قائمة الأعضاء سعد تركي

سعد تركي

مشارك
آخر نشاط : 12/05/1435 - 13/03/2014 04:41 pm
مواضيع

3

مشاركات

16

الإعجابات

41

عدد الزيارات

611

معلومات عن العضو
الجنسية : سوري
مكان الإقامة : الرياض
المؤهل : بكالوريوس
التخصص الأكاديمي : عام
العمل :
تاريخ التسجيل : 19/12/1432 - 15/11/2011
سيرة ذاتيه تفصيلية
أخر موضوع

جوانب التجديد في تفسير الظلال لسيد قطب

علم التفسير كغيره من العلوم الإسلامية مرّ بمراحل عدة، بدأً من مرحلة التأسيس مروراً بالتأصيل ثم التفريع وانتهاءً بالتجديد . وكان هذا العلم من أوفر العلوم حظاً بالتطوير والتجديد والإبداع؛ وما ذلك إلا لأنه يتعلق بأشرف معلوم .. - كلامُ الله تعالى، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد. ولا تزال مباحث هذا العلم ومواضيعه مرتعًا خصبًا للتجديد، ولا تزال للريادة موضع -بل مواضع- إليه؛ وما هذه الحركة الإصلاحية التي شهدناها في هذا العصر وفي العصور القريبة التي خلت إلا مظهر من مظاهر التجديد في هذا العلم. ونريد في هذا المقال أن نشير إلى شخصيةٍ قرآنيةٍ فريدة ضربت لها في التجديد سهماً؛ فقفزت بعلم التفسير قفزةً نوعية، وأحدثت معلماً بارزاً هادياً في عالمِ فهمِ القرآن وتفسيره والحركة به على مدار التاريخ الإسلامي. إنه عملاق الفكر الإسلامي -كما يحلو للشيخ عبد الله عزام رحمه الله أن ينعته به- سيد قطب رحمه الله .. صاحبُ الموسوعةُ القرآنية الفذة (في ظلال القرآن) نريد أن نتعرف على جانبٍ يسيرٍ من جوانب التجديد في هذا التفسير؛ بما يبرز قيمته ويكشف عن جانب آخر من شخصية هذا العالم الفذ الذي كرس حياته لخدمة كتاب الله عز وجل، والذي افتتح ظلاله بقوله: (الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.. ومقصود سيّد بالمنهج الحركي للقرآن الكريم هو: - أن تتعاملَ الأمةُ مع القرآن تعاملًا جديًا واقعيًا عمليًا وليس الاكتفاء بدراسته دراسةً تفسيريةً نظريةً مع اجتزائه عن واقع نزوله. -أن تدخل الأمةُ عالمَ القرآن برصيدٍ من المشاعر تشابه المشاعر والتجارب التي صاحبت نزوله وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه .. أن تعيشه في مكة والمدينة، في عهد الضعف والقوة، في حال النهوض والعثرة، في عهد الخوف والبلاء والغربة بين الناس.. وفي حياة الرخاء والنعيم والتمكين، في سرية الدعوة وجهرها، في الكف عن الجهاد ثم الإذن به فوجوبه، أن تعيش به مع الحدث زماناً ومكاناً وأشخاصاً... - أن تواجهَ به الأمةُ الجاهليةَ المعاصرة، وتدخله معها في المعركة؛ كما كانت الجماعة المسلمة تواجه به الجاهلية الأولى. - أن تعيشَ في جوِّه.. وتتخيل أحداثه، وتذهبُ بحسِّها إلى وقت نزوله.. إلى مكة والمدينة؛ لإدراك تأثيره وتذوق معانيه! - أن ترى فيه السمة الواقعية الحركية، وتتلقى نصوصه للتنفيذ والتطبيق ولا تكتفي بمجرد تلاوته ومدارسته. وهذا المنهج في التعامل مع القرآن، وفهم آياته، والتحرك به، واستحضار أحداثه، ومعايشة نزوله..لم يسبق سيد قطب في تأصيله والدعوة إليه والعمل به - أحد قبله فيما أعلم. وهذا المنهج هو الذي أقام عليه سيد تفسيره ومن ثم أقام عليه حياته، وهو المنهج الذي ارتضاه للجماعة المسلمة وقدمه للأمة على أنه المفتاح الأهم في فهم القرآن والانطلاق به في الأرض. وقدّم سيد نظريته الحركية في فهم القرآن وتفسيره في أكثر من موضع من كتبه، نكتفي ببعض النصوص ونحيلُ من أراد التوسع إلى مواضع من كتبه: يقول رحمه الله : "إن المسالة -في إدراكِ مدلولات القرآن وإيحاءاته- ليست هي فهم ألفاظِه وعباراته. ليست هي تفسيرَ القرآن كما اعتدنا أن نقول!- : المسألةُ ليست هذه ..