معنىً إذا قال أحدنا :"الإظهارٌ من غير سكت " يراد به : " السكتُ " ؟!! أوَصلَ العيّ بإمام الأئمة أن يقول هذا التناقض ولا يتفطن إليه؛ وهو صاحب البلاغة والبيان؟!!
    فعبارة " من غير سكت" هي إخبار منه على اقتصارهما على ذكر " الإظهار " فقط.
    وعبارة:" والمراد بالإظهار السكتُ" هي شرح وتوضيح لذلك الإظهار الذي عبروا به ، والله أعلم .
    أما سؤال التعجب الذي طرحه الدكتور؛ وهو :
    " ولو كان حكم موضعَي القيامة والتطفيف عندهم واحداً فلماذا فرّقوا في التعبير عنهما فقالوا عن موضع القيامة :" إنه بالسكت "، وعن موضع التطفيف: إنه بالإظهار من غير سكت ؟!اهـ كلامه.
    فالجواب عنه :
    1- لم يقل صاحب المستنير وصاحب الإرشاد في موضع التطفيف إنه " بالإظهار من غير سكت" ! حتى تلزم ابن الجزري – الذي أيضاً لم ينقله عنهما - بهذا التعجب!
    ذكرتُ قبل قليل أن عبارة " من غير سكت " هي توضيحية وبيانية من المؤلف لعبارتهم؛ لا أنها عبارتهم.
    ومع هذا أيضاً أقول :
    أصحاب الكتب الثلاثة: المستنير والإرشاد والمبهج كلهم صرحوا في موضع القيامة بالإظهار والسكت؛ وهذه عباراتهم :
    1- المستنير: " من راق" : حفص بإظهار النون ويسكت عليها سكتة يسيرة " اهـ
    2- الإرشاد : " حفص ( من راق ) بإظهار النون عند الراء ووقف عليها وقفة يسيرة " اهـ
    3- المبهج : " حفص بإظهار النون بسكتة يسيرة " اهـ
    أما في موضع التطفيف فلم يذكر المستنير والإرشاد السكت؛ اكتفاء بذكره في سورة القيامة، والدليل عليه سيذكره المؤلف قريباُ ، والله أعلم .
    * أما قول الدكتور أيمن سويد حفظه الله :
    " ثانياُ : قوله : " فإن صاحب الإرشاد صرّح بذلك في كفايته " يوهم أن أبا العز فسّر في كفايته الإظهار بالسكت، وهذا لم يحدث أبداً، بل كل ما في الأمر أن عبارة أبي العز عن ( بل ران ) في الإرشاد – وكذلك في الكفاية في فصل لام ( بل ) و ( هل ) – تفيد الإظهار من غير سكت، لكنه قيّد ذلك في موضع المطففين من الكفاية بقوله :" ويقف وقفة يسيرة على اللام " أقول – والكلام للدكتور أيمن - : فغاية ما في الأمر أن تحمل عبارته المطلقة على المقيَّدة، ويؤخذ له بالإظهار مع السكت، والله أعلم ." اهـ بنصه وحروفه ( 2/1330)
    فالجواب عنه :
    قوله : " يوهم .." تخيّل للوهم مع عدم وجود أصله وسببه، وهذا التخيل للوهم سببه فهم عبارة إمام الأئمة " المراد بالإظهار السكتُ" أنها من منصوص كلام صاحب الإرشاد، وهذا بينته قبل قليل أنه ليس كذلك .
    ثم أيضاً :
    مراد ابن الجزري بعبارة ( بذلك ) هو كلمة " الإظهار فقط التي استخدمها الإرشاد والمستنير والمبهج في موضع التطفيف:
    فلما بيّن ابن الجزري أنهم اقتصروا على ذكر الإظهار ولم يتعرضوا للسكت، بيّن أن المراد بهذا الإظهار عندهم هو السكتُ، ثم استدل على توضيحه هذا بأن صاحب الإرشاد صرح بهذا السكت بعد ذكره الإظهار في كتابه " الكفاية ".
    فابن الجزري لا يريد أن يقول لنا إن صاحب الإرشاد فسّر أن الإظهار هو السكت؛ بل يريد أن يقول : إن تفسيرِي للإظهار الذي ذكره صاحب الإرشاد في موضع التطفيف، دون ذكر السكت معه بأنه السكت؛ قد صرّح به صاحب الإرشاد في كتابه الآخر وهو الكفاية الكبرى، والله أعلم .
    ثم أيضاً ثانية :
    عبارة ابن الجزري " والمراد بالإظهار السكت" هي نفسها عبارة صاحب الإرشاد في الكفاية، مما يدل على أن ابن الجزري أراد الاستدلال لما ذهب إليه من أن مذهب صاحب الإرشاد في التطفيف هو السكت .
    وإذا كان كلام الأئمة واضحاً؛ فلا يُدّعى الوهم والإيهام، والله أعلم.
    وأما قول الدكتور حفظه الله :" تحمل عبارته المطلقة على المقيّدة " : فلو جعل المسألة من باب الاجمال والبيان؛ لكان أوضح عندي من جعلها من باب " المطلق والمقيّد " والله أعلم.
    * أما قول الدكتور أيمن سويد حفظه الله :
    " ثالثاً : قوله : " وصاحب المبهج نص عليه في الكفاية له" أيضاً قولٌ مُلبسٌ وموهِمٌ أن سبط الخياط فسّر في كفايته الإظهار بالسكت، وهذا لم يحدث أيضاً " اهـ ثم نقل نصوص كتاب المبهج والكفاية في الست"، ويهمنا موضع التطفيف :
    1- قال في المبهج :" " بل ران أظهر الراء عند اللام من غير وقفة" اهـ
    2- قال في الكفاية في الست: " أظهر الراء عند اللام من غير وقفة حفصٌ " اهـ
    قال الدكتور أيمن سويد بعد أن نقل هذين النصوص: " فهذه عبارات سبط الخياط في كتابيه ليس بينها اختلاف، ولا ما ادعاه شيخنا من تفسير الإظهار بالسكت، والله أعلم " اهـ بنصه ( 2/1331) .
    وأقول :
    مع احترامي وتقديري للدكتور حفظه الله، فإن فضيلته هو الذي " ادّعى " على إمام الأئمة بما هو بريئ منه، ففضيلته فهم شيئاً ثم اقتنع به فألزم بموجبه شيخَه وإمامَه !
    فابن الجزري لم يدّعِ أن السبط فسّر الإظهار بالسكت كما فُهِم وادُّعِيَ عليه، بل ابن الجزري قال إن الإظهار في عبارة السبط؛ التي فسّرها هو – ابن الجزري - نفسه بالسكت نص عليها السبط في كفايته ، وشتان بين ما يريده ابن الجزري وبين ما فهمه فضيلته عنه فقام بالتشنيع عليه واتهامه بالادّعاء على العلماء!
    * قال الدكتور أيمن سويد حفظه الله:
    " رابعاً : قوله : " ولم يذكرا سواه " هو تأكيد منه لما ادّعاه، وفيما سبق بيان لعدم صحة ذلك، والله أعلم " اهـ بنصه( 2/1331)
    وأقول :
    بل هو تأكيد منه لقوله إن صاحبَي الكفاية الكبرى والكفاية في الست قد ذكرا " الإظهار " الذي هو السكت؛ في موضع التطفيف ولم يذكرا غير ذلك ، وهذه عباراتهما أذكرها ثانية للتأكيد :
    1- الكفاية الكبرى : " بل ران : حفص بإظهار اللام ويقف وقفة يسيرة على اللام " اهـ وهذا نص صريح أن الإظهار هنا هو نفسه السكت كما صرح به ابن الجزري في نقله عن الإرشاد.
    2- الكفاية في الست : " أظهر الراء عند اللام من غير وقفة حفصٌ " اهـ
    فلما قال ابن الجزري في أول المسألة إنهما ذكرا الإظهار من غير أن يذكرا معه السكت؛ وشرح لنا أن مرادهما بالاظهار هو السكت( لا أنهما هما اللذان قالا ذلك ) استدل بكلام كل واحد منهما في كتابه الآخر بأنه ذكر السكت في موضع التطفيف؛ لا أنهما هما اللذان فسّرا المراد بالاظهار السكت.
    وهذا واضح ولله الحمد، وبه يظهر أن ابن الجزري بريئ من كل هذا التشنيع، وهذه العبارات غير اللائقة لا بمن اتهمه بها، فضلاً عن أن تكون لائقة بإمام الأئمة، والله المستعان.
    تتميم :
    لعل بعض المبتدئين يقول : عبارة السبط في " مبهجه " و " كفايته ( من غير وقفة ) : تدلّ على الإظهار من غير سكتٍ!
    فأقول :
    قوله من غير وقفة " نص في السكت؛ لأن السبط يعبّر عن السكت بالوقفة المقيّدة كقوله " وقفة يسيرة " وقوله : " وقفة تؤذن بكذا "؛ فلما عبّر هنا بالوقفة المطلقة عرفنا – تبعاً لابن الجزري – أن مراده : من غير وقفة يتنفس فيها، وإنما وقفة يسيرة ، والله تعالى أعلم .
    وإلى مسألة أخرى إن شاء الله .
    أ.د. السالم الجكني
    أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

