• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • قراءة فى كتاب أسرار التكرار في القرآن الكريم

      قراءة فى كتاب أسرار التكرار في القرآن الكريم
      الكتاب تأليف ثامر سليمان الحامد وهو يدور كما هو المفروض فى العنوان حول التكرار في القرآن الكريم ولكن ثلثى الكتاب تقريبا لا علاقة له بالقرآن وإنما هو تاسيس للتكرار اللغوى من خلال استعراض آراء اللغويين والنقاد وفى هذا قال الحامد فى المقدمة:
      "فإن للتكرار في تراثنا العربي شأنا كبيرا؛ فقد عني به المتقدمون، ولم يغفل عنه المتأخرون، إلا أن هناك أمورا يجب ألا تخفى على كل من له عناية بأدبنا العربي الأصيل.ومن هنا جاء هذا البحث ليعطي إضاءة حول هذا المصطلح، ويجيب عن بعض الأسئلة التي تعرض على القارئ، أسأل الله أن يوفقني في عرض ما يفيد، إنه على كل شيء قدير."
      ثم استعرض الرجل تاريخ المصطلحات فى اللغة العربية فقال:
      "إن مما تميزت به اللغة العربية أنها لغة حية، تنمو وتتطور مع كل مرحلة من مراحل الحياة التي يمر بها المجتمع، وهذا ينطبق على المصطلحات، فنجد أن المصطلحات في بدايتها تدل على الجوانب المحسوسة، ثم ما تلبث أن تتطور تلك المعاني، وتدل على معان أخرى بعيدة عن المعاني المحسوسة، وقد تتطور المعاني غير المحسوسة في اللغة، وهذا دليل على أن اللغة تتطور وتنمو، ولا تلتزم بمعان محدودة.
      وإذا كان شأن اللغة كذا، من تطور إلى آخر، فهذا يدفعنا إلى الحاجة الشديدة إلى ضبط هذه المعاني والمصطلحات؛ لذا شهدت اللغة العربية فيضا من المصطلحات الجديدة في العصر الإسلامي الأول، ثم فيما تلاه من العصور، فلو نظرنا إلى مصطلح الصلاة نجد أن معناه الدعاء، لكنه في عصر الإسلام تطور هذا المصطلح، فأصبح يدل على معنى آخر، وهو التعبد إلى الله بأعمال مخصوصة في أزمان مخصوصة، تبدأ بالتكبير، وتنتهي بالتسليم ثم جاءت بعد ذلك الترجمة، فأضفت على العربية مصطلحات جديدة، فتعاظمت الحاجة إلى تنمية المصطلحات، والملاحظ أن تطور العلم وتقدمه لا بد أن يكون معه تطور في المصطلحات، وتقدم فيها، فمثلا لو نظرنا إلى غالب المصطلحات - سواء كانت في النحو أو اللغة أو البلاغة

      - سنجد أن معانيها محسوسة.
      وسيكون بحثي في علم المصطلح عن مصطلح التكرار، وما دلالة هذا المصطلح، وما المراحل التي مر بها هذا المصطلح، والتعريفات الاصطلاحية للتكرار، ثم نقد هذه التعاريف، وتقييمها"

      وفى الباب الأول عرف التكرار لغويا فنقل لنا من بطون الكتب فقال:
      "الباب الأول:
      أولا: تعريف مصطلح التكرار لغة:
      التكرار مصدر من كرر يكرر تكرارا، والكر: الرجوع، يقال: كره وكر بنفسه، يتعدى ولا يتعدى، والكر: مصدر كر عليه يكر كرا وكرورا وتكرارا: عطف، وكر عنه: رجع، وكر على العدو يكر، ورجل كرار ومكر، وكذلك الفرس، وكرر الشيء وكركره: أعاده مرة بعد أخرى، ويقال: كررت عليه الحديث وكركرته إذا رددته عليه، وكركرته عن كذا كركرة إذا رددته، والكر: الرجوع على الشيء، ومنه التكرار
      التكرار: عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى

      ثانيا: صيغة تفعال:
      وذكر أهل العربية أن جميع المصادر التي جاءت على تفعال هي بفتح التاء إلا مصدرين: تبيان، وتلقاء، وقال بعضهم: تنضال أيضا، وأما أسماء الأجناس والصفات فقد جاءت منها عدة أسماء على تفعال بكسر التاء: تجفاف، وتمثال، وتمساح، وتقصار، وهي المخنقة القصيرة، وتمراد، وهو بيت صغير يتخذ للحمام، ورجل تيتاء، وهو العذيوط، وتبراك، وتعشار، وترباع، وهي أسماء أمكنة، وقالوا: مر تهواء من الليل بمعنى هوي، ورجل تنبال؛ أي: قصير، وتلعاب؛ أي: كثير اللعب، وتلقام؛ أي: سريع اللقم، وقالوا - أيضا -: ناقة تضراب، إذا ضربها الفحل، وثوب تلفاق؛ أي: لفقان فخلاصة القول أنها مصدر جاء على المشهور بفتح التاء.
      قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه يجعل التفعال تكثيرا للمصدر الذي هو للفعل الثلاثي، فيصير التهدار بمنزلة قولك: الهدر الكثير، والتلعاب بمنزلة اللعب الكثير، وكان الفراء وغيره من الكوفيين يجعلون التفعال بمنزلة التفعيل، والألف عوضا من الياء، ويجعلون ألف التكرار والترداد بمنزلة ياء تكرير وترديد، والقول ما قاله سيبويه؛ لأنه يقال: التلعاب، ولا يقال: التلعيب، قال سيبويه: وأما التبيان فليس على شيء من الفعل لحقته الزيادة، ولكنه بني هذا البناء فلحقته الزيادة "

