إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كيف تكون محققا للمخطوطات ؟

    [align=justify]محتويات العدد الرابع
    السنة الأولى- شوال 1419هـ- يناير 1999م
    [align=center]أصول تحقيق المخطوطات [/align]
    محمد السيد علي بلاسي
    تدور كلمة "التحقيق" في اللغة حول: إحكام الشيء وصحته والتيقن، والتثبت. ففي مقاييس اللغة: يقال: ثوب محقق إذا كان محكم النسج قال:
    تسربل جلد وجه أبيك إنا * * * كفيناك لمحققة الرقاقا
    ويقال: حققت الأمر وأحققته: أي كنت على يقين فيه(1).
    وفي اللسان: وحقه يحقه وأحقه كلاهما أثبته، وصار عنده حقاً لا شك فيه، وحق الأمر يحقه حقاً وأحقه. كان منه على يقين، تقول: حققت الأمر وأحققته إذا كنت على يقين منه(2).
    أما عن المدلول الاصطلاحي للتحقيق، فهو: "إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي في عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبته إليه، وتحريره من التصحيف والتحريف، والخطأ، والنقص، والزيادة".
    أو "إخراجه بصورة مطابقة لأصل المؤلف أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت نسخة المؤلف"(3).
    فالتحقيق هو: "أن يؤدي الكتاب أداء صادقاً كما وضعه مؤلفه كماً وكيفاً بقدر الإمكان، فليس معنى تحقيق الكتاب أن نلتمس للأسلوب النازل أسلوباً هو أعلى منه، أو نحل كلمة صحيحة محل أخرى صحيحة بدعوى أن أولاهما أولى بمكانها، أو أجمل، أو أوفق، أو ينسب صاحب الكتاب نصاً من النصوص إلى قائل وهو مخطئ في هذه النسبة، فيبدل المحقق ذلك الخطأ، ويحل محله الصواب، أو أن يخطئ في عبارة خطأ نحوياً دقيقاً فيصحح خطأه في ذلك، أو أن يوجز عباراته إيجازاً مخلاً فيبسط المحقق عباراته بما يدفع الإخلال، أو أن يخطئ المؤلف في ذكر علم من الإعلام، فيأتي به المحقق على صوابه.. ليس تحقيق المتن تحسيناً، أو تصحيحاً، وإنما هو أمانة الأداء التي تقتضيها أمانة التاريخ فإن متن الكتاب حكم على المؤلف وحكم على عصره وبيئته، وهي اعتبارات تاريخية لها حرمتها، كما أن ذلك الضرب من التصرف على حق المؤلف الذي له وحده حق التبديل والتغيير"(4).
    فالتحقيق -إذن- أمر جليل يحتاج من الجهد والعناية إلى أكثر ما يحتاج إليه التأليف، حتى لقد قال الجاحظ -قديماً-: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفاً أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"(5).
    فالعلماء العرب قديماً -قد عرفوا التحقيق، لا سيما عند توثيق النصوص وخاصة النصوص الشرعية، فقد كان لهم مناهج يتبعونها عند ذلك.
    يقول الدكتور شوقي ضيف مؤكداً هذه الحقيقة: "لقد كانوا يعرفون كل القواعد العلمية التي نتبعها في إخراج كتاب لا من حيث رموز المخطوطات فحسب، بل أيضاً من حيث اختيار أوثق النسخ لاستخلاص أدق صورة للنص، ولعل خير ما يمثل عملهم في هذا الجانب إخراج اليونيني حافظ دمشق المشهور في القرن السابع الهجري لصحيح البخاري(6).
    كما كان للعلماء العرب مؤلفات تتصل بالمنهج العلمي عند التأليف والتحقيق، من ذلك(7):
    1-مقدمة ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري، المتوفى سنة 643هـ)(8).
    2-تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم: لابن جماعة (بدر الدين بن أبي إسحاق إبراهيم الكناني، المتوفى سنة 733هـ)(9).
    3-التعريف بآداب التأليف: للسيوطي (جلال الدين عبدالرحمن، المتوفى سنة 911هـ)(10).
    كل هذا وغيره يدل على أن أسلافنا الأفذاذ كان عندهم مناهج عند التأليف والتحقيق تكاد تقترب من مناهج المحدثين، إلا أنه مع هذا كله ومع بداية الاشتغال بالتحقيق في العصر الحديث لم يكن ثمة منهج معلوم يمكن أن يلتزم به المحققون، وإنما كان لكل منهم طريقته ومنهجه، على أنه قد استمدت بعض هذه الطرق من مناهج العلماء المسلمين في توثيق النصوص وخاصة النصوص الشرعية، كما استمد بعضها الآخر من مناهج المستشرقين في نشر التراث القديم. ومع مرور السنين بدأت الخبرات تتراكم وبدأ التفكير في تقنين هذه العملية ووضع الضوابط التي تحكمها(11).

    صفات المحقق(12):
    ينبغي لمن يتضلع بهذه المهمة الجليلة -وهي تحقيق المخطوطات- أن تتوفر فيه هذه الصفات:
    1-الإحساس بقيمة التراث العلمي والفكري إحساساً ينبع من الإيمان العميق بدوره الفعال في بناء حضارة الأمة عن طريق إحياء تراثها.
    2-الحب والتعلق بتراثنا المخطوط، ومعايشة، وتوثيق الصلة به على نطاق واسع قراءة ودراسة، وخبرة ودراية بأسراره ودقائقه وخصائصه، وأساليب تدوينه، ومناهج كتابته، وأنواع خطوطه.
    3-الخبرة والتمرس بتحقيق المخطوطات، والدراسة الواسعة بأصول تحقيقها، ومعرفة أصولها، وما كتبت به من خطوط متنوعة، مشرقية ومغربية، وفارسية.. ويستتبع ذلك التمرس بنهج النساخ ومصطلحات القدماء في الكتابة، مثل علامات التضبيب، واللحق، والإحالة.. ولابد من معرفة اصطلاحات القدماء في الضبط بالشكل، وعلامات إهمال الحروف غير المعجمية، وما يسمى بالتعقيبة.
    4-أن يكون المحقق على علم ودراية بموضوع الكتاب، فذلك أدعى إلى أن يكون العمل أكثر إتقاناً ودقة، مما لو تصدى له شخص آخر له جهة علمية أخرى.
    5-الأمانة العلمية التي تقتضي تحرير النص وتصحيحه، والاجتهاد في إخراجه على الصورة التي تمت به على يد مؤلفه دون أي تصرف، وفق أصول التحقيق المعتمدة عند شيوخ هذا العلم وأساطينه.
    6-الإلمام الواسع باللغة العربية وأساليبها ومفرداتها وسائر علومها؛ ما يذلل كثيراً من الصعاب التي قد تواجه المحقق في أساليب المخطوطة، ولغتها، حيث يجد من الحصيلة اللغوية ما يمكنه من تدقيق النظر، والوصول إلى الوجه الصحيح.
    7-التذرع بالصبر والأناة؛ لأن المحقق كثيراً ما تواجهه مشكلات وصعوبات قد تتطلب وقفات طويلة ومتأنية للوصول إلى علاجها الصحيح عن علم ويقين، وبعد طول بحث وتقص، بعيداً عن النظرة العجلى التي تأخذ بأقرب ما يتبادر إلى الذهن دون إعمال الفكر وتدقيق النظر وتقليب الأمر على جميع وجوهه المحتملة بغية الوصول إلى وجه الصواب.
    8-سعة الاطلاع على كتب التراث ومصادره في مختلف جوانب البحث والمعرفة، ومعرفة مناهج المؤلفين، وتوجهاتهم العلمية، وطرق لبحث في مصنفاتهم حول شتى العلوم مما يساعد المحقق على تحرير وتوثيق نصوص الكتاب الذي يعمل على تحقيقه.