    تعليق


    • #3
      مسألة ( 4 ) : القصر المحض في تلخيص أبي معشر:
      قال ابن الجزري ، بعد أن ذكر مراتب قصر المنفصل التالية :
      ما فوق القصر.
      وفوقه، وهو التوسط.
      وفوقه.
      والإشباع.
      قال :
      " وكذا ذكر أبو معشر الطبري، إلا أنه لم يذكر القصر المحض كما فعل صاحبه الهذلي " اهـ ( 2/1024)
      علّق الدكتور أيمن سويد حفظه الله بقوله :
      " أقول: بل كلاهما ذكر القصر: أمّا أبو معشر فقال في كتابه التلخيص :" حجازي غير ورش، والحلواني لهشام، وروحٌ، يتركون المد حرفاً لحرف، ويُمكّنون تمكيناً.. وتفسير المد حرفاً لحرف : يعني المد الذي يمد لهمزة جاءت في كلمة أخرى على اختلاف إعرابها.. ومعنى التمكين: كما يخرج من الفم على حسب صوت القارئ" اهـ. وقال في كتابه سوق العروس المعروف بجامع أبي معشر:
      " وأما مد حرف لحرف ويسمى: مد كلمتين، ويسمى الاعتبار، نحو قوله ( بما أنزل ) ..ونحو ذلك : مدني غير ورش..لا يمدون حرفاً لحرف، بل يمكنون تمكيناً، غيرهم بالمد" اهـ
      قال الدكتور أيمن سويد :
      " فالظاهر أن الإمام الجزري تعالى فهم من عبارة :" ويمكنون تمكيناً " أن هذا التمكين مرتبة فوق المد الطبيعي، ولو أكمل عبارة أبي معشر في التلخيص لوجده يبيّن مراده من هذا المصطلح بقوله المتقدم :" ومعنى التمكين: كما يخرج من الفم حسب صوت القارئ ":
      إذن :- والكلام لا يزال للدكتور أيمن - : هذه العبارة من أبي معشر احترازٌ عمّا سمّاه بعض القراء ( البتر ) وهو إذهاب حرف المد بالكليّة، والله أعلم "اهـ بنصه وحروفه ( 2/1024 حاشية( 1). ثم ذكره مختصراً في (2/1029 حاشية 2).
      أقول، والله الموفق :
      واضح اعتراضُ الدكتور أيمن على نفي ابن الجزري ذِكرَ القصر المحض عند أبي معشر، وذلك باستظهاره أن ابن الجزري فهم " التمكين " بأنه فوق المد الطبيعي.
      ملحوظة :
      سيأتي قريباً أن الدكتور أيمن نفسه فسّر ما زاد على المد الطبيعي بأنهم يسمونه " التمكين " !
      ومع هذا فأقول:
      الإمام ابن الجزري فَهِم كغيره من كبار علماء القراءات ( العراقيين )؛ أن التمكين هو مرتبةٌ فوق القصر، وذلك كالتالي:
      عندنا هنا مسألتان :
      الأولى : عبارة " مد حرف لحرف " .
      الثانية : عبارة " التمكين "
      وهاتان العبارتان استعملها العلماء قديماً قبل أبي معشر نفسه؛ فإذا عرفناهما سنعرف صحة وصواب؛ بل - ودقة - فهم ابن الجزري ، وهذه بعض النصوص:
      قال الإمام ابن غلبون :
      " وكذلك قرأت في هاتين القراءتين بمد حرف لحرف " اهـ ( الإرشاد : 1/ 299)
      قال الخزاعي :
      " ابن كثيرو.. يتركون مدّ حرف لحرف، ويمكّنون تمكيناً " اهـ ( المنتهى : 1/488) ويلاحظ الشبه التام بين عبارته وعبارة أبي معشر؛ فلعل الثاني أخذها من الأول،والله أعلم.
      أبو علي المالكي:
      " الباقون بتمكين وإشباع مد حرف لحرف" اهـ ( الروضة :1/334)
      ابن مهران :
      " ابن كثير ..لا يمدون حرفاً بحرف " اهـ ( المبسوط:120)
      الروذباري :
      " ..ومكي .. يتركون مد حرف لحرف ويمكنون تمكيناً "اهـ ( الجامع : 2/46)
      إلى غير ذلك من النصوص التي عبّر فيها العلماء بهذا المصطلح.
      فيا ترى : ما معناه عندهم ؟
      الجواب – والعلم عند الله – هو :
      أنّ مصطلح " مد حرف لحرف " : هو نفس قولنا : المد المنفصل، وهذا قد صرّح به غير واحد من العلماء، منهم :
      أبو سفيان القيرواني :
      " ما كان حرف المد واللين فيه من كلمة والهمزة من كلمة أخرى فهذا الذي يسمونه :" مد حرف لحرف" نحو : بما أنزل – قالوا آمنا – في أنفسكم " اهـ ( الهادي:112)
      قال المالقي :
      " الحافظ وغيره قد يعبّرون عمّن يمد المنفصل بأنه يمد حرفاً لحرف" اهـ ( الدر النثير : ( 2/ 221).
      وهناك نصوص غيرها تركتها للاختصار.
      والعجيب :
      أنّ الدكتور أيمن استشهد بكلام أبي معشر وهو قوله :
      " وتفسير المد حرفاً لحرف : يعني المد الذي يمد لهمزة جاءت في كلمة أخرى على اختلاف إعرابها " : للدلالة على القصر المحض؛ وهو استدلال فيه نظر؛ بل فيه تجيير لكلام أبي معشر في غير مراده، وبيان ذلك :
      الإمام أبو معشر بيّن في النص أن حجازياً - غير ورش – ومن معهم يتركون المد حرفاً لحرف" ثم قام أبو معشر نفسه فشرح لنا المراد - عنده – والمعنى من عبارة " مد حرف لحرف" فقال : يعني المد الذي يمدّ لهمزة جاءت في كلمة أخرى ":
      قلت :
      هذا تفسير لكلمة " مد حرف لحرف، وليس نفسيراً لعبارته " يتركون مد حرفا لحرف".
      هذا وصفٌ للمد المنفصل، وعليه فيكون معنى كلام أبي معشر: حجازي غير ورش يتركون مد المد المنفصل، وهذا عند القراء معناه أنهم يقصرونه ويقرؤونه بمقدار حركتين كما هو متعارف عندهم ومشهور عند المبتدئين من الطلبة.
      لكن الدكتور أيمن حفظه الله، أفسد مراد أبي معشر لما جعل قوله :" بل يمكنون تمكيناً " هي بمعنى القصر المحض أيضاً !
      فكيف يكون هذا الإثبات، وهو قوله " بل يمكنون " شرحاً لنفيه المد عنهمن الذي هو قوله : " يتركون المد" ؟!
      فقوله : المد الذي يمد لهمزة ..الخ ، ليس هو معنى قوله " يتركون المد حرفاً لحرف" بل هو نقيضه، كما يدل عليه الفرق بين النفي والإثبات في كلامه.
      وكأن صنيع الدكتور أيمن يقول عن أبي معشر : إن ترك المد هو المد! وهذا عندي تناقض في العبارة يُبجّل الإمام أبو معشر عنه، والله أعلم .
      أما العبارة الثانية وهي " التمكين " فما المقصود منها ؟
      الجواب :
      هذا المصطلحُ استعمله بعض أهل الأداء من ( العراقيين ) – كالخزاعي وابن مهران وأبي معشر وأبي الكرم وسبط الخياط ، فاستخدموه للدلالة على ما ذهب إليه ابن الجزري ، وهو أنه مرتبة فوق القصر، والدليل على ذلك :
      عبارة أبي معشر وغيره : " يتركون المد و يمكنون ":
      معلوم أن قولهم : " لا يمدون حرفاً لحرف " أو " يتركون مد حرف لحرف " : صريحة في نفي المدّ عن المد المنفصل في نحو " بما أنزل "، كما بينت قبل قليل.
      وقولهم : " بل يمكّنون تمكيناً " صريحة في إثبات المد فيه؛ قال الإمام ابن هشام :
      " بل : إنْ تقدمها نفي أو نهي فهي لتقرير ما قبلها على حالته وجعل ضده لما بعدها، نحو : ما قام زيد بل عمرو" اهـ ( مغني اللبيب: 1/103).
      وقال الإمام المالقي :
      " بل : ...أن تكون حرف عطفٍ مشركاً ما بعده مع ما قبله في اللفظ، وهو الاسمية في الأسماء، والفعلية في الأفعال.. ولا تشرك في المعنى لأن الفعل لأحدهما دون الآخر وهو الثاني ، سواء كان الأول موجباً أو منفياً، نحو : قام زيدٌ بل عمرو، وما قام زيد بل عمرو، فالقيام في كلا الحالين للثاني دون الأول" اهـ ( رصف المباني: 230-231).
      وانظر إلى قوله :" ولا تشرك في المعنى " ، فكيف يقال بعد ذلك أن " التمكين " – عندهم - معناه : القصرُ؟
      هذا لا يقوله إلا من يظنّ أن نفيهم المد عن المنفصل هو نفي المد أصالة الذي هو حرف المد! وهذا – حسب علمي - لم يقله أحد من العلماء، ولا ذهب إليه؛ لأن الإجماع منعقد على إثبات حروف المد، والكلام في مراتب المد إنما هو فيما يزاد على المد الموجود في حرف المد؛ فإذا قالوا : فلان يمد المنفصل بمقدار ألف؛ فمعناه عندهم أنه يزيد إطالة الصوت بمقدار ألف ما عدا الألف الذي هو المد الأصلي، وإذا قالوا فلان يقصر المنفصل؛ فمعناه أنه يبقي صوت المد بحرف المد على طبيعته التي ليس بعده سبب للمد من همز أو سكون ؛ لا أنهم يقصدون حذف حرف المد، والله أعلم.
      فقولهم : " لا يمدون " : يعني لا يزيدون ألفاً؛ لأن المد هو بمثابة حرف.
      والتمكين عندهم هو مدّ( يسير )، وهذا صرّح به من الأئمة :
      الإمام الأهوازي :
      " ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : لا يمدون الألف والواو والياء إذا أتى بعدها همزة ، وكانا من كلمتين؛ بل يمكنون حرف المد في ذلك من غير وقفة ولا زيادة مد ، .... ورأيت أيضاً من يأخذ عن أبي عمرو جميع ذلك بمد وسط " اهـ ( الوجيز : 96)
      سبط الخياط ، حيث قال :
      " ابن كثير وابن محيصن يمكنان هذه الحروف تمكيناً يسيراً سهلاً ، وقال المحققون في ذلك : بل يقصرانها قصراً محضاً، بمعنى أنهما ينطقان بأحرف المد في هذا الفصل على صورتهن في الخط " اهـ ( المبهج : 1/426)
      فهذا النص الصريح الواضح الجلي من هذا الإمام المحقق المدقق فيه تفريق بين " التمكين " و " القصر المحض"؛ حتى وإن قال بالتمكين غير المحققين عنده؛ إذ يهمنا الاستدلال على صحة فهم ابن الجزري لكلام أبي معشر ومذهبه.
      قال الهذلي :
      " قال الرازي : وكان هشام و .... يمكّنون تمكيناً في غير إتمام المد " اهـ ( الكامل :4/ 412 طبعة كرسي القراءات بجامعة طيبة)، ولاحظ عبارته :" في غير إتمام المد" .
      قال الأندرابي :
      " لا يمدون حرفاً لحرف، بل يمكنون حروف اللين تمكيناً من غير إتمام المد " اهـ ( الإيضاح : 1/458) فانظر إلى قوله :" تمكيناً من غير إتمام المد " .
      قال المالقي :
      " الحافظ وغيره قد يعبّرون عمّن يمد المنفصل بأنه يمد حرفاً لحرف ؛ ومعناه : أنه يمد حرف المد في آخر الكلمة الأولى من أجل الهمزة في أول الثانية؛ ولم أحمله على أنه يريد بالحرف: حرف المد والهمزة؛ لأنهم يقولون عمن لا يمد المنفصل أنه لا يمد حرفاً لحرف، مع أنه لا خلاف في مد المتصل؛ فكان يلزم أن يكون الدوري وابن كثير لا يمدان الألف في ( جاءت ) من أجل الهمزة مثلاً " اهـ ( الدر النثير : ( 2/ 221)
      أما الإمام ابن الجزري ، وهو المعنيّ عندنا هنا ، فقد عرّف التمكين بقوله :
      " التمكين عبارة عن الصيغة، وقد يعبّر به عن المد العرضي، يقال منه : مكّن : إذا أريدت الزيادة " اهـ ( التمهيد :174)
      والمد العرضي عنده هو : الذي يعرض زيادة على الطبيعي لموجب يوجبه.
      والقصر هو : حذف المد العرضي .( ينظر المصدر السابق ) .
      والعجب : أن الدكتور أيمن نفسه ، قال في ( 2/1012 حاشية 2) :
      " أقول: فالألف عندهم هي الحركة، ويقيسون بها ما زاد عن المد الطبيعي الذي يسمونه " التمكين" ومقداره حركتان كما هو معلوم، " اهـ بنصه.
      وهذا نصٌ منه بأن " التمكين " ليس هو القصر المحض، والله أعلم .
      ونختم الكلام هنا؛ بهذا النص الصريح الواضح ، وهو نص ثمين جداً جداً في المسألة، وكأنه " نصٌ في محل النزاع " :
      " قال الإمام الروذباري، :
      " وسمعتُ أبا بكر يقول : سمعتُ أبا الفضل – الخزاعي – يقول: التمكين منزلة بين القصر والمدّ " اهـ ( الجامع : 2/46)
      إذن :
      بعد هذه المذاكرة من حق القارئ أن يسأل فيقول :
      من أين أخذ، أو فهم، ابن الجزري ، أن أبا معشر لم يذكر القصر المحض:
      للجواب عن هذا السؤال أقول :
      المأخذ؛ أي الدليلُ الذي اعتمد عليه الإمام ابن الجزري في نفي القصر المحض عند أبي معشر؛ هو دليل أصولي، وهو ما يسمى " دلالة الاقتضاء "- وهي عند الأصوليين : " عبارة عن ورود اللفظ على صفة يتوقف في صدقه أو صحته على مضمر" - وقد صرّح الإمام ابن الجزري نفسه بذلك؛ أعني أن دليله هو " دلالة الاقتضاء "، لكن الدكتور أيمن حفظه الله، ربما لم ينتبه له؛ وإلا لو انتبه له لتغيّر رأيه، والله أعلم .
      قال ابن الجزري :
      "
      1/330
      وقال أبو معشر الطبري في «التلخيص»: إن حجازيّاً؛ غير ورش، والحلواني عن هشام، يتركون المدّ ‹حرفاً لحرف› ويمكّنون تمكيناً، وإن عاصماً، والكسائيّ، وابن عامر، إلاّ الحلوانيّ يمدّون وسطاً - فوق الأولى قليلاً-، وإن حمزة وورشاً، يمدّان مدّاً تامّاً، وإن حمزة أطول مدّاً. انتهى وهو يقتضي عدم القصر المحض" اهـ ( النشر : 2/1062 طبعة الدكتور)
      فقوله :" وهو يقتضي " نصٌ صريح من ابن الجزري في أن السبب هو دلالة الاقتضاء الواردة في نص أبي معشر، وهي – دلالة الاقتضاء – من الدلالات القوية عند الأصوليين سواء اعتبرناها داخلة في المنطوق غير الصريح – أو داخلة في المفهوم، على اختلاف بينهم.
      وبيان هذه الدلالة هو من عبارتي أبي معشر: ( مداً وسطاً ) و ( مداً تاماً ) وليس من تعريف أبي معشر للتمكين كما ذهب إليه الدكتور، وبيان ذلك :
      أن أبا معشر جعل القراء على ثلاثة مراتب :
      الأولى : قسم يتركون المد حرفاً لحرف ويمكنون تمكيناً.( وهذه ألفاظ لا تدل على القصر المحض)؛ لأن الإثبات والنفي لا يجتمعان في محل واحد.
      الثانية :: قسم يمدون وسطاً.( وهذه ألفاظ صريحة في نفي القصر ألبتة.
      الثالثة: قسم يمدون مداً تاماً. ( وهذه كسابقتها )
      فلما رأى الإمام ابن الجزري ، نفي المدّ في " منطوق " كلام أبي معشر ، وإثبات التمكين له، وليس فيه ذكرٌ " للقصر المحض" صراحة؛ اقتضى عنده أن تكون هناك مرتبة ليست بالقصر المحض ولا المد الوسط ولا المد التام؛ ولا يصح أن يكون إلا بين القصر والتوسط، وهو ما سمّاه أبو معشر " التمكين التام" وسماه ابن الجزري " فوق القصر" ويصدّق ذلك كله قول الإمام الخزاعي السابق ذكره وهو " التمكين منزلة بين القصر والمد "، والله أعلم .
      فينتج أن المراتب الثلاثة عند أبي معشر هي:
      فوق القصر.( بدلالة الاقتضاء)
      المد الوسط.( بنص كلامه)
      المد التام.( بنص كلامه)
      والله أعلم .
      تتميم متعلق بالمسألة :
      لمّا نقل الإمام ابن الجزري عبارة أبي معشر : " .... يمدون وسطاً فوق الأولى قليلاً " اهـ
      علّق الدكتور أيمن حفظه الله على عبارة " فوق الأولى قليلاً " فقال :
      " ليست عبارة ( فوق الأولى قليلاً ) من كلام أبي معشر، وإنما هي من زيادات الجزري، وهي زيادة خطيرة، وتقوّلٌ على أبي معشر، نتج عنها نفي مرتبة القصر المحض من التلخيص!
      كيف وأبو معشر يقول:" يتركون المد حرفاً لحرف ويمكّنون تمكيناً" ثم فسرها بقوله:" ومعنى التمكين كما يخرج من الفم على حسب صوت القارئ اهـ ولم ينقل الجزري هذه العبارة ، وهذا غريب منه ؟
      أقول – والكلام للدكتور - : فالقصر ثابت من تلخيص أبي معشر لحجازي غير ورش وللحلواني عن هشام، والله أعلم " اهـ ( ثم أحال على التعليق ( 1258: وهو الذي ناقشناه قبل قليل) .
      أقول:
      انظر أخي الكريم إلى هذه العبارات في حق الإمام ابن الجزري :
      1- زيادة خطيرة!
      2- تقوّل على أبي معشر!
      3- نفي مرتبة القصر المحض من التلخيص!
      4- هذا غريب منه !
      5- فالقصر ثابت من تلخيص ابي معشر لحجازي غير ورش والحلواني عن هشام !
      خمسُ جُملٍ في 6 أسطر! كلها بعيدة عن التحقيق؛ بل كلها مبنية على فهمٍ عند الدكتور؛ ألزم به ابن الجزري، وإلزامُ ابن الجزري عادة تكررت في أبحاث الدكتورحفظه الله.
      أما قوله : " زيادة خطيرة " !
      فيقال عنه : أين الخطورة في هذه الكلمة ! وهي كلمة جاء بها ابن الجزري للتفسير والبيان، وصحيحة معنىً، فسّر بها ابن الجزري عبارة أبي معشر " مداً وسطاً"؛ ليقول لنا : إن مدّ عاصم ومن معه؛ الذي وصفه أبو معشر بأنه " مداً وسطاً" هو مدٌّ فوق مدّ المذكورِين قبلهم؛ الذي قال عنه أبو معشر:" لا يمدون حرفا لحرف بل يمكنون".
      فأبو معشر – كما سبق – لم يثبت مد حرف لحرف وإنما أثبت التمكين؛ وهو مد فوق المد المنفي.
      أما قوله : " نفى مرتبة القصر المحض " :
      فأقول: ابن الجزري لم ينفِ مرتبة القصر؛ بل أبو معشر نفسه هو الذي لم يصرح بها، وفَهمُ ابن الجزري من عدم التصريح هذا فهمٌ صحيح قائم على الأدلة العلمية الصريحة أصولاً وقراءة، ومن يثبت القصر المحض عند أبي معشر فعليه إثبات ذلك بعبارة صريحة من كلامه؛ وإلا كان كلامه ادعاء لا غير.
      وأما فهم الدكتور أيمن لعبارة " التمكين " على أنها القصر، ومحاولته إلزامه بهذا الفهم الخاطئ، هو فهمٌ في غير محله؛ لأن مراد أبي معشر بالتمكين ليس كما فهم، بل مراده " الزيادة " كما أسلفت، والله أعلم.
      وأما قوله :" وهذا غريب منه " اهـ
      فيقال فيه : بل الغريب هو فهمُها على أن المقصود منها هو القصر المحض! أما فهمها على أنها " زيادة " على القدر الطبيعي فهو الصواب إن شاء الله.
      وأيضاً:
      هذا التفسير من أبي معشر؛ يخالف التفسير عند مكي بن أبي طالب ، حيث يجعله تفسيراً لقولهم " ترك المد حرفاً لحرف "، قال :
      " قرأ ابن كثير و ... يمدّ كما يخرج من اللفظ" ن وقد ترجم قومٌ في هذا بترك المد، وهو غلط" اهـ ( التبصرة : 264)
      واما قوله : " فالقصر المحض من التلخيص لأبي معشر"!
      يقال عنه : إثبات ذلك من كلام أبي معشر؛ سواء نصّاً أو منطوقاً أو مفهوماً دونه خرق العتاد.
      وعلى فرض أنه صحيح – وهو ليس كذلك – فلا يقرأ به؛ لأن ابن الجزري لم يقرأ به ولم يختره، والله أعلم.
      أما تعليق الدكتور على كلام الإمام الهذلي فسأذكره إن شاء الله في المقال القادم إن شاء الله، وسنرى كيف تعامل الدكتور حفظه الله مع النصوص، والله أعلم .
      والله من وراء القصد.
      السالم الجكني
      المدينة المنورة
      ليلة السبت:14/12/1439هـ
      أ.د. السالم الجكني
      أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