      وكلامه عن صيغة تفعال كلام لا لزوم له فى الكتاب لأنه لم يعرف التكرار وإنما كله استعراض لمعانى كلمات على الوزن ثم استعرض مصطلح التكرار فقال:
      "ثالثا: تعريف مصطلح التكرار اصطلاحا:
      التكرار في الاصطلاح: تكرار كلمة أو جملة أكثر من مرة لمعان متعددة؛ كالتوكيد، والتهويل، والتعظيم، وغيرها وهو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ والمعنى، والمراد بذلك تأكيد الوصف، أو المدح، أو الذم، أو التهويل، أو الوعيد، أو الإنكار، أو التوبيخ، أو الاستبعاد، أو الغرض من الأغراض وهو ذكر الشيء ثانيا بعد ذكره أولا، وكثرته بذكره ثالثا، والمراد بالكثرة ما فوق الواحد، وإنما شرط الكثرة؛ لأن التكرار بلا كثرة لا يخل بالفصاحة، وإلا قبح التوكيد اللفظي "
      ومما سبق نجد أن الحامد بين أن التكرار نوعان :
      الأول التكرار اللفظى والثانى تكرار المعنى وظهر للحامد أنه هناك أخطاء فى هذا فانتقد المصطلح فقال:
      "رابعا: نقد المصطلح:
      من خلال المصطلحات السابقة يظهر لي أن مصطلح التكرار مصطلح يحتاج إلى إعادة النظر فيه؛ إذ إنه مصطلح فيه شيء من الاضطراب، وهذا ما جعل النقاد يقفون منه موقفا مختلفا؛ فمنهم من فهم من التكرار معنى العيب والنقص، ومنهم من فهم منه نوعا من أنواع البلاغة وفنا من فنونها؛ ولذلك اختلف العلماء والمفسرون في وصف القرآن بالتكرار، هل في القرآن تكرار؟ أو لا يوجد في القرآن تكرار؟
      فمن نظر إلى أن التكرار عيب من عيوب الكلام ونقص فيه، نفى أن يكون في القرآن تكرار، فوقع في إشكالية المصطلح، فماذا يمكن أن يطلق على التعدد في قوله في سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ فوقع في حرج، فمنهم من أطلق عليه: "متشابه" استنادا

      لقوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ....
      وعلى هؤلاء نورد تساؤلا: التشابه يقتضي الاختلاف، فمن أطلق على الآيات التي وردت في سورة الرحمن - على سبيل المثال - متشابهات، فما الاختلاف الذي بينها؟! فأي تشابه لا بد أن يقتضي بعض الجوانب التي يكون فيها اختلاف، فما هي جوانب الاختلاف؟
      ومنهم من قال: إن التكرار فن من فنون البلاغة، وليس عيبا، وهؤلاء القائلون بهذا لم يريدوا تغيير المصطلح، فنفوا الإشكالية التي ترد عليهم، وقسموا التكرار إلى قسمين: قسم حسن، وقسم قبيح، وجعلوا التكرار الذي في القرآن من القسم الحسن.
      وفي رأيي أن القسمين فيهما إشكالية؛ ولذلك حصل هذا الاختلاف في نفي الظاهرة وإثباتها في القرآن، فلو أطلقنا على هذه الظاهرة التعدد لخرجنا من إشكالية المصطلح، وأطلقنا التكرار على ما يتضمن عيبا في الكلام، لكان هذا أسلم للمصطلح، وأدق له، وأبعد عنهم الخلاف في التسمية."

