قائمة الأعضاء دورة الأترجة القرآنية

دورة الأترجة القرآنية

مشارك نشيط
آخر نشاط : 24/11/1434 - 28/09/2013 07:35 pm
مواضيع

6

مشاركات

54

الإعجابات

121

عدد الزيارات

991

التوقيع
حساب الدورة بتويتر
https://twitter.com/OtrOjah1
معلومات عن العضو
الجنسية :
مكان الإقامة :
المؤهل :
التخصص الأكاديمي :
العمل :
تاريخ التسجيل : 24/10/1431 - 02/10/2010
سيرة ذاتيه تفصيلية
أخر مشاركة

درس العشاء الدرس 136: تفسير سورة الحجرات من الآية 13 إلى نهاية السورة وتفسير سورة ق من أول السورة إلى نهايتها الملقي: د. محمد بن عبد الله الربيعة موعدها: الساعة الثامنة واثنا عشرة دقيقة بتوقيت مكة المكرمة المجلس الأول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿13﴾ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿14﴾) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدلله رب العالمين وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. نعاود الحديث في هذا المجلس المبارك في اتمام سورة عظيمة عَنَت بتربية المؤمنين وتحقيق الإيمان والآداب في نفوسهم وهي سورة الحجرات. ولعلي إلماحة مختصرة حول ما ذكرناه في المجلس السابق هذه السورة سورة الحجرات اختلف المفسرون هل هي من المفصّل أم لا؟ والحقيقة أن غالب العلماء يرجِّحون أنها ليست من المفصّل وخاصة الحنابلة لكن يظهر والله تعالى أعلم أن هذه السورة داخلةٌ في المفصّل من حيث مقاصد المفصّل. المفصّل ونحن ندلف بين يديه هذه الليلة في سورة ق يركز على قضيتين اثنتين: قضية بناء الايمان وترسيخ قضية الأخلاق. قضية الإيمان هي الأصل والأخلاق لأنه أثرٌ من آثار الايمان فلا أخلاق حقيقة إلا بإيمان صحيح. فعلى هذا إذا قلنا أن هذه السورة هي في تحقيق الايمان في نفوس المؤمنين وتكميله وتكميلهم بالأخلاق كما قال الله تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي زيّنه بهذه السلوكيات التي كانت ثمرةً لهذا الإيمان، فإننا نقول أن سورة الحجرات من المفصّل من هذا الوجه أي من مقاصد المفصّل وإن كنا نقول أن المفصّل كما ورد في التحزيب عن الصحابة رضي الله عنهم أنه يبدأ من سورة ق لكن إنما جعلنا سورة الحجرات من المفصّل من حيث مقصدها ومقاصد المفصّل يتواكب ويتوافق معها. وقفنا عند قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) هنا سؤال: تلحظون أن النداءات السابقة في السورة كلها جاءت بلفظ الإيمان بنداء الإيمانية (يا أيها الذين آمنوا) إلا هذا النداء الذي جعل بعض المفسرين يقول أن هذه الآية مكية وهي ليست مكية فليس كل سورة فيها (يا أيها الناس) فهي مكية وإنما غالب السورة المكية فيها نداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) لأن الناس يدخل فيه المشركون لكن السؤال هنا حتى يتحقق لنا أن الآية مدنية ما سر موقعها في السورة بالنظر إلى نزولها؟ ما سرّ النداء بالناس في إطار نزولها؟ هو أننا نعلم أن هذه السورة نزلت في عام الوفود وعام الوفود جاءت قبائل كثيرة بعضها دخل في الاسلام دخولاً ظاهراً كما دلت الآيات التي بعد ذلك (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا) إذن هذه القبائل التي وفدت لم تحقق الإيمان ما زالت في دائرة الاسلام الظاهر فقُدمت بين يدي هذه الآيات بقوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ليشمل الوفود والقبائل التي جاءت التي جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها فيها نفاق وبعضها لم يتحقق الإيمان في نفوسها فناداهم الله بلفظ الناس (يا أيها الناس)، هذا معنى أول. والمعنى الثاني هو أننا حينما نركز في السورة تحقق معنى اجتماع المسلمين في دائرة واحدة وهي دائرة الاسلام ودائرة الأخوة في الدين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فكأن الله عز وجل ناداهم جميعاً ليضمهم ثم يبين لهم الحقيقة الواحدة التي تجمعهم وتبين شرفهم وهي حقيقة التقوى والايمان فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) وهو آدم وحواء (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) انظر ما هذا الأسلوب البديع والبليغ الذي جعل من هذه الدائرة الكبيرة معنى واحد (ليتعارفوا)، هذا التعارف هو المبدأ الذي بُني عليه الاسلام وهو الأخوة فحقق من هذه القبائل المتنازعة والمختلفة والتي بينها في الجاهلية من النزاع والشقاق والحرب والخلاف قرّبها وجعلها كلها تحت أساس الاسلام في دائرة التعارف فهذّبها وصحّح مبادئها وتصوراتها. تصورات هذه القبائل هي المفاخرة والنزاع والشقاق لكن تصوراتها الصحيحية في دائرة الاسلام هي التعارف فأرجعها إلى هذا الأصل الصحيح الذي أراده الله ثم أرجع هذا الأصل إلى دائرة الاسلام فقال (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). أرأيتم السر البليغ في هذه الآية كيف جمع تلك القبائل كلها لتحقق معنى الأخوة في معنى التقوى والكرامة به وتنبذ عن نفسها قضية المفاخرة والسباب والشقاق والتنابذ فقط هذا المعنى لو حصل في نفوس الناس لأزال ما في نفوسهم كثيراً من رواسب الجاهلية (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) لو حققنا هذا في الأمة لكفى في قضية قطع كثير من الشقاق والنزاع والخلاف والفرقة والجنسيات والأحزاب والتفرقات. فهذه الآية هذا قصدها، مقصدها جمع لفيف هذه القبائل التي جاءت إلى الاسلام ودخلت فيه ولمّا تُحقق دائرة الإيمان الحقيقية فأراد أن يوثقها بميثاق الذي أراده الله وهو التعارف ويربط هذا برباط الإيمان والتقوى فقال (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). فإذا تقرر هذا الأصل في تلك القبائل نسيت ما كان فيها من الرواسب وما بينها من نزاعات التفتت إلى النظرة الايجابية أن يكون تنافسنا وتفاخرنا بالإيمان والتقوى لنحققه ونشرُف فيه. ثم قال الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) هنا قال الله عز وجل (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) ما الفرق بين الشعوب والقبائل ؟ هذا معنى أن الشعوب في غير العرب والقبائل في العرب وقيل أن القبائل هي تحت الشعوب فهي داخلة تحت دائرة الشعوب وإنما قال الشعوب ليدخل دائرة الشعوب غير العرب من العجم وقبائل العرب التي دخلت في الاسلام عام الوفود فشمل ذلك كل من دخل في دين الله عز وجل من العرب والعجم. قال الله عز وجل (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) هذه الآية نازلة في بني أَسْد وهم الذين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنّوا عليه بإسلامهم وقالوا إنا أتيناك بذرارينا وأموالنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان يعني جاؤوا مفاخرةً بإسلامهم وممتنين على رسول الله لكي يعطيهم من الغنائم والصدقات ما لا يعطي غيره إذ أنهم أتوا بغير قتال وغيرهم من القبائل أتوا بعد قتال فهذه مفاخرة وهذه منٌّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منٌّ على الله ورسوله في الإسلام فقال (قَالَتِ الْأَعْرَابُ) هذه القبيلة ومن جاء معها وهي قبيلة كبيرة (آمَنَّا) أتيناك مؤمنين ولنا المنّة أننا أتينا من غير قتال فقال (قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا) والدليل على ذلك أنهم إنما قالوا ذلك لقصد طلب الصدقات والذي يأتي مؤمناً لا يطلب الصدقات أصلاً تأتيه تبعاً فلا يكون هذا همه في إسلامهم كأنهم أتوا لمصلحة وهي الصدقات. يبين أنهم لم يؤمنوا بعد، يحققوا الايمان بعد فقال الل تعالى (وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا) دخلنا في دائرة الاسلام بالشهادتين والاقرار بشرائع الاسلام لكن الايمان في القلب وتحقيق الإيمان الصادق والاتيان طاعة لله ورسوله لم يتحقق ذلك. قال تعالى (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) قوله يدخل يعني يتحقق في ذلك فإن الدخول في الشيء يعني التلبس به. قال الله تعالى (وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) حقاً (لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً من إيمانكم وإسلامكم وما تستحقونه من الأجر والصدقات وغيرها (لَا يَلِتْكُم) لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً ولا ينقصكم من إيمانكم وسبقكم إذا كنتم قد سبقتم شيئاً. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهنا نلحظ أن فيه تعريض لهم بأن يحققوا الإيمان ويستغفروا مما تبوؤا به من المنّة على الله ورسوله بزعم الايمان ولم يحققوه قال الله (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). ثم بيّن الله حقيقة المؤمينن إشادة بالمؤمنين السابقين المجاهدين ووصفاً ينبغي أن يتمثل به هؤلاء إن كانوا صادقين فقال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) ولاحظوا أن (إِنَّمَا) أداة حصر تفيد أن ما بعدها داخلٌ في هذا الوصف لازم. قوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي المؤمنين الكُمّل الذين حققوا الإيمان بالله ورسوله (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) لم يقع فيهم شك ولا ريب وتردد إنما التردد والشك ناتج عن الحظوظ التي كانت داعٍ لإسلامهم ودخولهم في الدين. قال الله تعالى (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قوله (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) هذا إشادة بالمجاهدين السابقين الأولين بأنهم قد سبقوا وحققوا الايمان وثانياً هو باعثٌ وداعٍ لهؤلاء أن يبيّن لهم أن دخولكم في الدين يستلزم معه أن تجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا لم تحققوا الايمان. إذا كنتم أتيتم لأجل مصالح مادية والصدقات ولستم على استعداد وقبول بما يأمركم الله تعالى به ورسوله من الجهاد فأنتم لستم بمؤمينن ولهذا قال بعدها (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) فمن حقق هذه الأوصاف فهو الصادق في اسلامه. إذن هذه الآية حقيقة في علامات صدق الايمان، ما هي علامات صدق الإيمان: • أولاً الذين آمنوا بالله ورسوله • وثانياً لم يقع في قلوبهم ريب وشك في طاعة الله ورسوله وأمر الله ورسوله وحكم الله ورسوله ولم يترددوا في ذلك البتّة ولم يقدّموا بين يدي الله ورسوله في حكم أو أمر، هذا صدق الإيمان • ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم مما يدل على أنهم مستعدون للتضحية بأنفسهم وأنهم لم يأتوا لمصالح دنيوية هذا محض الايمان أنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله عز وجل فهو يبين لهم هنا علامات صدق الإيمان ولكن لا يدل ذلك أن الذي لم يجاهد في سبيل الله في فترة من فترات الإسلام والجهاد أنه لم يحقق صدق الايمان وإنما يدل على ذلك أن يكون ذلك متقرر في نفسه ومؤمن به ومحدِّثٌ نفسه لهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من لم يغزو ولم يحدّث نفسه بالغزو مات ميتة الجاهلية" أو "على شعبة من النفاق". فيبين لك أن من علامات صدق الايمان أن يكون في قلبك رغبة وصادقة في نصرة هذا الدين بالجهاد في سبيل الله إذا تمكنت من ذلك وتيسر أمره وفُتح أمره قال الله عز وجل (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في دين الله نصرة له واعزازاً له قال الله (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) حينما أتوا وقالوا نحن أتينا وآمنا فكأنهم يعلمون الرسول ويبينون له ويُظهرون له وهذا ليس هو الدين أن تقول أنا آمنت. وفي هذه الآية أدب عظيم ينبغي التنبه له وهو أن الإنسان ينبغي أن لا يعدد فضائله في الاسلام وأعماله يقول أنا عملت، فعلنا كذا وأسلم على أيدينا كذا مظاهرة وإلا لو كان الأمر اخباراً حتى يسر المسلمون بذلك أو يدعموا هذا المشروع لا بأس فالأعمال بالنيات لكن يقول فعلت وفعلت وأنا فتحت كذا وأسلم على يدي كذا هذه مفاخرة ومنّة على الله ورسوله لا تجوز وهذا دليل على عدم صدق الايمان وأن هناك دخنٌ في النفسو كأن الإنسان يريد أن يكون له مقام في هذه الأمة لأجل أنه قدم في هذه الأعمال، لا، إنما الله عز وجل هو الذي يبعث لك هذا القدر من المقام والفضل والقبول في الأرض بحسب صدقك وإيمانك وبذْلِك لأجل الله عز وجل صدقاً قال الله تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لا حاجة أن تخبر بما عملته أنت فإن الله حافظه والله عز وجل سيأجرك عليه وسيمنحك عليه فضلاً في الدنيا قبل الآخرة. ثم قال الله تعالى (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بعد أن ذكر ما في السموات والأرض ذكر علمه بكل شيء ليقر في نفوس هؤلاء الذين أتوا من أولئك القبائل أن الله يعلم ما في نفوسكم ويعلم أحوالكم ويعلم ما في قلوبكم فلا حاجة إلى أن تُظهروا بألسنتكم ما ليس في قلوبكم فإن الله يعلم ذلك. قال الله تعالى (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ) هنا لم يقل "بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإسلام" قال (للإيمان) وما هي منّة الله عز وجل عليهم أن هداهم للإيمان؟ هو توجيههم هذا وتقويمهم وتصحيح ما وقع منهم ودعوتهم إلى الايمان الصادق، هذه هداية من الله عز وجل لهم بالايمان. هم منّوا باسلامهم وهو سبحانه وتعالى منّ عليهم أنه سبحانه وتعالى أراد أن يحقق الايمان في نفوسهم بتوجيههم في قوله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) هذا منّة من الله عز وجل أن الله أراد أن يحقق الإيمان في نفسك ويدعوك لذلك ويحذرك من أن تمنّ عليه فيحبط عملك، منّة وهداية من الله سبحانه وتعالى أن يسوقك إلى ذلك. قال (ِإِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) إن كنتم صادقين في تحقيق الإيمان وتكميله في نفوسكم ودخولكم في هذا الدين دخول طاعة واستجابة وقبول فإنه ينبغي أن تستشعروا أن المنة لله عز وجل عليكم أن هداكم للإسلام ومنّ عليكم أن هداكم للإيمان بهذا التصحيح لايمانكم. قال الله تعالى في ختام السورة (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) كأن هذه الآية ظلالة ولباسٌ يلبسه الله تعالى لمن دخل في هذا الدين أن يستشعروا هذا المعنى يحقق ذلك في نفوسهم وهو يوقنون أن الله يعلم غيب السماوات