      تعليق


      • #4
        مسألة ( 5 ) : مرتبة فوق القصر المحض في الكامل للهذلي، وإنكار الدكتور أيمن سويد حفظه الله لها :
        قال ابن الجزري ، بعد أن ذكر مراتب قصر المنفصل :
        " وكذا ذكر أبو معشر الطبري، إلا أنه لم يذكر القصر المحض كما فعل صاحبه الهذلي " اهـ ( 2/1024)
        علّق الدكتور أيمن سويد حفظه الله بقوله :
        " بل كلاهما ذكر القصر"اهـ
        أقول، والله الموفق:
        تكلمتُ في المسألة السابقة على تخطئة الدكتور أيمن سويد حفظه الله للإمام ابن الجزري في قوله :" إن أبا معشر لم يذكر مرتبة القصر المحض " .
        والآن أواصل الحديث في بيان خطأ الدكتور في رده على ابن الجزري في قوله :" إن الهذلي لم يذكر مرتبة القصر المحض ".
        وأنقل تعليق الدكتور أيمن سويد كاملاً ؛ ثم أبينّ أن الإمام ابن الجزري صادق في قوله، وأن الدكتور حفظه الله، لم يتمعن جيداً في سياق كلام الهذلي ؛ وإلا لما اعترض به على الإمام .
        قال الدكتور أيمن سويد حفظه الله :
        " وأما الهذلي فقال في ( كتاب الهمزة ) من كتابه الكامل:" ( هؤلاء ) يمدّ ( أولاء ) ولا يمدّ الهاء : حجازي غير سالم وورش، وبصري غير أيوب. اهـ ( وسيأتي أنها نفس عبارة الإمام الخزاعي ).
        وقال أيضاً : " وقد عقد الهذلي في الكامل كتاباً سماه :"كتاب المد"، ذكر فيه مَن مدّ مِن القراء فزاد في مده على الطبيعي، وأما القصر فقال عنه في الكتاب المذكور: " واعلم أن هذا الوصف ( أي المد ) زيادة، وهو أن يكون بعد حرف اللين همزة نحو ( جاء – شاء – سيئت ) فإن لم تكن الهمزة فذلك تمكين وإشباع لا مد حقيقي وقد أتى هذا في التجويد " اهـ
        قلت أنا العبد الضعيف الجكني:
        أين ما يتعلق بالقصر في كلام الهذلي؛ الذي جاء به الدكتور في معرض الرد على ابن الجزري؟!
        هذا قصور في النقل إذا كان الدكتور متأكد أن الهذلي ذكر ما يدل على عدم صحة كلام ابن الجزري!
        وتدليس على القراء إذا كان في كلام الهذلي ما يؤكد صحة كلام ابن الجزري،والله المستعان.
        ثم واصل الدكتور أيمن تعليقه قائلاً :
        " وقال في كتاب التجويد : " والتمكين إنما يثبت في كلمة فيها ألف ساكن مثل : قال .. أو ياء ساكنة مثل : ذيب ، وبير، وبيس، أو واو ساكن مثل : يومن ومأكول. هذا إن لم يأت بعد حروف المد واللين همزة، فإن أتى فلا بد من المد ؛ إن كان في كلمة فبالإجماع مثل( والقائلين – وخائفين ).. ثم وإن كان من كلمتين ( ففيه خلاف ) وسيأتي نحو ( في أنفسهم )اهـ بنصه( 2/1024-1025 الحاشية).
        ثم ذكره مختصراً في (2/1029 حاشية 2) .
        وأقول ، والله الموفق :
        هذا التعليق ، عند التحقيق، كله كلامُ من لم يستوعب المسألة عند ابن الجزري، أو كلام من لم يتأنّ في إدراك طريقة الهذلي في تأليف كتابه " الكامل"، أو كلام من يريد التعليق لأجل التعليق، وهنا تكمن خطورة الشيوخ المشهورين؛ لأن العامة سيصدقون كل شيء يقولونه من باب " حسن الظن بهم – وهم – الشيوخ – أهلٌ لذلك، لكن عند المحققين لابد أن تسمّى الأمور بأسمائها!
        الدكتور أيمن سويد حفظه الله جاء بثلاثة نصوص يستدل بها على أن الهذلي ذكر " مرتبة القصر المحض " اعتراضاً على الإمام ابن الجزري !
        وأقول بكل صراحة :
        ليس في النصوص الثلاثة نصٌ واحد يدفع كلام ابن الجزري، بل هي نصوص مؤكدة قوله،ودالة بكل وضوح أن الهذلي:" لم يذكر القصر المحض في كامله"، وهذا بيانه:

        أولاً : قول الدكتور أيمن حفظه الله :
        " وأما الهذلي فقد ذكر في كتاب الهمزة ....الخ"
        يجاب عنه :
        ما علاقة هذا الحكم؛ أعني القصر المحض، في باب الهمزة؟!
        الإمام الهذلي ، لم يأت بهذا المثال ليبيّن أصحاب المد والقصر في المد المنفصل البتة!
        وإنما جاء به ليبيّن أن هذه الكلمة ( هؤلاء ) بعينها لها حكمٌ خاصٌّ هو المذكور، وهذا الحكمُ لا علاقة له باختلاف القراء في المد المنفصل، والدليل على كلامي هذا؛ صنيعُ الهذليِّ نفسِه، ثم صنيعُ غيرِه من العلماء قبله، وبيان ذلك :
        أولاُ : الهذلي :
        صحيح إنه جاء بهذه الكلمة ( هؤلاء ) في كتاب " الهمزة " من كتاب الكامل؛ لكن الذي لم ينتبه إليه الدكتور هو :
        الهذلي جعل هذا الكتاب – كتاب الهمزة - لبيان اختلاف القراء في الكلمات المهموزة؛ من حيث التحقيق والتسهيل ، على اختلاف أنواعه، وأخذ في تفصيل كل ذلك متبعاً ترتيب المصحف الشريف من البقرة إلى آخر سورة فيها همزٌ مختلف فيه، وهي سورة قريش؛ بحيث يذكر في كل سورة الهمزاتِ التي اختلف فيها القراء سواء كان الهمز ساكناً أو متحركاً إلى غير ذلك .
        فلما انتهى من آخر سورة وهي سورة " قريش" في كلمة ( إلافهم ) ذكر ( بضع ) كلمات منها : " ها أنتم " و " هؤلاء " ثم بين خلاف القراء فيهما:
        والذي يعنيننا هنا هو كلمة " هؤلاء " والخلاف الذي ذكره الهذلي فيها هو على ثلاث قراءات :
        1. هاؤلاء" : بمد الهاء بالألف وبعده همزة، ومد " ألاء" بإثبات الهمزة في آخره.
        2. هَؤُلاء: بفتح الهمزة وحذف الألف بعدها ، والهمزةُ في آخره.
        3. هَوُلا" : بفتح الهاء وحذف الألف بعده وبإبدال الهمزة واواً، وبلا همزة في آخره" .

        ولو أن الدكتور- كما قال هو نفسه في حق الإمام ابن الجزري - قرأ بقية الباب، وتمعّن في المسألة لأدرك ذلك، وعرف أن تعقيبه على ابن الجزري بهذا المثال لا يصح، وأنقل هنا كلام الهذلي حتى تتضح المسألة :
        قال الإمام الهذلي :
        " هؤلاء" : يمد ( أولاء) ( ولا ) يمد الهاء : حجازي غير سالم، وورش، وبصري غير أيوب.... الحريري عن يعقوب لا يهمز ( أولاء) ولا يأتي بالألف بعد الهاء، الباقون بالمد والهمز، وهو الاختيار لأنه أشهر.اهـ ( الكامل: 4/ 369 طبعة كرسي الشيخ يوسف عبد اللطيف جميل للقراءات )، ( مع الإشارة إلى أن كلمة " ولا " التي ذكرها الدكتور ليست في نسخ الكامل؛ لكنها موجود عند الخزاعي وغيره).
        فاتضح أن مراد الإمام الهذلي في قوله " يمد " أو " لا يمد " هو إثبات الألف بعد الهاء، أو حذفه؛ وليس مراده المد المنفصل أو غيره، والدليل على ذلك:
        • الإمام الهذلي لم يذكر الكلمة في سورتها ، ولا في أي سورة، مع أنها متعددة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم .
        • الإمام الهذلي نفسه لما أراد بيان خلاف القراء في هذه الكلمة من حيث المد والقصر؛ بين مراتب المد فيها في باب المد بالتفصيل ، كما سيأتي.

        ج- غيرُ مألوف، ولا متعارف عليه في التأليف أن يُذكر حكمُ بابٍ هو أصلٌ من أصول القراءات بمثال واحدٍ وفي باب لا علاقة له به.
        وإني أسأل : هل رأى أحدٌ في أي كتاب من كتب القراءات ذكرَ اختلاف القراء في المد والقصر في باب " الهمز المفرد أو الهمزتين من كلمتين أو غير ذلك ؟
        وهل يصح لنا أن نأخذ اختلاف القراء في المد والقصر عند الهذلي من ذكره لهذه الكلمة المذكورة استطراداً أو تتميماً في باب الهمز؟!
        هذا الحكم الخاص في كلمة ( هؤلاء ) ذكره العلماء قبل الهذلي في الفرش، وليس في الأصول؛ مما يدل على أنهم يعنون " خصوصيتها " لا على أنها مثال للقصر المحض أو عدمه، وإلا لاكتفوا بذكرها في أمثلة المد المنفصل، وهذه أمثلة للعلماء الذين ذكروا هذا الحكم لهذه الكلمة ، منهم :
        1. الإمام الخزاعي :

        " هؤلاء : حجازي غير سالم وورش، وبصري غير أيوب لا يمدّون "ها "، ولم يختلفوا في مد " أولاء" حيث وقع " اهـ ( المنتهى : 2/630 سورة آل عمران ) اهـ ولاحظ التشابه بين عبارة الخزاعي والهذلي فلعله أخذها منه.
        1. الإمام ابن مهران :

        " أبو جعفر ونافع ..( هؤلاء) بمدة واحدة، لا يمدون ( ها ) إلا على قدر خروج اللفظ، ويمدون ( أولاء) كأنهم يجعلونه كلمتين، الباقون يمدون بمدتين سواء في كل القرآن، ويعقوب برواية زيد يهمز همزة واحدة تمد مدة واحدة " اهـ ( المبسوط:128 سورة البقرة)
        وقال :
        " هؤلاء: قالون وأوقية ويعقوب يمدون ( ها ) دون ( أولاء)، زيد بمدة واحدة" اهـ ( الغاية :174سورة البقرة)
        3- الإمام الروذباري :
        " هؤلاء : يزيد وقالون وأوقية ويعقوب: يمدون ( ها ) دون ( أولاء) .... وقال الخزاعي: هؤلاء : حجازي ...( ثم نقل نص الخزاعي السابق .( الجامع : 2/331 سورة البقرة ).
        فاتضح أن الإمام الهذلي أراد بهذه الكلمة غير ما أراده وفهمه الدكتور حفظه الله، والله أعلم .
        ثانياً : قال الدكتور أيمن حفظه الله :
        " وأما القصر فقال عنه – الهذلي - في الباب المذكور : اعلم أن هذا الوصف...الخ" اهـ
        أقول :
        نقلُ الدكتور لتعريف الإمام الهذلي للتمكين؛ يردّ عليه ما ذهب إليه سابقاً من أن التمكين ليس هو فوق المد الطبيعي، وأن المقصود به هو القصر المحض، وهذا مخالف لنص الهذلي نفسه ، وبيان ذلك كالتالي :
        قال الهذلي :
        " والتمكين إنما يثبت في كلمة فيها ألف ساكن مثل : قال وكان وذيب وبيس ويومن ومأكول ؛ هذا إن لم يأت بعد حروف المد واللين همزة.
        قال الهذلي: فإن أتى فلا بد من المد، إن كان في كلمة فبالإجماع، وإن كان من كلمتين ( فبخلاف).اهـ ( كلمة : فبخلاف: ليست في النسخة الخطية من الكامل، بل هي من زيادات الدكتور على نصوص العلماء!)
        فواضح أن الهذلي هنا يفرق بين المد في ( قال : ويسميه تمكيناً)، ولا مد فيه عنده، وبين المد في ( في أنفسكم ) وأنه فوق المد في ( قال ) ، والله أعلم .
        ثالثاً :قول الدكتور أيمن سويد حفظه الله :
        " وقد عقد الهذلي في الكامل كتاباً سماه :"كتاب المد"، ذكر فيه مَن مدّ مِن القراء فزاد في مده على الطبيعي، وأما القصر ...الخ أقول:
        بيّنت قبل قليل أن عادة العلماء هو تحريرهم للمسألة – أي مسألة – في مظانّها لا في غير مظانها، كما هو في مسألتنا هذه – القصر المحض - ؛ إذ " مظانّها " أي بابها الذي يتكلم فيه علماء القراءات عنها، هو باب :" المد والقصر " أما غيره من الأبواب – حتى لو ذكرت فيه لعلة ما – فهو ما يسمى " لا مظانها ".
        والآن :
        عندنا الإمام ابن الجزري يقول : إن الهذلي ، لم يذكر مرتبة القصر المحض.
        وعندنا الدكتور أيمن سويد حفظه الله ينفي ذلك، ويقول : إن الهذلي ذكر القصر المحض ! وذكر لنا أدلته التي جعلته يقول هذا ويجزم به، وهي :
        1. النص المذكور في كتاب الهمزة.
        2. النص المذكور في كتاب المد.
        3. النص المذكور في كتاب التجويد.