إنما هي استعداد النفس برصيدٍ من المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك … معترك الجهاد، جهاد النفس وجهاد الناس … جهاد الشهوات وجهاد الأعداء … والبذل والتضحية والخوف والرجاء، والضعف والقوة، والعثرة والنهوض .. جوِّ مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس .. جوِّ الشِّعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلا عن الله .. ثم جوِّ المدينة : جوِّ النشأة الأولى للمجتمع المسلم بين الكيد والنفاق والتنظيم والكفاح .. جوِّ بدرٍ وأُحُد والخندق والحديبية، وجوِّ الفتح وحنين وتبوك وجو نشأة الأمة المسلمة نشأة نظامها الاجتماعي، والاحتكاك الحيِّ بين المشاعر والمصالح والمبادئ في ثنايا النشأة ومن خلال التنظيم . في هذا الجوِّ الذي نزلت آياتُ القرآن حيةً نابضةً واقعية .. كان للكلمات وللعبارات دلالاتُها وإيحاءُاتها .. وفي مثل هذا الجو الذي يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد، يفتح القرآنُ كنوزَه للقلوب، ويمنح أسرارَه، ويشيع عطرَه، ويكون فيه هدى ونور.. " . (خصائص التصور الإسلامي ص : 7-8) ويقول رحمه الله في الظلال : "إنَّ النصوصَ القرآنيةَ لا تُدْرَكُ حقَّ إدراكها بالتعامل مع مدلولاتها البيانية واللغوية فحسب.. إنما تُدرك وقبلَ كلِّ شيء بالحياة في جوِّها التاريخي الحركي، وفي واقعيتها الإيجابية، وتعاملها مع الواقع الحي.. وهي لا تتكشَّفُ عن هذا المدى البعيدِ إلا في ضوءِ ذلك الواقع التاريخي، ثم يبقى لها إيحاؤها الدائم، وفاعليتُها المستمرة، ولكن بالنسبة للذين يتحرَّكون بهذا الدين وحدهم، ويزاولون منه شبهَ ما كان يزاولُه الذين تنزلتْ هذه النصوصُ عليهم أولَ مرة، ويواجهون من الظروفِ والأحوال شبهَ ما كان هؤلاء يواجهون. ولن تتكشَّفَ أسرارُ هذا القرآنِ قطّ للقاعدين، الذين يعالجونَ نصوصَه في ضوء مدلولاته اللغوية والبيانية فحسب وهم قاعدون ". (3/1453) ويقول رحمه الله: " إن الحركة هي قوام هذا الدين ، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به ، والتجارب تجزم بأن الذين لا يُدمَجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه مهما تفرغوا لدراسته في الكتب دراسة باردة، وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره في حياة الناس ، ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق." . (3 /1734 ــ 1736( وفي التأكيد على بيان المهمة العملية الحركية للقرآن الكريم يقول رحمه الله: " والقرآن الكريم ليس كتابا للتلاوة فقط , ولا مجالا للأجر والثواب فقط , ولا سجلاً للثقافة أو الفقه أو اللغة أو التاريخ فقط , ولكنه الرائد الحي لقيادة أجيال الأمة , وتربيتها وإعدادها لدور القيادة الراشدة .. ومن تدبر القرآن بقلب يقظ خاشع فإنه يجده توجيهات حية تتنزل اليوم لتعالج مسائل اليوم , ولتنير الطريق إلى المستقبل ... فهو كائن حي متحرك . ونحن نراه في ظل هذه الواقعية يعمل ويتحرك في وسط الجماعة المسلمة , ويواجه حالات واقعة فيدفع هذه ويقر هذه , ويدفع الجماعة المسلمة ويوجهها . فهو في عمل دائب , وفي حركة دائبة ... إنه في ميدان المعركة , وفي ميدان الحياة ...". (الظلال 1/261، وأنظر: 1/304 ــ 180) ويقول رحمه الله: إن الحياة فى جوِّ القرآن، لا تعنى مجرد دراسته وقراءته، والإطلاع على علومه ... إن هذا ليس جو القرآن، إن الحياة في جوِّ القرآن، هو أن يعيش الإنسان فى جوِّ وفي ظروف وفي حركة وفي معاناة وفي صراع وفي اهتمامات ... كالتي كان يتنزل فيها هذا القرآن .. أن يعيش الإنسان، فى مواجهة هذه الجاهلية، التى تعم وجه الأرض اليوم، وفى قلبه، وفي همّه وفي حركته، أن ينشىء الإسلام فى نفسه وفي نفوس الناس وفي حياته، وفي حياة الناس، والذين لا يعيشون في مثل هذا الجوِّ معزولون عن القرآن، مهما استغرقوا