    الجوانب الفنية لتحقيق المخطوط:
    يمكن أن نجمل تلك الجوانب -وبإيجاز شديد- في ثلاثة مراحل أساسية هي(13):
    المرحلة الأولى:
    تجميع نسخ المخطوطات، والمقارنة بينها وتحديد منازل النسخ.
    ولكي نتوصل إلى معرفة النسخ المختلفة للكتاب الواحد ينبغي الرجوع إلى فهارس المكتبات والأعمال الببليوجرافية التي تحصي تراثنا المخطوط وتحدد أماكنه في مكتبات العالم مثل كتابي: تاريخ الأدب العربي: لكارل بروكلمان، وتاريخ التراث العربي: لفؤاد سيزكين. والكتابان يسجلان المخطوطات العربية الموجودة في مكتبات العالم تحت أسماء مؤلفيها، فكل مؤلف تذكر مؤلفاته التي وصلتنا، وكل كتاب منها تذكر نسخة والمكتبات التي توجد بها.
    "وليس معنى ذلك أن يعمل (المحقق) على جمع كل ما يوجد من نسخ المخطوطة إذا كانت نسخها كثيرة مثل بعض الكتب المشهورة التي قد تصل مخطوطات بعضها إلى أكثر من مئة نسخة، وفي مثل هذه الحالة على المحقق أن يجتهد قدر الطاقة في الاطلاع على هذه النسخ، وجمع المعلومات عنها من خلال الاطلاع الميداني والمصادر والفهارس التي تتحدث عنها وتصفها، لكي يتسنى له اختيار النسخ الموثقة والمعتمدة منها، ويكتفي في الغالب بثلاث إلى خمس نسخ بالصيغة المذكورة.
    وإذا لم يجد الباحث بع التحري والتقصي الدقيق سوى نسخة وحيدة جيدة وصحيحة وكاملة وموثقة فلا ضير في العمل على تحقيقها غير أنها تحتاج منه إلى جهد كبير، ودراية واسعة، ويقظة ووعي في التقويم والتصحيح(14).
    ويلحق بتجميع النسخ مسألة تجديد منازلها، فليست كل مخطوطات الكتاب الواحد سواء في أقدارها، ففيها الكامل والناقص، وفيها القديم والمتأخر، وفيها الواضح والغامض، وفيها الموثق بسماعاته وإجازاته ومقابلاته وغير الموثق. وإذا كانت أفضل النسخ هي أقدمها وأكملها وأوثقها، فإن هذه المواصفات قلما تجتمع في نسخة واحدة، فقد تكون النسخة الأقدم ناقصة أ, متعذرة القراءة أو غير موثقة، وقد تكون النسخة الكاملة هي الأحدث، وقد توجد نسخ غير مؤرخة يصعب وضعها في مكانها الزمني بين النسخ الأخرى؛ وهنا تأتي أهمية دراسة الخط والرق وتواريخ التمليكات والسماعات والإجازات وتقصي الأشخاص الذين ورد ذكرهم في السماع أو الإجازة.
    وقد وضع برجشتراسر تصويراً عند المفاضلة بين النسخ الخطية والمتفاوتة؛ إذ يقول: "إن أقدار النسخ الخطية لكتاب ما متفاوتة جداً، فمنها ما لا قيمة له أصلاً في تصحيح نص الكتاب، ومنها ما يعول عليه ويوثق به، ووظيفة الناقد أن يقدر قيمة كل نسخة من النسخ ويفاضل بينها وبين سائر نسخ الكتاب، متبعاً في ذلك قواعد منها:
    أ-أن النسخ الكاملة أفضل من النسخ الناقصة.
    ب-النسخ الواضحة أحسن من غير الواضحة.
    ج-النسخ القديمة أفضل من الحديثة.
    د-النسخ التي قوبلت بغيرها أحسن من التي لم تقابل(15).
    على أن تحديد منازل النسخ يتمخض عنه: اختيار النسخة التي تتخذ أصلاً للتحقيق تقابل عليه النسخ الأخرى، كما ينتج عنه تحديد النسخ التي أخذت عن بعضها بحيث يمكن الاستغناء عن النسخ المتشابهة والاكتفاء بالأصل الذي أخذت عنه.

    المرحلة الثانية:
    مرحلة التحقيق بكل ما ينطوي تحته من تثبت من مؤلف الكتاب وعنوانه وتحرير لنصه، أما عنوان الكتاب واسم المؤلف فغالباً ما يذكران في المقدمة. وفي حالة فقد أجزاء من المقدمة أو طمس إحدى هاتين المعلومتين، أو جزء من أيهما كأن نعثر على عنوان الكتاب ولا نعثر على اسم المؤلف، أو نعثر على اسم الكتاب أو اسم المؤلف ناقصين، في مثل هذه الحالات يلزم الرجوع إلى الكتب الببلوجرافية التي تحصي أسماء المؤلفين(16).
    أما إذا فقدت المقدمة وفقد معها اسم الكتاب واسم مؤلفه فلا سبيل إلى التعرف على شخصيته إلا من خلال قراءة النص وتحديد موضوعه، والتمرس بأساليب المؤلفين وخصائصهم، والرجوع إلى الكتب الموسوعية أو كتب التخصص التي قد تكون نقلت نصوصاً عن هذا الكتاب وسمته أو ذكرت مؤلفه. وتلك كلها أمور تحتاج إلى خبرة واسعة بالتراث العربي وإحاطة شاملة بخصائص المؤلفين.
    فإذا اطمأننا إلى عنوان الكتاب واسم مؤلفه، انتقلنا إلى النص نفسه، فإن كانت نسخة المؤلف هي التي ننشرها فلا مشكلة لأنها تجب كل نسخ الأخرى، أما إذا كنا أمام مجموعة من النسخ فيجب أن نرمز لكل منها برمز معين، وأن نتخذ أقدمها وأوثقها وأصحها أساساً لنشر، ونقابلها بالنسخ الأخرى ونثبت الخلافات بين النسخ في الحواشي.
    ولكن تحقيق النص ليس مجرد مقابلة عدة نشخ على بعضها، ولا هو تصويب له أو تصحيح لأخطائه، وإنما هو محاولة للاقتراب من النص الذي تركه المؤلف وافتقدناه، ولهذا تجدر الإشارة إلى بعض المبادئ الأساسية التي ينبغي الالتفات إليها عند تحقيق النص وأهمها:
    1-أن المحقق ليس من مهمته تقويم النص أو تصحيح المعلومات الواردة به.
    2-أنه ليس من مهمته استكمال النقص الموجود في النص إلا إذا كان النص لا يستقيم دون إضافة، وفي هذه الحالة ينبغي أن توضع الإضافة بين معقوفتين.
    أن تتخذ هوامش الصفحات في :
    أ-إثبات الخلاف بين النسخ.
    ب-تخريج النصوص، أي ردها إلى مصادرها، فإن كانت آية قرآنية ذكرت السورة التي وردت بها ورقمها فيها، وإن كان حديثاً ذكر المصدر الذي ورد به، وإن كان نصاً من كتاب رجع إليه في مصدره للتثبت منه وأثبت المصدر والصفحة التي نقل عنها.
    ج-إثبات التعليقات والشروح، كالتعريف بالمواضيع والأشخاص المذكورين في النص، وتفسير العبارات الغامضة التي تحتاج إلى بسط ليتسنى فهم المراد منها.
    د-التنبيه على الأخطاء العلمية التي وقعت في النص. أما الأخطاء الإملائية واللغوية فتصوب في موضعها ما لم تكن النسخ التي ننشرها هي أصل المؤلف. ففي هذه الحالة يستبقي الرسم الإملائي كما هو، ويستبقي الأخطاء اللغوية والنحوية كما هس لأنها جزء من تكوين المؤلف ودليل على ثقافته، ومع ذلك ينبغي التنبيه إلى الصواب في الحاشية.
    هـ-ربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، بالإشارة إلى ما سبق أو ما سيأتي من الكتاب مما له علاقة بموضوع الحديث.