        أما الأول : فقد بان بطلانه وخطؤه، وأنه نصٌ لا علاقة له بمسألتنا هذه ألبتة .
        وأما الثالث : فهو نصّ واضح صريح بالقصر المحض، لتفرقة الهذلي بين حرف المد المصاحب للهمزة عن غير المصاحب للهمزة الذي حكم أنه " لا مد " فيه " وجليٌ وواضح أن الهذلي لا ينكر المد في " قال، و كان "، فكيف نقول إنه لا يمد ( قال ) ويمد ( في أنفسكم ) !
        ومع أن الدكتور حفظه الله، نقل لنا هذا النص ، لكن لم يفسره هذا التفسير، وأنا لا أناقشه في هذا.
        فليس هذا النص هو الذي اعتمد عليه ابن الجزري في قوله " إن الهذلي لم يذكر القصر المحض " ، بل دليل ابن الجزري أوضح من هذا.
        فإن قيل : أين هذا الدليل الصريح الذي اعتمد عليه ابن الجزري من كلام الهذلي في نفي القصر المحض ؟
        فالجواب:
        قال الهذلي :
        " الثالث : أن يكون من كلمتين نحو " بما أنزل "...فأطول القراء مداً ورش طريق الأزرق... ومده مقدار ست ألفات ... ثم دون ورش الزياتُ ...ثم باقي أصحاب حمزة ... بمقدار أربع ألفات ... أما أبو بكر....فمقدار ثلاث ألفات..أما اليزيدي ..والسوسي وأهل مكة غير القواس وباقي أصحاب حفص... فمقدار ألفين ونصف .... هذا حكمهم في المد" اهـ ( الكامل : 4/407-409 ) .
        و لم يذكر الإمام الهذلي أي مرتبة دون هذه المرتبة ( ألف ونصف ) وهي صريحة وواضحة في " القصر غير المحض؛ لأن القصر المحض عند الجميع – حتى الدكتور أيمن – هو ألف واحدة.
        والعجب – وهذه عبارة يذكرها أحياناً الدكتور أيمن سويد عندما يظنّ أن ابن الجزري وهم في شيء أو غفل عنه – أن الدكتور نفسه لم ينقل لنا كلام الإمام الهذلي هذا، وهو نصٌّ في المسألة؛ أعني عدم ذكر الهذلي للقصر المحض !
        والأعجب من ذلك: أن الدكتور حفظه الله، نقل الكلام الذي يليه مباشرة وهو :" واعلم أن هذا الوصف ...".
        هذا ما سمح به الوقت في هذه المسألة، التي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة من كلام الهذلي تبين صدق ابن الجزري ، وخطأ الدكتور أيمن سويد في قوله :" إن الهذلي ذكر القصر المحض!، وهي قوله :
        " أما اليزيدي ..والسوسي وأهل مكة غير القواس وباقي أصحاب حفص... فمقدار ألفين ونصف .... هذا حكمهم في المد" اهـ ( الكامل : 4/407-409 ) .
        والآن : على الدكتور أيمن حفظه الله أن يأتينا بنص عن الهذلي فيه ذكر لمرتبة القصر بألف واحدة، وإلا فعلينا التسليم بنقل ابن الجزري .
        تتميم:
        جلّ العلماء اذين وقفت على كلامهم بعد أن يذكروا هذه المراتب؛ يذكرون أن " المشافهة هي التي تحكم ذلك " .
        والله أعلم .
        السالم الجكني
        المدينة المنورة
        ليلة الأحد: 15/12/1439هـ
        والله من وراء القصد
        أ.د. السالم الجكني
        أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

        تعليق


        • #5
          إعلان :
          في ليلة علمية ماتعة، وبالحضور عند ومع شيوخ أعزاء أكارم من أهل القرآن ومن ذرية الصالحين - أحسبهم كذلك ولا أزكي على الله أحداً - دار نقاش طويل حول ما أعرضه هنا في الفيس بوك وتويتر وملتقى التفسير، من مقالات هي عندي " دفاع عن ابن الجزري في تخطئة الدكتور أيمن سويد حفظه الله له"، وفي نظر غيري هي هجوم غير مبرر على ما سمّوه " اجتهادات " الدكتور حفظه الله، وأعذرهم في ذلك لاختلافي معهم في " مفهوم " الفرق بين الاجتهاد و التخطئة، وبينت للحضور الكرام : أن ما كتبته وسأكتبه تعليقاً على كلام الدكتور ليس من هذا الباب؛ فاجتهادات الدكتور التي أخالفه فيها كثيرة ، ولم ولن أتعرض لها أبداً؛ لأنه مضيعة للوقت أن تناقش مجتهداً مكث ( 30 سنة ) في شيء اجتهد فيه؛ بل ما أكتبه هو في تعرضه باتهام ابن الجزري وتخطئته ، والحال أن ابن الجزري لم يخطئ والخطأ على من ادعى عليه الخطأ ! هذا كل الموضوع.
          هذا : وبعد أخذ وردّ أجمع الإخوة الكرام على استحسان التأني في مواصلة الكتابة في الموضوع، والإشارة إلى ضم النقد كله بعد النهاية منه في " كتاب مطبوع " يستفيد منه طلاب العلم الذين لا علاقة لهم بوسائل التواصل من الفيس والتويتر والنت كله.
          وبناء على هذه الرغبة من هؤلاء الكرام، وهي رغبة فيها الخير إن شاء الله :
          أعتذر لرواد هذه الصفحة من مواصلة الردود للتفرغ لإكمال البحث والسعي في طباعته، وسيكون بإذن الله تعالى مضافاً إليه بحث:
          "الردود المدنية على السلاسل الذهبية في تخطئة ابن الجزري في أسانيده "
          داعياً الله تعالى أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه تعالى، فوالله العظيم هو المبتغى، ولوجهه الكريم أكتب، ومن وصفني بغير ذلك فليعرف جوابه عندما نقف بين يدي الله ، يوم لا يفع مال ولا بنون.
          والله من وراء القصد
          السالم الجكني
          المدينة المنورة
          ليلة الأربعاء: 1439/12/18
          أ.د. السالم الجكني
          أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

          تعليق


          • #6
            مسألة ( 6 ) : القصر في المنفصل لزرعان من روضة المالكي، وجامع ابن فارس :
            قال ابن الجزري :
            " وأما حفص فقطع له بالقصر : أبو علي البغدادي من طريق زرعان عن عمرو عنه، وكذلك ابن فارس في جامعه ""اهـ ( 2/1038)
            علق الدكتور أيمن بقوله :
            " نصّ أبي علي المالكي في الروضة : "أهل الحجاز وأهل البصرة والولي عن حفص: يمكنون هذه الحروف ولا يشبعون المد ، الباقون بتمكين هذه الحروف وإشباع مد حرف لحرف على اختلاف طبقاتهم في المد"اهـ
            وأقول- أيمن - : واضح من النص السابق أن الذي له القصر في المنفصل من الروضة هو الولي عن الفيل عن عمرو بن الصباح عن حفص، وليس زرعان كما ذكره ابن الجزري هنا ، فليتنّبه " اهـ ( الحاشية 1) .
            وعلق أيضاً عند كلمة " ابن فارس في جامعه " بقوله :
            " وذلك من طريق الولي عن الفيل عن عمرو عن حفص، ونصه في كتابه الجامع: " فكان أهل الحجاز والبصرة، والولي عن حفص ، وقتيبة لا يمدون حرفاً لحرف" اهـ ( حاشية :2)
            أولاً : ما يتعلق بكلام المالكي، فأقول :
            بل الواضح والصحيح أن كلام الإمام أبي علي المالكي هو " نص صريح" دال على مرتبة " فوق القصر" كما عند بعض أهل العراق، ومنهم المالكي، وليس نصاً في القصر المحض؛ وهذا قد بينته سابقاً ، فقوله :"يمكنون ولا يشبعون " صريح في ذلك عند الإمام ابن الجزري كما سبق؛ لكن الدكتور مقتنع بأن التمكين هو " القصر المحض" فلهذا ( يُلزِم – حسب رأيه -) الإمام بذلك، مع أنه نقل عن غير ابن الجزري بأن التمكين هو فوق القصر.
            مأخذ ابن الجزري " فوق القصر " من الروضة :
            الإمام ابن الجزري قال :
            " قصر المنفصل: وهي حذف المد العرض وإبقاء ذات حرف المد على ما فيها من غير زيادة، وذلك هو القصر المحض : وهي لأبي جعفر وابن كثير .....واختلف عن قالون و...وعن حفص من طريق عمرو بن الصباح ....
            قال:
            " " وأما حفص فقطع له بالقصر : أبو عليّ البغدادي من طريق زرعان عن عمرو عنه"اهـ (2/1029-1038)اهـ
            فالإمام ابن الجزري ؛ أخذ من " فحوى الخطاب" من كلام المالكي القصر المحض لزرعان؛ فإذا كان الوليُّ له " التمكين " وهو عند المالكي وابن الجزري، مرتبة فوق القصر؛ فهذا مفهومه أن لزرعان عدمَ التمكين، وهو القصرُ المحض، وهذا فهمٌ صحيح، وهو بمثابة أن المالكي ذكره له .والله أعلم .
            ثانياً : وأما ما يتعلق بكلام ابن فارس ؛ فهو نفس الجواب عن كلام المالكي .
            لكن هنا تنبيه مهم وهو :
            وجدتُ الدكتور أيمن حفظه الله، هنا نقل كلام ابن فارس ، ووقف به دون أن يكمله، فالنص الذي نقله وهو " لا يمدون حرفاً لحرف " نصّ صريح في القصر المحض؛ لكن هذا كلامٌ مبتور، ولو أكمله الدكتور لعرفنا أن مذهب ابن فارس عند الولي؛ هو نفسه مذهب المالكي، وهو " فوق القصر"، وتتمة كلام ابن فارس :" لا يمدون حرفاً لحرف...بل يمكنون ":
            فحذف هذه العبارة ، وهي " بل يمكنون " هو عندي عدم أمانة في النقل، وتحريف للنصوص لتؤدي غير مراد أصحابها، والله أعلم .
            أ.د. السالم الجكني
            أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

            تعليق


            • #7
              المسألة ( 7 ) : المد المتصل بين العراقي والهذلي وابن الجزري وأيمن والعبد الضعيف :
              قال ابن الجزري :
              " فأما المتصل فاتفق أئمة الأداء من أهل العراق إلا القليل منهم.... على مدّه قدراً واحداً، مشبعاً........ حتى بالغ أبو القاسم الهذليّ في تقرير ذلك رادّاً على أبي نصر العراقي حيث ذكر تفاوت المراتب في مدّه، فقال ما نصّه: «وقد ذكر العراقيّ، أن الاختلاف في مدّ كلمة واحدة، كالاختلاف في مدّ كلمتين، قال: «ولم أسمع هذا لغيره ... فلم أجد أحداً يجعل مدّ الكلمة الواحدة كمدّ الكلمتين، إلا العراقيّ، بل فصلوا بينهما ... ولـمّا وقف أبو شامة على كلام الهذليّ --، ظنّ أنه يعني أن في المتصل قصراً، فقال في «شرحه»: ومنهم من أجرى فيه الخلاف المذكور في كلمتين، ثمّ نقل ذلك عن حكاية الهذلي، عن العراقيّ، وهذا شيء لم يقصده الهذلي، ولا ذكره العراقي ، وإنما ذكر العراقيُّ التفاوتَ في مدّه فقط." اهـ بنصه( 2/1004-1006)
              علّق الدكتور أيمن سويد على هذه المسألة، بعد نقله كلام العراقي من كتابه البشارة :
              " فظاهر من النص السابق – يقصد نص الإشارة – أن العراقي يتكلم عن مجموعة من القراء يقرؤون" بما أنزل " وما كان مثله بالمد ، وأنهم يسوون بين المنفصل والمتصل في مقدار المد وأنهم يتفاضلون فيما بينهم على قدر مذاهبهم، فهو لم يتكلم عن من يقصر المنفصل، ولا ذكر أن القاصرين يسوون بين المنفصل والمتصل، وكلامه لا اعتراض عليه، فقول الهذلي: " وقد ذكر العراقي...كلمتين" غير دقيق، واضحٌ أنه قد فهم منه جواز قصر المتصل، لذلك قال :" لم أسمع هذا لغيره"
              ثم قال – الدكتور أيمن حفظه الله - :
              " ولو كان قصد الهذلي من انتقاده لكلام العراقي أنه ذكر التفاوت في مراتب المتصل كما ادعاه إمامنا الجزري فما الذي جعله يخصه بالذكر دون غيره من عشرات المصنفين في القراءات الذين نصوا على التفاوت في المتصل؟ اهـ ( 2/1005-1006).
              قلت :
              كل هذا الكلام الطويل مبني على عبارة الإمام العراقي :
              " يمدون على قدر مذاهبهم، ولا يفرقون في المدين بين الكلمة الواحدة والكلمتين" اهـ
              1. الهذلي فهم أن الاختلاف في المد المتصل مثل الاختلاف في المنفصل.
              2. أبو شامة فهم من كلام الهذلي أن المد المتصل يجوز قصره.
              3. ابن الجزري رحمه ردّ على أبي شامة أن فهمه جواز القصر في المتصل ليس هو مراد الهذلي، وأن العراقي لم يذكره، وإنما ذكر – العراقيُّ – التفاوت في المد فقط.

