قائمة الأعضاء فايز عيد السلمي

فايز عيد السلمي

مشارك
آخر نشاط :
مواضيع

1

مشاركات

1

الإعجابات

0

عدد الزيارات

303

معلومات عن العضو
الجنسية :
مكان الإقامة :
المؤهل :
التخصص الأكاديمي :
العمل :
تاريخ التسجيل : 23/08/1432 - 24/07/2011
سيرة ذاتيه تفصيلية
أخر موضوع

(منهج القرءان الكريم في معالجة الغلو) د.أحمد القاضي

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل:( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي وصف القرءان أجمل وصف، فقال :( كتاب الله،تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله. هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم. وهو الصراط المستقيم. وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يَخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآناً عجباً. من علم علمه سبق،ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) رواه الترمذي.فإن دين الإسلام الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، وسط بين طرفين، وعدل بين عِوَجين، وهدى بين ضلالتين؛ بين إفراطٍ وتفريط، وغلوٍ وتساهل. وقد حفظ الله لهذه الأمة خاصية(الوسطية) في كتابه الكريم، والتزمها أهل السنة والجماعة، فهماً وتطبيقاً، على مر القرون. فكلما دفت دافة، أو نزلت نازلة، فزعوا إلى الأصل العظيم، ووردوا المورد الكريم، فصدروا بشفاء الصدور، واتضاح الأمور.(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ).وقد ظهر(الغلو) فيمن كان قبلنا من الأمم، وظهر في هذه الأمة أيضاً، مصداقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم :(لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه.قلنا: يا رسول الله!اليهود والنصارى؟قال: فمن؟)متفق عليهوقد أودع الله تعالى كتابه الكريم الشفاء من كل داء، والنور والضياء لكل ظلماء، والمخرج من كل فتنة عمياء. ومن ذلك داء(الغلو) وظلمائه، وفتنته. وسنسعى من خلال هذا البحث إلى استنباط المنهج القرءاني، خاصة، في مواجهة الغلو، وإلا، فإن في السنة النبوية، شواهد كثيرة، وتطبيقات عملية، لكبح جماح هذا الانحراف الذي يطلع قرناً بعد قرن، على الأمة الإسلامية.قال الجوهري :( غلا في الأمر، يغلو غُلُوَّا، أي : جاوز فيه الحد). وقال ابن منظور :( وأصل الغلاء : الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء). وكذا قال ابن فارس:( الغين واللام والحرف المعتل أصل صحيح في الأمر، يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السعر يغلو غلاءً، وذلك ارتفاعه. وغلا الرجل في الأمر غلواً، إذا جاوز حده. وغلا بسهمه غلْواً، إذا رمى به سهماً أقصى غايته)قال ابن الأثير :( الغلو في الدين : أي التشدد فيه، ومجاوزة الحد... وقيل معناه : البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عللها، وغوامض متعبداتها)، وقال ابن حجر:(الغلو:هو المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمق)وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :( الغلو : مجاوزة الحد ن بأن يزاد في الشيء، في حمده، أو ذمه على ما يستحق) ومن شواهد ذلك :( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس : إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)رواه أحمد والحاكم، وحديث :( لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسلبه سلباً سريعاً) رواه أبو داود، ومنه قول عمر، رضي الله عنه :(ألا لا تغالوا بصُدُق النساء) رواه أبو داود.ويقارب مفهوم( الغلو) ويشاركه من بعض الوجوه، مفردات ذات مدلولات شرعية، أو مدلولات اصطلاحية، من جنس :( التنطع) و( التشدد) و(الإفراط) و( الطغيان) و(العتو) و( التطرف)، يجمعها معنى المبالغة، وتجاوز الحد الأوسط. قال تعالى :( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً). قال الطبري، رحمه الله :( يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أهل الكتاب" : يا أهل الإنجيل من النصارى. "لا تغلوا في دينكم" يقول: لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، ولا تقولوا في عيسى غير الحق؛ فإن قولكم في عيسى إنه بن الله، قول منكم على الله غير الحق، لأن الله لم يتخذ ولداً، فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابناً، ثم ساق بسنده عن الربيع، قال : صاروا فريقين : فريق غلوا في الدين، فكان غلوهم فيه الشك فيه، والرغبة عنه، وفريق منهم قصروا عنه، ففسقوا عن أمر ربهم) وقال تعالى :( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)قال ابن كثير، رحمه الله :( أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون الله ! وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم؛ شيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، "وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل": أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال)وهذا اللون من الغلو الاعتقادي، هو أخطر أنواع الغلو، وأشدها أثرا. وقد وقع فيه اليهود والنصارى، فكان لا بد من النص المباشر في التحذير منه، ووصمه بما يستحق من وصمة( الغلو)، حتى لا يلتبس الأمر على هذه الأمة. وحقق ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا : عبد الله ورسوله) رواه البخاري. لعل أول من نعلمه من الغلاة، إبليس ! كيف لا ؟