والأرض فإذا كان يوقن أن الله يعلم غيب السموات والأرض فإنه يعلم أن الله يعلم ما في نفسه وما يدور بين الناس في أنفسهم في تلك القبائل وحقيقة اسلامهم فليتقوا الله في ذلك ويراقبوه في ذلك ويكفوا عما كان في نفوسهم من الدخن والحظوظ النفسية إذا أيقنوا أن الله يعلم غيب السموات والأرض ولذلك ختم الآية (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) كما أنه يعلم الغيب يعلم سبحانه وتعالى ويبصر سبحانه وتعالى ما تفعلونه وما تقومون به من أعمال ومن كلام وتصرفات وأحوال فذلك تحت نظره وبصره سبحانه وتعالى وهذا باعث إلى غرس المراقبة في نفوسهم. أرأيتم كيف أن الله عز وجل في هذه الآيات أراد أن يقرب هؤلاء في دائرة الايمان ويحقق الإيمان في قلوبهم ويصحح دواخل نفوسهم ويقومهم فيما كان فيه من خلل هذه منة من لله سبحانه وتعالى وهي منة من الله علينا إذ أننا الآن نقرأ هذه الآيات ونستظهر فيها تربية الله للمؤمنين ونحن بإذن الله من المؤمنين فندخل في ذلك في قبول أمر الله عز وجل بالإيمان فنمحص الايمان في قلوبنا ونحقق ما أمرنا الله به من الأدب ونتحلى بما ذكره الله عز وجل من الأخلاق والتوجيهات التي تضمنتها هذه السورة. سورة ق ثم ننتقل إلى سورة ق هذه السورة التي قلنا أنها هي مفتتح المفصّل والمفصّل إنما سمي مفصلاً قيل لأنه مُحكم لن ينسخ منه شيء فهو مفصّل فصّلت آياته وأُحكمت ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه عليه. ومن حكمة الله عز وجل أن أول ما نزل من القرآن كان قصار السور وسوراً من المفصّل لأن المفصّل يركز على تحقيق الإيمان والتعريف بالله عز وجل واليوم الآخر، أصول الايمان والأخلاق. هو في أصول الإيمان والأخلاق ولهذا أقول أنه منهج عظيم لتأصيل الإيمان والأخلاق في نفوس أبنائنا في أول نشأتهم وألمس هذا من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه حينما قال وعمره 11 سنة وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد جمعتُ المفصّل، حفظه وليس معنى حفظه حفظ ألفاظه فهو رضي الله تعالى عنه يُعتبر حفاظًا مقارنة بغيره لكنه حفظه حفظاً تربوياً حفظاً إيمانياً هذا الذي يسمى حفظاً الحفظ الإيمان والتربوي والتدبري حفظ الهداية والآداب لو أننا جعلنا هذا المفصل مبدأ من مبادئ تربيتنا لجيلنا الأول في بدايتهم قبل عشر سنين لرسخ هذا الايمان في قلوبهم ولسلموا من هذه الانحرافات والأفكار المشبوهة والشبهات وأبواب الشهوات. لأن هذا تأصيل أساس فإذا كان الأساس متيناً فلا شك أن ما قم عليه متين لكننا قد هدمنا شيئاً من أصول تربيتنا وخففنا منه وقللنا منه ونظرنا إلى مظاهر التعليم ووسائل التعليم والتجديد في وسائله وطرقه وأساليبه ونسينا أن التأصيل الأصيل الذي يرسخ في قلوب هؤلاء الأبناء ويربيهم ويقومهم هو بناؤهم على أصول الإيمان وأصول الأخلاق وفق ما جاء في كتاب الله عز وجل وهذا المفصّل هو خير ما يُبنى عليه، هذه رسالة أوجهها لكل إخواني من الآباء والمعلمين أن يعنوا بهذا المفصّل تربية وتعليماً لأبنائهم وطلابهم وما فيه من أصول الإيمان وتعريفاً بالله وأسمائه وصفاته وحقائق الايمان واليوم الآخر والجنة والنار ثم الأخلاق والآداب فإن ذلك والله خير ضامن لهم بإذن الله قال الله سبحانه وتعالى في سورة ق. أولاً نريد أن نتعرف على سورة ق هذه السورة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها كثيراً في الجمعة والأعياد كما قالت أم هشام بنت الحارث إني حفظت ق من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها في كل جمعة. لا يعني قوله في كل جمعة أنه كان يقرأها كل جمعة وإنما كان يكثر من قرآءتها، هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم. قد يقرأها في الخطبة أو يقرأ بها في الصلاة فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب بـ (ق) ووورد أنه كان يصلي بـ (ق) والقمر في الجمعة والأعياد. ولو انطلقنا من هذا كون النبي صلى الله عليه وسلم يستهدف بها مجامع المسلمين لأنها تركز على التذكير ولهذا ورد فيها لفظ التذكير (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) ولاحظوا أن السور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها في المجامع كلها فيها تذكير مثل سورة الأعلى في قوله عز وجل (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (9)) وفي سورة الغاشية أيضاً في قوله عز وجل (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21)) وفي سورة ق (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) وأيضاً في سورة الطور كان يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم (فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)) فيلتمس من هذا الجامع بين هذه السور أن هذه السور فيها تذكير وهذه السورة فيها تذكير من جانب معين فهي تركز على قضية البعث والجزاء فهي تركز على تحقيق هذا البعث وإثباته بالأدلة في مقابل تكذيب الكافرين والمشركين المكذبين بالبعث الذي هو أصل كفرهم وتذكير المؤمنين الغافلين لأن الله تعالى قال فيها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) ويؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كثيراً على مجامع المسلمين ففيها تذكير للقلوب بأمر البعث وأدلته وحقائق وأمر الجزاء وحقيقتهم تذكير وهذا يجعلنا نقول أن من أسس التربية التي ينبغي أن نربي عليها الناس تذكيرهم بحقيقة البعث وبأدلة البعث والجزاء واليوم الآخر فإن هذا مما يوثق الايمان في نفوسهم ويوقر قلوبهم على الإيمان. قال الله سبحانه وتعالى (ق) افتتح الله هذه السورة بحرف ق وهو من الحروف المقطعة التي قال العلماء أنها دالة على تحدي العرب بأن يأتوا بمثل هذا القرآن. وغالب السور التي افتتحت بالحروف المقطعة أُتبعت عُقبت بالحديث عن القرآن إلا بضع سور، سورة العنكبوت والروم والقلم ومريم فدلّ على أن هذه السور وهي مكية فيها تحدي للعرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن وفيها انتصار للقرآن وبناء السورة على أمر القرآن لهذا قال (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ولعل السرّ في افتتاح هذه السورة بهذا الحرف (ق) أن هذا الحرف هو الذي يدور في معظم كلمات السورة فهو أكثر حرف ورد فيها والعجيب أن الكلمات التي تكررت فيها تؤكد مقصدها وهي إيقاظ القلوب لأمر البعث والجزاء. لاحظوا أن كلمة القلب تكررت فيها مرتين أو ثلاث وكلمة القرآن تكررت فيها مرتين وكلمة الحق تكررت فيها مرتين ليؤكد أن هذه السورة فيها إيقاظ للقلوب وإيصال لها بالقرآن إلى الحق المبين في أمر البعث والجزاء. وقلنا أنها تدور حول البعث والجزاء لأنها أُتبعت بعد القَسَم وافتتاحها بالحرف المقطع قال (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) فالمشركون إنما أشركوا وإنما كذبوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنكم ستبعثون بعد الموت وتجازون فهذا من أعظم أسباب بل هو السبب الرئيس في عدم إيمانهم بعد قضية أنه أمرهم بتوحيد الله عز وجل ونبذ آلهتهم ولهذا قالوا (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)) قوله (بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ) لماذا قال منذر ولم يقل مبشر؟ لأن سياق الآيات دال على أنه ينذرهم بأمر البعث والجزاء فناسب الاتيان بوصف الانذار. قال الله سبحانه وتعالى في أمرهم (فَقَالَ الْكَافِرُونَ) لم يقل "فقالوا" مما يؤكد أن قولهم هو الذي أدى بهم إلى الكفر وهو وصف لازم لهم بهذا التكذيب لأنهم كفروا بذلك ومن كذب بالبعث فهو كافر بدليل هذه الآية. (فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ) تعجبوا أن يُبعثوا بعد موتهم، لماذا تعجبوا من أن يبعثوا بعد موتهم؟ أنهم يقولون أن هذا الجسد يفنى كيف يُحيا وكيف يعاد مرة أخرى وكيف يُجمع؟ فبين الله لهم بالأدلة أنه قادر على بعثهم بأدلة ساقها لهم كما سيأتي. (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) كأنهم يقولون هذا غير ممكن ولهذا الإنسان أحياناً يقول هذا أمر بعيد لا يتصوره العقل (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) رجوع بعيد. قال الله عز وجل (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) الله عز وجل هنا يؤكد لهم يجيبهم بماذا؟ ما هو الجواب هنا؟ ما هو الدليل الذي قطع عليهم حجتهم؟ هو علمه سبحانه وتعالى بأجزاء الإنسان وتحللها وهذا كافي إذا كان الله عالماً بأجزاء الانسان وتحللها ونقصها في الأرض قال قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) يعني تحلل أجسادهم ونقصها وانقضائها بعد دفنهم في التراب (وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) يحفظ الإنسان وأعماله وأقواله وأحواله، ماذا بقي؟ إذا كان الله عالم بالانسان وتحلله في الأرض وذلك مكتوب عنده في كتاب محفوظ فهو سبحانه وتعالى قادر على بعثهم وكفى بذلك دليلاً لأنهم لا يمكن أن يقولون أن الله لا يعلم كل شيء ولا يعلم ما يدور وما يكون من حال الانسان بعد موته في تحلله وغير ذلك. ثم قال الله عز وجل (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) بعد هذا الدليل مع ذلك أصروا إصرار عناد ليس إصراراً مبنياً على دلائل عقلية أو حجج صحيحة. قال (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) إذا قيل مرج الشيء اختلط يعني عقولهم مختلطة ما عندهم حقائق بنوا عليها هذا الأمر. (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) تكذيب عناد (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ) أي مختلط يموج بعضهم ببعض في أفكار مختلطة لا حقائق لها ولذلك المُكذِّب الملحد يختلط عليك أمره والله ما يصل إلى حقائق ما ينتهي أمره حتى يقول أنا الآن تائه لا أدري أين أنا. قال الله عز وجل (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) هذا دليل مُشاهَد من أدلة البعث قال (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا) إذا كان الله قادراً على هذه السماء في بنائها وفلكها وتزيينها فما هو قدر الانسان هذا الذي ليس بشيء أمام هذه السماء؟! ولله المثل الأعلى لو أنك دخلت إلى صرح كبير جداً مثل هذا المسجد أو ضعفه ورأيته سقفاً واحداً متماسكاً بزينته وبهائه وجماله ستقول ما هذا الجمال؟ ما هذا البناء المقتن وما هذه الزينة التي فيه؟ سيبهرك وسنتحكم على هذا المهندس الذي صممه وأتقنه أنه مهندي بارع عنده قدرة هائلة في الفن، هذا مخلوق أوصله الله بعلم علّمه إياه فكيف بمن بنى السماء ذلك الفلك العظيم الذي هو مليء بالمجرات والأفلاك والنجوم والكواكب وزينه بتلك الزينة هذه القدرة الهائلة العظيمة أليس هو قادراً على أن يحيي إنساناً بعد موته؟ بلى سبحانه وتعالى. قال (وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ) شقوق ليس فيها أي خلل وليس فيها أي انقطاع بل هي متصلة بناءً واحداً محكماً. قال الله تعالى بعد ذلك في مشهد آخر (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) هذه القدرة الهائلة في هذه الأرض المنبسطة ومعنى انبساطها بالنسبة لهم هم وهذا لا يعني انكار قضية كروية الأرض لأن الله تعالى هنا يخاطبهم بأذهانهم فهي في نظرهم ممدودة لصالحهم وإلا لو كانت متعرجة فكيف يعيشون فيها؟ فالله تعالى يمتنّ عليهم يظهر امتنانه وقدرته فالآيات هذه فيها قضية امتنان وفيها قضية قدرة. (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) إلقاء وليس وضعاً لو كان وضعاً ربما تموج لكنه إلقاء (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) امتناناً لهم ونعمة لهم ومنفعة لهم ومصلحة، ألا يكونوا شاكرين مؤمنين معظّمين الله عز وجل مؤمنين به موقنين بقدرته؟. ثم قال (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) هذا الأمر المُشاهَد وهذه الزينة وهذه الكواكب وهذه الأرض بما فيها تبصرة للقلب وذكرى هي تبصرة لمن استجدّ له النظر وذكرى لمن نسيها وغفل عنها ثم شاهدها، فهي لمن شاهدها من جديد أو تذكّرها بعد نسيان إنها لكل عبد منيب لكل عبد راجع منيب إلى الله عز وجل حينما رأى هذه الحقائق. فالله سبحانه وتعالى هنا يقررهم ثم يدعوهم قال الله سبحانه وتعالى (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) هنا أراد أن يُثبت نعمة بقدرة وهي إنزال المطر وجعل فيه البركة وأنبت به جنات وحب الحصيد هذا نعمة لهم لكن هذا دليل من دلائل البعث، كيف؟ قال بعده (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) نضيد مجتمع ملتف حينما يبدأ الطلع في الشجر تجدونه ملتفّاً متماسكاً ثم يبدأ بالانشقاق والتفرّع (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ) يعني طويلة ولم يقل طويلة وإنما قال باسقة لأن الفرق أن الباسقة هو الطويل المعتدل المستقيم يبهرك طول النخلة وعدم ميلانها في الأصل والعادة. قال (لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) أي ملتف مُجتمع (رِزْقًا لِّلْعِبَادِ) إنما هيأها الله وخلقها وبارك فيها وجعل هذا التمر فيها رزقاً للعباد فهل يؤمنوا؟ (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) انتقل من المنفعة إلى الدليل قال (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) هذا المطر، كيف حييت هذه الأرض؟ إنما حييت بهذا الماء بإذن الله عز وجل. قال الله (كَذَلِكَ الْخُرُوجُ) أي خروجكم من الأرض بعث الله عز وجل. ثم قال تعالى بياناً لمن كان على ملّتهم في التكذيب (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ) أصحاب الرس أصحاب عين سميت الرس لاجتماع الماء فيها (وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ) وهم أصحاب شعيب (وَقَوْمُ تُبَّعٍ) وهم حمير أهل اليمن (كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) في قضية البعث (فَحَقَّ وَعِيدِ) فكأن الله يهددهم بالوعيد هنا. ثم قال (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ) الخلق الأول هو خلق آدم، يعني أعجزنا عن الخلق الأول؟! (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) لو أن الله عز وجل أراد أن يخلق خلقاً جديداً كآدم عليه السلام هم أيضاً في لبس منه إذ الأمر متعلق بشكّهم وتكذبيهم ليس الأمر متعلقاً بدليل يبنون عليه (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ). نقف هنا ثم نواصل إن شاء الله. المجلس الثاني (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿16﴾ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿17﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿18﴾ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿19﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿20﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿21﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿22﴾) يقول الله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) هنا انتقال من سياق البعث إلى الجزاء وهو انتقال بديع كيف ذلك؟ انتقل إلى الجزاء بدليلٍ على البعث وهو دليل العلم. إذا كان الله يعلم كل شيء فهو قادرٌ على كل شيء لكنه انتقل من هذا الدليل إلى قضية الجزاء بعد البعث وهذا من بديع القرآن. قال الله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) فإذا كان الله خالق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه فهو قادرٌ عليه. ثم انتقل إلى الحديث عن الجزاء الذي هو بعد البعث لأنهم إذا كذبوا البعث كذبوا الجزاء فقرن الجزاء بالبعث لأن الإيمان بالبعث يلزم منه الايمان بالجزاء وفي هذا الحديث عن الجزاء ما يوقظ قلوبهم ويهزّها هزّاً وهذا مقصود في السورة، السورة فيها هز للقلوب فيها إيقاظ للقلوب الغافلة والمكذبة فيها تخويف وفيها تصوير بديع يشدها شداً وهذا أمر واضح في هذه الآيات التي سبقت في تصوير السماء والأرض وإنزال المطر وفي هذه الآيات أيضاً في مشهد بديع بليغ عظيم كأنه يصوره مُشاهَداً أمامنا. لاحظوا قول الله عز وجل (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) الوريد هو أما أن يكون مثل الشريان الذي من القلب وتتفرع منه العروق وإنما أن يكون الوريد وريدان في عنق الإنسان وهما موضع القطع عند ذبح الأنعام. فهذا الوريد حقيقة يا إخواني مقارنة هذا الوريد والتمثيل به بقضية علم الله للإنسان وقربه منه أمر عجيب، أولاً هذا الوريد خفيّ ما يراه الانسان، ثانياً هو قريب منه ليس بينه وبين نظره إلا اليسير، فالله سبحانه وتعالى يصور علمه بما تسوس به نفسه وما يجري في خاطره بمثل ذلك الوريد الذي يجري في الإنسان ويقول الله تعالى (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) في علمنا وقدرتنا عليه من حبل الوريد الذي هو خافٍ وقريب مثل ما يقال "سهلٌ ممتنعّ" فهو قريب لكنه لا يراه. تمثيل بليغ بديع في قرب علم الله عز وجل وقدرته على الإنسان وهو لا يشعر به ولا يراه. قال الله عز وجل (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) من المتلقيان؟ هما الملكان اللذان يقعداني قد كُلّفا بعمل الانسان كلاهما قعيد يكتب عمل الإنسان فالملك الذي عن يمينه يكتب حسناته والملك الذي عن يساره يكتب سيئاته (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) فهما يتلقيان كل عمل لا يفوتهما أي أمر دقّ أو ظهر من سره وعلانيته وخفائه وظاهره وقوله وفعله كل ذلك أمر معلوم لهما بعلم الله تبارك وتعالى. قال الله تعالى مؤكداً ذلك (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) هنا انتقل السياق إلى حال الإنسان عند الاحتضار فعند الاحتضار هناك ملكان يترقبانه والسياق هنا في الحديث عن الكافرين وهو مع أنه تذكير للمؤمنين إلا أن الحديث عن الكافرين قال (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ) لماذا خص القول؟ أين العمل؟ لأنه في وقت الاحتضار يقف عمل الإنسان إلا من قوله ولسانه ليس عنده حراك في عمل إلا قوله ولهذا قال (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وهما الملكان اللذان يتلقيان روحه عندما تُنزَع. وهذه الآية دالة على قضية أخرى وهي إذا قلنا أن الرقيب والعتيد اللذان يتلقيان كلامه ويكتبانه ويوثقانه لكن قوله (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ) يدل أن ذلك في سياق الاحتضار والله تعالى أعلم. قال الله تعالى مما يؤكد ذلك (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) هذا الموت الذي يوقن للإنسان حياته الأخرى ولهذا قال (وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) وسماها سكرة لأنها ذهول عن حقيقة الحياة والإنسان في تلك الفترة يغيب باله ويبهر عقله يغيب عن الدنيا وما فيها من فجأة ذلك الموقف الذي أصابه وهو الموت. (ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وما معنى تحيد؟ تهرب وتحاول التخلص منه والهروب منه (ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وهو مظهر أيها الإخوة لو تصوّره الانسان لكفى به موعظة "كفى بالموت واعظاً" كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "تذكروا هادم اللذّات" لحظة سكرات الموت لحظة فراق ولحظة انتقال من حياة إلى أخرى فلو تذكّرها الإنسان وأنه في تلك اللحظة سينتقل إلى حياة أخرى لا شك أنه سيرهب منها ويتذكر مصيره وما بعده من الجزاء فيوقظ قلبه إذن السورة فيها إيقاظ للقلب ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها في مجامع الناس. قال الله تعالى (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) انتقل إلى قضية البعث، (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ) أي ما هي إلا أيام سريعة تنقضي ولو طالت فيأتي نافخ الصور فينفخ فيه (ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) ذلك اليوم الذي توعد الله فيه الكافرين المكذبين بذلك اليوم ولاحظوا أن السياق كله يدور حول الحديث عن الكافرين. قال (وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) في يوم القيامة كل نفس يكون معها سائق يسوقها والحديث والظاهر والله أعلم أنه في الكافرين يسوقهم سوقاً إلى النار وإلى الحشر أو إلى الجزاء وشهيد يشهد عليهم، قيل أن السائق هو الذي قبض روحه والشهيد هو الذي كان يكتب سيئاته والله تعالى أعلم. قال الله تعالى (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا) هذا اليوم الذي فيه انكشاف أمرك وحقيقة ما كنت تكذب فيه من البعث هذا اليوم الذي كنت تكذب فيه قال (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا) ولهذا فالآية في السورة أيضاً هي خطاب للمؤمنين الغافلين عن هذا اليوم العظيم وهذا المشهد المهيب بغفلتهم في الدنيا ولهوهم وسهوهم ولعبهم. قال الله تعالى (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ) أي أبصرت الآن كشفنا عنك ذلك الغطاء غطاء التكذيب والجحود وما كان في نفسك من الاستكبار (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) التعبير هنا بليغ في أنه شدة يقينه بالأمر واندهاشه ورؤيته للحقيقة كأن بصره حديد حاد في النظر والإنسان إذا دهشه أمر تجده ينشد ببصره يحدق في الأمر تحديقاً يندهش له وينقطع فكره كاملاً إلا من ذلك المشهد العجيب الغريب. قال (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي حادٌ في معرفة الحق والحقيقة. ثم قال الله (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) من هو قرينه؟ اختلف المفسرون في هذا فقيل هو الملك وقيل هو صاحبه الذي سَوَّل له وأملى له (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) والظاهر أن هذا القرين هو الملك الذي كان معه، (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي عتيد في فعاله شديد في تكذيبه. (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) أي أنه يستحق أن يلقى في جهنم بتكذيبه وعناده وعتاده فيما كان منه من تكذيب. ثم بيّن الله أوصافه هذا الكاذب المكذِّب قال (مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ) أي يمنع الخير عن الناس إما يمنع الناس عن دين الله أو يمنع المال عن الفقراء أو يمنع أصحابه وأهله عن دين الله سبحانه وتعالى. (مُعْتَدٍ) يعتدي على الناس بالأذية في صرفهم عن دين الله عز وجل أو معتد على أمر الله عز وجل وأمر رسوله وحكمه (مُّرِيبٍ) شاكٍ في حكم الله وأمره وما أخبره الله عز وجل به. قال الله عز وجل (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي أشرك جمع بين هذه السوءات كلها فهو يستحق أن يكون من أهل النار ويلقى فيها إلقاء (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) ليس هو العذاب فقط وإنما هو في العذاب الشديد لهذا الكافر الجاحد المناع للخير المريب. قال الله (قَالَ قَرِينُهُ) ومن هو قرينه هذا؟ قيل هو قرينه في السوء الذي كان أضلّه (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) حينما يكون هذا حكمه ويؤمر بإلقائه في النار يقول يا رب إنما أضلني فلان وأغواني عن دينك فيأتي قرينه -وفي الآية اختصار والله أعلم وهذا من بلاغة القرآن أنه يختصر الحديث فيما يفهم منه المقصود. (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) ثم قال (وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) يعني هو موغل في الضلال بل هو صاحب الضلال الذي قد كَمُل في ضلاله ولهذا قال (ضَلَالٍ بَعِيدٍ). فقال الله عز وجل (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ) ليس ذلك المقام مقام خصومة وإنما هو مقام الوعيد الذي توعدكم الله به أما في ذلك اليوم الذي كان هناك خصومة وحوار وجدال معكم ولن ينفعكم الجدال فاليوم لا جدال ولا خصومة. قال الله تعالى (قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ) أي قدّمت إليكم بالبيان والتوعّد وأن هذا اليوم يوم ستجازون فيه على أعمالكم. قال الله تعالى (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) القول لديّ ما يبدّل بحكم الله على الكافرين بالنار وحكم الله للمؤمنين بالجنة ولذلك ذكر الله تعالى بعده أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة قال (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) أي إنما هي أعمالكم أجازيكم بها. قال الله تعالى في ترهيب هؤلاء والتصوير البليغ في عذابهم لعلهم يؤمنون لعلهم يردعهم لعل قلوبهم أن تستيقظ من هذا الوعيد الذي يصفه الله تعالى وكأنه مُشاهَد أمامهم حالاً كأنهم يعايشونه الآن ويشاهدونه. قال الله (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) لعل السر والله أعلم في ذكر قضية امتلاء جهنم وليس فعل الوعيد لعله يقول قائل من الكافرين إن جهنم قد تمتلئ من الكافرين وأكثر الناس كفارا لعلي أنجو فيقطع الله عز وجل هذا التخيل الذي قد يتخيله الكافر أنه قد يلوذ بمنجا حينما تمتلئ النار فيقول (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) مما يؤكد أن جهنم لن تمتلئ حتى يصير إليها أهلها جميعاً والعجيب هذا التصوير أيها الأخوة أن الخطاب بين الله وبين جهنم (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) وهذا الخطاب قد يكون والله أعلم بما صرحت به الآيات خطاباً صريحاً بين الله وبين مخلوق من مخلوقاته وهو سبحانه وتعالى جعل في كل شيء قدرة حسب إرادته وقد يكون ذلك أمر، يعني ما يفيد أن النار لن تمتلئ ولكن المعنى الأول ظاهر في أن الله قادر على أن يجعل في النار قدرة على الكلام. قال الله سبحانه وتعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) ما معنى أزلفت؟ لاحظوا هذا التعبير البليغ أي قربت الجنة إلى أهلها وأدنيت إليهم حفاوة بهم وإكراماً لهم نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهلها. قال الله تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) يعني الجنة غير بعيدة أي الوصول إليها غير شاق لن يشقوا في الوصول إليه والسعي لها فيقربها الله تعالى لهم. قال الله تعالى (هَذَا مَا تُوعَدُونَ) أي الخطاب هنا لأهل الجنة من المؤمنين المصدقين بوعد الله الذين اتعظت قلوبهم واستيقظت قلوبهم لما وعظهم الله تعالى به في هذه السورة وغيرها قال (لِكُلِّ أَوَّابٍ) لاحظوا أنه قال (لِكُلِّ أَوَّابٍ) أي رجاع وفي هذا ما يعرض بأولئك الغافلين وأولئك المكذبين أنهم يؤبون ويرجعون ليحوزوا هذا الجزاء وهذا النعيم وهذا الفضل الكريم من ربنا عز وجل. قال الله تعالى (لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ) أي حافظ لأمر الله عز وجل وشرعه وحكمه قائم به. ثم قال الله سبحانه وتعالى في وصف أهل الجنة أيضاً (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) فهذه أوصاف أهل الجنة لمن أرادها أواب يؤوب ويرجع إلى الله دائماً إذا أذنب وأخطأ كما وصف الله نبيه إبراهيم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) هود) في معنى أواب منيب ينوب إلى الله عز وجل (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) ص) هذا في داود فالأواب وصف من صفات المؤمنين الأوابين الراجعين إلى الله عز وجل حينما يخطئون ويذنبون، وحفيظٌ يحفظون أمر الله عز وجل. ثم قال (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) وهذا وصف عظيم وقد ذكره الله تعالى في آيات أخرى في سورة الرحمن (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)) وذكره الله سبحانه وتعالى في سورة النازعات في قوله (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)) وأيضاً في سورة تبارك في قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) فهذا الوصف أيها الإخوة وصفٌ لازمٌ لأهل الجنة فحقيق بالمسلم المؤمن أن يحققه ويتحلى به ويجعله أمام عينه قال (وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ) أي رجاع ينوب إلى الله عز وجل كما وصفه في آية أخرى في قول إبراهيم في القلب (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) الصافات). قال الله تعالى (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) أي أنهم هنا يدخلونها بحال اطمئنان أو أن الله عز وجل يسلم عليهم أو أن الملائكة تسلم عليهم فهي تحتمل معنى أنهم في سلام