              فابن الجزري لم يفهم من كلام العراقي أن في المد المتصل قصراً أصلاً، بل صرّح أن كلام العراقي هو في تفاوت المد؛ ومعلوم أن تفاوت المد المتصل يبدأ من التوسط إلى الإشباع مع ما بينهما ، والله أعلم.
              لكن الدكتور أيمن سويد حفظه الله؛ لم يرَ أن فهم ابن الجزري لقصد انتقاد الهذلي للعراقي هو بسبب ذكره التفاوت في المتصل، صحيحاً، بل هو ادعاء منه ، وذلك قوله حفظه الله :
              " ولو كان قصد الهذلي من انتقاده لكلام العراقي أنه ذكر التفاوت في مراتب القصر كما ادعاه إمامنا الجزري.."اهـ بنصه.
              فيجاب عن هذا :
              واضح من النص في كتاب النشر؛ أن ابن الجزري لما نفى فهمَ أبي شامة جواز القصر، وأنه غير مراد الهذلي، كان مصيباً، والحق معه، لأن الهذلي جاء بكلام العراقي للرد على بطلانه لا على تقريره، فأبو شامة فهم أن الهذلي يقرر القصر في المد المتصل كما المنفصل، فلهذا قال له ابن الجزري : الهذلي لا يقصد هذا؛ بدليل أن العراقي لم يذكره.
              ما هو قصد الهذلي إذن من انتقاده لكلام العراقي؟ ففضيلته لم يوضح لنا ذلك .
              وما الفرق بين كلام الإمام ابن الجزري ، وبين عبارة فضيلته :" فقول الهذلي: " وقد ذكر العراقي...كلمتين" غير دقيق، واضحٌ أنه قد فهم منه جواز قصر المتصل؟
              ألم يتفق فضيلته مع ابن الجزري في كون الهذلي قصد انتقاد العراقي بسبب ذكره للمتصل تفاوتاً؟
              فالدكتور نقل نص كلام العراقي ووضح المراد منه، لكنه لم ينفِ أن الهذلي فهم منه التفاوت، بل أثبته بكل صراحة وهو قوله :" واضح منه..." ولم يعقب على هذا " الواضح " بشيء مما يدل على أن فهمه له هو نفس فهم ابن الجزري الذي وصفه فضيلته أو أخبر عنه بأنه " ادعاء " !
              هذا ما فهمته من عبارة الدكتور حفظه الله، واعذروني إن كان فهمي لكلامه غير صحيح.
              رأيي الخاص في المسألة :
              هذا من المواضع الدقيقة في النشر، فبالرجوع إلى كلام العراقي لا نجد فيه " صراحة " تجويزه لقصر المتصل، كما قال عنه الهذلي .
              وعندي رأي خاص لم أجد من اهتم بالنشر ذكره أو عرّج عليه، وهو رأي بنيته على أساس علمي صحيح، كنتُ كتبتُه نعليقاً على هذا الموضع قبل ( 21) سنة، أعرضه هنا على القراء الكرام، فإن كان صواباً فالحمد لله، وإن كان غير ذلك فلا حرمني الله أجر القول فيه.
              قلت قديماً عند قول ابن الجزري:
              " حتى بالغ أبو القاسم الهذليّ في تقرير ذلك رادّاً على أبي نصر العراقي" اهـ
              قلت:
              " كذا ذكر المؤلّف هنا، وفي «غايته» ردَّ الهذلي على العراقي، وحكايته عن نفسِه -المؤلف- أنه لم يجد ما ذكر عن العراقي، إذ قال في ترجمة العراقي: «... وهو الذي حكى عنه الهذلي؛ أن الاختلاف في مدّ المتصل كالاختلاف في المنفصل، وأنكر ذلك عليه….قال: وأخذ أبو شامة ذلك بالتسليم فحكى فيه الخلاف وقلده غيره وتوسط الناس في ذلك، حتى وقفت أنا على كلام العراقيّ في المدّ، فلم أجده حكى سوى اختلاف المراتب ولم يحك القصر ألبتة، وهذا؛ فهو بالنسبة للعراقيين غريب؛ لأنهم قاطبة لم يرووا في المتصل سوى المدّ مرتبة واحدة، كالمدّ اللازم عندنا، فليعلم ذلك، فهو موضح» بنصه.
              أقول:
              إن صح أن المراد بالعراقي هو منصور بن أحمد، فيحتمل أنه ذكر ذلك في كتابه الآخر «علل القراءات» فهو مظنة لذلك، والله أعلم.
              ويحتمل عند البحث أن الهذلي يقصد الردّ على شيخه أبي عليّ المالكي صاحب «الروضة»، لا شيخه
              أبي نصر، لوجوه:
              أ- إن الهذلي قال: (العراقي) فقط، ولم يذكر اسماً أو كنية، وقد تكرّر هذا معه في «الكامل» كثيراً.
              ب- إن أبا عليّ، صرح بالاختلاف أو الخلاف في ‹المتصل› فقال: وقد ذهب غير أصحابنا في هذا النوع -المتصل- أنه مختلف في مدّه وقصره. اﻫ
              ج- أن العراقي -كما صرح المؤلّف- لم يذكر سوى الاختلاف في المراتب، ويبعد -حسب رأي البحث- أن تخون دلائلُ ألفاظه فَهْم الهذلي، وهو المطّلع الممارس للكتب والعلماء، حتى قال عنه ابن ماكولا: كان يدرس علم النحو، ويفهم الكلام. اﻫ
              د- أن وصف الهذلي لصاحب هذا القول ﺑ : العراقي، ربما يكون من باب التدليس احتراماً لشيخه، فهو بغدادي، ونهاية الأمر، عراقي.
              ﻫ - نسب الصفراوي ترك زيادة المدّ المتصل وأنه يعامل كالمنفصل إلى ‹المالكي› في «روضته».
              قال الصفراوي :
              " روى المالكي ترك زيادة المد في الكلمة الواحدة إذا كان فيها حرف مد ولين، وكان بعد الحرف همزة، ويسمى ذلك المد المتصل نحو: شاء – السماء- النسيئ- جاؤوا، وشبه ذلك، فيكون المد على هذه الرواية مداً لا يتوصل إلى النطق إلا به من غير زيادة عليه، وهي رواية شاذة بخلاف رواية الجماعة، وقد نبه المالكي على شذوذها في الروضة...قال المالكي: والذي أعول عليه تمكين المد في هذا الباب" اهـ بنصه من كتاب: التقريب والبيان للصفراوي.
              و- قال ابن الجندي : " وفي الروضة : الاختلاف في المتصل كهو في المنفصل، وليس بمرضي، وكل من نقله ضعفه" اهـ ( البستان: 1/ 212)
              ز- لو فسرت كلمة (أسمع) على الحقيقة، لا المجاز، فإنها لا تنطبق إلا على المالكي، أما العراقي فلا. والله أعلم. انظر: غاية النهاية: 2/311-312، الروضة للمالكي: 1/335، التقريب والبيان: 1/72.
              هذا الذي عندي في هذه المسألة، وألخص الكلام فيها كالتالي:
              1. الإمام الهذلي نقل عن " العراقي " – ولم يصرح باسمه - أنه ذكر تفاوتاً في المد المتصل.
              2. أبو شامة فهم منه جواز قصر المتصل.
              3. الإمام العراقي لم يصرح بذلك في كتابه الإشارة.
              4. ابن الجزري قال إن الهذلي لا يقصد ما فهمه منه أبو شامة.
              5. الدكتور أيمن حفظه الله اتهم أن ابن الجزري في قوله إن الهذلي لم يقصد في نقده العراقي أنه بسبب ذكره لتفاوت المتصل.
              6. الدكتور أيمن نفسه استوضح من كلام الهذلي نفس ما قاله ابن الجزري، إلا أن الدكتور زاد عبارة:" قول الهذلي غير دقيق" !
              7. العبد الضعيف الجكني يرى أن المقصود من " العراقي " في كلام الهذلي هو الإمام أبو علي المالكي صاحب الروضة وشيخ الهذلي، فهو الذي ذكر تفاوتاُ في المتصل.
              8. الهذلي دلّس اسم شيخه المالكي ، وعبّر عنه بالعراقي احتراماً وتبجيلاً لشيخه.
              9. إن كان العراقي المذكور هو أبو نصر فربما يكون ذكر ذلك في كتابه الآخر" علل القراءات" أما في كتابه البشارة" فلم يقف عليه أحد فيه ، والله أعلم.

              والله من وراء القصد.
              السالم الجكني
              المدينة المنورة
              يوم الإثنين: 23/12/1439هـ
              أ.د. السالم الجكني
              أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

              تعليق


              • #8
                مسألة ( 8) : القصر لابن كثير وحده من غاية الاختصار:
                قال الإمام ابن الجزري :
                " وفي غاية أبي العلاء: لأبي جعفر ونافع وأبي عمرو ويعقوب، والحلواني عن هشام، والولي عن حفص" اهـ ( 2/1042)
                علق الدكتور أيمن سويد حفظه الله بقوله:
                " عبارة أبي العلاء :" فقرأ بتمكين ذلك من غير مد: حجازي و.....وأقصرهم مداً مكي"اهـ أقول – أيمن - : قوله : " وأقصرهم مداً مكي" : يناقض قوله:" فقرأ بتمكين ذلك من غير مد" ؛ إذ لا مرتبة دون القصر، ولعل المصنف – أبو العلاء- أخذ ذلك ممن ذكر مرتبةً دون القصر لابن كثير كأبي علي الأهوازي، وسماها البتر...الخ"اهـ بنصه.
                قلتُ :
                ومن قال إنه يعني مرتبةً دون القصر حتى يُعلّق عليه بهذا؟!
                ولماذا لا يكون مقصده – وهو الحق – أن التمكين عنده – كما مرّ وكما سيأتي - هو مرتبة فوق القصر؟!!
                ثم واصل الدكتور أيمن كلامه قائلاً:
                " فبسبب هذه العبارة أثبت الجزريُّ من غاية الاختصار القصرَ لابن كثير ، وأثبت لبقية المذكورين "فويق القصر"، وهذا مناقض لما في بقية الكتب".
                ثم ختم التعليق بقوله:
                " وعليه: فيعامل نصُّ أبي العلاء في المد وكأنه خالٍ من عبارة :" وأقصرهم مداً: مكيٌّ" ويُعطى المذكورون مرتبةَ القصر كما صنع أبو العز في كتابيه، والله أعلم .( 2/1024حاشية (2) -1025).
                وأقول:
                هذا التعليق الطويل، كله خلط، وغير دقيق، حتى رأيه الذي ارتآه وهو " أن يعامل نصُّ أبي العلاء كعدم وجود الكلمة المذكورة" !! وإن شئت فقل هو اجتهاد في غير محله !
                وقبل أن نردّ على كلامه أقول :
                إنّ السبب في كل هذا هو أن مصطلح " التمكين " عند الدكتور هو :" القصر المحض "! وكأنه - حفظه الله - غيرُ مقتنع بأن ابن الجزري، وأبا العلاء هنا يريان أ ن " التمكين " هو مرتبة فوق القصر المحض مباشرة.
                ولو أن الدكتور سلّم لابن الجزري رأيه لما وجدنا هذه التعليقات المتكررة الخاطئة سواء في تخطئته لابن الجزري أو غيره من العلماء كالمالكي والهذلي وأبي العلاء وغيرهما، ولما ارتأى أن يطمس روايةً لأبي العلاء، حسب رأيه واجتهاده؟
                أما نقد تعليقاته المذكورة، فأقول :
                أولاً : قال الدكتور أيمن سويد حفظه الله :
                " أقول: قوله :" وأقصرهم مكي: يناقض قوله: فقرأ بتمكين ذلك من غير مد" اهـ
                أقول:
                حاشا للإمام أبي العلاء من أن يتناقض قولُه في مسألة هي من بديهيات هذا العلم عنده؛ بل عبارته صحيحة سليمة، والتناقض المُدّعى إنما هو تناقضُ من ادعاه عليه، وذلك بالسبب الذي ذكرته قبل قليل.
                ثم: ما علاقة هذه الزيادة التي جاء بها الدكتور وهي :" وأقصرهم مداً مكيٌّ" بكلام ابن الجزري؟!
                فابن الجزري لم يذكر هذه العبارة ضمن النص الذي نقله عن غاية أبي العلاء، فإدخاله هو تفقه، أو قل " تورّك " على ابن الجزري وتعدٍّ على نصه الذي يريده ،ومع هذا فقد يجيب عنه أحدهم بقوله :
                العلاقة هي أن ابن الجزري سكت عن ذكر ابنَ كثير؛ لأنه يرى له القصر المحض من طريق أبي العلاء، وهو الذي عناه الدكتور؟
                فيجاب عن هذا الجواب :
                بأن هذا هو مراد أبي العلاء نفسه؛ فلهذا أخرج مرتبة مدّه عنهم بقوله" وأقصرهم مداً مكيّ "؛ فابن الجزري وأبو العلاء متفقان بخصوص ابن كثير؛ والردُّ على أحدهما ردّ على الآخر، فالدكتور هنا كأنه يقول لأبي العلاء : إخراجُك لابن كثير عنهم وجعلُك له مرتبة أقصر من مرتبتهم قولٌ خطأ غير صحيح !!
                أما قوله : " تناقضٌ ..."
                فأقول :
                لا تناقض ألبتة، بل كلامُ الإمام أبي العلاء واضح وصحيح؛ بيّن أولاً أن المذكورين اتفقوا على الزيادة على القصر، وهذا دليلُه قولُه:" بتمكين"؛ ثم بيّن أنهم متفاوتون في هذه الزيادة، وأقصرهم فيها هو المكيّ ابنُ كثير، وهذا كلام لا غبار عليه.
                ثانياً : قول الدكتور أيمن سويد:
                " فبسبب هذه العبارة أثبت الجزري من غاية الاختصار القصر لابن كثير وأثبت لبقية المذكورين فويق القصر، وهذا مناقض لما في بقية الكتب." اهـ
                وأقول: بل هو منتهى التحقيق والتدقيق؛ فابن الجزري لم يجعل " فويق القصر " لابن كثير من الغاية؛لأن عبارة أبي العلاء صريحة في أنه لم يقرأ له بها، وأما بقية الكتب فمؤلفوها صرّحوا بها لابن كثير، فلذلك اعتمدها عنهم، وعليه : يكون القصر المحض لابن كثير من غاية الاختصار خلافاً لأبي معشر الطبري في تلخيصه.
                فما ذكره ابن الجزري ليس تناقضاً لا في غاية الاختصار ولا في بقية الكتب؛ فهو – ابن الجزري – عامَل كل نص كما هو منطوق صاحبه. والله أعلم.
                ثالثاً :قول الدكتور أيمن سويد :
                " على أن قول أبي العلاء:" فقرأ بتمكين ذلك من غير مدّ" هي عبارة شيخه أبي العز في كتابيه : الإرشادص186والكفاية ص209 وعنى بها القصر" ، وعليه: فيعامل نص أبي العلاء في المد وكأنه خال من عبارة :" وأقصرهم مداً: مكي" ويُعطى المذكورون مرتبة القصر كما صنع أبو العز في كتابيه، والله أعلم .( 2/1024حاشية (2) -1025).
                وأقول:
                لا نلوم الدكتور في عدم اقتناعه بذلك؛ لكن نلومه بتحميله الغلط والخطأ لابن الجزري في ذلك، ثم طلبه معاملة ابن كثير كغيره ممن نص عليهم الإمام أبو العلاء! فإذا كان أبو العلاء نفسه نص على أن ابن كثير مختلف في مده عنهم؛ أيحق لأحد؛ ابنُ الجزري فضلاً عن غيره أن يلغي رواية أبي العلاء ويطالب بأن يعامل الجميع سواسية! أي تعدّ على نصوص العلماء ومروياتهم؟!!، وأي اجتهاد في نصوص العلماء الواضحة وتحريف مرادهم ؟!
                وهذه العبارة ، بل هذا الرأي والاجتهاد خطير جداً جداً، بل، تلاعب في أسانيد ابن الجزري ، وكثير وقع مثله من الدكتور حفظه الله في غير ما سند، وبيان خطأ هذا الاجتهاد هو :
                الدكتور – حفظه الله – يريد أن يربط ما رواه أبو العلاء بما رواه شيخه أبو العز ، وهذا مع كونه لا يصح لاختلاف العبارتين بين الكتابين؛ فإنه لا يصح لسبب آخر هو أهم من ذلك وهو :
                ان أسانيد ابن الجزري التي قرأ بها القرآن ضمن كتاب الغاية ، ليست هي أسانيده التي قرأ بها القرآن ضمن كتب أبي العز، فكيف بعد هذا أن نقول: يجب معاملة كذا على كذا" !!؟
                فكيف نقرأ بشيء خارج عن أسانيد ابن الجزري، ونطالب بأن نجعله في النشر؟!
                أما عبارة أبي العز فهي دالة على " فوق القصر" خلافاً لما قاله الدكتور عنه، وقد سبق في مسائل سابقة بيان ذلك بالتفصيل.
                رابعاً : قول الدكتور أيمن سويد :
                " يعطى المذكورون مرتبة القصر كما صنع أبو العز"!
                كلام خطير جداً،مؤداه أن نجعل كل المذكورين على وتيرة واحدة، وهذا فيه نسف لرواية أبي العلاء؛ ولو سلّمنا – ولا نسلّم – أن أبا العز عنى بقوله:" بتمكين ذلك من غير مد" القصر المحض فكيف نحمله على عبارة أبي العلاء الذي استثنى من هذا التمكين من غير مدٍ ابنَ كثير؛ فنص على أنه أقصرهم مداً !؟
                فهل يكون أبو العلاء روى عن ابن كثير القصر الذي هو " البتر" ؟ لأن عبارته على فهم الدكتور ستكون هكذا :
                قرأ بتمكين ذلك من غير مد ( وهو القصر المحض على فهم الدكتور) حجازي ...، وأقصرهم ( يعني وأقل منهم في القصر ) ابن كثير؟!
                وهذا الفهم، قائلهُ غفل أو سها، عن دقة عبارة الإمام أبي العلاء وهي :" أقصرهم" التي هي لوحدها دالة على اختلاف المرتبتين؛ أعني مرتبة ابن كثير ومرتبة الباقين في نص أبي العلاء؛ فهي صيغة " أفعل التفضيل" وكل مبتدئ في اللغة العربية يعرف ذلك، والعجب أن الدكتور أيمن حفظه الله؛ وهو أصالة متخصص في اللغة العربية ، وشهاداته الماجستير والدكتوراه هي تحت هذا التخصص – حسب علمي – ولكن إذا كان الرد فقط لمجرد الرد ربما غابت بدهيات اللغة عن المتخصص فيها، والله المستعان.
                ومع ذلك فهو بين حالتين إمّا :
                1. أن يثبت التساوي في المدّ بين ابن كثير وبين المذكورين؛ وهذا لا تساعده لغة العرب التي كتب بها أبو العلاء نصّه !
                2. وإمّا أن يثبت الخلاف في المد بينهم؛ إما بين القصر المعروف وهو حركتان؛ فيكون مدّ ابن كثير أقصر من حركتين؛ وهذا لم يروه أحد عن ابن كثير رواية ، وإما أن يثبت لهم القصر فوق الحركتين، ويكون ابن كثير أقصرهم فيرجع إلى الحركتين، وهذا هو مراد أبي العلاء ، ولا يصح غيره، وإلا فعلى الدكتور حفظه الله أن يأتينا بقسمة أخرى، والله أعلم .

