رَفْعُ الكِسَاءِ عَنْ مَغْزَى سُوْرَةِ النِّسَاءِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد
فهذه كلمات عن مقصود سورة النساء أو ما يسمى بالمعنى العام الذي تدور عليه السورة .أرجو من المشايخ الفضلاء
والأخوة النبلاء ، أن يقيموها علميا وأن يصلحوا ما فيها من خطل .

هذه السورة جاءت لبيان العدل بجميع أنواعه ومع جميع أصناف الناس ، وذكرت أصناف أهل الظلم وصفاتهم ، فالتقوى التي أمر بها في أولها هي أساس العدل وأهم شيء فيه ، ومن لم يحقق التقوى فقد ظلم نفسه ، وجاء ختم أول آية باسم الله الرقيب مناسبا لهذا المعنى ، فاستشعار مراقبة الله للعبد سبب لعدم ظلمه لنفسه ولغيره .
ثم ذكر الله تعالى التعامل مع أصناف متعددة من الناس في هذه السورة ، ولا بد من أن يكون التعامل معهم قائما بالعدل ، ومن ذلك اليتامى ، فنهى عن ظلمهم ، وأكل أموالهم بالباطل ، وفي أواخر السورة أمر بالعدل فقال : (( وأن تقوموا لليتامى بالقسط )) ، وكذلك اليتيمة كما قال تعالى : (( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ... )) الآية ، ومعناها كما جاء عن عائشة في صحيح البخاري ومسلم : أنها اليتيمة تكون في حِجْر وليها فيرغب في جمالها ومالها ، يريد أن يتزوجها بأدنى من سنة نسائها ، فنهوا عن نكاحها إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق .
ثم ذكر الله العدل مع الزوجات لمن عنده أكثر من واحدة ، وقال بعدها : (( ذلك أدنى ألا تعولوا )) وقول أكثر المفسرين واختاره ابن كثير أن المراد بـ ألا تعولوا : أي ألا تجوروا ، من عال في الحكم إذا ظلم .
وذكر الله آيات المواريث وأنصبة كل من الورثة ، وقسمة الله تعالى هي العدل والحق القائم ، ولذلك ختم الآية بقوله : (( إن الله كان عليما حكيما )) فالعليم الحكيم لا يظلم في القسمة وهو سبحانه أدرى بمصالح العباد من أنفسهم ، لذلك قال تعالى : (( آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا )) .
ثم إن من عدله سبحانه أن فتح باب التوبة لعباده ، ما لم تغرغر الروح ، أو تطلع الشمس من مغربها ، فحينئذ لا تنفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل .
ومن عادات الجاهلية أن المرأة إذا مات بعلها ، وجاء ابنُه من غيرها أو أحد عصبته ، فألقى ثوبه عليها يصير أحق بها من نفسها ومن غيرها ، فيرثها من الميت ، ثم إن شاء تزوجها من غير صداق ، أو زوجها لغيره و أخذ الصداق ، أو عضلها عن الأزواج ، فنهى الله تعالى عن هذا الظلم : (( يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ... )) الآية.

ونهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل وعن قتل النفس بغير حق ، وهذا من الظلم العظيم ، فيقول الله تعالى : (( يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل )) الآية ، والباطل يشمل كل أنواع الربا ، والقمار ، والغصب ، والسرقة ، والخيانة ، وغيرها ، وأما قوله : (( ولا تقتلوا أنفسكم )) فيشمل قتل المسلم لأخيه المسلم ، وفي القرآن يأتي التعبير بـ " أنفسكم " ويراد به المسلمين ، كما قال الله تعالى (( فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة )) فقد اختار ابن جرير رجمه الله أن المعنى : إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على بعض .
ثم إن من عدل الله وحكمته أن فرض على كلٍ من الجنسين الذكر والأنثى ، ما يناسب طاقته وقدرته ، ففرض على الرجال الغزو و الجهاد ، وليس على النساء جهاد ، لضعفهن وعدم قدرتهن ، فقال الله تعالى : (( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض )) الآية ، وقد ذكر في سبب نزولها أن أم سلمة لما قالت : يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ... إلخ .