فى مدارسته وقراءته والإطلاع على علومه . ويقول رحمه الله: ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل فى حسنا، ونستحضر فى تصورنا أن هذا القرآن خُوطبت به أمة حية، ذات وجود حقيقي، ووُجهت به أحداث واقعية فى حياة هذه الأمة ، ووجهت به حياة إنسانية حقيقية فى هذه الأرض؛ وأُديرت به معركة ضخمة فى داخل النفس البشرية وفى رقعة من الأرض كذلك .. معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات . وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن، طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة، لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التى تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان، والتى تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين! بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداث حية، ذات كينونة واقعية حية؛ ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيهاً واقعياً حياً، نشأ عنه وجود، ذو خصائص فى حياة " الإنسان " بصفة عامة، وفى حياة الأمة المسلمة بوجه خاص . ونختم كلامه رحمه الله بهذا التأكيد الأخير : " ونحنُ نؤكِّدُ على هذه السمةِ في هذا القرآن.. سمةِ الواقعيةِ الحركية .. لأنها في نظرنا مفتاحُ التعاملِ مع هذا الكتاب، وفهمِه وفقهِه، وإدراكِ مراميه وأهدافه .." (الظلال: 4/2121) وانظر لمزيد من البيان والتحقيق، الظلال 2/ 1399، 3/ 1432 ــ 1433، 3/ 1509، 4/1221 ج 4 /2038 ــ 2039... إلخ... وهذه النظرية التي يكاد يجمع الباحثون على أنها من بنيات أفكار وإبداعات سيد التي لم يسبقه إليها أحد من دارسي القرآن دراسةً بيانية من قبل – تمثلُ التجسيد الحسي للمعاني، وتخييلها واستحضارها في الذهن على أنها وقائع عينية حسية ذاتُ إيقاعٍ وحركة..! وهذه النظرية تمثِّلُ الوجه الجمالي في تفسير الظلال. وقد أصدر سيد كتابه الحافل: (التصوير الفني في القرآن) سنة 1945، وسجل فيه نظريته؛ حيث شرح معنى التصوير، وتحدث فيه عن خصائصه، وعرض مجالاته وآفاقه، وجعل كتابه أساسَ سلسلةٍ من كتب،يدرسُ فيها القرآن دراسةً بيانية أدبية أطلق عليها اسم (مكتبة القرآن الجديدة) ولم يُصدر من تلك السلسلة إلا كتاباً هو(مشاهد القيامة في القرآن) حيث تحدث فيه عن التصوير في مشاهد القيامة. وفي مقدمة (مشاهد القيامة) صرح بذكر هذا الهدف قائلاً: " وفي اعتقادي أنني لم أفعل بهذا الكتاب وبسابقه، ولم أصنع بلواحقهِ إلا أن أردّ القرآن في إحساسنا جديداً كما تلقاه العرب أوّل مرّة فَسُحِرُوا به أجمعين .. فلا أقلّ أن يُعاد عرضه. وأن تُردّ إليه جدته، وأن يُستنقذ من ركام التفسيرات اللغوية والنحويّة والفقهيّة والتاريخيّة والأسطورية أيضاً ! .. وأن تُبرز فيه الناحية الفنّية وتُستخلص خصائصه الأدبيّة وتُنبه المشاعر إلى مكان الجمال فيه" . (مشاهد القيامة في القرآن 8) (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ. تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ! )(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) ..) "والتعبير هنا يشخص الكواكب السيارة. والليل والصبح. فهو يخلع على الكواكب حياة رشيقة كحياة الظباء. وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى. والليل هنا شخص. فهو يَعِس في الظلام بيده أو برجله لا يرى. والصبح حي يتنفس، أنفاسُه النور والحياة والحركة التي تدب في كل حي. وهو في تنفسه أشبه بطفلة تتنفس عند استيقاظها في الصباح. أو بعصفور زال عنه النعاس فصحا طروبا مرحا.". (الظلال 6/3841-3842) (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) فهما شخصان يفيضان حياة وحركة. وقد صوّر لنا الليل هنا في سمت