• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • قرأت لكم : من بلاغة القرآن الكريم .

      نفحات من بلاغة القرآن الكريم - د. عبد الله بن سليم الرشيد

      ( أستاذ مشارك ، رئيس قسم الأدب في كلية اللغة العربية بالرياض )

      امتاز أسلوب القرآن باجتناب سبل الإطالة، والتزام جانب الإيجاز – بقدر ما يتسع له جمال اللغة- وذلك جعله أكثر الكلام افتنانا، أي أكثره تناولا لشؤون القول

      وأسرعه تنقلا بينها.(1)
      وفي هذه المقالة إشارات إلى بعض مكامن البلاغة في القرآن الكريم، بعضها مما وقفت به من قراءات متعددة لبعض المعتنين بهذا الجانب في الدراسات القرآنية، وبعضها

      اجتهاد في تلمس موضع البلاغة، آمل أن يكون فيه شيء من التوفيق، وأعوذ بالله أن أتكلم في كتابه بما ليس لي به علم.
      وكان مما وقفت به مليّا قصة سليمان مع ملكة سبأ،(2) وهي في آيات يصدق عليها ما قاله محمد دراز من أن أسلوب القرآن يتنقل في المعنى الواحد على نحو من السرعة لا عهد بمثله، ولا بما يقرب منه في كلام غيره، ومع هذه التحولات السريعة التي هي مظنة الاختلاج والاضطراب، تراه لا يضطرب، بل يحتفظ بتلك الطبقة العالية من متانة النظم.(3)
      هذا الانتقال السريع الموجِز لكثير من الوقائع والأحداث في تلك القصة بيِّن في قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِيْ هذَا فَألْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاْذَا يَرْجِعُوْنَ*قالتْ يَا أَيُّها المَلَؤُ...(4) وفي قوله: وَإِنِّيْ مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُوْنَ *فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ....(5) ولا شك أن في السياق كثيراً من الحذف البليغ، ففيه إيماء إلى الوقائع، وانتقال أشبه بالإضراب عما يُستغنى عن ذكره.
      أما قوله :قَالَ يَـأيُّها المَلؤُا أيُّكُمْ يَأتِيْنِيْ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أنْ يَأتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ أنَا آتيِكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ*قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَبِ أنَا آتِيكَ بِهِ قبَلَ أن يَرْتَدَّ إليكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيُّ كَرِيمٌ(6)
      ففيه انتقال فجائي بين قول الذي عنده علم من الكتاب وتكفله بأن يأتي بعرشها قبل أن يرتد طرف سليمان إليه، وبين وقوع ما تعهد به من إحضار العرش عند سليمان.
      إن القارئ لهذه الآية يعيش فيها بشعوره وإحساسه بدقة عظيمة، إذ إنه – أي القارئ- لا يكاد يرتد إليه طرفه حتى يفاجئه سياق الآية بتحقق الأمر ووقوعه، وهذا نمط من البلاغة القرآنية مفرَد، فقد تضافر اللفظ والمعنى والسياق في تأدية القصة ونقل ذلك الجو الذي جرت فيه تلك الواقعة العجيبة.
      وشبيه بهذا النمط من البلاغة في سور أخرى قوله تعالى: فلَمَّا رَأوَهُ عَارِضًا مُسْتَقبِلََ أوْدِيَتِهِمْ قَالوْا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتمُ بِهِ رِيْحٌ فِيْها عَذَابٌ أليِمٌ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّهَا فَأصْبَحُوْا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ(7)
      فالانتقال المفاجئ من وصف الريح المقبلة إلى بيان أثرها المروّع (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) يجعل تالي القرآن يشعر بما وقع لأولئك القوم، ويعيش في الجو الذي صحب تلك الريح، بحيث إن أثرها كان لشدته وهوله مغنيا عن ذكر مبادئ هبوب الريح وما فعله القوم لاتقائها.
      وضرب آخر من التعبير القرآني الفريد في قوله تعالى في قصة الأحزاب متضمنا ذكر ما لقيه المؤمنون من الشدة والجهد:
      إذْ جَاؤُوْكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا(8)
      إننا نجد أنفسنا تجاه مشهد عصيب قاسى المسلمون الأوائل شدائده،وقد أسهمت الصورة الفنية في نقله وتشخيصه، وفي جعل القارئ يعيش فيه بشعوره وإحساسه وإن لم يشهده، ففي (زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) تصوير مهول لذلك الفزع والخوف الذي ألجم الأفواه، والعادة أن لسان الخائف ينعقد دهشة ورعبا،فيفقد القدرة على الكلام، فكأنما صعدت القلوب حقيقة إلى أعلى مجرى النفـَس فسدته.