    المرحلة الثالثة:
    مرحلة الإخراج والنشر، وهي الصورة الأخيرة للكتاب المحقق وتشتمل على ما يلي:
    أ-مقدمة التحقيق:
    ويتناول فيها المحقق الأمور التالية(17):
    1-ترجمة مؤلف المخطوطة.
    2-التعريف بموضوع الكتاب وتحليل مادته، وبيان منهجه ومصادره.
    3-التحقيق في عنوان الكتاب.
    4-تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
    5-وصف النسخ المعتمدة في التحقيق، ويقتضي ذلك ما يلي:
    (أ)ذكر مصدر النسخة بلداً، وكتبة، أو شخصاً إذا كانت في حوزة أحد الأفراد، مع النص على الرقم الذي تحمله في مكان وجودها.
    (ب)وصف الورقة الأولى بما فيها من عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، وما حليت به من تمليكات وسماعات وقراءات، وما يوجد عليها من أختام.
    (ج)عدد أوراق المخطوطات، ونوع الترقيم الموجودة، وإذا لم يوجد يتم التنبيه على ذلك، مع الإشارة إلى ما قد يوجد من خلط في ترتيب الأوراق إن وجد، ثم قياس الصفحة طولاً وعرضاً، وما تشتمل عليه من سطور.
    (د)نوع الخط، وهل هو بقلم واحد أم مختلف، وهل ميزت العناوين بخط مغاير، ونوع المداد وألوانه، ونوع الورق، وجودة الخط من عدمها.
    (هـ)أبرز الظواهر الإملائية المتبعة في الرسم الذي جرت عليه المخطوطة وموقف المحقق منه.
    (و)المصطلحات الكتابية التي تظهر من خلال المخطوطة مثل: التعقيبات والإحالات، والرموز، والمختصرات، وعلامات السقط والتضبيب.
    (ز)ما يوجد على النسخة من قراءات وسماع.
    (ح)أسلوب النسخة في الضبط بالشكل من حيث الوجود، والتمام والصحة من عدمها.
    (ط)بيان ما قد يعتور النسخة من تصحيفات وتحريفات، أو السلامة من ذلك، ومن حيث تمامها، أو نقصها، ووضوحها من عدمه.
    (ي)بيان ما قد يطرأ على النسخة من عوادي الزمن: كالتآكل والخرم وآثار الأرضية والرطوبة.
    (ك)النص على تاريخ النسخ إذا كان مصرحاً به في خاتمة النسخة، أو الاجتهاد في الوصول غليه من خلال الخبرة والدراية بالخطوط القديمة، وأنواعها، وتقدير أزمانها، وأنواع الورق، والزمن الذي يقدر له، مما يؤدي إلى زمن تقريبي لتاريخ النسخ وإذا ذكر الناسخ فلابد من التعرف عليه، والترجمة له، مما يزيد في أهمية المخطوطة وقيمتها.
    (ل)وضع نماذج مصورة من المخطوطات المعتمدة في التحقيق بعد وصفها وتكون ممثلة لصفحة العنوان، وصفحة المقدمة والخاتمة وصور بعض السماعات والقراءات إن وجدت. فمثل هذه الصفحات -عادة- ما يذكر فيها اسم الكتاب واسم المؤلف والناسخ وتاريخ النسخ.
    6-بيان منهج التحقيق: لابد للمحقق من الإفصاح في المقدمة عن المنهج الذي سار عليه في التحقيق، والمنهج الذي اتبعه في اختيار النسخ المعتمدة، والأسباب التي أدت إلى ذلك الاختيار والرمز الذي به غلى كل منها، وإذا كان الكتاب قد سبق تحقيقه أو نشره فينبغي ذكر الأسباب التي دعت إلى إعادة تحقيقه ونشره إلى جانب الحديث ن منهج المحقق في المقابلة وإثبات الفروق وفي التصحيح والتقويم، وفي التعليقات والتخرج والهوامش والفهارس.
    ب-نص المخطوط:
    وينبغي أن يكون معداً إعداداً جيداً من حيث تنظيم الفقرات وترقيم الحواشي واستخدام علامات الترقيم وضبط الألفاظ التي قد تلتبس على القارئ وخاصة أسماء الأشخاص والأماكن.
    ج-الفهارس:
    وينبغي أن يختم الكتاب بمجموعة من الكشافات الهجائية التي تحلل محتواه، وتيسر استخدامه. كأن يوضع فهرس للآيات القرآنية، وآخر للأحاديث، وثالث للأعلام، ورابع للغة(18). وخامس للشعر، وسادس للأمثال، وسابع لموضوعات وفيه يبرز أدق جزئيات المسائل التي اشتمل عليها الكتاب.
    وعن ترتيب الفهارس بعد الآيات القرآنية والأحاديث، يرى الأستاذ عبدالسلام محمد هارون: "أن النهج يقتضي تقديم أهم الفهارس وأشدها مساساً بموضوع الكتاب، فإن كان الكتاب كتاب تراجم وتاريخ قدّم فيه فهرس الأعلام، أو كتاب أمثال قدم فهرس الأمثال، أو قبائل قدم فهرس القبائل، وهكذا.. ثم تساق بعده سائر الفهارس مرتبة حسب ترتيبها المألوف(19). ومن الله العون، وهو ولي التوفيق.