      على حد علمى أن سواء سميت إعادة اللفظ تكرار أو إعادة أو غير هذا فهذا لن يغير من الحقيقة شىء وكلام النقاد لا قيمة له أساسا لأنه مبنى على غير أساس من كتاب الله فمن قال أن التكرار الكلامى كالبسملة أو جملة فبأى آلاء ربكما تكذبان مثلا عيب مخطىء لأن التكرار قاله الله فى الكتاب لسبب كما قال تعالى "ما نثبت به فؤادك"
      وحاول الحامد التفرقة بين التكرار والإعادة فقال:
      "خامسا: الفرق بين مصطلح الإعادة والتكرار:
      أن التكرار يقع على إعادة الشيء مرة، وعلى إعادته مرات، والإعادة للمرة الواحدة، ألا ترى أن قول القائل: أعاد فلان كذا لا يفيد إلا إعادته مرة واحدة؟ وإذا قال: كرر هذا، كان كلامه مبهما، لم يدر أعاده مرتين أو مرات؟ وأيضا فإنه يقال: أعاده مرات، ولا يقال: كرره مرات، إلا أن يقول ذلك عامي لا يعرف الكلام؛ ولهذا قالت الفقهاء: الأمر لا يقتضي التكرار، والنهي يقتضي التكرار، ولم يقولوا: الإعادة، واستدلوا على ذلك بأن النهي: الكف عن المنهي، ولا شيء في الكف عنه ولا حرج، فاقتضى الدوام والتكرار، ولو اقتضى الأمر التكرار للحق المأمور به الضيق والتشاغل به عن أموره، فاقتضى فعله مرة، ولو كان ظاهر الأمر يقتضي التكرار، ما قال سراقة للنبي (ص): ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي (ص): ((لو قلت: نعم، لوجبت))، فأخبر أن الظاهر لا يوجبه، وأنه يصير واجبا بقوله، والمنهي عن الشيء إذا عاد إلى فعله لم يقل: إنه قد انتهى عنه، وإذا أمر بالشيء ففعله مرة واحدة لم يقل: إنه لم يفعله، فالفرق بين الأمر والنهي في ذلك ظاهر ومعلوم"

      والتفرقة بين الكلمتين كمصطلحين ضرب من الخيال فمن قال ان الأمر لا يقتضي التكرار، والنهي يقتضي التكرار مخطىء فى كلامه فقد تكررت أوامر مثل أقيموا واستغفروه أو استفغروا وتوبوا إليه فى القرآن فثبت أن كلام الفقهاء وهم منهم كما أن بعض المنهى عند تكرر والبعض الأخر ذكر مرة واحدة مثل " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" ومثل "ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن"
      وكلمة الإعادة قد تقتضى معنى فعل مرة واحد كإعادة الأمانة لصاحبها وقد تقتضى التكرار كالبدء وهو الخلق فى قوله " كما بدأنا أول خلق نعيده " فالإعادة هنا تكرار لفعل الخلق مرة ثانية
      ثم حدثنا الحامد عن التكرار والبلاغة فقال:
      "سادسا: مصطلح التكرار والبلاغة:
      مهما تقول البعض فلا يستطيع أحد إنكار ما لهذا الأسلوب البلاغي من أهمية بالغة، يدركها من تذوق الكلام، وعرف مداخله ومخارجه، ويحرم منها من فسد ذوقه، وشيوعه في الكلام العربي قديما وحديثا خير شاهد ودليل على أنه ظاهرة معروفة، وإنما يكمن جمالها في حسن توظيفها.
      وعليه: فالحكم على التكرار "جزافا" أمر لا تقره قواعد العلم السليم، ولكن يمكننا أن نقول في الحكم عليه: "إنه أمر نسبي؛ بمعنى أنه تارة يحسن ويجمل، وذلك إذا فطن المتكلم لمواطن استخدامه، وقد يقبح إذا أساء المتكلم استخدامه، كأن يستخدمه في غير موضعه.
      ولذا نجد العديد من الشعراء قد استخدم التكرار فأجاد، بينما استخدمه البعض فأخفق؛ فالأمر يعود إلى المستخدم ذاته، هل استطاع أن يوظف هذا التكرار توظيفا بلاغيا مفيدا، أم أنه عجز أمامه، وألقى بالتكرار عشواء في ثنايا كلامه، فصار مستهجنا؟
      وإذا استعرضنا كلام الشعراء والأدباء وجدنا به ضروبا من هذا الفن الذي عانق السماء في مواضع، ولم يجاوز الحضيض في أخرى، وسنعرض ذلك في الأبواب اللاحقة إن شاء الله."