                وأمّا ربط " أقصرهم مداً " بالنبر، فهذا لم يقله أبو العلاء في كتابه ولا أشار إليه حتى يكون ملزوماً به، والله أعلم .
                بل هناك من أئمة العراق من روى نفس الذي رواه أبو العلاء من أن القصر عند ابن كثير هو أقصر من مد غيره، قال سبط الخياط :
                " ابن كثير وابن محيصن يمكنان هذه الحروف تمكيناً يسيراً سهلاً، وقال المحققون بل يقصرانها قصراً محضاً"اهـ فهنا أثبت القصر المحض عند المحققين له وحده ولم يذكر معه أحداً من العشرة، ثم قال:
                " وكان نافع إلا أبا سليمان وأبا مروان جميعاً عن قالون وهشام وحفص ..ويعقوب يمدونها مداً متوسطاً فينفسون مدها تنفيساً على قراءة ابن كثير" اهـ
                وانظر إلى قوله السابق عن ابن كثير : " قصراً محضاً" وقوله هنا عن الباقين من أصحاب القصر : " يمدونها مداً متوسطاً فينفسون مدها تنفيساً على قراءة ابن كثير " ! أليس هذا كله هو عبارة أبي العلاء : " :" ونافع وأبي عمرو ويعقوب، والحلواني عن هشام، والولي عن حفص" وقوله :" وأقصرهم مداً مكيّ " !
                فعبارة السبط دالة على أن لابن كثير " القصر المحض " عند المحققين، و عند غيرهم له " فوق القصر" كما ذكرنا سابقاً، وأن " التمكين " عنده كما عند بعض العراقيين هو مرتبة فوق القصر، وليس القصر المحض.
                وأزيد هنا نقلاً آخر على ما ذكرته سابقاً، وهو دليلٌ اطلعت عليه مؤخراً ، وهو لأحد تلاميذ تلاميذ أبي العز ؛ أعني الإمام الوزير ابن هبيرة ، فقد قال:
                " قرأ ابن كثير ( بما أنزل ) بإبانة حرف المد على مقداره فقط من غير زيادة عليه، ولا نقص منه، في هذا وما كان مثله، إذا وقعت حروف المد أطراف الكلم ولقيهن الهمز من أوائل كلم أخرى، وهذا هو القصر الصحيح.
                قال: وقرأ نافع وأبو عمرو وجعفر وهشام : بمد يسير زائد على مقدار الحرف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن ذكوان بمد في هذه الحروف؛ تام مشبع، حسن غير مفرط ولا فاحش، إلا أن أتمهم مداً وأشدهم إشباعاً وتمطياً حمزة وابن ذكوان والأعشى ، ومقاربهم حفص " اهـ
                قلت :
                فانظر إلى هذا الإمام، وهو أحد رواة أبي العز الآخذين عنه بواسطة تلميذ واحد وهو أبو المظفر ، ومعلوم أن الوزير بنى كتابه على كل أسانيد الإرشاد والكفاية؛ القصر لابن كثير، وهو الذي وصفه بقوله:" وهذا هو القصر الصحيح"!
                فهل يحق لأحد أن يقول : يجب أن نعامل نص سبط الخياط كأنه المد والتنفيس عن قراءة ابن كثير غير موجودة!؟
                والله أعلم .
                والله من راء القصد
                السالم الجكني
                المدينة المنورة
                أ.د. السالم الجكني
                أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                تعليق


                • #9
                  مسألة ( 9) : القصر لهشام من طريق ابن عبدان عنه هو طريق أدائي لابن الجزري، وبراءة أبي العز من تهمة انقلاب العبارة عليه:
                  قال الإمام ابن الجزري :
                  " وأمّا هشام :
                  فقطع له بالقصر من طريق ابن عبدان عن الحلواني: أبو العز القلانسي، وقطع له به من طريق الحلواني : ابن خيرون وابن سوار، والأهوازي، وغيرهم، وهو المشهور عند العراقيين عن الحلواني من سائر طرقه، وقطع به ابن مهران لهشام بكماله، وكذلك في الوجيز." اهـ ( 2/1036-1037)
                  قال الدكتور أيمن حفظه الله :
                  " ليس في الإرشاد لأبي العز رواية هشام، وما عزاه الجزريُّ له هو في كتابه الكفاية الكبرى( 1/209) وهو من طرق النشر، ونصه: " قرأ أهل الحجاز...وابن عبدان عن هشام ..: بتمكين حروف المد واللين من غير مدّ" اهـ ، مع العلم أن في الكفاية طريقي : ابن عبدان ، والأزرق الجمال كلاهما عن الحلواني عن هشام.
                  أقول – أيمن - :
                  انتقى الجزريُّ في النشر طريقَ الحلواني عن هشام من الطريقين المذكورتين، وبرجوعي إلى الكتب التي حوتهما – سواء التي انتقى الجزريُّ منها الطرق النشرية أو غيرها – تبين لي إجماعها على ذكر التوسط في المنفصل لابن عبدان، والقصر للأزرق الجمال، ومن الأمثلة على ذلك قول الخزاعي ( ت408هـ ): " أهل الحجاز....وهشام طريق الحلواني إلا ابن عبدان ... : يتركون مد حرف لحرف، ويمكنون تمكيناً، كقوله: ( بما أنزل) ) اهـ ( المنتهى: 1/188) ونقل الهذلي ذلك في الكامل، وعليه : : فالظاهر أن العبارة قد انقلبت على أبي العز فذكر ابن عبدان مع أهل القصر بدلاً من أن يستثنيه منهم :
                  وبالتالي: فالصواب : أن يؤخذ من الكفاية الكبرى بالتوسط في المنفصل من طريق ابن عبدان، وبالقصر من طريق الأزرق الجمال، علماً بأن الأخيرة ليست من طرق النشر، والله أعلم " اهـ بنصه ( 2/1036 حاشية (2) – 1037).
                  أقول بعد طلب التوفيق من الله تعالى :
                  نقلتُ هذه الحاشية الطويلة لأبين للقراء الكرام:
                  أولاً : الدكتور حفظه الله بنى هذه التعليقات وما قبلها وما بعدها على أساس واحد، وهو أن " التمكين " يعني القصر المحض" عند جميع أهل القراءات، وقد بينّا سابقاً أن هذا الفهم ليس صواباً؛ خاصة في نصوص بعض أئمة العراق.
                  ولو أن الدكتور أيمن حفظه الله اكتفى في الموضع الأول ببيان رأيه وفهمه، ولم يتعرض لتخطئة فهم ابن الجزري في بعض نصوصه أن " التمكين " هو فوق القصر المحض أحياناً، لاكتفيتُ بذكر التعليق عليه في الموضع الأول تبعاً له، ولكنّ الدكتور – حفظه الله – أخذ على منهجه أن يعلّق في كل موضعٍ ، فعلّقتُ عليه في ذلك.
                  والكلام في هذه المسألة هو نفسه الكلام السابق؛ إلا في إضافات قليلة أضافها الدكتور، ورأيتُ أن في كلامه نقاطاً لم يوفها حقها من التوضيح والبيان، فأحببتُ هنا ان أشير إليها، وأجعلها أمام المهتمين بالنشر و " منهجية " مؤلفه فيه، فأقول ، والله الموفق :
                  الدكتور أيمن سويد، حفظه الله، غفل هنا عن عبارة مهمة لابن الجزري ، وهي :
                  " قطع له بالقصر أبو العز القلانسي" :
                  فابن الجزري نسب القصر هنا لأبي العز ، ولم ينسبه لأي كتاب من كتبه، وبالتالي فعزوه للكفاية الكبرى: اجتهاد من الدكتور، لا يلزم ابن الجزري!
                  ولو غيرُ الدكتور قال ذلك لقُبل منه، أمّا هو – حفظه الله – وأمثاله ممن يعتني بالنشر ويعيش معه - فالظنّ به، كما قال هو عن نفسه في مقدمة تحقيقه :" بقيتُ في العمل به – النشر – نيّفاً وعشرين سنة " اهـ، والظنّ بمن مكث هذه السنوات الطوال في العكوف على كتابٍ مّا، أن يكون قد انتبه لبعض " خفايا " منهجية مؤلفه، خاصة وأنها كثيرة، تستدعي التوقف عندها ، ودراستها، وهل هي من باب السهو والغفلة عند المؤلف، أم من باب آخر، إلى غير ذلك من الأمور التي يعرفها كل دارس لكتب التراث!
                  لكن : لَمّا لم يهتم الدكتور حفظه الله، بهذه الجزئية، أتت بعض تعليقاته عليها ناقصة، بل خاطئة كما هنا ، وبيان ذلك :
                  الإمام ابن الجزري له في كتابه " النشر "" منهجيةٌ بالاستقراء ينتبه لها من يقرأ النشر قراءة تمعن ومدارسة، لا قراءة تصفح ومطالعة؛ وهي أنّه :
                  1. ينسب المعلومة إلى الكتاب ومؤلفه؛ فيقول مثلاً : أبو العز في إرشاده، أبو الكرم في المصباح، الهذلي في الكامل....الخ.
                  2. ينسب المعلومة إلى المؤلف فقط، كما هنا : أبو العز القلانسي، ابن خيرون، الأهوازي، ابن مهران....الخ
                  3. ينسب المعلومة إلى الكتاب فقط، فيقول: وهو في التيسير، والهداية، والإرشاد، والكفاية ...الخ

                  فهذه الأمور الثلاثة يجب على من يتعامل مع النشر أن يكون على بالٍ منها، وإلا فإنه سيحمّل ابن الجزري ما لا يقصده، أو أنه سيقلب المعلومات رأساً على عقب، وللأسف هو ما حدث هنا مع الدكتور أيمن حفظه الله، فحمّل ابن الجزري ما لا يقصده، وحرّف مراد ابن الجزري ، ولو أردنا شرح هذه الأمور الثلاثة على مسألتنا هذه فنقول:
                  الإمام ابن الجزري نسب القصر لابن عَبدان عن " أبي العز القلانسي" ، وهذا يحتمل أربعة أوجه لا خامس لها:
                  1. إما أن القصر في الإرشاد فقط.
                  2. إما أنه في الكفاية الكبرى فقط.
                  3. إما أنه في الاثنين معاً.
                  4. إما أنه لا في أحدهما.

                  أما الأول، وهو " الإرشاد " فقد بيّن الدكتور نفسه أن رواية هشام ليست في الإرشاد أصلاً، وهو كذلك.
                  وأما الثاني، وهو " الكفاية " فبيّن الدكتور – حسب رأيه - أنه فيه.
                  وأما الثالث، وهو " الكتابين معاً" فقطعاً ليس في الأول باتفاق، وهو في الثاني عند الدكتور.
                  وأما الرابع، وهو عدم وجوده – القصر - في الكتابين؛ فهو الصواب عندي :
                  أي أن القصر الذي نسبه الإمام ابن الجزري لابن عبدان عن هشام من طريق أبي العز ليس في الإرشاد ولا في الكفاية، بل هو عند أبي العز من خارج كتابيه المذكورين، وهل هو في الإرشاد الكبير؟ الله أعلم .
                  وسأبدأ أولاً ببيان عدم صحة ما ذهب إليه الدكتور من أن هذا القصر لهشام هو في الكفاية الكبرى، ثم أبيّن ما أراه صواباً إن شاء الله:
                  نقل الدكتور نصَّ كلام الكفاية الكبرى، وفهم منه أن أبا العز يقصد به القصر لابن عبدان عن هشام!
                  وهذا غير صحيح:
                  فعبارة أبي العز في الكفاية دالة على أن له " فوق القصر" كما ذكرنا سابقاً، وأن " التمكين " عنده كما عند بعض العراقيين هو مرتبة فوق القصر، وليس القصر المحض، وأزيد هنا دليلاً آخر على ما ذكرته سابقاً، وهو لأحد تلاميذ تلاميذ أبي العز ؛ أعني الإمام الوزير ابن هبيرة ، وقد قرأ برواية هشام من طريقي ابن عبدان ، قال:
                  " قرأ ابن كثير ( بما أنزل ) بإبانة حرف المد على مقداره فقط من غير زيادة عليه، ولا نقص منه، في هذا وما كان مثله، إذا وقعت حروف المد أطراف الكلم ولقيهن الهمز من أوائل كلم أخرى، وهذا هو القصر الصحيح.
                  قال: وقرأ نافع ...وهشام : بمد يسير زائد على مقدار الحرف"اهـ
                  قلت :
                  فانظر إلى هذا الإمام، وهو أحد رواة أبي العز الآخذين عنه بواسطة تلميذين من تلاميذ أبي العز وهما أبو المظفر والبطائحي رحمهما الله، ومعلوم أن الوزير بنى كتابه على كل أسانيد الإرشاد والكفاية؛ فقد جعل لهشام – ومنه طريق ابن عبدان - مرتبة فوق القصر الذي رواه ابن كثير، وهو الذي وصفه بقوله :" وهذا هو القصر الصحيح"!
                  قال الدكتور أيمن حفظه الله :
                  " وبرجوعي إلى الكتب التي حوتهما – طريقي ابن عبدان والجمال – سواء التي انتقى الجزري منها الطرق النشرية أو غيرها تبين لي إجماعها على ذكر التوسط في المنفصل لابن عبدان، والقصر للجمال ، ( ثم نقل كلام الخزاعي في المنتهى ).
                  قلت : كلام الدكتور مبني على فهمه أنهم يقصدون ب" التمكين" هو القصر المحض؛ وهذا أشبعنا القول فيه سابقاً كثيراً.
                  أما ضربُ الدكتور بالمثال على أن الكتب التي رجع إليها فيها الإجماع على التوسط لابن عبدان والقصر للأزرق الجمّال، بقول الخزاعي :" ..وهشام طريق الحلواني إلا ابن عبدان ..يتركون مد حرف لحرف ويمكنون تمكيناً " اهـ فالجواب عنه من طريقين:
                  الأول: التمكين عند الخزاعي بالذات هو منزلة فوق القصر ودون التوسط، كما نقلها عنه تلميذه بصريح العبارة ، وذكرتها سابقاً.
                  الثاني وهو الأهم من هذا كله:
                  أن طريق الأزرق الجمّال عن الحلواني عن هشام؛ ليست من الطرق التي انتقاها الإمام الخزاعي في كتابه " المنتهى "، وعليه فلا يصح ادّعاء الإجماع المذكور في تخطئة الإمام ابن الجزري ، فالخلاصة:
                  1. التمكين عند الخزاعي هو فوق القصر.
                  2. الأزرق الجمال ليس من طرق المنتهى.