    الهوامش
    (1)انظر: مقاييس اللغة: لابن فارس، تحقيق الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، 2/15،16،19،ط، عيسى البابي الحلبي سنة 1371هـ.
    (2)لسان العرب: لابن منظور، مادة حقق)، ط، دار المعارف.
    (3)تحقيق التراث: د. عبدالهادي الفضلي، ص36، الطبعة الأولى -مكتبة العلم بجدة، سنة 1402هـ.
    (4)تحقيق النصوص ونشرها: للأستاذ عبدالسلام محمد هارون، ط6، ص46،47، ط4 -مكتبة الخانكي بالقارة، سنة 1397هـ.
    (5)المرجع السابق، ص52،53 –بتصرف يسير-، راجع: الحيوان: لأبي عثمان الجاحظ، تحقيق الأستاذ عبدالسلام محمد هارون، 1/79،ط2 –مصطفى البابي الحلبي، سنة 1385هـ.
    (6)البحث الأدبي: د. شوقي ضيف، ص185،186،ط6 –دار المعارف. ولمزيد من التفصيل حول تألق العلماء العرب القدامى في وضع قواعد وأسس التحقيق، راجع الكتب التالية:
    -مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي: لفرانتزر وزنتال، ط. دار الثقافة ببيروت، سنة 1961م.
    -منهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين: للدكتور رمضان عبدالتواب، ط الخانجي، سنة 1406هـ.
    -تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث: للدكتور الصادق عبدالرحمن الغرياني -ليبيا، سنة 1989م.
    (7)راجع: منهج البحث الأدبي: د. علي جواد الطاهر، ص156، ط7، مطبعة الديواني ببغداد، سنة 1986م. تجد مزيداً من التفصيل.
    (8)حققه محمد راغب الطباخ، ط1، المطبعة العلمية بحلب، سنة 1350هـ.
    (9)طبع في حيد آباد الدكن، سنة 1353هـ.
    (10)حققه الدكتور إبراهيم السامرائي ونشره في مجلة كلية الدراسات الإسلامية: العدد الثالث، بغداد 1970.
    (11)المخطوط العربي: د. عبدالستار الحلوجي، ص275، -بتصرف يسير-، ط2- مكتبة مصباح بجدة، سنة 1409هـ.
    (12)تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل: د. عبدالله ابن عبدالرحيم عسيلان، ص41-42، -بتصرف-، ط. مكتبة الملك فهد الوطنية، سنة 1415هـ.
    (13)باختصار يسير عن: المخطوط العربي: ص276 وما بعدها. ولمزيد من التفصيل؛ راجع كتب تحقيق المخطوطات وأشهرها:
    -أصول نقد النصوص ونشر الكتب: للمستشرق برجشتراسر، تقديم د. محمد البكري، ط دار الكتب، 1969م.
    -تحقيق التراث العربي.. منهجه وتطوره: د. عبدالمجيد دياب، منشورات المركز العربي للصحافة –القاهرة 1983م.
    -تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل: د. عبدالله ابن عبدالرحيم عسيلان، ط. مكتبة الملك فهد الوطنية، سنة 1415هـ.
    -تحقيق النصوص ونشرها: للأستاذ عبدالسلام محمد هارون، ط4 –الخانجي بالقاهرة، سنة 1397هـ.
    -فهرسة المخطوط العربي: ميري عبودي فتوحي، من منشورات دار الرشيد بغداد، سنة 1980م.
    -في منهج تحقيق المخطوطات: مطاع الطرابيشي، ط دار الفكر بدمشق، سنة 1403هـ.
    -قواعد تحقيق المخطوطات: صلاح الدين المنجد، ط3 -دار الكتاب.
    -محاضرات في تحقيق النصوص: د. أحمد محمد الخراط، ط2، دار المنارة بجدة، 1409هـ.
    -منهج تحقيق النصوص ونشرها: تأليف الدكتور فوزي حمودي القيسي والدكتور سامي مكي العاني، ط. مطبعة المعارف ببغداد، سنة 1975م.
    -مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين: د. رمضان عبدالتواب، ط. الخانجي بالقاهرة1406هـ.
    (14)تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل: ص121،122.
    (15)أصول نقد النصوص ونشر الكتب: للمستشرق برجشتراسر، ص14، ط. دار الكتب بالقاهرة، سنة 1969م.
    (16)مثل: الفهرست: لابن النديم، ومفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم: لطاشكبري زاد، وهدية العارفين: للبغدادي، وكشف الظنون: لحاجي خليفة.
    (17)لمزيد من التفصيل، راجع هذه الأمور في: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج والأمثل: ص233 وما بعدها.
    (18)وفيه ترتب المواد على حسب حروف الهجاء عند تحقيق المعاجم كما يفرد فهرس للألفاظ غير العربية وآخر لما فات المعاجم من الألفاظ.
    (19)تحقيق النصوص ونشرها: ص98. وراجع: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج والأمثل: ص245 وما بعدها، تجد مزيداً من التفصيل.
    --------------------
    [align=center]نظرات سريعة في فن التحقيق [/align]أسد مولوي
    إختيار الكتاب وجمع نسخه
    بعد أن استكمل المحقق عدته ، وخبر نفسه ـ وكل على نفسه بصيرة ـ فوجدها قادرة على اقتحام هذا الميدان... يجب عليه أن يؤدّي زكاة علمه ، ويخدم امته ، ويوفي بعض الدين إلى المكتبة الاسلامية المجيدة ، التي أمتعته ساعات طوال من عمره ، وفتحت له أبواب رياضها وصدور خزائنها ، وأطلعته على جواهرها وذخائرها.
    إذا أراد هذا العامل في سبيل إحياء مجد امته ، أن يسلك في عداد صانعي هذه الثقافة العظيمة وميسريها لطلابها... وهو قد عد نفسه من الغير عليها المحبين لها الحانين عليها ، الرامين إلى رفعتها وإعلاء شأنها.
    عليه ـ وقد وضع نفسه في هذا الموضع ـ أن يتنكب سبيل الهدامين العابثين من أعداء الامة الاسلامية أو من أبنائها العققة ، الذين شغلوا أنفسهم والامة معهم بأخبار المجان والملحدين ، وبكتبهم وتراثهم المليء بالسموم... الضار لهذه الامة في حاضرها ومستقبلها ، كما ضرها أعظم الضرر في ماضيها.
    وعليه أن يتحرى في اختيار الكتاب الذي يريد أن يحييه ، أن يكون من الكتب التي تنفع الامة وتهديها في حاضرها ومستقبلها ، أو تحفظ عليها شخصيتها وأصالتها أو تكبت أعداءها والحاقدين عليها.
    والامة المسلمة في حاضرها الراهن ـ وهي في بداية صحوتها ـ قد تكالبت قوى الكفر عليها ، وتجمع أعداء الانسانية ضدها ، وأجلبوا عليها بخيلهم ورجلهم وعَددهم(32)وعُددهم.
    الامة المسلمة محتاجة لجهود أبنائها ، فلا يحل لاي فرد منهم أن يضيع جهوده عبثا فيما لا طائل تحته ، فضلاً عن أن يكون ظهيرا لاعدائها يصنع لهم ما يعود علىأبناء ملته بالدمار والخسار ، ويعطل مسيرة امته نحو استعادة مكانتها التي أرادها لها الله... خير امة اخرجت للناس.
    هذه المرحلة ـ مرحلة اختيارالكتاب المراد إحياؤه ـ أخطر مراحل التحقيق ـ فيما أرى ـ وأدقها ، تستدعي من المحقق المسلم النظر الفاحص ، ودقة الملاحظة ، والوجدان الحي ، والغيرة البالغة... لان ما ورثناه من الكتب منه ما كتبه المخلصون العارفون ، وهو درر خالدة كشجرة طيبة أصلها ثابت في دين هذه الامة ووجدانها... وفرعها في السماء متصل بالمبدأ الاعلى صاحب الجود والفيض والكرم... تؤتي أكلها كل حين في ماضي الامة وحاضرها ومستقبلها عطاء ربانيا لا ينقطع بإذن الله تعالى ، وأظهر أمثلة هذا النوع تراث أهل بيت الرحمة وجدهم الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله.
    ومما ورثناه ـ أيضا ـ ما كتبه المنحرفون والظالون وأعداء الاسلام ، ممن اجتالته شياطين الانس والجن ، وأمراض النفس ، ومتع الحياة الدنيئة.
    ومما ورثناه ـ كذلك ـ هذا الركام الغث الفاسد المفسد من أدب عبيد السلاطين من الشعراء ، وشعرهم الذي قصروه على مدح الطاغوت والضحك على ذقنه ، واستولوا به على أموال الامة يتناهبونه بينهم.
    انظر إلى الشاعر المتملق يقول وقد حدثت بمصر زلزلة :
    بالحاكم العدل أضحى الدين معتليـاً * نجل الهدى وسليل السادة الصلحـا
    ما زلزلت مصر من كيد يـراد بها * وإنما رقصت من عدلـه فـرحـا
    انظر كيف يسقط الانسان ، وتداس الضمائر ، ويرقص على أشلاء المستضعفين !.. فالشاعر هنا لم يكتف بمدح طاغوته حتى صور الزلزلة المدمرة بصورة الرقص الخليع الذي اعتاده المترفون. ولم يلتفت إلى المستضعفين الذين هدمت دورهم على رؤوسهم وأصبحوا بلا مأوى ! ومن هذه البابة تجد مؤرخي السلاطين ووعاظ السلاطين وفقهاء(33)السلاطين... إلى آخر القائمة المشؤومة. هذا الركام الغثّ لطخة عار في تاريخنا الثقافي.. لا أظن المحقق المسلم ينحط إلى أن يشغل به نفسه ويضيع به عمره. وتراثنا طيب مبارك ، شمل مختلف حقول المعرفة ، ولم يقتصر على فرع من فروعها.
    فكم هي الفائدة التي يسديها المحقق إلى اُمته حين يختار كتابا من طبنا القديم ، فيخرجه إلى الناس سليما مفسرا موضحة عبائره ! عقاقيره من إنتاج بلادنا... إن لم تنفع الجسم لم تضره ، لا كالادوية المجلوبة من مغرب شمس الفضيلة ، التي يصح فيها قول الشاعر :
    ............................ * وداوني بالتي كانت هي الداء
    وفي تراثنا الطيب الكثير ، وأود أن يعلم أطباؤنا الفضلاء أن للمعاجم الطبية ـ التي تصف العقاقير وتذكر مقاديرها عند التركيب ـ ركنا كبيرا في مكتبتنا الاسلامية.
    وما أظن مريض الطب الغربي الحالي أحسن حالا من مريض الرازي أو ابن سينا. وقد عادت الصين إلى الوخز بالابر ـ طبها القديم ـ تدرسه وتطبقه في المستشفيات. وقبلها الهند أدخلت طبها القديم مادة دراسية في جامعاتها ، ومادة تطبيقية في مستشفياتها. وقل مثل ذلك في علوم الفلاحة والبيطرة وغيرها. ونستغني بذلك عن استيراد فسائل النخيل من أمريكا إلى بلاد النخيل ! خلاصة الامر أن حسن الاختيار ـ بل الاجتهاد في الاختيار ـ هنا واجب عيني لا رخصة فيه.
    * * *
    وحين يقع اختيار المحقق على كتاب لم يحقق حسب القواعد المتعارفة ، أو كانت لديه زيادة تنقير وتدقيق فاتت المحقق الاول ، أو ظهرت من الكتاب نسخ (34)مخطوطة أصيلة تزيد الكتاب ثقة به واطمئنانا إليه واعتمادا عليه... حينذاك يبدأ سعي المحقق في تجميع النسخ ، وهي ـ في الوقت الحاضر ـ مصورات كلما ازدادت وضوحا في التصوير ازدادت شبها بأصلها ، وحلت محله في القراءة وتهيئة النسخة للعمل (1).
    وهنا تظهر فائدة فهارس المخطوطات ، لمعرفة أماكن هذه النسخ والسعي في الحصول على مصوراتها.
    ولا ننسى الاستعانة بذوي الخبرة في الهداية إلى مظانها وتقييمها ، وفي إعانتهم للمحقق في تحصيلها بما لهم من صلات مع أصحاب الكتب والقائمين عليها.
    * * *