الشخص الواعي، له إرادة وقصد، فها هو يطلب النهار طلباً حثيثاً مستمراً دائماً، لا ينقطع حتى قيام الساعة. ولكن لن يلحق به أو يسبقه (ولا الليل سابق النهار) .. - (واشتعل الرأس شيبا) (مريم: 4) - (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (الأعراف: 40) - (قل اندعوا من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استوهته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعون إلى الهدى ائتنا) (الأنعام:71) - (ومن الناس من يعبد الله على حرف..) (الحج: 11) - (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) (آل عمران: 185) - (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) (الأعراف:175) - (ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (الحج:31) - (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) (الأنعام: 31) من عادة سيد في ظلاله قبل الشروع في تفسير السورة أن ينبه إلى تناسق المعاني بين افتتاح السورة وختامها، وإبراز الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم، والتناسب الموضوعي في دروسه ومقاطعه، وقد كان ذلك ظاهراً في تعريفه بكل سورة في مطلع تفسيره لها، وعرض موضوعها الأساسي وموضوعاتها الفرعية وذلك قبل الشروع في تفسيرها التفصيلي؛ فيقف القارئ بذلك على شخصية السورة وملامحها جملة واحدة، وهذا من شأنه أن يساعد القارئ على ربط موضوعات السورة الفرعية بموضوعها الأساسي . وقد عدّ بعض الدارسين المعاصرين أن مكتشف هذه النظرية ورائدها هو سيد قطب رحمه الله، وآخرون نفوا ذلك. إلا أنه لم يختلف أحد من دارسي الظلال أن سيداً تميّز بها إنْ بالإحداث والإيجاد عند البعض أو على الأقلّ بالكثرة والإبراز والاطّراد والإبداع في بيانها وحسن طَرْقِها عند غالبهم. يقول رحمه الله : "إنّ كل سورة من سور القرآن ذات شخصية متفردة , وذات ملامح متميزة , وذات منهج خاص , وذات أسلوب معين , متفرد , وذات مجال متخصص في علاج هذا الموضوع الواحد , وهذه القضية الكبيرة .. إنها كلها تتجمع على الموضوع والغاية , ثم تأخذ بعد ذلك سماتها المستقلة , وطرائقها المتميزة ومجالها المتخصص في علاج هذا الموضوع وتحقيق هذه الغاية .. إن ّ الشأن في سور القرآن ــ من هذه الوجهة ــ كالشأن في نماذج البشر التي جعلها الله متميزة : كلهم إنسان , وكلهم له خصائص الإنسانية , وكلهم له التكوين العضوي والوظيفي الإنساني ... ولكنهم بعد ذلك نماذج منوعة أشدّ التنوع , نماذج فيها الأشباه القريبة الملامح , وفيها الأغيار التي لا تجمعها إلاّ الخصائص الإنسانية العامة .! هكذا عدت أتصور سور القرآن , وهكذا عدت أحسّها , وهكذا عدت أتعامل معها , بعد طول الصحبة , وطول الألفة , وطول التعامل مع كل منها , وفق طباعه واتجاهاته , وملامحه وسماته ...." اهـ (الظلال 3/ 1243) ويقول أيضا : "... ومن ثمّ يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أنّ لكل سورة من سوره شخصية مميزة , شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس , ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص . ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها , ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة , تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو . ولها إيقاع موسيقي خاص ــ إذ تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة .....