إشكالية ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية تحت مجهر البحث العلمي
شيرين حامد فهمي

المصدر: موقع إذاعة كولونيا -صوت ألمانيا بالعربية



تلعب تراجم الكتب المقدسة إلى اللغات الأخرى دوراً هاماً في إطار الحوار الثقافي والديني والإطلاع المباشر على معتقدات الآخر، إلا أن عملية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية لا تخلو من بعض الإشكاليات والصعوبات.

عملية ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأوروبية بوجه عام وإلى اللغة الألمانية بوجه خاص ليست بالجديدة. كما أنها ليست مجرد رد فعلٍ فُجائي على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أو السابع من يوليو/تموز 2005، بل هي عملية امتدت على مدار التاريخ وأثمرت حتى الآن عن إصدار 38 ترجمة ألمانية للقرآن ظهرت باكورتها في القرن السابع عشر الميلادي، وتحديداً في عام 1616، على يد سالومون شفايجر.

وعلى الرغم مما تبدو عليه تلك العملية من إيجابية، إلا أنها لم تخل من السلبيات، التي كان لها تأثيراً سيئاً على القارئ الغربي. وهذا ما دفع الباحث المصري محمود محمد حجاج، المدرس المساعد بقسم اللغة الألمانية بجامعة الأزهر، إلى تسجيل أطروحته لنيل درجة الدكتوراة من جامعة كاسل الألمانية حول إشكالية ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية. موقعنا أجرى معه حواراً حول موضوع أطروحته العلمية.

* "اللغط في التراجم كان السبب":

"إن الذي دفعني إلى تبني هذه الأطروحة هو ما لاحظته من اللغط الفادح في تراجم القرآن، واختلاف بل وتناقض تلك التراجم مع بعضها البعض، مما كان له مردود غير إيجابي على المُتلقي الغربي". هكذا بدأ محمود محمد حجاج حديثه مع موقعنا، مُعللاً الدافع الرئيسي وراء أطروحته، التي شد من أجلها الرحال إلى ألمانيا. فبعد إنهائه لرسالة الماجستير – حول "إشكالية ترجمة المصطلحات الإسلامية" بجامعة الأزهر في مصر – اتجه إلى أولاً سويسرا، عاكفاً على تعميق دراسة اللغة الألمانية، وانتقل بعد ذلك إلى جامعة كاسل بولاية هيسن لمقارنة التراجم الألمانية. إن أكثر ما يؤرق حجاج هو اللغط المتعلق بترجمة مصطلحات عديدة كـمصطلح "الجهاد"، على سبيل المثال، إذ يتم ترجمة هذا المصطلح وغيره في صور شتى، مما يضع القارئ الألماني في بحر لا قرار له من الشك والريبة، على حد تعبيره.

* نوع الترجمة يعتمد على نوع المتلقي:

تنقسم التراجم الألمانية للقرآن الكريم إلى تراجم علمية، مثل ترجمة رودي باريت، وتراجم جمالية مثل ترجمة فريدريش روكرت. ويرى حجاج أن "كل ترجمة تتجه إلى متلقٍ بعينه؛ ومن ثم لا نستطيع القول أن ترجمة باريت أفضل من ترجمة روكرت أو العكس." وعلى سبيل المثال، "تعتبر ترجمة مراد هوفمان في عام 1999 من أيسر التراجم للمتلقي الألماني المبتدئ الذي لم يقرأ عن الإسلام من قبل." ويضيف حجاج قائلاً: "هناك آيات قرآنية جمالية، وأخرى تعتمد على الأحكام؛ فإذا رغب المُتلقي الألماني في فهم الآيات الجمالية، فعليه اللجوء إلى ترجمة روكرت؛ وإذا رغب في فهم الآيات الدالة على الأحكام، فعليه أن يلجأ إلى ترجمة باريت". وهكذا يتحقق، من وجهة نظره، مبدأ التوازن بين النهجين المختلفين.

* صعوبات الترجمة:

ويرى حجاج أن الصعوبات، التي تواجه المترجم الألماني عند اقترابه من القرآن الكريم، تكمن في كثرة المصطلحات القرآنية ذات المدلول الحضاري الإسلامي، والتي لا يفهمها المُترجم الألماني. والسبب في ذلك واضح وبسيط: "فتلك المصطلحات تنبثق عن الحضارة الإسلامية وحدها، ومن ثم لا تعرفها الحضارة الغربية. فمصطلحات مثل "الموقوذة" و"المُتردية" و"النطيحة" ليست موجودة في الثقافة الغربية، مما يجعل إدراكها بالنسبة للمترجم الألماني صعباً للغاية، إن لم يكن مُستعصياً". أما ثاني تلك الصعوبات – كما يفيد حجاج – فتتمثل في "البُنية اللغوية التركيبية للقرآن، والتي تستعصي أيضاً على فهم وإدراك المُترجم الألماني. فعلى سبيل المثال، يوجد في القرآن انتقال دائم من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب؛ وهذه النقلة – التي يسميها علماء التفسير – بظاهرة "الالتفات" تمثل مُعضلة أخرى للإدراك الغربي. مُلخص القول، إن ترجمة القرآن الكريم ليست بالأمر البسيط أو الهين؛ وإن تفسيره ليس سهلاً، كما يعتقد الكثير من الناس. فإذا كان تفسيره صعباً على أهله المسلمين، فكيف يكون على غير أهله؟؟"

* أخطاء يقع فيها المُترجمون:

ويأخذ حجاج على كثير من المُترجمين تجاهلهم لتلك الصعوبات، والتعامل مع القرآن كنص أدبي أو لغوي، وليس باعتباره كتاباً مُقدساً. "فهم يُشمرون عن سواعدهم، ويرمون بأنفسهم في بحر الترجمة اللغوية والأدبية، متغافلين لجانب الديني في القرآن. بل قد يتجرءون على ترجمة النص القرآني، بدون دراية كافية بعلوم القرآن." والترجمة كما يرى حجاج: "هي نوع من التفسير؛ وتفسير القرآن لا يجوز إلا بمعرفة وضبط علوم القرآن، التي تحتوي على علم التفسير وعلم أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم البلاغة. فمن يزج نفسه في ترجمة القرآن دون معرفة تلك العلوم، إنما يفتقد الوسائل والأصول المؤدية لبلوغ حقيقة ذلك العلم القرآني. ومن فقد الأصول فقد الوصول"، على حد قوله.

ومن ثم، فإن وصية حجاج لمترجمي القرآن إلى اللغة الألمانية، سواء كانوا من المسلمين أو غير المسلمين، هي الاتجاه إلى العمل المؤسسي الذي يستطيع أن يتبنى هذا العمل الضخم والصعب في آن واحد. ويدعو حجاج إلى إيجاد مؤسسات لترجمة لقرآن الكريم، تضم مسلمين وغير مسلمين، عرب وألمان، على أن يكون جميع العاملين من ذوي الدراية العلمية الكافية بخصائص اللغة والعلوم الشرعية والحضارة الألمانية. ويأمل حجاج بإيجاد "تراجم ألمانية للقرآن تخاطب الألماني في بيئته، وفي نفس الوقت تتبنى قواعد علمية مأخوذة من التراث الإسلامي والعلوم اللغوية الحديثة على حد سواء."