      كعادة الكثيرين الرجل هنا يلتمس عذرا للقرآن بكلام الشعراء وغيرهم ولا يمكن أن نشبه كلام البشر بكلام الخالق فمن يحتاج لهذر هو النقاد الذين يبنون كلامهم على غير كتاب الله فالمقياس الأول والأخير لأى شىء هو كتاب الله كما قال تعالى " وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله"ومن ثم من يحتاج للعذر هو النقاد لأنهم اعتمدوا على هواهم فى تفسيراتهم ولم يبنوا كلامهم على الأساس الوحيد لأى علم وهو كتاب الله
      ثم كتب فقرة كبيرة عن التكرار فى القرآن أكثرها ليس عن أسباب التكرار فى القرآن فقال :
      "سابعا: التكرار والقرآن:
      وها هنا معنى دقيق في التحدي، ما نظن العرب إلا قد بلغوا منه عجبا، وهو التكرار الذي يجيء في بعض آيات القرآن، فتختلف في طرق الأداء، وأصل المعنى واحد في العبارات المختلفة؛ كالذي يكون في بعض قصصه لتوكيد الزجر والوعيد، وبسط الموعظة، وتثبيت الحجة ونحوها، أو في بعض عباراته لتحقيق النعمة، وترديد المنة، والتذكير بالنعم، واقتضاء شكرها، إلى ما يكون من هذا الباب، وهو مذهب للعرب معروف، ولكنهم لا يذهبون إليه إلا في ضروب من خطابهم؛ للتهويل والتوكيد والتخويف والتفجع، وما يجري مجراها من الأمور العظيمة، وكل ذلك مأثور عنهم، منصوص عليه في كثير من كتب الأدب والبلاغة.
      بيد أن وروده في القرآن مما حقق للعرب عجزهم بالفطرة عن معارضته، وأنهم يخلون عنه لقوة غريبة فيه لم يكونوا يعرفونها إلا توهما، ولضعف غريب في أنفسهم لم يعرفوه إلا بهذه القوة؛ لأن المعنى الواحد يتردد في أسلوبه بصورتين أو صور، كل منها غير الأخرى؛ وجها أو عبارة، وهم على ذلك عاجزون عن الصورة الواحدة، ومستمرون على العجز لا يطيقون ولا ينطقون.
      فهذا لعمرك أبلغ في الإعجاز، وأشد عليهم في التحدي؛ إذ هو دليل على مجاوزتهم مقدار العجز النفسي الذي قد تمكن معه الاستطاعة أو تتهيأ المعاريض حينا بعد حين، إلى العجز الفطري الذي لا يتأول فيه المتأول، ولا يعتذر منه المعتذرون، ولا يجري الأمر فيه على المسامحة.
      وقد خفي هذا المعنى - التكرار - على بعض الملحدة وأشباههم، ومن لا نفاذ لهم في أسرار العربية ومقاصد الخطاب، والتأتي بالسياسة البيانية إلى هذه المقاصد، فزعموا به المزاعم السخيفة، وأحالوه إلى النقص والوهن، وقالوا: إن هذا التكرار ضعف وضيق من قوة وسعة، وهو - أخزاهم الله - كان أروع وأبلغ وأسرى عن الفصحاء من أهل اللغة والمتصرفين فيها "

      وفى الفصل الثانى استعرض الرجل آراء النقاد فى التكرار فقال :
      "الفصل الثاني:
      أولا: آراء العلماء في مصطلح التكرار:
      أولا: رأي عبدالقاهر الجرجاني:
      والسبب في ذلك يشرحه الإمام الذواقة "عبدالقاهر الجرجاني" فيقول: لأنك إذا حدثت عن اسم مضاف، ثم أردت أن تذكر المضاف إليه، فإن البلاغة تقتضي أن تذكره باسمه الظاهر ولا تضمره، وتفسير هذا أن الذي هو الحسن الجميل أن تقول: جاءني غلام زيد وزيد، ويقبح أن تقول: جاءني غلام زيد وهو ثم يستشهد بقول دعبل:
      أضياف عمران في خصب وفي سعة = وفي حباء وخير غير ممنوع
      وضيف عمرو وعمرو يسهران معا = عمرو لبطنته والضيف للجوع
      ويقول المتنبي:
      بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه = إليك وأهل الدهر دونك والدهر
      ثم يبين عبدالقاهر في تحليل دقيق كيف أن هذا الذكر أبلغ بكثير من الإضمار، فلو قيل: وضيف عمرو وهو يسهران معا، أو: وأهل الدهر دونك وهو، لعدم حسن ومزية لا خفاء بأمرهما، ليس لأن الشعر ينكسر، ولكن تنكره النفس ، وينفي عبدالقاهر أن يكون هذا الإضمار سببا للبس، بل السبب عائد إلى سماجة هذا الأسلوب، وأنه لا يوازي إعادة الظاهر في إشباع المعنى وفي استقامته وتوكيده، إلى غير ذلك من الأغراض البلاغية التي يحكمها الذوق.
      وزاد واستشهد بقول النابغة:
      نفس عصام سودت عصاما = وعلمته الكر والإقداما
      وقال: لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس، وباعثا للأريحية،لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته، شيء منه ألبتة

      ثانيا: رأي الفراء:
      تحدث الفراء في كتابه "معاني القرآن" عن تكرار الحروف، فأجاز الجمع بينهما إذا اختلف المعنى، ومنعه إذا اتحد، ومعنى هذا أنه لا يجيز التكرار في المعنى واللفظ إلا ما كان لتشديد المعنى، ومثله قول الشاعر:
      من النفر اللاء الذين إذا هم = تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا
      ألا ترى أنه قال: "اللاء الذين" ومعناهما الذين، استجيز جمعهما لاختلاف لفظهما، ولو اتفقا لم يجز، لا يجوز "ما ما قام زيد"، ولا "مررت بالذين الذين يطوفون"، وأما إذا قال القائل: "ما ما قلت حسن" فهو جائز؛ لأن المعنى مختلف، فالأولى نافية، والثانية في مذهب "الذي".
      أما إذا اتحد في مثل قوله تعالى: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فذلك حسن لما فرقت بين "أنكم" وبين خبرها بإذا.
      والفراء يجيز تكرار الجمل بشرط أن يكون هناك غرض بلاغي؛ كالتغليظ - مثلا - في قوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ، والكلمة قد تكررها العرب على التغليظ والتخويف، فهذا من ذاك

      ثالثا: رأي ابن جني:
      يتلخص رأي ابن جني فيما يلي:
      أ- ترديد الجمل وتكرارها يكسب القول صفة الكلام ويجعله تاما.
      ب- أن التأكيد اللفظي وإطالة الكلام من طرق العرب، كما كان الإيجاز لهم طريقا.
      ج- تكرار الكلمة بعينها ثقيل، ويجوز في مواضع العناية والاهتمام، أو عند إرادة تقوية المعنى.
      د- زيادة المبنى زيادة في المعنى، وتكرار الكلام مع اختلاف أفانينه من ضروب البلاغة.
      ه- تكرار الجمل وإسهاب الكلام مطلوب في مواضعه.