    فحص النسخ وتقييمها :
    وهنا يأتي دور فحص النسخ لاعتماد مايجب الاعتماد عليه منها وإهمال ما ينبغي إهماله. وهذا الدور من أهم أدوار هذا الفن ، لان نتيجة التحقيق وثمرة جهد المحقق مبنيتان عليه. وقد اعتورت مخطوطاتنا ظروف كانت حسنة حينا سيئة أحيانا كثيرة. وتداولتها ـ بعد أيدي النساخ ـ أيد كانت في الغالب غير أمينة :
    فمن متولي وقف حسن له الشيطان وألجأه فقر المجتمع المتخلف إلى بيع ما تحت يده ، فمزق الورقة الاولى ليضيع أثر الوقف ، ففوت علينا معرفة عنوان الكتاب واسم مؤلفه وفوائد اخر.
    ومن متعصب ضيق الافق ساءه أن يرى لعالم من غير أهل نحلته أثرا ، فعدا عليه تمزيقا أو شطبا أو محوا أو تحريفا لما لا يروقه...
    ومن وارث جاهل صار ما وصل من ذخيرة الامة إليه لعبة لاُطفاله ، مبذولاً لكل من هب ودبّ من معارفه.
    ومن . . ومن . .

    (1) قلنا هذا ، لاُنّ اختبار الورق والحبر لا يمكن إلاّ على المخطوطة نفسها.(35) دع عنك عاديات الطبيعة في النسخ نفسه من سهو وسبق قلم أو نظر.. وعاديات الطبيعة على الكتاب نفسه ـ ورقا وحبرا ـ من رطوبة وحشرات لها بالورق المكتوب ولع غريب. وليس معنى هذا إنكار ما لبعض الايدي ـ متولية وقف أو وارثة ـ من الامانة والحيطة على الكتاب. وليس هو كذلك إنكار فضل اولئك النساخ العارفين الضابطين ، فأنت تقرأ في ترجمة ياقوت المستعصمي ـ الخطاط المعروف ـ أنه كان مولعا بنسخ نهج البلاغة بخطه المضبوط الجميل. وتقرأ في تراجم كثير من العلماء أنه كان يكتب خطا فصيحاً صحيحاً. هذه النوائب التي حلت بالكتاب ـ وغيرها كثير ـ توجب على المحقق أن يكون مدققاً منقباً حذرا ، ينفض النسخة وجها لبطن ، عند فحصه لها.

    وليعلم أن للنسخ التي وصلت إلينا حالات غريبة منها :
    1 ـ أن تكون النسخة كاملة سالمة واضحة الخطّ فصيحته جميلته ، بخط مؤلفها أو خط معتمد موثوق به ، أو تكون منقوطة مشكولة شكلاً كاملاً على الصحة ، أو تحتوي ـ من الصور أو الرسوم البيانية أو غير ذلك ـ ما يضن به على الضياع. فالأَولى طباعة هذه النسخة بالتصوير ، كي لا ندخل عليها من سهو القلم وأخطاء التطبيع ما يشوه جمالها ويذهب بصحتها. ولا يعتذرن ـ هنا ـ بصعوبة الحرف المخطوط ، فأنه أمر مبالغ فيه ، والمطلعون يعلمون أن في تراثنا مخطوطات رائعة الجمال تزري بالخط الطباعي مهما بلغ من الجمال والنظافة ، لان الخط الطباعي خط ميت سطرته آلة ميتة ، وخط اليد يستمد حياته من اليد التي كتبته.
    والعمل الذي يقوم به المحقق في هذه النسخة :
    أ ـ أن يقدم لها مقدمة وافية في ترجمة المؤلف ووصف النسخة وتوثيق نسبتها وبيان أهميتها...
    ب ـ أن يذيّلها بهوامش التحقيق الكافية ، وبالفهارس التي توصل القارىء إلى (36)مطالبها (1).
    2 ـ أن تكون النسخة من المطبوعات القديمة التي ضاعت اُصولها المخطوطة ، وهذه ينبغي الحذر عند تحقيقها والتثبت البالغ ، وأن يوكل أمرها إلى شيوخ المحققين.
    3 ـ المترجمات إلى اللغات الاخرى ـ غير العربية ـ التي ضاعت اصولها المخطوطة ، والعمل في هذا النوع ملقى على عاتق المترجم العارف ، ويجدر به أن يستعين في ترجمتها بما سلم من كتب الؤلف باللغة العربية ، وبما نقل من نصوص الكتاب في الكتب الاخرى.
    وبعد هذه العجالة ـ التي لا يتسع المقام لاكثر منها ـ نعود إلى التقسيم الاعتيادي للنسخ ، وهو أمر متفق عليه ـ أو يكاد ـ بين جمهرة المشتغلين بهذا الفن.
    وعندهم أن أعلى النسخ هي النسخة التي كتبها المؤلف في آخر صورة أخرج بها كتابه للناس.
    أو كتبت بخط معتمد وقرأها المصنف أو قرئت عليه وسجلت عليها هذه القراءة.
    أو نسخة كتبت من نسخة المصنّف وعورضت بها أو قوبلت عليها.
    أو نسخة كتبت في عصر المصنف وعليها سماعات العلماء.
    أو تكون النسخة من النسخ التي حظيت باهتمام العلماء بالقراءة أو الاجازة أو السماع ، وأن يكون فيها ما يدل على التصحيح.
    هذه النسخ تقوم إحداها مقام الاخرى عند فقدانها ، وهي النسخة التي يعبرون عنها بالاصل أو الام.
    وهذا القول ليس على إطلاقه فان لكل نسخة من الخصائص ما يضطر المحقق إلى اعتمادها أو تركها ، فرب نسخة لم يشفع لها قدمها أو حسن خطها أو كتابة عالم معروف لها. ورب نسخة تقدمت على نسخة أقدم منها أو أحسن خطا.
    وعند اعتمادنا نسخة أصلا تكون النسخ الاخرى مساعدات في القراءة والنقط والضبط وزيادة ما أسقطه السهو... وأشباه هذه الامور.
    __
    (1) أنظر في هذا الباب : في منهج تحقيق المخطوطات ـ مطاع الطرابيشي ـ ص68 ـ 72 .(37) هذا مجمل القول في نسخة الاصل.
    وتبقى عندنا الكثرة الكاثرة من النسخ التي لا تملك من مميزات النسخة الاصل شيئا ، أو التي يؤخّرها التقييم عن مرتبة الاصل ، ولكن لها من القرائن الداخلية أو الخارجية ما يمنحها الثقة بها والركون إليها.
    هذه النسخ أجود الطرق في تحقيقها الطريقة المعروفة بـ (التلفيق) وعلينا ـ والحالة هذه ـ أن نخرج من مجموع هذه النسخ نصا مرضيا ، نتحرى فيه الصحة والكمال جهد الطاقة.
    وفي الحواشي مضطرب واسع لاثبات الاختلافات بين النسخ وتوجيهها ، ولتسجيل ما يعن لنا من ملاحظات واستدراكات وتوضيحات. وينبغي أن لا يفوتنا من النسخ شيء ذو فائدة ، فنسجل كل ما نعثر عليه.. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
    وفي طريقتي التحقيق ـ طريقة الاصل أو طريقة التلفيق ـ تجب المحافظة على كل ما كتب في النسخ أو في هوامشها مما له علاقة بالكتاب بتسجيله في هوامش التحقيق.