وأن الملائكة تسلم عليهم (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) نسأل الله الكريم من فضله يعني وعدهم بالجنة ثم أكرمهم بدخول فيه سلام يسلم عليهم ثم وعدهم بالخلود فيها (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) ثم أيضاً قال (لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا) يتنعمون فيها كما يشاؤون ثم زاد في فضلهم بقوله (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) والمزيد من ربنا عز وجل فضلٌ منه سبحانه وتعالى وغاية المزيد من ربنا والفضل رؤية وجهه الله الكريم. نسأل الكريم من فضله. ثم انتقل السياق إلى أولئك المكذبين في أول السورة لاحظوا وهي قاعدة في غالب السور أن سياق الحديث في آخر السورة يرجع إلى أولها لأن الغرض ينتقل ثم يتفرع ثم يرجع إلى ختام مناسبٍ لختام صدر السورة قال (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم) قبل هؤلاء المكذبين (مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا) من الأمم المكذبة من عاد ونوح وغيرهم كما قال الله تعالى في أول السورة (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) الآية. (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) هل وجدوا في تنقبهم للبلاد وسعيهم فيها هل من محيص (فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) هل من مخرج وخلاص؟ ليس لهم خلاص، هل تخلصوا من عذاب الله عز وجل؟ لم يتخلصوا من عذاب الله عز وجل. ثم قال الله في آية هي الحقيقة تعتبر ركيزة السورة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) كل ما ذكره الله في هذه السورة كلها أو في أمر هؤلاء القوم الذين أهلكهم الله عز وجل لكن يظهر أن قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ) للبعيد ولم يقل (هذا) دل على القرآن كله أو دل على السورة كلها لما تضمنته من مواعظ وتذكير (لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) كل إنسان له قلب لكن ما المقصود بالقلب هنا؟ القلب الحيّ الواعي المستحضر ولهذا قرن بقوله (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) وما معنى إلقاء السمع؟ هو الاستماع المقصود به الانتفاع أن يلقي السمع وهو يريد أن يتلقى ما يذكره وينفعه ويهديه ويبصره بالحقيقة والحق الذي أراده الله عز وجل. ثم قال (وَهُوَ شَهِيدٌ) يعني شاهد لذلك وحاضر له كأنه من أهله هذا الذي ينتفع بالذكرى. قال الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) هذه الآية هي تأكيد لقدرة الله عز وجل الذي كذب به المكذبون وكأنها كما ذكر بعض المفسرين في سبب نزولها أنها رد لشبهة واعتقاد اعتقده اليهود في خلق الله للسماوات والأرض وهو أنهم قالوا أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع هو يوم السبت ولذلك هم جعلوه يوم عطلتهم والسبت هو القطع يقطعون فيه عملهم قال (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) واللغوب هو التعب في ذلك قطع لافتراء اليهود الذين افتروه على هؤلاء المشركين وأدخلوه عليهم وإثبات لقدرة الله ففيه مقصدان عظيمان، فالسورة فيها إظهار قدرة الله عز وجل. ثم انتقل السياق إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة قومه فقال الله (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) كثير من السور يأمره الله تعالى بالصبر على تكذيبهم ومن يواجه أيها الإخوة هذا التكذيب والعناد بحقائق وأمر الله وهذا البيان التام ثم يكذبونه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم وأمامهم وكتاب الله يتنزل عليهم وآياته أمام ناظريهم ومع ذلك يكذبون فإن ذلك يحتاج إلى صبر فلذلك قال الله تعالى (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) والمقصود بقوله (وَسَبِّحْ) والله أعلم الصلاة لأنه قال (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) وقوله (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) التمس بعضهم فيها مشروعية قراءة الفاتحة كيف؟ أن ذكر الحمد هنا (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) وأن الصلاة لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب التي افتتحت بحمد الله فهذا ملتمس دقيق ولكن ليس صريح. قال (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ما الصلوات التي قبل طلوع الشمس الفجر والعشاء والمغرب قبل طلوع الشمس كلها في الليل (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) الظهر والعصر وقيل أن المقصود هنا صلاة الفجر وصلاة العصر فقط. ولهذا قال بعدها (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) وهذا يدخل فيه صلاة المغرب والعشاء فشملت الآية الصلاة كلها، والآيات التي دلت على الصلوات كلها ثلاث آيات ما هي؟ آية الروم (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)) وآية الاسراء (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)) قال الله سبحانه وتعالى (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ما المقصود بأدبار السجود؟ قيل أن المقصود بهذا التمس فيه ابن عباس رضي الله تعالى عنه كما التمس في قوله (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) الطور) صلاتان ما الذي استنبطه هنا وما الذي استنبطه هناك وهذا دقة ابن عباس؟ قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وقوله (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)). أخذ من أدبار النجوم مشروعية صلاة الضحى وأخذ من قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) مشروعية النوافل بعد الصلوات لأن السجود إذا أطلق أريد به الصلاة فاستنبط من قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) يعني النوافل ولعلها السنن الرواتب وغيرها. قال الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) هل الخطاب للاستماع للنبي صلى الله عليه وسلم صريح بأن يستمع أو بمعنى انتظر (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) هذا معنى أما أن يكون الاستماع هنا استمع لكل مخاطب والنبي صلى الله عليه وسلم خوطب لأنه هو المشرع عن الله عز وجل وهو الذي تتلقى عنه الأمة وهو المخاطب الأول فيكون الخطاب لمن بعده مثل قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ (1) الطلاق) وليس النبي صلى الله عليه وسلم هو المطلق وإنما هو المشرع فقوله (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ) في ذلك اليوم إنما المقصود به تصوير ذلك اليوم كأنه أمر مشاهد الآن يحصل الآن فالله عز وجل يصور المشهد تصويراً واقعياً حاضراً وهذا من بلاغة القرآن ولهذا أنصح بقراءة كتاب جميل في هذا اسمه "التصوير الفني لسيد قطب رحمه الله" أبدع في ذكر وعرض مشاهد القرآن كيف يصورها القرآن تصويراً بليغاً حاضراً كأنك تشاهدها. قال الله سبحانه وتعالى (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ) ذكر بعض المفسرين معنى لكنه بعيد، ذكره ابن عاشور وهو قوله لم يرجحه وإنما قال يحتمل قال (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ) في يوم بدر (مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) في مكة، لأن قوله (يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ) كيف يكون ينادي وهو من مكان قريب؟ لقربه هنا في يوم القيامة لقربه لكن إذا كان في المعنى الآخر فالمقصود به نداء للقتال فنادهم وهو فيهم لنداء الجهاد، فنداء الجهاد يعلن إعلاناً ولو كان أحدهم قريباً. قال (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) الصيحة النداء (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ) أي الكفار حينما نادهم منادي عير أبي سفيان أن عيركم قد قاطعها محمد فيناديهم للقتال قال (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) خروجهم للقتال (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) أي نحيي منهم ونميت منهم في ذلك اليوم، هذا المعنى الحقيقة فيه شيء من التكلف لكن المشهد الأعظم الذي يدور في فلك السورة ومحورها هو مشهد القيامة ولذلك فهو الأولى والأقرب والألصق بالسياق قال الله (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ) صيحة البعث (بِالْحَقِّ) قال الله (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر فهو خروج من ما كانوا فيه من قبورهم (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) يعني هذا قدرتنا على ذلك في الحياة والإماتة (وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ) كأن الله تعالى قال أن ذلك الحشر لأن الخلق كلهم صائرون إلى ربهم وإليه يرجعون. ثم قال الله (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا) أي يسارعون إلى المنادي بأمر الله عز وجل (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) أي يسير أمره هذا الحشر والذي سيكون شاملاً للخلق كلهم والمخلوقات كلها (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) التكوير) كما أن بنوا آدم والبشر سيحشرون جميع الخلائق ستحشر في ذلك اليوم. قال الله (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) بقدرته سبحانه وتعالى وإرادته. ثم قال الله تعالى في ختام السورة (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ) ما هو الذي يقولونه؟ التكذيب والافتراء على الله عز وجل والكفر والسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم شاعر كاهن إلى غير ذلك فهو لم يقل نحن أعلم بما يقولون من تكذيب البعث وهذا من أسرار القرآن كما قلت لكم أنه يحذف المتعلق ليذهب ذهن القارئ إلى كل أمر ومعنى محتمل. قال الله تعالى (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) لست عليهم بمصيطر وإنما أنت مذكر، قال الله (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) إن عليك إلا البلاغ كذبوا واستكبروا وجحدوا فأنت إنما عليك البلاغ ولهذا قال في ختام السورة (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) وهذه الجملة هي الحقيقة خلاصة السورة التي تجمع لك قصدها فقصدها التذكير والتخويف بالوعيد ابتداء من إثبات البعث وانتهاء بالجزاء والرجوع إلى الله عز وجل والجزاء على الأعمال، وهذا نأخذ منه قاعدة أيها الأخوة أن التذكير بالقرآن هو الذي يحيي النفوس ويوقظ القلوب (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) فإن الإنسان حينما يذكر بكتاب الله عز وجل يعني في كتاب الله مواعظ يا إخواني تهز القلوب والقرآن بني على شقين الترغيب والترهيب ولا ينفع التذكير إلا بهما الترغيب والترهيب، والترغيب غالب مع المؤمنين والترهيب غالب مع المكذبين، الترغيب للمؤمنين المصدقين والترهيب غالب في خطاب الكافرين فلهذا قال (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) لأن سياق السورة هنا فيه تخويف وتذكير بالوعد والوعيد والجنة والنار وخطاب للكافرين خاصة أو ابتداء. فما أعظم أيها الإخوة أن نقرأ هذه السورة قراءة تذكير نذكر بها أنفسنا بيوم القيامة يوم البعث يوم الحساب ومشهد الاحتضار وسوق الملائكة والله إنه لمشهد يحتاج أن نقرأه ونحن نحضر لها قلوبنا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ). بهذا أيها الأخوة نختم هذا المجلس الذي نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن تذكر فيه بالإيمان والموعظة ووعى قلبه بذكر الله وآياته ونسأله سبحانه وتعالى أن يربط على قلوبنا بالإيمان وأن يزينها به وبالأخلاق وأن يجعلنا من الراشدين بإيماننا وأخلاقنا وعملنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أنا سألتكم سؤالاً وهو الفرق بين آيتين قول الله عز وجل (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) في سورة الفتح وفي سورة الأحزاب قال (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)). الجواب: سورة الأحزاب فيها إظهار مقام النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه وتشريفه من الأذية التي أذاه بها المنافقون إذ أن المنافقين لمزوه في زواجه من زينب بنت جحش وهي زوجة مولاه زيد بن حارثة فالله عز وجل أراد أن يبرز أمره ويظهر شأنه وأنه نبي كريم عظيم هذه صفاته فعددها تعديد للصفات لأن الخطاب كما ذكر الأخ هو له للنبي صلى الله عليه وسلم إبرازاً له، سورة الفتح هي لإثبات رسالته لأولئك الذين ظنوا ظناً سيئاً فيه وأن الله لن ينصره وأنه سيخذل في لقائه مع المشركين فأثبت الله أنه رسول ثم قال (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)) فالخطاب هنا لتأكيد رسالته ولتعزيزه ونصرته وهناك في إظهار شرفه وعلو ما أُوذي به فعدد من صفات ما تميز به وظهر شرفه به. سؤال ما تعرضت له وهو كيف يأمر الله نبيه بالاستغفار من الذنب أن يستغفر وهو مغفور له؟ قلنا أن سورة محمد نزلت متقدمة وسورة الفتح متأخرة يمكن هذا وجه، لكن فيه وجه آخر وهو أن قول الله عز وجل (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) أولاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم وله المقام الأكمل في البشر في المؤمنين فإن الله أراد أن يكمله ولن يحيط النبي صلى الله عليه وسلم بتمام العبودية لله تعالى في كل لحظة من لحظاته ذاكراً مستغفراً لا بد أن يكون فيه شيئاً من لحظاته سكوت فكما قال بعضهم سيئات الأبرار حسنات للمقربين يعني أن المقربين يعدون حسنات الأبرار سيئات كيف؟ الغفلة عن ذكر الله هذه عندهم سيئة، الغفلة عن ذكر الله بعدم ذكره سيئة في حق المقربين فالله تعالى أمره بالاستغفار من هذا الوجه ثم أيضاً ثانياً أنه أمره بالاستغفار لأنه قدوة للمؤمنين ولذلك قال ليدخل معه المؤمنين في البركة (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) هذا الذي يظهر والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

*

6

مواضيع
المواضيع / المشاركات

54

مشاركات
معدل المشاركات في اليوم 0.02

121

إعجابات
متلقاة 121 / مرسلة 157

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1