      رابعا: رأي "ابن فارس" ت 395 هـ:
      قال ابن فارس: ومن سنن العرب: التكرير والإعادة وإرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر ثم استشهد بقول الحارث بن عباد:
      قربا مربط النعامة مني = لقحت حرب وائل عن حيال
      فكرر قوله: "قربا مربط النعامة مني" في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وأراد الإبلاغ في التنبيه والتحذير ويرى ابن فارس - كما يرى علماؤه - أن ما جاء في كتاب الله من التكرار مثل قوله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان جاء على هذه السنة من سنن العرب.

      خامسا: رأي "الثعالبي" ت 429 هـ:
      قسم الثعالبي التكرار إلى عدة أمور، فقال:
      1 - زيادة بغيضة لا تفيد شيئا، ومن المستحسن حذفها.
      2 - زيادة يتم الكلام بدونها، ولكن لا بأس بها في موضعها؛ لما فيها من تفخيم اللفظ، وتأكيد المراد.
      3 - زيادة تعتبر حشوا مستغنى عنه في نظم الكلام، ولكنه حسن في مكانه.
      وقد مثل للزيادة الأولى بـ "صداع الرأس" ومثل للثانية بقول النابغة:
      لعمري وما عمري علي بهين = لقد نطقت بطلا علي الأقارع
      وأما الزيادة الثالثة فكقول طرفة
      فسقى ديارك غير مفسدها = صوب الربيع وديمة تهمى
      والثعالبي يؤيد مذهب التكرار؛ لأنه - كما قال - سنة "من سنن العرب في إظهار العناية بالأمر" "

      ما ذكره الرجل هنا من آراء عن التكرار فى كلام العرب وليس عن التكرار فى القرآن إلا ما ندر ومن ذلك القول " أما إذا اتحد في مثل قوله تعالى: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فذلك حسن لما فرقت بين "أنكم" وبين خبرها بإذا" وهنا اللغوى الناقل عنه وكذلك هو غفل عن حقيقة وهى أن القول هو حكاية الله قول الكفار وليس هذا قول الله وكثير من كلام القرآن هو حديث عن أقوال الكفار والمنافقين وهو ليس كلاما إلهيا حتى يعتبر به فى الاستدلال على أى موضوع
      ثم تحدث الحامد عن مصطلح التكرار في القرآن عند النقاد فقال:
      "ثانيا: آراء العلماء في مصطلح التكرار في القرآن:
      أولا: ابن قتيبة:
      قال ابن قتيبة: "وكانت وفود العرب ترد على رسول الله (ص) للإسلام، فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم".

      ثانيا: رأي الإمام الفخر الرازي:
      قال الإمام الفخر الرازي في "التفسير الكبير" اعلم أنه تعالى لما ذكر قصص الأولين قال: ذلك من أنباء القرى نقصه عليك والفائدة في ذلك أمور:
      أولها: أن الانتفاع بالدليل العقلي المحض إنما يحصل للإنسان الكامل، فأما إذا ذكرت الدلائل، ثم أكدت بأقاصيص الأولين صار ذكر هذه الأقاصيص كالموصل لتلك الدلائل العقلية إلى العقول.
      الوجه الثاني: ذكر هذه القصص سبب لإيصال الدلائل والجواب عن الشبهات إلى قلوب المنكرين، وسبب لإزالة القسوة والغلظة من قلوبهم، فثبت أنها أحسن الطرق في الدعوة إلى الله تعالى.
      الفائدة الثالثة: أنه (ص)كان يذكر هذه القصص من غير مطالعة كتب ولا تتلمذ لأحد، وذلك معجزة عظيمة تدل على النبوة.
      الفائدة الرابعة: أن الذين يسمعون هذه القصص يتقرر عندهم عاقبة الصديق والزنديق، والموافق والمنافق، فإذا تكررت هذه الأقاصيص على السمع فلا بد وأن يلين القلب وتزول العداوة ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال
      الخامسة: أن ظهور الفصاحة ومزيتها في القصة الواحدة إذا أعيدت أبلغ منها في القصص المتغايرة.
      فهذا هو الفائدة فيما تكرر من كتاب الله في قصة موسى وفرعون وسائر