    تقويم النصّ :
    بعد أن انتهى المحقق من اختيار الكتاب وجمع نسخه ـ وهي الان غالبا مصورات ـ وفحصها وعين منها لعمله ماعين ، عليه أن يختار نسخة منها فيقرأها قراءة دقيقة فاحصة ليتمرس باسلوب المؤلف ويطلع على خصائص كتابته .
    ثم تبدأ مرحلة من أدق مراحل التحقيق وأشدها تعبا ، وهي مرحلة نسخ الكتاب بخط يده . وقد شاع ـ في هذه الاواخر ـ كتابة النسخة بواسطة الالة الكاتبة ، وهي طريقة فيها من المحاذير مالانطيل بذكره ... اللهم إلا أن يكون الكاتب بالالة محققا ضابطاعارفا قادراً يطمأن إلى عمله .
    يختار المحقق أسلم النسخ التي جمعها فينسخها بيده بخط واضح متباعد ما بين السطور فصيح الحروف بحيث يستطيع أن يدخل كلمة في السطر إن احتاج إلى إدخالها في مرحلة المقابلة.
    وعند انتهاء النسخ يكون المحقق قد ازداد خبرة بكتابه ومراساً بخطه واطلاعا على مطالبه .
    ثم تقابل هذه النسخة على أصلها الذي انتسخت عنه ليستدرك ما فوّته سهو النظر أو سهو الفكر .
    ثم تقابل النسخ المخطوطة الاخرى ـ واحدة بعد واحدة ـ على هذه النسخة الجديدة ، ويسجل المحقق ما يجده من الفروق بين النسخ في الهوامش(39).
    والاولى أن تكون المقابلة بيد اثنين ، يقرأ القارئ في النسخة المخطوطة وينظر المقابل في النسخة المنسوخة .
    ثم يبدأ المحقق بالتدقيق والتنقير في نسخته ـ مع الرجوع إلى النسخ المخطوطة أحياناً ـ فيخرّج ما يحتاج إلى تخريج من حديث أو قول أو شعر ، ويصحّح ما تصحف على النساخ ، ويعلق التعليقات التي توضح غامض الكتاب أو تفسر مشكله أو ... بل يشمل بتعليقه كل ما يزيد الكتاب وضوحا أو تقوية لمطالبه ، أو مناقشة لبعض مايرد فيه مما جاء العلم فيه بجديد . هذه النسخة هي مسودة المحقق التي يحتاجها إلى التبييض والترتيب ليدفع بها إلى المطبعة .
    وفي عملية التبييض يجب أن يكون المحقق دقيقا في النسخ واضح الخط فصيحه مرتب الكتابة . وفي هذا الدور يكون تقطيع النص إلى فقرات ، وفيه توضع علامات الترقيم الحديثة من فاصلة وعلامة تعجب و ... وفيه ـ أيضاً ـ يرتّب الهامش مناسباً للمتن. وينبغي أن تلاحظ دقة الارقام (الحسابية) التي تربط المتن بالهامش .

    ومن علامات الترقيم التي شاعت وذاعت :
    1 ـ النقطة (.) توضع بعد انتهاء الكلام .
    2 ـ الفاصلة (،) توضع لتقسيم الجمل ، وبعد كل سجعة من الكلام المسجوع .
    3 ـ النقطتان المتعامدتان (:) توضعان بعد القول ، مثل : قال فلان :
    أما إذا تكرر القول مثل : قال محمد ، قال علي : فتوضعان بعد (قال) الثانية ، ويكتفى بالفاصلة بعد (قال) الاولى .
    وتوضعان أيضا بعد التقسيم ، مثل :
    الكلام : إسم وفعل وحرف .
    وتوضعان بعد التمثيل ، مثل :
    المبتدأ والخبر مثل : الاسلام منتصر .
    وتوضعان كذلك بعد الشرح والتفصيل ، مثل : (40) المبتدأ والخبر : إسمان مرفوعان ...
    4 ـ علامة التعجب (!) توضع بعد جمل التعجب .
    5 ـ علامة الاستفهام (؟) توضع بعد جمل الاستفهام .
    6 ـ علامة الانكار (؟!).
    7 ـ الشرطتان الافقيتان (ـ ـ) توضعان لحصر الجمل المعترضة .
    8 ـ كلمة (كذا) أو علامة الاستفهام ، توضع إحداهما إشارة إلى ما استبهم علىالمحقق وقد أثبته كما هو في المخطوط .
    9 ـ النقاط الثلاث الافقية (...) توضع محل البياض في المخطوط أو مكان ما حذفه المحقق .
    10 ـ النجمة (*)توضع مساعدة لارقام الهوامش .
    11 ـ الخط المائل (|) يوضع في متن الكتاب قبل أول كلمة من كل صفحة من المخطوط ، ويوضع الرقم يمين الصفحة المطبوعة .
    ويستعمل ـ أيضاً للفصل ـ بين رقم جزء وصفحة المصدر في الهامش .
    12 ـ حرف الواو (و) يوضع بعد رقم صفحة المخطوط ، مثل : 32 و ، يعني وجه الورقة 32 .
    13 ـ حرف الظاء (ظ) يوضع بعد رقم صفحة المخطوط ، مثل : 32 ظ ، يعني ظهر الورقة 32 .
    14 ـ العضادتان [ ] تستعملان لما يزيده المحقق من عنده لاقتضاء السياق أو تصحيح النص ، أو لما يضيفه المحقق من المصدر ، ولابد في الاضافة أن تكون نافعة وإلا لم تصح .
    15 ـ القوسان المزهرتان تستعملان لحصر الآيات القرآنية الكريمة .
    16 ـ القوسان العاديتان ( ) تستعملان لحصر الأحاديث النبوية الشريفة .
    17 ـ القوسان المضاعفتان الصغيرتان « » تستعملان لحصر النصوص المنقولة عن كتب أخرى ، أو أسماء الكتب ، أو أسماء الاعلام ..
    والشكلان الأخيران من الاقواس لم يستقر بهما الامر على قرار ، فالمحقق مخير في استعمالهما .(41)

    وللمحقق أن يصطلح من هذه المكملات المحسنات ـ أعني الاقواس والنجوم ـ على ما يزيد عمله وضوحا وييسر لقارىء كتابه سبل الدلالة ، شرط أن يذكر في مقدمة التحقيق ما اصطلح عليه.
    * * *
    صنع الفهارس
    حين ينتهي المحقق من كتابة مبيضة الكتاب التي يطمئن إليها ، ويعمتد على مادونه فيها ، ويرى أنه محاسب علىعمله فيها ... يدفعها إلى المطبعة التي اختارها نظيفة الخط محمودة العمل ، ويختار لكتابه الاحجام المناسبة من الحروف والعلامات .
    وأرى أن لا يكل مقابلة كراريس المطبعة مع مبيضته إلى غيره ، وإن أعانه عارف بالفن فبها ونعمت .
    فإذا تم عمل المطبعة في هذا القسم من الكتاب ـ وهو القسم الاعظم والمقصود الاصلي منه ـ اشتغل المحقق بصنع فهارس الكتاب . والفهرسة ضرورة لازمة ، لان الكتاب بدونها خزانة مقفلة يعسر على القارىء والباحث استخراج ما يحتاجه منه . وأرى أن الكتب التي هي فهارس في واقعها كمعاجم اللغة ، محتاجة إلى فهارس كثيرة . فقد صنع محققا « الفائق في غريب الحديث » للزمخشري ، وهما الاستاذان محمد أبوالفضل إبراهيم ، وعلي محمد البجاوي ... صنعا ( فهرس الالفاظ اللغوية مرتبة على حروف الهجاء) (1) فذكرا المواد الغوية مرتبة على حروفها الاولى ، وذكرا ضمن الموادّ الألفاظ اللغوية التي فسرت في هذا المعجم وأرقام صفحات أماكنها ، فأحسنا بذلك صنعا ويسرا على الباحثين ووفرا عليهم كثيرا من الوقت .
    فلوصنع محققوا المعجمات العربية فهارس مثل هذا الفهرس لكل معجم لأفادت فائدة عظيمة النفع في البحوث الاحصائية لالفاظ اللغة العربية الجليلة وفي غيرها .