                  وعليه :
                  فكل هؤلاء الأئمة الذين ذكرهم الإمام ابن الجزري في هذه المسألة ، وهم : أبو العز، وابن خيرون، وابن سوار، والأهوازي، وابن مهران : ليست كتبهم من الطرق النشرية في هذه الجزئية، وقد بيّن الدكتور أيمن نفسه ذلك فقال:
                  1. لم ينتق ابن الجزري من كتابي الموضح والمفتاح لابن خيرون أي طريق عن هشام.
                  2. لم ينتق الجزري من المستنير أي طريق عن الحلواني عن هشام.
                  3. رواية هشام من الوجيز – ابن عبدان – عن الحلواني ليست من طرق النشر.
                  4. لم ينتق الجزري من غاية ابن مهران أي طريق عن الحلواني. اهـ (2/1037الحواشي: 1-4)

                  قلت :
                  فظهر أن الإمام ابن الجزري لم يعتمد في هذه المسألة على طرقه التي انتقاها من كتب هؤلاء؛ بل جاء بذلك لأحد سببين:
                  1. أن يكون جاء بها لبيان اختياره القصر لابن عبدان من طرق هؤلاء المذكورين التي وصلت إليه " أداءً " لا نصّاً "، وعليه تكون طريقاً صحيحة مقروء بها ، وهذا هو الذي أميل إليه، والله أعلم.
                  2. أو أن يكون جاء بها للتبرع والفائدة؛ وهذا عندي غير سليم؛ لأن الإمام جاء به في معرض التفصيل والشرح والبيان بعد الإجمال، والله أعلم.

                  وألخص هذه المداخلة بالتالي:
                  1. القصر لابن عبدان رواه ابن الجزري عن أبي العز أداءً، وهو مما لم يذكره أبو العز في كتابيه، فلعله ذكره في كتابه الإرشاد الكبير، أو أنه مما أخذ عنه ولم يدوّن في الكتب، وهذا وقع كثير مثله.
                  2. كل الأئمة المذكورون ليسوا من طرق النشر في هذه الرواية، ويكون ابن الجزري أسند عنهم هذه الأحكام أداء ، كما سبق قبل قليل، والله أعلم .
                  3. عدم تصريح ابن الجزري للكتب، أمر مقصود عنده، ينبغي لدارس النشر أن ينتبه إليه.

                  والله أعلم .
                  تنبيه أخير :
                  قول الدكتور أيمن حفظه الله :
                  " فالصواب : أن يؤخذ من الكفاية الكبرى بالتوسط في المنفصل من طريق ابن عبدان، وبالقصر من طريق الأزرق الجمال، علماً بأن الأخيرة ليست من طرق النشر، والله أعلم " اهـ بنصه.
                  يقال فيه :
                  إذا كان طريق الأزرق الجمّال في كتاب الكفاية الكبرى؛ ليس من الطرق التي انتقاها ابن الجزري في النشر؛ فكيف يُقترح بأنه يؤخذ له بالقصر فيه!؟
                  السالم الجكني
                  المدينة المنورة
                  أ.د. السالم الجكني
                  أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                  تعليق


                  • #10
                    مسألة ( 10 ) : ابن الجزري لم يلزم أحداً بمصطلح الإشباع :
                    قال ابن الجزري :
                    " من ذهب إلى عدم تفاوت المتصل فإنه يأخذ فيه بالإشباع كأعلى مراتب المنفصل، وإلا يلزم منه تفضيل المنفصل، وذلك لا يصح، فاعلم " اهـ
                    علّق الدكتور أيمن سويد بقوله :
                    " هذا الإلزام الذي ألزم به الجزري المصنفين الذين استعملوا مصطلح الإشباع بناه على فهمه – – أنه مقدار واحد للجميع ، كما صرح به في الفقرة 1243، والمتتبع لعباراتهم يرى بوضوح أنهم لم يذكروا عبارة ( على مقدار واحد) في وصف المد المتصل إلا الهذلي، وإنما أرادوا مطلق التطويل، وإلا فما علاقة قارئ بمكة بآخر في البصرة أو الكوفة؟ هذا يقصر المنفصل، وذاك يوسطه، وثالث يطوله، وواحد وصفت قراءته بالسرعة، وآخر بالبطْ، وثالث بالتوسط، فكيف يكون مقدار المتصل هو الطول قدراً واحداً للجميع؟! ( بنصه : 2/1079 حاشية 1).
                    أقول :
                    رجعنا إلى الفقرة ( 1243) فوجدنا ابن الجزري يقول فيها :
                    " فأما المتصل فاتفق أئمة الأداء من أهل العراق إلا القليل منهم، وكثير من المغاربة على مده قدراً واحداً مشبعاً من غير إفحاش ولا خروج عن منهاج العربية." اهـ ( ثم ذكر أصحاب هذا المذهب ، ثم ختم كلامه بقوله :
                    " وذهب الآخرون مع من قدمنا ذكره آنفاً، إلى تفاضل مراتب المد فيه كتفاضلها عندهم في المنفصل" اهـ ( 2/1004-1009).
                    قلت :
                    هذه المسألة مرتبطة بمسألة سابقة، عنونتها ب " مسألة المد المتصل على قدر واحد ( 3 )، ناقشنا فيها مسألة عبارة " مقدار واحد " التي يعترض فيها الدكتور على ابن الجزري في كونها لم يذكرها أحد منهم،لكن هنا نضيف زيادة حسب زيادة الدكتور في التعليق :
                    قال الدكتور أيمن حفظه الله :
                    " هذا الإلزام الذي ألزم به الجزري المصنفين الذين استعملوا مصطلح الإشباع بناه على فهمه – – أنه مقدار واحد للجميع" اهـ
                    قلت :
                    هذا ادّعاء من الدكتور أيمن سويد على الإمام ابن الجزري ، فالإمام لم يُلزم أحداً من المصنفين بما ذكره الدكتور، فقصارى ما فعله الإمام هو أنه أشار إلى أن ( بعض ) المصنفين من العراقيين والمغاربة اتفقوا على مقدار واحد في مد المتصل، وهو الإشباع.
                    فإذا كان الأئمة المعنيون عند ابن الجزري في هذه المسألة اتفقت عباراتهم على أن جميع القراء لم يرد عنهم خلاف في مد المتصل، وقطعاً لم يقصدوا الاتفاق على توسطه؛ وإلا لدخل حمزة وورش ؛ وأصبح لهما التوسط؛ وهو مالم يقرأ به أحد في المتواتر عنهما، بل ولم يُنقل عنهما إلا في الشواذ، أفيلام الإمام ابن الجزري على أن عبّر عن هذا الاتفاق عندهم بعبارة " مقدار واحد" ؟! ، وأعيد ذكر عباراتهم هنا من باب التذكير :
                    1. ابن سوار : " فإن كان الساكن والهمزة في كلمة واحدة فلا خلاف بينهم في المد والتمكين اهـ ( المستنير: 1/509).
                    2. عبارة أبي العز : " فإن كان الساكن والهمزة في كلمة واحدة فاتفقوا على التمكين والمد اهـ ( الإرشاد : 188) .
                    3. عبارة سبط الخياط : " واتفقوا على تمكين هذه الحروف التمكين الوافي ، وأن تمد المد الشافي ... بشرط أن تصحبها همزة اهـ ( المبهج: 1/428-429).
                    4. عبارة أبي علي البغدادي : " إن كان حرف المد والهمزة في كلمة واحدة فلا خلاف بينهم في المدّ والتحقيق " اهـ ( الروضة : 1/ 334-335) .
                    5. عبارة أبي معشر: أنواع المد .... فنوع منها يمد للهمز نحو " السماء – ماء " اهـ ( التلخيص: 166) .
                    6. عبارة مكي بن أبي طالب : " ... قسم بعد حرف المد واللين فيه همزة في كلمة نحو " السماء والضراء والسراء وماء " وشبهه، فلا اختلاف في إشباع مده " اهـ ( التبصرة:266).
                    7. عبارة أبي العلاء: " وأجمع القراء على إتمام المد وإشباعه فيما كان حرف المد والهمزة بعده في كلمة واحدة نحو " ماء و دعاء و أنبياء"والشهداء" وأمثالها" اهـ ( غاية الاختصار: 1/261-261).

                    فهذه نصوص صريحة وواضحة تؤكد ما نسبه الإمام ابن الجزري إلى هؤلاء الأئمة، وتؤكد أن فهم الإمام ابن الجزري فهم صحيح دقيق، وتنفي عنه تهمة " إلزامه المصنفين بالإشباع بناء على فهمه " التي اتهمه بها الدكتور أيمن سويد!
                    قال الدكتور أيمن حفظه :
                    " والمتتبع لعباراتهم يرى بوضوح أنهم لم يذكروا عبارة ( على مقدار واحد) في وصف المد المتصل إلا الهذلي، وإنما أرادوا مطلق التطويل" اهـ بنصه
                    أقول:
                    اتضح قبل قليل أن هؤلاء المصنفين الذين عناهم الإمام ابن الجزري ، وإن كانوا لم يقولوا العبارة بحروفها، إلا أن عباراتهم لا يمكن التعبير عنها إلا بعبارة ابن الجزري، ولا مشاحة في الالفاظ إذا اتفقت المعاني، كما هو معروف عند المناطقة.
                    وأما ما يتعلق بالهذلي فقد ذكرت سابقاً في المسألة ( 3 ) أن كلام الدكتور أيمن ليس صحيحاً، والله أعلم .
                    وأما قول الدكتور أيمن :
                    " وإنما أرادوا التطويل " اهـ
                    فأقول:
                    ما هو هذا التطويل ؟
                    لا يمكن إلا القول بأنه ( 6 ) حركات؛ والدليل على أن هذا مرادهم؛ هو إدخالهم حمزة وورش، ضمن الجميع؛ ولم يقل أحد أن لهما أقل من الإشباع، وإلا لاعتبروهما ممن يوسط المتصل، وهذا لا قائل به، والله أعلم .
                    وأقول:
                    كلام ابن الجزري الذي في مسألتنا هذه هو في قضية التوازن بين " المد المنفصل" و " المد المتصل "؛ ولا علاقة له – عندي - بمسألة الاختلاف بين المصنفين في المتصل من حيث توسطه أو إشباعه، أو من حيث اختلافهم في مده؛ فتلك مسألة أخرى انتهى منها ابن الجزري، وهي التي أحال عليها الدكتور حفظه الله !
                    وأما مراد ابن الجزري – والله أعلم – فهو بيان أن القائلين بعدم وجود تفاوت في المد المتصل، وهم المذكورون قبل قليل، مرادهم الإشباع؛والذي لا يمكن أقل منه، وليس مرادهم أنهم اتفقوا على مده المد المتوسط:
                    لأن المد المنفصل أعلى مرتبة فيه هي المد ست حركات( الإشباع ) فلو جعلنا الإشباع الذي اتفق عليه القائلون بعدم التفاوت ، أقلَّ من الإشباع الموجود في المنفصل؛ لأدى هذا إلى أن يكون المد المنفصل أقوى من المد المتصل، وهذا لم يقله أحدٌ، فلم يبقَ إلا أن يكون المقدار المتفق عليه عندهم – القائلون بعدم التفاوت فيه – هو أن يكون مصاحباً للمنفصل في أعلى درجات إشباعه.
                    وعليه: فعبارة ابن الجزري : " وإلا يلزم منه " : أي عند القائلين بعدم التفاوت، لا عند الجميع كما فهم الدكتور حفظه الله .
                    وهذا فهم صحيح سليم، لا علاقة له بذكر الخلاف في مراتب المتصل.
                    وأما قول الدكتور أيمن حفظه الله :
                    " وإلا فما علاقة قارئ بمكة بآخر في البصرة أو الكوفة؟ هذا يقصر المنفصل، وذاك يوسطه، وثالث يطوله، وواحد وصفت قراءته بالسرعة، وآخر بالبطْء، وثالث بالتوسط، فكيف يكون مقدار المتصل هو الطول قدراً واحداً للجميع؟!
                    قلت :
                    هذا كلام يؤكد أن الدكتور حفظه الله لم يراجع كلام الإمام ابن الجزري ، حق المراجعة،، أو لم يدرسه دراسة تامة!
                    فمن قال إن مقدار المتصل هو الطول قدراً واحداً عند الجميع؟!!
                    هذا كلام لم يقله ابن الجزري، ولم يشر إليه، بل عبارته واضحة في أنه يعني ( بعض أئمة الأداء من العراقيين والمغاربة، ومعلوم بداهة أن كلمة ( بعض ) في المسائل العلمية لا تدل على " الجميع" لا حقيقة ولا مجازاً، إلا في باب المناظرات الجدلية، وهذا ليس منها، والله أعلم .
                    والله من وراء القصد
                    السالم الجكني المدينة المنورة عصر يوم الخميس: محرم1440هـ
                    المسألة ( 11) : ابن الجزري ليس أول من صرّح بأن مخارج الحروف سبعة عشر خلافاً للشيخين أيمن سويد وفرغلي سيد عرباوي :
                    قال الإمام ابن الجزري :
                    " أما مخارج الحروف فقد اختلفوا في عددها، فالصحيح المختار عندنا وعند من تقدمنا من المحققين كالخليل بن أحمد ومكي بن أبي طالب وأبي القاسم الهذلي وأبي الحسن شريح وغيرهم: سبعة عشر مخرجاً " اهـ ( 2/663)
                    علّق الدكتور أيمن حفظه الله بقوله:
                    " لم أجد من صرّح قبل الجزري بأن عدد مخارج الحروف سبعة عشر، وخاصة هؤلاء الذين نسب الجزري ذلك إليهم " اهـ
                    أقول :
                    هذه أمانة علمية من الدكتور حفظه الله، أن يقول" لم أجد "؛ لكنّ هذه الأمانة العلمية هي عندي قصور في البحث؛ خاصة وأن الدكتور مكث قرابة ( 30) عاماً على هذا الكتاب، وعنده من كتب القراءات ؛ خاصة مخطوطاتها،ما لم تكن عند غيره، ولو رجع إليها لسلم من هذا القصور في البحث!.
                    والتعليق على هذا التعليق سيكون من نقطتين؛ الأولى تخص الدكتور أيمن حفظه الله، والثانية أتبرع بها تعقيباً على تعليق للشيخ فرغلي حفظه الله في هذه المسألة .
                    أما الأولى الخاصة بالدكتور أيمن، فهي :
                    الأئمة : المعدّل( ت نحو500هـ)، والجعبري( ت 732هـ ) وابن الجندي( ت 769هـ ) كلهم سبقوا ابن الجزري بهذا العدد( 17) للمخارج ، وهذه نصوصهم :
                    1. الإمام المعدّل :