، وآفته الكبر، والكبر نوع من مجاوزة الحد، قال تعالى :(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ)، فاستحق بذلك أعظم مذمة في التاريخ، كما قال تعالى :(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)وكان من الغلاة الذين تجاوزوا حدهم وقدرهم، فرعون، حين قال لموسى :(وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) ثم قال :(لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ)، وقال لعموم قومه:( أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)، وقال متظاهراً بالاجتهاد والتحري :(يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ) ثم استخفه الأشر والبطر، بفعل الغلواء :( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ. فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)، فماذا كانت النتيجة ؟قال تعالى :( فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ) وقال :( فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى).وممن غلا، فاستحق المذمة والعقوبة، اليهود والنصارى، قال تعالى :(وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).وكما أن الغلو في الاعتقاد مذموم، فكذلك الغلو في العبادة، قال تعالى :( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ، إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون)ومتعصبة المذاهب الفقهية، الذين يقول قائلهم :( كل نص خالف ما قاله الأصحاب، فهو إما منسوخ أو مؤول)! عادوا بالملامة والتقريع. إن نزعة( الغلو) نابعة عن أخلاط من الأخلاق الذميمة، كالكبر، والعنف، والعجلة، والغضب. وهذه سمات مشتركة بين الغلاة على مر العصور. وبإزاء ذلك، فإن أهل الاستقامة والعدل والتوسط، يتميزون بجملة من الأخلاق النوعية الكريمة؛ من جنس : التواضع، والرفق، والأناة، والحلم. ومن ثمَّ، فإن من أقوى أسباب علاج الغلو، الثناء على أصحاب النفوس السوية من المتواضعين للحق، القابلين له، المذعنين للدليل، الفرحين به. وقد حفل القرءان الكريم بصور مشرقة من هذه النماذج الإنسانية المتحررة من ربقة التعصب، واسر الغلو. ومن شواهد ذلك قوله تعالى :(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ). ( وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)لما كان للغلو فوعة تحجب صاحبه عن الحق، فتجعل على عينيه غشاوة، وفي أذنيه وقراً، وعلى قلبه أكنة، كان لابد من اختراق صارم لتلك الحجب. وإن أقوى سبب تدحض به الشبهة، الحجة الصحيحة، كما قال تعالى :( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون)، فما يغني في مواجهة الغلو الصخب والضجيج، بل لابد من مقارعة الحجة بالحجة، واستفراغ ما لدى الخصم المعجب برأيه من دعاوى، وتفنيدها، ليطامن من غلوائه، ويعود إلى رشده، إن أراد الله به خيراً، وأما( َمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً). ومن أجمل الشواهد القرءانية على هذا الحوار المفحم، مناظرة إبراهيم، عليه السلام، للنمرود.قال تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)ومن الأمثلة الحوارية الفاضحة لحقيقة الغلو، وضحالة غوره، وانكشاف أمره، حوار موسى، عليه السلام، مع فرعون. قال تعالى :( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ) هذا، وما من مبطل، إلا ويستند إلى دعوى، ويرتفق بدليل، فإذا قيض الله له عالماً راسخاً، وحكيماً بارعاً، يعالج غلواءه، ويكشف زيف استدلاله، بالحوار الحر، أثمر الثمار اليانعة، وعاد بالخير والبركة والنجاة على من التاث بلوثة الغلو، فتداركه نعمة من ربه، كما يتضح من هذا المثال التاريخي البديع :فرجع منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم أربعة آلاف، فقتلوا) رواه عبد الرزاق، والطبراني، وروى أحمد بعضه.2- تجنب الغلاة للحوار، والبحث عن الحق :( لا تحدثوه).3- وجود أفراد مغرر بهم، يبحثون عن الحقيقة :( لنحدثنه).قال تعالى :( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ) قال السعدي،رحمه الله :( أي يريد الله أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير، ويسهلها أبلغ تسهيل. ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله، سهله تسهيلاً آخر؛ إما بإسقاطه، أو بتخفيفه بأنواع التخفيفات) قال تعالى :( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)،قال ابن كثير :(أي في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم)وقال تعالى :( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، فالحرج مرفوع، بحمد الله، عن هذه الأمة، والنعمة تامة. واليسر أقرب إلى روح الشريعة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( إن خير دينكم أيسره. إن خير دينكم أيسره) رواه أحمد.