      ثالثا: رأي الإمام بدر الدين الزركشي:
      ذكر الإمام الزركشي عدة فوائد في تكرار القصص في القرآن ، وفي تكرار قصة موسى خاصة، قال: وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر، وهي أمور:
      أحدها: أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا، ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا موسى ، وذكرها في موضع آخر ثعبانا؟ ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا، وهذه عادة البلغاء.
      الثانية: تسلية لقلب النبي (ص) مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم؛ قال تعالى: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك الثالثة: أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة.
      الرابعة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام؛ فلهذا كررت القصص دون الأحكام.
      الخامسة: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد (ص)، ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع؛ إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاؤوا، وبأي عبارة عبروا.
      السادسة: أنه لما سخر العرب من القرآن قال: فأتوا بسورة من مثله وقال في موضع آخر: فأتوا بعشر سور فلو ذكر قصة آدم - مثلا - في موضع واحد واكتفى بها، لقال العربي بما قال الله تعالى: فأتوا بسورة من مثله "إيتونا أنتم بسورة من مثله"، فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه.
      السابعة: أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون، وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى، فقد وجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ.

      رابعا: رأي جلال الدين السيوطي:
      ذكر السيوطي جملة فوائد في تكرير القصص، ونقل آراء كثير من العلماء في هذا الشأن، لكنني سأنقل رأيه في الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص، وبضدها تتبين الأشياء:

      أحدها: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص؛ فإن مآلها إلى الوبال؛ كقصة إبليس وقوم نوح وهود وصالح.
      ثانيها: إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب، كأن النبي (ص) قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلته في سائر القصص.
      قال السيوطي: وظهر لي جواب ثالث، وهو أن سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن يقص عليهم - كما رواه الحاكم في مستدركه - فنزلت مبسوطة تامة؛ ليحصل لهم مقصود القصص من استيعاب القصة، وترويح النفس بها، والإحاطة بطرفيها.
      وجواب رابع: إن قصص الأنبياء إنما كررت لأن المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك؛ لتكرر تكذيب الكفار للرسول (ص)، فلما كذبوا أنزلت قصة منذرة بحلول العذاب، كما حل على المكذبين؛ ولهذا قال الله تعالى في آيات: فقد مضت سنت الأولين ، ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن وقصة يوسف لم يقصد منها ذلك، وبهذا - أيضا - يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصة موسى مع الخضر، وقصة الذبيح."

      كلام النقاد هنا كلام غير مبنى على كلام الله فالتكرار يختلف حسب المخاطب فإذا كان الله يخاطب المؤمن فالتكرار هو عملية تثبيت للفؤاد وهو القلب على الإسلام كما فى تكرار القصص كما قال تعالى "وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك" وإذا كان يخاطب الكفار فالغرض هو إعادة تنبيههم كما فى قوله " فبأى آلاء ربكما تكذبان"حتى لا يكون لهم حجة عند الله والمؤمنين أن الرسالة لم تبلغهم كما قال تعالى "لئلا يكون للناس عليكم حجة" وقال " أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون"
      وأما حكاية توزيع القصص على سور متعددة أو وجودها فى سورة واحدة فهو أمر لا علاقة له بالتكرار فى القصص التى ذكرت مرة واحدة مثل قصة يوسف أو قصة طالوت أو قصة أهل الكهف
      وفى الفصل الثالث استعرض أنواع التكرار ولكنه لم يذكر سوى التكرار اللفظى فقال :
      الفصل الثالث
      أولا: أنواع التكرار عامة:
      التأكيد اللفظي: هو تكرار اللفظ، إما بمرادف نحو: ضيقا حرجا بفتح الراء، والعرب تقدم الأشهر ثم تؤكده تقول: "أسود غربيب"، فاستشكل بقوله تعالى: وغرابيب سود [والجواب أن (سود) بدله؛ لأن توكيد الألوان لا يتقدم]، فتأمل، وإما بلفظه، ويكون في الاسم نحو: دكا دكا وفي الفعل، نحو: فمهل الكافرين أمهلهم رويدا وفي اسم الفعل، نحو: هيهات هيهات لما توعدون وفي الحرف نحو: ففي الجنة خالدين فيها وفي الجملة نحو: فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ومن هذا النوع تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل، نحو: فاذهب أنت وربك والمنفصل بمثله، نحو: وهم بالآخرة هم كافرون
      وتأكيد الفعل بمصدره، وهو عوض عن تكرار الفعل مرتين، وفائدته دفع توهم المجاز في الفعل، نحو: وسلموا تسليما ، وتسير الجبال سيرا والأصل في هذا النوع أن ينعت الوصف المراد؛ كقوله تعالى: اذكروا الله ذكرا كثيرا وسرحوهن سراحا جميلا وقد يضاف وصفه إليه، نحو: اتقوا الله حق تقاته ، وقد يؤكد بمصدر فعل آخر، نحو: وتبتل إليه تبتيلا والتبتل مصدر (بتل)، أو اسم عين نيابة المصدر، نحو: أنبتكم من الأرض نباتا أي: إنباتا؛ إذ النبات اسم عين، والحال المؤكدة، نحو: ويوم أبعث حيا ، والتكرير أبلغ من التأكيد، وله فوائد، منها: التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرر تقرر، ومنها: زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، وهو مع التأكيد يجامعه ويفارقه، ويزيد عليه وينقص عنه، فإن التأكيد قد يكون تكرارا وقد لا يكون، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة، وإن كان مفيدا للتأكيد معنى، ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين؛ كقوله تعالى: إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين والتأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده والكلام الابتدائي المجرد، والطلبي المؤكد استحسانا، والإنكاري المذكور وجوبا، فهذه الأقسام الثلاثة ظاهرة الجريان بأسرها في إفادة الحكم دون إفادة لازمه؛ لأن المؤكد إذا ذكر كان التأكيد راجعا بحسب الظاهر إلى الفائدة لا إلى اللازم، وتأكيد المدح بما يشبه الذم وعكسه نحو قوله:
      ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم = تلام بنسيان الأحبة والوطن"