ثم قال الله تعالى : (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة )) ، ونفي الظلم عن الله تعالى لكمال عدله ، وإلا فمجرد نفي الظلم ليس بكمال ، وإنما الكمال إثبات كمال ضد الصفة المنفية .
ثم تأتي الآيات التي تذكر أهل الظلم بأنواعهم ، فذكر الله اليهود ، وهم أعظم الناس ظلما وبغيا ، وذكر صفاتهم ، فقال : (( ألم تر إلى الذين أتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ... )) الآية ، وفي قوله : (( أتوا نصيبا من الكتاب )) فائدة وهي : أنه مع كونهم عندهم حظاً من العلم وحظاً من الرسالة ، إلا أن ذلك لم يكن عاصماً لهم من إتباع سبيل الضلالة ، والله تعالى ذكر أوصافهم ولم يذكر أعيانهم ، لأن الوصف أنفع لعباد الله ، فكل من اتصف بهذا الوصف فهو مذموم وإن لم يكن من أهل الكتاب .

ومن أعظم الظلم الشرك بالله تعالى ، وقد نهى الله عنه في هذه السورة مرتين ، وفي الموضع الأول لما ذكر اليهود ، وأنهم أهل افتراء وكذب ، ختم الآية بـ (( فقد افترى إثما عظيما )) ، ولما ذكر في الموضع الثاني مشاقة الرسول ومخالفته ، ناسب ختم الآية بـ (( فقد ضل ضلالا بعيدا )) ، وقد ذكر نحو ذلك ابن جماعة الكناني في كشف المعاني ص 147 .
وقال تعالى : (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل يزكي من يشاء و لا يظلمون فتيلا )) وفي موضع آخر في السورة كذلك (( ولا تظلمون فتيلا )) ، وفي أواخر السورة ((و لا يظلمون نقيرا )) ، والفتيل : المفتول ، وسمي ما يكون في شق النواة فتيلاً لكونه على هيئة فتيل الحبل ، وهذا يضرب به المثل في الشيء الحقير ، والنقير: نقطة في ظهر النواة ويضرب بها المثل في الشيء الطفيف ، مفردات الراغب ص 821 .

وقال الله تعالى (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ... )) الآية ، وهذه الآية ظاهرة في المعنى المقصود .

ثم ذكر الله المنافقين ، وأنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، وكلما خالف حكم الله تعالى فهو باطل ، وهو ظلم وليس بعدل ، و أهل النفاق أهل ظلم وباطل ، والله تعالى ذكر صفاتهم لكي يجتنبها المسلم ، في عدة آيات من قوله : (( ألم تر إلى يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ... )) الآيات .

و ذكر الله تعالى قتل المؤمن وعقاب ذلك و وعيده ، والقتل معلوم أنه منتهى الظلم للآخر .
ثم لما حدثت قصة طُعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث ، لما سرق درعاً من جار له ، ثم خبأها عند يهودي ، ثم حلف أنه ما أخذها ، وقال اليهودي : أنه دفعها إليه ، فجاء قوم طعمة إلى رسول الله ، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم .... إلى آخر القصة ، فنزلت آيات عظيمة في الحكم بين الناس بالحق وبما علم الإنسان ، وألا يكون لأهل الخيانة معينا ومدافعا عنهم ، إلى آخر الآيات .