                    " اعلم أن لمخارج حروف المعجم سبعة عشر مخرجاً في قول سيبويه وأئمة العربية من أهل البصرة" اهـ ( الروضة : 1/439 تحقيق الدكتور خالد حسن أبو الجود ).
                    وهذا نص صريح بأن المخارج عنده سبعة عشر.
                    لكن : قد يقول قائل : إن كلام المعدّل لعل فيه سبق قلم من ( ستة عشر) إلى (سبعة عشر) بدليل أنه صرح بأنه مذهب سيبويه، والمعروف عن سيبوه أن المخارج عنده ( 16 ) لا ( 17 ) ؟
                    فأقول:
                    فكّرت في هذا الاحتمال، فتواصلت مع أخي الدكتور خالد أبو الجود حفظه الله، وجزاه عني خير الجزاء، وطلبت منه مراجعة النص على النسخ الخطية كلها، فلعل في العبارة تحريفاً أو سقطاً؛ فأفادني : بأن جميع النسخ الخطية متفقة على ما في المطبوع، وأنه لم يحدث تحريف أو تصحيف أو سقط، وأرسل لي لوحة من إحدى النسخ للتأكيد .
                    أقول:
                    كلام المعدّل كلام صحيح في عدد المخارج عنده وأنها ( 17 ) لكن ربما وقع منه سهو في ذكر سيبويه، والدليل على هذا هو بقية كلامه، حيث قال :
                    " فللحلق منها ثلاثة مخارج، وللسان أحد عشر مخرجاً، وللشفتين مخرجان، وللخياشيم مخرج واحد، " اهـ ( نفس المصدر ) ( 3+11+2+1= 17)، والله أعلم.
                    1. الإمام الجعبري :

                    " ومخارج الأصول سبعة عشر، وقال سيبويه وأشياعه ستة عشر..وقال الفراء وأتباعه أربعة عشر" اهـ
                    وقال: " والواو والياء المديتان والألف عند الخليل والمحققين من جوّ الفم خلاوؤه، وهو السابع عشر" اهـ (( كنز المعاني : 5/2571و 2583).
                    1. الإمام ابن الجندي :

                    " يحصر المخارج الحلق واللسان والشفة، ويعمها الفم، والمخارج شبعة عشر عند الخليل" اهـ( البستان : 1/149).
                    فهذه نصوص هؤلاء الأئمة مسطرة في كتبهم؛ ولا أشك لحظة في عدم وجودها في مكتبة الدكتور أيمن، إلا إذا كان – حفظه الله - اتكل على بعض تلاميذه في تخريج هذا القول وتوثيقه، فتكون العهدة عليه وعليهم!
                    الثانية: أما الشيح فرغلي سيد عرباوي:
                    فقد جاء بعبارة قوية جداً، فيها الجزم بأن هذا القول غير متداول من عصر سيبويه إلى عصر ابن الجزري ، فقال حفظه الله :
                    " من عصر سيبويه الى عصر الحافظ ابن الجزري وجميع الائمة يعتمدون في مصنفاتهم القول بأن مخارج الحروف ستة عشر مخرجاًن ويتداول اليوم في كتب التجويد الحديثة القول بأن مخارج الحروف سبعة عشر، وينسبون هذا القول للخليل، وهو ما لم يصح أو يثبت عن الخليل " ( تعليقه على شرح الخاقانية للداني: 711 حاشية 1).
                    قلت :
                    انظر أخي الكريم إلى هذا الكلام ! ولعل الشيخ فرغلي سها عن كلام الإمام الجعبري في " كنزه" فإنه هو الذي حققه، وجلّ من لا ينسى ولا يسهو.
                    والله من وراء القصد
                    السالم الجكني
                    المدينة المنورة
                    أ.د. السالم الجكني
                    أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                    تعليق


                    • #11
                      تنويه مهم جداً
                      انتهيتُ بفضل الله ، من كتابة الدفاع عن الإمام ابن الجزري ، في تخطئة الدكتور أيمن سويد، له في " تحقيقه لكتاب النشر في القراءات العشر، وكذلك انتهيت من الردود على أخطاء الدكتورأيمن نفسه في كتابه" السلاسل الذهبية بالأسانيد النشرية" الذي هو عندي أكثر خطورة وهدماً لأسانيد ابن الجزري ، وذلك لما فيها من تغييرواجتهاد في غير محله.
                      وسأدفع الكتاب للمطبعة إن شاء الله قريباً، فلذا :
                      من كان عنده ردّ على ما كتبتُه على الكتابين المذكورين، ويرى أني اخطأتُ فيه، فياليته يتحفني به هنا، وله مني الوعد والعهد أن أطبع تصحيحه وردّه عليّ بكل أمانة وبالحرف والنص دون تغيير حرف منه، مع التزامي له بأن يُكتب اسمه الذي يرسله لي، حتى لا يضيع حقه العلمي .
                      وهذا التنويه له فائدتان:
                      الأولى: أعطي فرصة لأهل القراءات المنصفين بأن يدافعوا عن الشيخين ابن الجزري ، وأيمن سويد حفظه الله، فلا شك أن الحق مع أحدهما، وأنا رأيته مع الأول منهما.
                      الثانية : أكون قد أبرأتُ ذمتي أمام الله وخلقه.
                      والله من وراء القصد.
                      السالم الجكني
                      المدينة المنورة
                      ليلة السبت: 2 شهر مولد المصطفى من عام 1440هـ
                      أ.د. السالم الجكني
                      أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                      تعليق


                      • #12
                        ولم لا تجلس مع الشيخ المحقق وتناقشه فيما رأيته من أخطاء علي حد قولك

                        وإن ثبت الحق رجع عنه المحقق فإن العلم رحب بين أهله.

                        وإن خطأ فليس أحدا معصوم منه ونتداركه

                        وفقكم الله .

                        تعليق


                        • #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة أحمد رمضان خطاب مشاهدة المشاركة
                          ولم لا تجلس مع الشيخ المحقق وتناقشه فيما رأيته من أخطاء علي حد قولك

                          وإن ثبت الحق رجع عنه المحقق فإن العلم رحب بين أهله.

                          وإن خطأ فليس أحدا معصوم منه ونتداركه

                          وفقكم الله .
                          جزاك الله كل خير أخي الكريم " أحمد رمضان خطاب" على نصيحتك .
                          وإني أسألك :
                          1- ماذا يعيب الدكتور أيمن لو عُرضت أخطاؤه على طلاب العلم، دون الرجوع إليه؟
                          2- هل من لازم الرد على العلماء أن تُرسل إليهم أخطاؤهم بعد أن نشروا كتبهم وأخطاءهم - عن غير قصد منهم - على الأمة؟
                          3- هل يرى فضيلتكم الموافقة أو السكوت على قول أحد محبي الدكتور كلاماً في تقريظ صنيعه وتحقيقه للنشر، معناه: "أن من يعترض على تحقيق الدكتور أيمن في النشرفإنما هو رجل مطموس القلب والبصيرة، وحقود وحسود"!! أترى بعد هذه العبارة أن يكون الرد على الدكتور سراً وفي الخفاء!! أما غيرك فلا يرى ذلك.
                          4- أما عبارتك " على حد قولك" : فهذه الردود بعد أن قمتُ بنشرها لم تعد على " حد قولي"، وإنما أصبحتَ أنت وأمثالك من طلاب العلم مشاركين لي فيها، وذلك لأنكم أحد اثنين:
                          1- إما أنكم توافقونني فيها ، فحينئذ أصبحتْ على " حد قولكم " أيضاً.
                          2- وإما أنكم تخالفونني فيها، فواجب شرعاً عليكم بيان أخطائي فيها والرد عليّ، وإلا فأنتم مشاركون في إثم من سكت عن بيان الحق والصواب في علم من علوم القرآن.
                          تتميم :
                          هذه المسألة ، أعني إرسال الردود إلى الشيوخ سراً أو على الخاص " هي عندي " خيانة للعلم وطلابه، وبحثي هذا أكّد لي ذلك، وذلك أنني كتبتُ عدّة مقالات - في هذا الملتقى وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي - في الرد على بعض الباحثين من أهل القراءات في مؤلفاتهم، فما كتبتُ مقالاً إلا وتأتيني عبارة التشجيع والطلب على مواصلة النقد، إلا مع الدكتور أيمن سويد حفظه الله، فكان المشايخ على قسمين:
                          1- قسم سكت، ولزم الصمت، حتى ممن كان يعجبه تنقيح كتب القراءات من أوهام طلبة العلم.
                          2- قسم تكلم معي شخصياً، فمنهم بكل وقاحة قال لي: " الدكتور أيمن سويد رجل مشهور وله جماهيره وبرامجه ، ولا ينبغي لك نقده على الملأ ، بل راسله على الخاص !! ومنهم من طلب مني قطع علاقتي معه بسبب رفضي لطلبه هذا ! ومنهم من راسلني وطلب بكل صدق أن لا أعترض على الدكتور حتى لا يظهر أهل القرآن أمام أعداء الإسلام بمظهر المختلفين، وبهذا نسيئ للإسلام وأهل القرآن!!
                          فقلت له: سبحان الله! أتخاف على سمعة الإسلام وأهل القرآن بمجرد بيان أخطاء الدكتور أيمن واتهامه لابن الجزري وتعديه عليه بألفاظ لا أنتَ ولا الدكتور أيمن تقبلانها إذا قيلت في حقكما! فأين كنت يا أستاذي من اعتراضي على كثيرين قبل الدكتور ؟ أم أن الحق فقط هو ما قاله فلان الذي نحبه ؟!
                          أقول هذا الكلام وكلي أسف على هؤلاء الشيوخ الذين ذهبوا هذا المذهب الدنيئ، الذي قدّموا فيه حب الشيوخ ومجاملاتهم على إظهار الحق ، والدفاع عن أئمة القراءات الكبار كابن الجزري والهذلي ، وغيره.
                          وأخيراً أخي الكريم أحمد خطاب:
                          هذه الردود أمامكم، وعليكم بيان ما فيها من خطأ أو سهو أو غفلة، أمّا إن سكتم فأنتم مشاركون في الإثم وخيانة العلم وأهله، والدكتور أيمن بريئ من هذا لأنه ما كتب حرفاً إلا وهو يعتقد أمام الله أنه صواب، فلا عهدة عليه فيما أخطأ فيه، ولكن من سكت عن أخطائه بعد أن تبين له الحق فهو كمن يبيع دنياه بآخرته من أجل شخص آخر، وهذا أبرئ نفسي وجميع أهل القرآن منه، ولله الحمد.
                          والله من وراء القصد.
                          السالم الجكني
                          المدينة المنورة
                          صباح يوم الإثنين ربيع الأول1440هـ
                          أ.د. السالم الجكني
                          أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                          تعليق


                          • #14
                            جزاك الله خيرا أستاذنا الدكتور

                            بداية ما كنت أدرى أن الامر توسع بهذا الشكل وتسبب في تمجيد المشايخ والاشخاص مهما بلع بهم العلم والمقام .
                            والنقد العلمي مطلوب مع الانصاف وحفظ المقامات ولا أحد معصوم من الذلل وهذا النقد لا يقلل من شأن مقام الشيخ بل يفرحه ويفرح طلابه ويسعدوا به
                            فقد نهانا صلي الله عليه وسلم عن الغلو وتعظيم شأن الآخرين ويكن تعصبنا فقط للكتاب والسنة .
                            ولو نظرنا في كتب المتقدمين فهناك من خالف وتم الرد عليه وما نقص مقدار أيما منهما وتقبل الخصمان فهذا درب المتقدمين .
                            فرد النصوص لصاحب المتن أو النص يعد من لا يقبل وهو تحريف لنص الكتاب او المتن ومع الايام سوف ينسب إلي صاحبه
                            ورد النص تحت مسمي شيخي او مقرئي أو غيره أو الاصل والصواب بدون الرجوع الي نص او نسخ الكتاب فهذا من خيانة الامانة والتقول علي صاحب الكتاب بدون وجه حق وان كان هذا او ذاك ليسوا معصومين من الخطأ أو الذلل والفصل في هذا النسخ فربما هنا سقط او تصحيف او تحريف وهناك أخرى تقيم ما سقط او صحف والله المستعان .
                            أما المتبعين أو المحبين والتعصب له أو غيره فهذا من الجهل أفحكم الجاهلية يبغون.
                            أما من يقول هذا من تشوية صور الاشخاص او الاسلام فهناك فرق بين الانتصار لهوي عن جهل وبين الانتصار لحق واتِّبَاعه .
                            ولولا النقد ما خرج من بطون التراث دس المستشرقين واتباعهم
                            وفقكم الله واعتذر لعدم احاطتي بكامل الموضوع وجزاكم الله خيرا
                            هذا والله الموفق والمستعان

                            تعليق


                            • #15
                              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                              بما أن هذا الموضوع هو في الدفاع عن إمام الأئمة شمس القرآء أبي الخير محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري فأقول
                              قد استوقفتني عبارة المحقق أبي إبراهيم عمرو بن إبراهيم محقق الكامل فقال في الصفحة (229-230/ج1) في ترجمة "إسماعيل بن رجاء" فقال "وقال ابن الجزري في ترجمة رجاء روى القراءة عن أبيه والعباس بن الفضل بن شاذان روى القراءة عنه علي بن أحمد بن عبد الله بن حميد ومحمد بن عبد الله الرملي غاية النهاية (764) وقد وهم في عزو قراءة بن حميد عليه إلى الكامل وأحسب أن الواو سقطت في نسخته بين ابن رجاء وابن أحمد فظن أن ابن حميد قرأ على بن رجاء ولأن المصنف قد صدر الطريق بقوله طريق بن رجاء لكنه كثيرا ما يصنع نحوه فيصدر الإسناد بطريق ويعطف عليه غيره كما سيأتي والصواب أن المبيض قد قرأ عليهما معا وأما قوله بقراءته على العباس بن الفضل فوهم كذلك وإنما أراد الهذلي قراءتهما جميعا على زيد على الداجوني عطفا على الإسناد السابق وأحسبه لهذا السبب لم يذكر بن رجاء فيمن قرأ على عباس بن الفضل (غاية 1513) غير أن قراءة بن رجاء على زيد بعيدة كذلك لأن ذلك لم يشتهر مع تأخر بن رجاء في الوفاة ويحتمل أن يكون قد سقط على المصنف رجل بين ابن رجاء وبينه لكنه محتمل أيضا وأما قراءة بن حميد على الداجوني فصحيحة كما سبق وابن الجزري معذور في ذلك لأن طريقة المصنف في ترتيب الأسانيد موهمة لكن كان (عليه أن يفطن إليه لأنه ذكر محمد بن عبد الله المبيض فيمن قرأ على بن رجاء أيضا ويأتي طريقه عنه في إسناد قراءة بن أبي عبلة) , فإن قيل فلم لا قلتم إن رجاء قرأ على عبد الصمد بن العباس المذكور في الإسناد التالي ؟ فالجواب أنه وإن كان محتملا غير أن النظر في أصول المصنف لا يعطيه ولأنه ظاهر أنه أراد عطفه على ما قبله بذكر ابن حميد مقرونا به والله أعلم" انتهى كلام المحقق حفظه الله
                              قلت عبارة (كان عليه أن يتفطن) في نفسي منها شيء أن تقال في حق (إمام الأئمة)
                              المرجو : الشيخ سالم الشنقيطي التعليق على هذه الفقرة
                              بارك الله فيكم وجزاكم خيرا
                              دمتم سالمين

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,420
                              الـمــواضـيــع
                              42,345
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X