و طابع عام في سورة القرآن جميعا ...." (الظلال 1/ 27 و 28( بدأ سيد رحمه الله أولاً ببيان المقصد العام للسورة: "هذه السورة مدنية من أواخر ما نزل من القرآن - إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن - ومن ثم قد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض ؛ كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته ، وتحديد قيمه ومقاماته ، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته ، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا . والسورة - بهذا الاعتبار - ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام ومراحله وخطواته - حين تراجع الأحكام النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها" وبيان وقت نزولها: "ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ؛ ومراجعة ما جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ؛ ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك . . يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة . . ثم شرع في تقسيم السورة إلى مقاطع مترابطة بحسب موضوعها: "وقد تضمنت السورة في المقطع الأول منها - من أولها إلى ختام الآية الثامنة والعشرين - تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في الجزيرة ؛ مع إبراز الأسباب الواقعية والتاريخية والعقيدية التي يقوم عليها هذا التحديد.. أما المقطع الثاني - في السورة - فقد تضمن تحديدا للعلاقات النهائية كذلك بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب عامة ؛ مع بيان الأسباب العقيدية والتاريخية والواقعية التي تحتم هذا التحديد.. وفي المقطع الثالث يبدأ النعي على المتثاقلين الذين دعوا إلى التجهز للغزوة فتثاقلوا إلى الأرض وتكاسلوا عن النفير . . ثم يجيء المقطع الرابع في سياق السورة - وهو أطول مقاطعها ، وهو يستغرق أكثر من نصفها - في فضح المنافقين وأفاعيلهم في المجتمع المسلم ، ووصف أحوالهم النفسية والعملية ، ومواقفهم في غزوة تبوك وقبلها وفي أثنائها وما تلاها.. والمقطع الخامس في سياق السورة تكشف عن حالة من الخلخلة وعدم التناسق في التكوين العضوي للمجتمع الإسلامي في هذه الفترة ؛ يشير إليها قول الله سبحانه : ( وفيكم سماعون لهم ) .. والمقطع السادس في سياق السورة يتضمن تقريرا لطبيعة البيعة الإسلامية مع الله على الجهاد في سبيله وطبيعة هذا الجهاد وحدوده. . وفي النهاية تختم السورة بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتوجيهه من ربه إلى التوكل عليه وحده والاكتفاء بكفالته سبحانه .. وبعد هذا العرض الموضوعي للسورة انتهى رحمه الله إلى بيان الحكم العام على موضوع السورة وأحكامها: "وبعد فإن هذه السورة المحكمة تحتوى بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله - كما بينا في خلال عرضها وتقديمها - ومن ثم ينبغي أن يرجع إلى نصوصها الأخيرة بوصفها الكلمة الأخيرة في تلك العلاقات ؛ وأن يرجع إلى أحكامها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة ، حسبما تدل عليها نصوص السورة . كما ينبغي ألا تقيد هذه النصوص والأحكام النهائية بنصوص وأحكام وردت من قبل - وهي التي سميناها أحكاما مرحلية - مستندين في هذه التسمية : أولا وبالذات إلى ترتيب نزول الآيات . ومستندين أخيرا إلى سير الأحداث في الحركة الإسلامية ، وإدراك طبيعة المنهج الإسلامي في هذه الحركة . . هذه الطبيعة التي بيناها في التقديم للسورة وفي ثناياها كذلك . وهذا هو المنهج الذي لا يدركه إلا الذين يتحركون بهذا الدين حركة جهادية لتقرير وجوده في واقع الحياة ؛ برد الناس إلى ربوبية الله وحده ، وإخراجهم من عبادة العباد !.. وحين يوجد المجتمع المسلم مرة أخرى ويتحرك ؛ فإنه يكون في حل من تطبيق الأحكام المرحلية في حينها. ولكن عليه أن يعلم أنها أحكام مرحلية ، وأن عليه أن يجاهد ليصل في النهاية إلى تطبيق الأحكام النهائية التي تحكم العلاقات النهائية بينه وبين سائر المجتمعات . . والله الموفق ، والله المعين . ."   