    (1) هو الفهرس الثامن من الفهارس التي صنعاها ، انظره في ج 4 | 241 ـ 345 من طبعتهما للفائق .(42)
    البحوث اللغوية ، فضلا عن تقريب اللفظ المبحوث عنه إلى القارىء وجعله منه على طرف الثمام .
    وصنعا أيضاً ـ وهو من جميل ما صنعاً ـ فهرساً للموضوعات استخرجا عناوينه بدقة ، ففتحا بذلك خزانة من خزائن الكتاب للباحثين .
    وهذا محقق « النهاية في غريب الحديث والاثر » لابن الاثير ، صنع له فهارس كثيرة ، أسردها عليك كما ذكرها هو في ج 5| 307 وهي :
    1 ـ فهرس الايات القرآنية الكريمة .
    2 ـ فهرس الاشعار .
    3 ـ فهرس أنصاف الابيات .
    4 ـ فهرس الارجاز .
    5 ـ فهرس الامثال .
    6 ـ فهرس الأيام والوقائع والحروب .
    7 ـ فهرس الخيل وأدوات الحرب .
    8 ـ فهرس الاصنام .
    9 ـ فهرس الاعلام .
    10 ـ فهرس الامم والفرق والطوائف .
    11 ـ فهرس الاماكن .
    12 ـ فهرس الكتب التي ذكرت في متن الكتاب .
    13 ـ فهرس مراجع التحقيق .
    وقد طال الكلام في الفهارس ، وهو بحث يستأهل أكثر من هذه السطور ، وله مضطرب واسع في غير هذه النظرات السريعة إنشاء الله تعالى .ولكني وكلت الامر إليك ـ أخي المحقق ـ فانظر في الفهارس التي أجاد صنعها المحققون تنفتح لك أبواب واسعة وتظهر لك فهارس جديدة إن أنت أعملت فكرك مجتهدا ، والتقليد ـ كما تعلم ـ سُنّة العاجزين.(43)