، وحين بعث أبا موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما، إلى اليمن، أوصاهما، قائلاً :( يسرا، ولا تعسرا، وبشرا، ولا تنفرا، وتطاوعا) متفق عليه.من الخصائص المميزة لدين الإسلام خاصية( الوسطية)، فقد قال تعالى :( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).وقد جاء لفظ( الوسَط) في لغة العرب على معانٍ، منها : العدالة، والخيرية، والتوسط بين الطرفين. وإلى هذا المعنى الثالث مال ابن جرير، رحمه الله، فقال :( وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل وسَط الدار... وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى، الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود، الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به. ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها)- وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرافضة، والخوارج)عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أخبروا، كأنهم تقالُّوها. فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري أ- المشية :قال تعالى :( وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) قال ابن كثير :( أي امش مقتصداً؛ مشياً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً وسطاً بين بين)ب- الصوت : قال تعالى :(وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)قال ابن كثير :( أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه.ولهذا قال: "إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير؛ أي غاية من رفَع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله)ج- المعاملة : قال تعالى :(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)د- العشرة والمخالطة : عن أبي جحيفة، رضي الله عنه، قال : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال : ما شأنك متبذلة ؟ قالت : إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. قال: فلما جاء أبو الدرداء قرب إليه طعاما، فقال : كل، فإني صائم. قال : ما أنا بآكل حتى تأكل. قال : فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سلمان : نم ! فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له : نم ! فنام. فلما كان عند الصبح قال له سلمان : قم الآن ! فقاما، فصليا، فقال : إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرا ذلك، فقال له : صدق سلمان) رواه الترمذي. قال تعالى :( وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً).قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله :( أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم؛ فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليتهم؛ فيقصرون في حقهم؛ فلا يكفونهم،بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها)قال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)وقال :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)ومن جوانب التوسط المهمة، أن يكون المرء معتدلاً في مشاعره، وعواطفه، وانفعالاته، فلا يسرف إذا أحب، ولا يسرف إذا أبغض، ولا يفجر إذا خاصم؛ بل يحكم مشاعره بحكم الشريعة، ويضبطها بضابط العقل، فعن علي رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما) رواه الضياء المقدسي.إن من نافلة القول أن المعيار الدقيق، والقسطاس المستقيم، في تحديد( الوسطية) و( الغلو) و( التقصير) النص والدليل، لا الأمزجة الشخصية، ولا العرف الاجتماعي، ولا الاعتبارات الآنية. فليس لأحد، سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ينصب نفسه في مركز الوسط، ويرى القاصر عنه مفرطاً، والمتجاوز غالياً؛ فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً.إن دين الله تعالى بريء من كل ما ألصق به من دعاوى الغلو؛ سواءٌ كان غلواً عقدياً كتكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم، والخروج على أئمتهم، أو كان غلواً عملياً بابتداع أقوال، وأوضاع، وأحوال محدثة، لم يأت بها الشرع. وبذلك يتبين خطأ بعض الكُتَّاب في التعبير، حين يطلقون مصطلح( الغلو الديني)؛ فإن هذه النسبة تضفي على الغلو نوع صبغة دينية، والدين منه براء. لكن قد يقع الغلو في التدين نفسه، الذي هو فعل العبد، لا دين الرب، ولذا عبر الشارع الحكيم على نحوٍ آخر، فقال الله تعالى :( لا تغلوا في دينكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم( إياكم والغلو في الدين) كما تقدم. فنهى أن يتخذ الدين ظرفاً للغلو، ولم ينسبه إليه.

*
أخر مشاركة

*

1

مواضيع
المواضيع / المشاركات

1

مشاركات
معدل المشاركات في اليوم 0.00

0

إعجابات
متلقاة 0 / مرسلة 0

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1