وهذا المنهج يكاد ينفرد به سيد قطب عن سائر المفسرين الذين حشوا تفاسيرهم بمباحث كثيرة (مفيدة) ومطولات ومشكلات وقضايا لا يستفيد منها غالبا إلا المتخصصين في التفسير، والتي تحجب نور القرآن وهداياته عن القارئ.! وهذه المطولات والمباحث مختلفة: منها النحوية المتعلقة باختلافات النحويين .. ومنها البلاغية.. ومنها الفقهية.. ومنها العقدية الكلامية الفلسفية.. ومنها الأسانيد .. ناهيك عن الأساطير والإسرائيليات والخرافات.. وهذه المطولات لن يضر قارئ القرآن ودارسه شيئا لو لم يطلع عليها أصلا، ولا يفوته من هدى القرآن وكنوزه لو لم يعرف عنها شيئا؛ لأنه لا يتوقف عليها بيان معنى الآية وتوضيحها وهدايتها. ومن درس منهج سيد في ظلاله يرى أنه يحافظ على هذه السمة في تفسيره؛ فلا يشغلُ القارئَ بمباحث ومطولات تحجبه عن فهم مقصد الآية وإيحائها .. حتى في بعض استطراداته رحمه الله تجده يحرص على إعادة القارئ إلى موضوع الآية ربطه بها.. ومنهجه في ذلك: أنه يعطي القارئَ –قبل الشروع في التفسير المفصل للسورة- نبذةً مختصرة عن السورة .. وعن مقصدها وموضوعها العام .. وأسباب نزولها وتاريخها.. كل ذلك تمهيدا لدخوله في جوِّ السورة .. ثم يقوم بتقسيم السورة إلى مقاطع ودروس بحسب موضوعها.. بعد ذلك يُدخِلُ القارئَ في جوِّ السورة.. يحرّكه بين مقاطعها.. ويمرروه على أحداثها.. ويوقفه على هداياتها وتوجيهاتها.. ويبرز له استنباطاتها.. كل ذلك مع الحرص التام على ربط ذهن القارئ – كما قدمنا- بالموضوع العام للسورة وعدم إغفاله عنها، وربط أوائل الآيات بأواخرها وبيان تناسقها، وإبراز وحدتها وموضوعها العام.. فينتهي بالقارئ إلى نهاية السورة وقد تشكل في ذهنه صورةً متكاملةً عن السورة وموضوعها ومقصدها وأحكامها..   ومن القضايا التي أولاها سيد رحمه الله عناية خاصة في بحثها وجودة عرضها وتعتبر من جوانب التميز في منهجه -مسألة الموروثات الفكرية السابقة في ذهن القارئ التي استقرت عنده بناء على اعتبارات بعيدة عن العلم والتحقيق، ثم يذهب يطلب لها الدليل والاعتراف من القرآن؛ فيقع عنذاك في التعسف في فهم الآيات أو ليّ عنق النصوص لتوافق مقرراته السابقة التي يصعب عليه مخالفتها. يقول رحمه الله : "ومنهجُنا في استلهامِ القرآن الكريم، ألا نواجهَه بمقررَّاتٍ سابقةٍ إطلاقاً، لا مقرراتٍ عقلية ولا مقرراتٍ شعورية – من رواسبِ الثقافات التي لم نستقيها من القرآن ذاتِه- نحاكمُ إليها نصوصَه، أو نستلهمُ معاني هذه النصوص، وفقَ تلك المقررات. لقد جاء النصُّ القرآني –ابتداءً- لينشئ المقرَّراتِ الصحيحة التي يريدُ الله أن تقومَ عليها تصوراتُ البشر .. " (خصائص التصور القرآني 16-17) ( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن. ولا ينفي شيئا يثبته القرآن ولا يؤوله! ولا يثبت شيئا ينفيه القرآن أو يبطله. وما عدا المثبت والمنفي في القرآن، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته..) وبعد .. هذه هي أبرز جوانب التجديد في تفسير الظلال.. وفيه المزيد لمن أمعن واطّلع.. والحمد لله رب العالمين وأختم هذه المقالة برائعةٍ من روائع الأستاذ الدكتور عدنان زرزور: " ومن يدري؟ فلعلَّ هذا القبولَ الذي كتبه المولى سبحانه لهذا التفسير يعودُ إلى ما ذكرنا، وإلى أنَّ سيداً رحمه الله قد كتب تفسيرَه مرتين: مرةً بمداد العالم، وأخرى بدماء الشهيد! حروفُ القرآن نور .. ودماءُ الشهداءِ نور .. و(في ظلال القرآن) نورٌ على نور!" . (مدخل إلى تفسير القرآن ص270)

*

3

مواضيع
المواضيع / المشاركات

16

مشاركات
معدل المشاركات في اليوم 0.01

41

إعجابات
متلقاة 41 / مرسلة 4

Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1