      ثم تحدث عن أهداف التكرار فقال:
      "ثانيا: أغراض مصطلح التكرار في القرآن الكريم:
      ذكر الزركشي في كتابه: "البرهان في علوم القرآن" عدة فوائد للتكرير في القرآن:
      أولا: التأكيد:
      كقوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون وكذا قوله تعالى: وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين الثاني: زيادة التنبيه على ما في التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع فإنه كرر فيه النداء لذلك.
      الثالث: إذا أطال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده؛ كقوله تعالى: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ومثله: لا تحسبن الذين يفرحون ثم قال: فلا تحسبنهم
      الرابع: في مقام التعظيم والتهويل؛ كقوله تعالى: الحاقة ما الحاقة وقوله: وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين
      الخامس: في مقام الوعيد والتهديد؛ كقوله تعالى: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون
      السادس: التعجب؛ كقوله تعالى: فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ، فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض، على حد: قاتله الله ما أشجعه!
      السابع: لتعدد المتعلق؛ كما في قوله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان فإنها وإن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله، وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن، وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاءهم الشكر عليه، وهي أنواع مختلفة وصور شتى."

      وما قاله الحامد من تعدد الأغراض حسب الكلام اللغوى عبر عنه القرآن بتثبيت الفؤاد بالتكرار أو بتنبيه الأفراد حتى لا يكون لديهم حجة فى دخولهم النار
      وفى الفصل الرابع كلمنا عما سماه أسرار التكرار فى القرآن والقرآن ليس فيه أسرار فهو كلام عربى أى واضح مبين فقال :
      "الفصل الرابع:
      أسرار مصطلح التكرار:
      وسنضرب فيه أمثالا من القرآن الكريم؛ لنبين سر هذا التكرار البليغ في كتاب الله
      المثال الأول:
      وإنما كرر في القرآن، فقال : فيهما فاكهة ونخل ورمان لتفضيل النخل والرمان على سائر الفواكه، وذلك [أسلوب] اللغة العربية؛ كما قال تعالى: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وكرر هؤلاء للتفضيل على النبيين، ولم يخرجوا منهم "
      الخطأ الأول تفضيل فواكه عند الله على فواكه وهو ما يخالف أنها عند الله واحدة المكانة ولكن النفضيل عند الناس كما قال تعالى " ونفضل بعضها على بعض فى الأكل"
      والثانى تفضيل الخمسة على باقى النبيين(ص) وهو ما يخالف أن الله ذكر التفاضل بينهم ولم يحدد المفضلين لأنها ليست أفضلية فى المكانة وإنما أفضلية فى العطايا الدنيوية لأن الله طلب من المسلمين عدم التفرقة بين النبيين(ص) فقال على لسانهم " لا نفرق بين أحد منهم "
      ثم قال:
      "المثال الثاني:
      قوله: لقد جئت شيئا إمرا وبعده: لقد جئت شيئا نكرا لأن الإمر العجب والمعجب، والعجب يستعمل في الخير والشر، بخلاف النكر؛ لأن ما ينكره العقل فهو شر، وخرق السفينة لم يكن معه غرق، فكان أسهل من قتل الغلام وإهلاكه، فصار لكل واحد معنى يخصه."
      قطعا المعنى واحد فالإمر هو النكر فالخرق منكر والقتل منكر وهنا الكلام كلام بشر وليس كلام الله ثم قال:
      "المثال الثالث:
      ألم أقل إنك وبعده: ألم أقل لك إنك لأن الإنكار في الثانية أكثر، وقيل: أكد التقدير الثاني بقوله: لك، كما تقول لمن توبخه: لك أقول، وإياك أعني، وقيل: بين في الثاني المقول له لما لم يبين في الأول."

      هنا الكلام كلام بشر وليس كلام الله ثم قال:
      "المثال الرابع:
      - قوله في الأول: فأردت أن أعيبها وفي الثاني: فأردنا أن يبدلهما ربهما وفي الثالث: فأراد ربك أن يبلغا أشدهما لأن الأول في الظاهر إفساد، فأسنده إلى نفسه، والثالث إنعام محض، فأسنده إلى الله ، والثاني إفساد من حيث القتل إنعام من حيث التأويل، فأسنده إلى نفسه وإلى الله ."