    كتابة مقدمة التحقيق :
    انتهى عمل المحقق في صلب الكتاب ، وقد صفا الوقت لكتابة مقدمته ، والمحقق خلال عمله اطلع على خفايا الكتاب ، وقتل مخطوطاته درسا ، وعرف مؤلفه معرفة وافية ؛ فما عليه الان ـ وقد تجمعت له مادة كافية ـ إلا أن يعمل قلمه في كتابة المقدمة . وقد جرت العادة أن تبدأ المقدمة بترجمة مؤلف الكتاب ، ودرجته العلمية ، وأقوال العلماء فيه ، وذكر المصادر التي ترجمت له .
    ثم الحديث عن الكتاب وفائدته للامة وأهمية إحيائه ، وعن الكتب التي تشبهه في موضوعه ومكانه بينها .
    ثم وصف مخطوطاته وصفا دقيقا ، والدلالة على أماكنها من مكتبات الدنيا ، ويجب أن يرفق المحقق بهذا الوصف نماذج مصورة من أوائل المخطوطات وأواسطها وأواخرها .
    ثم يذكر المحقق عمله في الكتاب ليكون القارئ على بيّنة من أمره فيطمئن إلى الكتاب ويقتنيه ذخيرة ثقافية نافعة ، إنشاء الله تعالى.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    -------
    [align=center]مراحل تحقيق المخطوطات وضبطها[/align]
    ملخص من كتاب
    [توثيق النصوص وضبطها] لموفق عبد القادر
    مقدمة
    إن تحقيق النصوص أمانة دينية وعلمية وأخلاقية ، وإن من واجب المحقق أن يعلم أن هذه النصوص إنما هي وثائق تاريخية لا يحق له أن يتلاعب بها وأن يجعل من نفسه مصححا أو مقوما لهذه الوثائق . وإن الأمانة العلمية تقتضي منه الحرص التام على نقل هذه الوثائق كما هي . لذا على المحقق أن يضع في ذهنه قبل كل شيء إثبات ما قاله المصنف خطأ كان أم صواباً ، وأن لا ينصب نفسه حكما على هذه النصوص فيبيح تصحيحها أو تبديلها بنصوص أخرى . وعليه أن يكد ذهنه ليصل إلى النص السليم الذي قاله المصنف وأن يتحرى الدقة الكاملة والحذر الشديد ليفرق بين خطأ النساخ وخطأ المصنف واختلاف النسخ واختلاف الروايات . كما يجب أن يعارض بين النسخ المتعددة للوصول إلى الصواب . فالمعارضة بين النسخ مهمة في كشف صحة ما قاله المصنف وربما تكون هنالك ضرورة الإضافة من هذه النسخ للنسخة الأصل تقتضيها سلامة النص كإتمام نقص أو تصحيح تحريف أو تصحيف أو سقط كلام . وهذا يأتي بعد اتخاذ نسخة تكون أصلا بعد دراستها دراسة علمية دقيقة ثم معارضتها بالنسخ الأخرى والإشارة إلى الفروق بين النسخ في حاشية الكتاب مع التحري في الدقة في عدم إضافة أي لفظ أو تغيير أي عبارة من نسخة الأصل اللهم إلا لضرورة علمية لا مناص منها ، فعندئذ يلجأ المحقق إلى الإضافة أو التبديل مستعينا بالنسخ الأخرى ولا يتم ذلك إلا بعد التمحيص الدقيق . وأفضل الوسائل للوصول إلى ما كتبه المصنف المقابلة وهي : أن يقابل المحقق نسخته على النسخ الأخرى لإصلاح ما يوجد من فروق أو تحريف أو زيادة أو نقص .
    أولاً : توفر النسخ واختيار نسخة تكون أصلاً يُعتمد عليه في التحقيق :
    بعد أن تتوفر النسخ الخطية للكتاب المراد تحقيقه يأخذ المحقق بدراسة هذه النسخ ويجب أن يراعي في اختيار نسخة تتخذ كأصل ما يلي :
    1- قدم النسخة المخطوطة . لا شك أن قدمها قد يكون من الأسباب التي ترشحها لأن تتخذ كأصل يعتمد عليه في التحقيق .
    2- النسخة التامة . لابد أن تكون النسخة تامة كاملة غير ناقصة . إضافة إلى أن النسخة قد تكون عورضت وقوبلت على نسخ أخرى ، وقرأها عدد من العلماء وصححت وكتبت عليها البلاغات والسماعات وخطوط العلماء . فهي بهذا تكون مرشحة أكثر من غيرها لأن تتخذ أصلا يعتمد عليها في التحقيق إذا توفر ذلك .
    3- إذا تحصل المحقق على نسخة واحدة من المخطوطة يجب ألا يبدأ في تحقيقها حتى يتحصل على أخواتها من من النسخ الأخرى الموجودة في المكتبات ، ولابد أن يسعى في الحصول عليها ليتم بها المقارنة والمقابلة بشكل صحيح . هذا إذا كان للمخطوطة نسخ أخرى موجودة في العالم .
    ثانياً : تسمية الكتاب وصحة نسبته إلى المصنف :
    بعد أن تجتمع لدى المحقق النسخ الكافية للتحقيق ، لا بد أن يتأكد من تسمية الكتاب وصحة نسبته إلى المصنف . ويجب ألا يضيف المحقق الاسم من عنده لأن الأمانة العلمية تقضي ذلك . ويجب اتباع الخطوات التالية :
    1- الرجوع إلى ترجمة المصنف من كتب التراجم للتأكد من تسمية الكتاب .
    2- الرجوع إلى كتب الفهارس ككتاب الفهرست لابن نديم أو غيره من الكتب .
    3- قراءة مقدمة الكتاب وتصفح أجزائه بدقة إذ قد يصرح المصنف باسم الكتاب في ثناياه أو في آخره .
    4- إذا لم نعثر على اسم الكتاب إطلاقاً ينظر في مادته العلمية وبعد تحديدها نرجع إلى المؤلفات التي كتبت في الفن لعلها تقتبس منه وتشير إليه . ومن الواجب على المحقق في أمثال هذه الحالات الاستعانة بذوي الخبرات من أهل العلم والدراية والاستفادة منهم في التعرف على طبيعة الكتاب وبالتالي محاولة التوصل إلى اسم المؤلف وكتابه .
    ثالثاً : ملاحظات عامة :
    1- السقط : كثيراً ما يقف المحقق أثناء مقارنته بين النسخ على سقط وقع به الناسخ ، وقد يكون كلمة أو جملة أو سطراً . وقد ينبه الناسخ إلى وقوع هذا السقط فيشير إليه في الهامش . أما إذا لم يلحق ذلك السقط وعثر عليه في النسخ الأخرى فإنه يوضع بين [ ] معقوفتين ويشار إليه في حاشية الكتاب إلى أن هذه الزيادة من نسخة كذا وكذا . أما إذا لم يقف المحقق إلا على نسخة واحدة فإن بإمكانه أن يتم النقص سواء أكان هذا النقص من الناسخ أو ما اندرس بسبب التآكل والرطوبة بالرجوع إلى المصادر التي اقتبست نص كلام المؤلف أو المصادر التي لها صلة بمادة الكتاب .
    2- التصحيف والتحريف : التصحيف يحدث في تغيير نقط الحروف وحركاتها ، أما التحريف فيقع في تغيير الكلمة أصلاً . فإذا كان من فعل النساخ وجب على المحقق أن يثبت ما هو صواب من فروق النسخ ويشير إلى ذلك في حاشية الكتاب . أما إذا كان في تحقيقه معتمدا على نسخة واحدة فيرجع إلى المصادر التي اقتبست كلام المصنف ونقلت عنه . فإن كان التحريف من الناسخ فلا مانع من تصحيح الخطأ وحصره بين معقوفتين [ ] ثم الإشارة إليه في حاشية الكتاب . أما إذا كان من المصنف فالأسلم أن يثبته كما هو ويشير إلى الصواب في حاشية الكتاب .
    3- التقديم والتأخير : قد يحدث تقديما أو تأخيراً للكلام وقد يقع في الأسماء أو في أبواب الكتاب ، أو ترجمة تتقدم على ترجمة أو حديث أو غير ذلك . وعندها يجب على المحقق أن يشير إلى هذا التقديم والتأخير بعد التأكد التام من خلال المقارنة الدقيقة بين النسخ .
    4- الإعادة والتكرار : قد تعاد بعض الكلمات أو الأبواب أو الأعلام لأسباب قد تكون سهوا أو وهما من الناسخ أو غير ذلك .
    5- الخطأ الإعرابي والإملائي : المطلوب من المحقق أن يتثبت من عدة أمور قبل التغيير الذي يعمد إليه . عليه أن لا يلجأ إلى إثبات الصواب إلا بعد التأكد من أن هذا الخطأ هو خطأ حقيقي ، ولا يمكن أن يحتمل وجها من وجوه العربية . ثم عليه معرفة المصنف وما يتعلق بشخصيته العلمية ، فقد يكون المصنف نفسه يلحن وعندئذ يجب عليه أن يجمع أخطاء المصنف اللغوية ويضعها في فهرست الكتاب ثم في حالة إصلاح اللحن من قبل المحقق عليه أن يضع ما أصلحه بين [ ] ويشير إليه في حاشية الكتاب إلى ما كان في الأصل .
    رابعاً : مكملات التحقيق وضرورياته :
    1- المقدمة : أن يقدم المحقق للكتاب مقدمة تتضمن أهمية الكتاب والأسباب التي دفعته إلى تحقيقه ونشره .
    2- ترجمة المصنف : لابد للمحقق أن يترجم للمصنف ترجمة وافية تعرف القارئ به وبمصادر ترجمته . فعلى سبيل المثال يجب أن تذكر : اسمه ونسبه ، وكنيته ولقبه ومذهبه . ثم مولده ومنشؤه وطلبه للعم ورحلاته العلمية وشيوخه وتلاميذه والمدارس التي درس فيها وأقوال العلماء فيه ومؤلفاته ووفاته .
    3- ترجمة موجزة لناسخ الكتاب .
    4- دراسة الكتاب : لابد أن يبرز المحقق أهمية الكتاب الذي حققه ومدى الاستفادة منه وأهم عناصره وأثره فيما بعد بما في ذلك شخصية المصنف ومقدرته العلمية .
    5- الإشارة إلى رقم صفحات المخطوطة : كأن يشير المحقق إلى رقم صفحة المخطوطة المعتمدة في التحقيق وذلك بوضع [ / ] خط مائل يشير إلى بداية كل صفحة جديدة من المخطوطة ، ويكتب في الهامش رقم الورقة وهل هي الوجه (أ) أو (ب) .
    6- تقسيم الكتاب : من الضروري جدا المحافظة على تقسيم المصنف للكتاب وعدم إحداث تقسيم جديد يخالف تقسيم المصنف .
    7- الإضافات والزيادات على النص : كثيراً ما يتلاعب المحققون بأصل المصنف فيضعون عناوين للكتاب من عندهم وأشياء أخرى كثيرة . والأصح أن لا توضع هذه الزيادات في صلب الكتاب إلا للضرورة العلمية القصوى التي يتوقف عليها معنى الكلام فتوضع إكمالا للنقص .
    8- التعليقات والتخريجات : لابد للمحقق الناجح أن يهتم بتعليقاته على الكتاب من شرح كلمة غريبة أو معنى غامض أو كلمة تحتاج إلى توضيح أو التعريف بمدينة أو بلدة أو ضبط علم أو كنية أو لقب أو نسبة أو تخريج حديث أو بيت شعر أو رد اعتراض على المصنف ، أو بيان وهم أو التعريف بعالم ذكر في الكتاب . وغير ذلك .
    9- الفهارس العلمية : ينبغي على المحقق أن يضع فهارس للكتاب على النحو التالي : فهرس التراجم ، الأعلام ، الجماعات والقبائل والأمم والطوائف ، الأماكن ، القوافي ، مصادر الدراسة والتحقيق ، ملحقات وتصويبات ، موضوعات ، دوريات . [/align]

  • #2
    جزاك الله خيرا
    لم يتسن لي الوقت الآن لقراءته و لكن نظرت في بعضه
    و أرى أنه يستحق الشكر

    تعليق


    • #3
      هذه قواعد نظرية جيدة يكاد يتفق على معظمها لدى المحققين ، وتبقى الممارسة الواعية للتحقيق هي التي تشحذ المحقق ، وتصقل معرفته للتعامل مع النصوص المخطوطة المستغلقة ، ثم يزيد بصره بكلام بعض العلماء حتى يميزه عن غيره . والذي يبدو لي أن الكتاب المخطوط هو الذي يحدد المنهج الذي ينبغي السير فيه في تحقيقه. فلا تستطيع أن تحدد منهجاً موحداً لتحقيق جميع الكتب المخطوطة ، وإن كان هناك حد أدنى من أصول التحقيق لا بد من الالتزام بها. وبعض الباحثين ينتقد بعض التحقيقات التي تقل حواشيها ، كتحقيقات عبدالسلام هاورن مثلاً لكتب الجاحظ ، ولم يتنبه للجهد الذي بذله المحقق لقراءة النص المخطوط المستغلق في أحايين كثيرة ، وهذا هو الجانب المخفي في جهد المحقق ، لا يكاد يتنبه له إلا القليلون ممن مارس هذا الأمر.
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق

      19,961
      الاعــضـــاء
      231,880
      الـمــواضـيــع
      42,542
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X