ثم ذكر الله الشرك وأنه لا يغفره والشرك ظلم عظيم كما في آية لقمان (( إن الشرك لظلم عظيم )) ،
وقال الله تعالى (( إن يدعون من دونه إلا إناثا )) أي ما يدعون من دون الله إلا إناثا ، واختلف المفسرون في هذه الآية على أقوال يرجع بعضها إلى بعض ، محصلها :
1ـ أن المعنى : إن يدعون من دون الله إلا اللات والعزى ، فسماها الله إناثا لأنهم كانوا يسمونها كذلك .
2ـ أن المراد بالإناث هنا : الموات وما لا روح فيه ، لأنه يؤنث ، فتقول : الدراهم تنفعني ، والأحجار تعجبني ، ونحو ذلك .
3ـ أن المراد بالإناث هنا : الملائكة .
والقول الأول الثاني متقاربان ، فهم كانوا يدعون آلهتهم التي سموها تسمية الإناث ، وهي لا روح فيها وما لا روح فيه يؤنث ، ولكن القول الثالث مختلف عن القولين الأولين ، وابن جرير رجح القول الأول وقال : هو أولى التأويلات في هذا ، والله تعالى أعلم .

وذكر الله تعالى قَسَم الشيطان على إغواء بني آدم ، وإبليس لما ظلم نفسه بالاستكبار عن السجود لآدم ، أقسم على أن يضل بنيه ، بأنواع الظلم من ظلم العبد لنفسه ، وظلمه لغيره .

وقال الله تعالى : (( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ))
وهذا من عدل الله تعالى ، فإنه سبحانه ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب ، بل جميع الخلق يدخل تحت هذه القاعدة العامة ، من يعمل سوءا يجز به ، كما قال ابن عباس وغيره : هذه الآية عامة في حق كل عامل .
فليست الأمور بالتمني ، بل بالعمل الصالح ، وإتباع الملة الحنيفية الصحيحة .

ثم ذكر الله تعالى العدل بين النساء ، وأن العدل في الحب القلبي وميل القلب ، لا يقدر عليه أحد ، وإنما الواجب العدل بينهن في النفقة والقسم ، لذلك قال الله تعالى : (( فلا تميلوا كل الميل فتذروها كل المعلقة )) الآية ، وكان النبي يقول : (( اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك )) أخرجه أصحاب السنن .
وأمر بالعدل مع الوالدين والأقربين ومع النفس ، في الشهادة والإقرار ، (( يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ... )) الآية .
وذكر من أصناف أهل الظلم ، المنافقين وقد سبق ذكر شيء من أوصافهم ثم ذكر الله عقابهم وثوابهم وأنهم في الدرك الأسفل من النار .
وذكر الله ما يجوز لمن ظُلِم أن يخبر به عن ظلم من ظلمه ، أو من نزل على قوم فلم يحسنوا ضيافته ، أن يخبر عن ذلك ، وقد ذُكِر هذين المعنيين عن السلف .
وذكر الله اليهود وهم أهل الظلم والطغيان ، وذكر أنواع الظلم التي اجتمعت فيهم ، من عبادة العجل ، والإشراك بالله تعالى ، وقتل الأنبياء ، ونقض المواثيق ، وتعديهم في قصة السبت ، وقولهم على مريم بهتانا عظيما ، لعنهم الله ، وظنهم أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، وما قتلوه ، فلما ذكر الله هذا كله عنهم قال : (( فبظلم من هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا )) الآيات
ومن عدله سبحانه لم يجعل اليهود كلهم أهل ظلم بل هناك منهم من تاب وأسلم واتبع النبي الأمي محمداً مثل عبد الله بن سلام .

ومن عدله سبحانه أن أرسل الرسل لتقوم الحجة على العباد ، كما قال تعالى : (( لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل ))
فهو سبحانه لا يعذب أحدا من خلقه قبل بعثة الرسل .
وذكر الله في ختام السورة أهل الكتاب ونهاهم عن الغلو وهو مجاوزة الحد ، ونهاهم عن الشرك الذي هو الظلم العظيم والافتراء المبين .



هذا والحمد لله على نعمه الظاهرة والباطنة ، ولم أتعرض لجميع الآي ، إلا لما كان ظاهرا في المعنى العام ، و ما لم يكن كذلك ، فلم أتكلف استخراج هذا المعنى منه ، و أعوذ بالله أن أقول في القرآن برأي ، والله تعالى أعلم ، ونسبة العلم إليه أسلم .