      وفي قوله في قصة نوح : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبَالِ(9) أجد أن مجيء لفظ (الجبال) لتشبيه الأمواج العظيمة بها كان ملائما لحال القوم المخاطبين بهذا القرآن حين نزوله وهم كفار قريش، فالآية مكية، ووجه الملاءمة أنهم يعيشون بين جبال شواهق، ويظهر أن (ال) في (الجبال) عهدية، أي أن المراد – والله أعلم- : موج كهذه الجبال التي أنتم قاطنون بينها. وفي ذلك من التحذير والتقريع والتخويف ما فيه.
      ومما وقفت عنده مليا من أساليب التعبير القرآني أن الآية التي تتضمن دعاء أحد الصالحين يأتي فيها- غالبا- الفعل المتضمن الاستجابة الربانية معطوفا بالفاء، كقوله تعالى في قصة زكريا: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِيْ مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيْعُ الدُّعَاءِ، فَنَادَتْهُ الملائِكَةُ..(10)
      وكذلك في قصة نوح: فَافْتَحْ بَيْنِيْ وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِيْ وَمَن مَّعِيَ مِنَ الـمُؤْمِنِينَ* فَأنْجَيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ثم عطف ب(ثم) لما ذكر مصير الظالمين:ثُمَّ أغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ(11)
      ومثل ذلك قوله تعالى في قصة لوط : رَبِّّ نّجِّنِي وَأهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ* فَنَجَّيْنَهُ وَأهْلَهُ أجْمَعِينَ ثم عطف ب(ثم) لما ذكر حال الظالمين:ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ(12)
      والنحويون يقولون إن الفاء للمعاقبة أي أن المعطوف يجيء ملاصقا لما قبله، وأما (ثم) فهي للعطف مع التراخي،(13) وقد كان من رحمة الله وفضله على عباده الصالحين أن كانت إجابته لاستغاثتهم عاجلة، ومجيء الفاء عاطفة هو الذي دل على هذا، وأما الكاذبون المعاندون فكان من سعة فضله أن أمهلهم، ومجيء (ثم) دالّ على ذلك الإمهال.
      وفي قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ* وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ(14)
      نجد أن صفة الخلود جاءت بصيغة الجمع في البشارة (خالدين) وبصيغة الإفراد في الوعيد (خالدا).
      وقد سئل أبو سعيد بن لبّ عن سر ذلك فقال: إن الجنة لما كان لأهلها فيها اجتماعات وليس فيها فرقة ولا توحد، جاء قوله (خالدين فيها) اعتبارا بالمعنى الحاصل في الجنة من الاجتماع، ولما كان أهل النار على الضد من هذا وكل واحد منهم في تابوت من نار، حتى يقول أحدهم إنه ليس في النار إلا هو؛ جاء قوله (خالدا فيها) اعتبارا بهذا المعنى. (15)
      أقول: ووقع في حسباني أن الجمع في الأولى زيادة في البشارة للمؤمنين؛ لأن السعادة لا تتم إلا باجتماع الأضراب والأتراب، والإفراد في الأخرى زيادة في الوعيد؛ لأن خصوص العذاب زيادة فيه، والله أعلم بمراده.
      -----------------
      (1) ينظر: النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن، د. محمد عبدالله دراز، اعتنى به وخرج أحاديثه عبدالحميد الدخاخني، دار طيبة، ط الثانية 1421هـ: ص182.
      (2) الآيات 17-44 من سورة النمل.
      (3) ينظر: النبأ العظيم ص 182 حاشية.
      (4) سورة النمل 28-29.
      (5) سورة النمل 35-36.
      (6) سورة النمل 38- 40.
      (7) سورة الأحقاف 24-25.
      (8) سورة الأحزاب 10.
      (9) سورة هود 42.
      (10) سورة آل عمران 38-39.
      (11) سورة الشعراء 118-120.
      (12) سورة الشعراء 169-171. على أن (الفاء) و(ثم) تتعاقبان في مثل هذا السياق، وذلك مدعاة لإفردها بدراسة تجلِّي مواضع البلاغة فيها.
      (13) ينظر: ثمار الصناعة في علم العربية، ابن هبة الله الدينوري، تحقيق د. محمد الفاضل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض 1411هـ/1991م: ص 481.
      (14) سورة النساء 13-14.
      (15) ينظر: الإفادات والإنشادات، الشاطبي ص 154.

    • #2
      كنت أرحب بقراءة تعليق على الموضوع .

      تعليق

      20,027
      الاعــضـــاء
      238,029
      الـمــواضـيــع
      42,798
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X