      هنا الكلام كلام بشر وليس كلام الله ثم قال:
      "المثال الخامس:
      قوله: فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا اختار التخفيف في الأول؛ لأن مفعوله حرف وفعل وفاعل ومفعول، فاختار فيه الحذف، والثاني مفعوله اسم واحد، وهو قوله: (نقبا) وقرأ حمزة بالتشديد، وأدغم التاء في الطاء في الشواذ فما استطاعوا بفتح الهمزة وزنه استفعلوا، ومثلها: استخذ فلان أرضا؛ أي: أخذ أرضا، وزنه استفعل، ومن أهراق ووزنه استفعل، وقيل: استعمل من وجهين، وقيل: السين بدل التاء، ووزنه افتعل."
      لم يقل الرجل لنا هنا أسرار قرآنية ولا فائدة فكله كلام لغوى عن علم الصرف والنحو ثم قال:
      "المثال السادس:
      وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم
      وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم
      هناك نوعان من الاختلاف بين الآيتين - وإن كان موضوعهما واحدا، فالآية الأولى خطاب من الله إلى بني إسرائيل يذكرهم بنعمه عليهم، ويمن عليهم بأنه نجاهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، والثانية خطاب من موسى (ص)إلى قومه يذكرهم بنعم الله عليهم، ويذكرهم خاصة بتلك النعمة الكبرى، وهي تنجيتهم من آل فرعون الذين يسومونهم سوء العذاب، بالإضافة إلى التغيير في صيغة الفعل: "نجيناكم"، و"أنجاكم"، الأول: متعد بالتضعيف، والثاني: متعد بالهمزة، والأول بضمير المتكلم، والثاني بضمير الغائب.
      ولكن انظر إلى الجزء الخاص بالعذاب الذي كان يوقعه آل فرعون ببني إسرائيل، إن فيه اختلافا بين الآيتين يحدث تغييرا في الصورة:
      يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم
      إن الفارق بين العبارتين حرف واحد، هو الواو التي جاءت في الآية الثانية قبل كلمة (يذبحون)، ولكن انظر كم أحدث الحرف الواحد من الاختلاف بين الصورتين!
      في الصورة الأولى ينحصر العذاب في قتل الأولاد واستحياء النساء، وفي الثانية يصبح هذا الأمر واحدا فقط من ألوان العذاب التي تصب على بني إسرائيل، وإن كان السياق يوحي بأنه من أبرزها وأشدها وأخبثها؛ إذ أجمل (سوء العذاب)، وفصل قتل الأولاد واستحياء النساء."

      لا يوجد فرق فالمعنى واحد فحرف الواو هنا بيس معناه التعديد وإنما معناه التفسير فالواو هنا بمعنى أى التفسير ثم قال:
      "المثال السابع:
      قوله: وسلام عليه يوم ولد في قصة يحيى، والسلام علي في قصة عيسى، فنكر في الأول وعرف في الثاني؛ لأن الأول من الله تعالى، والقليل منه كثير؛ كما قال الشاعر:
      قليل منك يكفيني ولكن = قليل لا يقال له قليل
      ولهذا قرأ الحسن: (اهدنا صراطا مستقيما)؛ أي: نحن راضون منك بالقليل.
      ومثل هذا في الشعر كثير، قال:
      وإني لراض منك يا هند بالذي = لو ابصره الواشي لقرت بلابله
      بلا وبألا أستطيع وبالمنى = وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
      والثاني من عيسى (ص)والألف واللام لاستغراق الجنس، ولو أدخل عليه التسعة والعشرين والفروع المستحسنة والمستقبحة لم تبلغ عشر معشار: سلام الله عليه، ويجوز أن يكون ذلك وحيا من الله ، فيقرب من سلام يحيى، وقيل: إنما دخل الألف واللام لأن النكرة إذا تكررت تعرفت، وقيل: نكرة الجنس ومعرفته سواء، تقول: لا أشرب ماء، ولا أشرب الماء، فهما سواء."

      كما قلنا الكلام الصادر من الخلق يختلف عن الكلام الصادر من البشر إلا أن يكون وحيا وكلام عيسى(ص) هنا وحى لأنه قاله وهو رضيع والرضيع لا يحسن الكلام او لا يتكلم أساسا ومن ثم فالمعنى واحد فى الجملتين ثم قال:
      "المثال الثامن:
      قوله: نسيا حوتهما فاتخذ سبيله وفي الآية الثالثة: واتخذ سبيله لأن الفاء للتعقيب والعطف، فكان اتخاذ الحوت للسبيل عقيب النسيان فذكر بالفاء، وفي الآية الأخرى لما حيل بينهما بقوله: وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره زال معنى التعقيب، وبقي العطف المجرد، وحرفه الواو"
      الجمل فى سياقات كلامية مخالفة فالأول كلام الله والثانى كلام الفتى ومن ثم فهو ليس بتكرار لأنه صادر من اثنين وليس من واحد
    20,173
    الاعــضـــاء
    231,593
    الـمــواضـيــع
    42,605
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X