[align=justify]
مفكرة الإسلام : الاثنين8 من ذو الحجة 1428هـ 17-12-2007م الساعة 12:18 م مكة المكرمة 09:18 ص جرينتش الصفحة الرئيسة > المستشار > زهرة

[align=center][glow=FF6600]منابع النور[/glow][/align]
أخيتي ... أهلًا وسهلًا بك، أرأيت أختي إلى النهر كيف ينبع من مصادر شتى...، ما بين بحيرات وهضاب وجبال تصب فيها الأمطار، ثم يتجمع بعد ذلك ليشق له أودية في الأرض، يروي من خلالها العطاش.

فكذلك نور الإيمان الذي يعيش المسافر حياته في ظلاله، ينبع من حقائق إيمانية ثابتة راسخة، تنفجر في قلب المؤمن ثم تشق أودية النور في حياته، فتغدو لحظات أيامه ولياليه كلها مغمورة في نور الإيمان، فلا يخطو خطوة أو يسكن لحظة، إلا وذلك النور معه، يوجهه ويرشده للتي هي أقرب إلى ربه تعالى.

(( أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )) [الزمر:٢٢].

فتعالِ بنا الآن أيتها الوافدة الجديدة إلى حياة النور، نمر على تلك الحقائق الإيمانية؛ لترسخ جذورها في قلبكِ الطاهر، ولتعرفي إسلامك كما أراده الله تعالى منك، فخذيها يا أختي بقوة، وأمري نفسكِ تأخذي بأحسنها، وعضي عليها بالنواجذ، لنقبس منها ذلك النور، والذي من لم يجعل الله له منه نصيبًا فما له من نور، فنعيش حياة النور كما أمر الله رسوله ـ ـ أن يعيش:

(( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )) [الأنعام:١٦٢].

المنبع الأول ـ سمعنا وأطعنا

(( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض )) ، هكذا يرسم لنا النبي معالم أول وأهم نبع، يستقي منه المسافر إلى ربه في رحلته نحو استكمال ولادته الجديدة.

لوحة إيمانية

وتأملي تلك اللوحة النبوية التربوية التي يصف لنا معالمها عبد الله بن مسعود ـ ـ حين قال: خط لنا رسول الله خطًا، وقال: (( هذا سبيل الله ))، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: (( هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه ))، ثم قرأ: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )) [الأنعام:١٥٣].

وكأن رسولنا يترجم لنا عبر هذه اللوحة، تلك الآية العظيمة، التي يقول فيها الله تعالى: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )) [البقرة:٢٥٧].

فإن منهج الله تعالى متمثلًا في كتابه وسنة نبيه ـ ـ هو النور الوحيد المؤهل للعباد، بما فيه رشدهم وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وأما ما عداه من المناهج؛ فهي ظلمات كالحة، لا يأخذها الحصر، ولكنها تلتقي كلها عند الشرود عن طريق الله، والتلقي من غيره، والاحتكام لغير منهجه .

كيف نستقي من هذا النبع؟

إنما الاستقاء من هذا النبع يعني أمرين بالتحديد، بهما يتم للمسافر الهمام تصحيح خطوبه في حياة النور، ليعيشها كما عاشها جيل الصحابة الأفذاذ أجمعين:

أولًا ـ توحيد الاستقاء

وهو أول درس ربى عليه النبي ـ ـ أصحابه الميامين، وينبغي كذلك أن يكون أول درس يتعلمه الوافد الجديد إلى حياة النور، أن المؤمن أبدًا لا يتلقى من شئون حياته وأمره كله إلا من هذا النبع الصافي الرقراق، نبع كتاب الله تعالى وسنة نبيه ـ ـ.

وانظري إليه ـ ـ يوم أن جاءه عمر بن الخطاب ـ ـ ذلك العملاق الذي تخلل النور حياته، من أم رأسه حتى أخمص قدميه، جاء يومًا إلى المُربي الأعظم ، ومعه كتاب أصابه لبعض أهل الكتاب، فقال: يا رسول الله، إني أصبت كتابًا حسنًا من بعض أهل الكتاب، فغضب رسول الله ـ ـ وقال: (( أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني )).

نهج مقصود

(فقد كان هناك قصد من رسول الله ـ ـ أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل في فترة التكوين الأولى على كتاب الله وحده؛ لتخلص نفوسهم له وحده، ويتقيم عودهم على منهجه وحده، ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب ـ ـ يستقي من منبع آخر).

ولكن لماذا قصد النبي ذلك؟ لماذل حرص كل هذا الحرص على ألا يتلقى أصحابه إلا من نبع الكتاب والسنة وفقط؟

فربما ظن ظان أن ذلك كان أمرًا عابرًا مؤقتًا؛ إذ لم يكن في الأرض يومها حضارات وثقافات يصلح أن يستمد منها المسلمون منهاجًا لحياتهم، ومصدرًا لصياغة تصوراتهم وأفكارهم وقيمهم وأخلاقهم.

وهذا لا شك أنه خطأ فادح؛ (فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها، وميراثها، وقانونها، الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه، أو على امتداده، وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم، وكانت هناك حضارة الفرس وفنها، وشعرها وأساطيرها، وعقائدها ونظم حكمها كذلك...

وحضارات أخرى قاصية ودانية؛ حضارة الهند وحضارة الصين ... إلخ، وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تَحُفَّان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة.

فلم يكن إذًا عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يُقصِر ذلك الجيل على كتاب الله وحده في فترة تكونه، وإنما كان ذلك عن تصميم مرسوم، ونهج مقصود)([1]).

كان رسول الله r يريد صنع جيل خالص القلب، خالص العقل، خالص التصور، خالص التكوين من أي مؤثر غير المنهج الرباني الذي يتضمنه القرآن؛ ذلك أن المنهج الرباني هو المنهج الوحيد الذي ارتضاه له ربه وخالقه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا )) [المائدة:3].

وهو المنهج السماوي الوحيد الذي بقي كما أنزله الله محفوظًا عن التحريف والتبديل: (( إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) [الحجر:٩].

وهو كذلك المنهج الرباني الذي شرعه الخالق U، وجعله متلائمًا مع فطرة هذا الإنسان، فهو سبحانه الأعلم بخلقه: (( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )) [الملك:١٤].

وكم ظلمت البشرية نفسها، عندما وقع أكثرها اليوم في براثن ظلام المناهج الأرضية أو المحرَّفة، فسقطت في هوة الشِّقوة، التي توعَّد الله تعالى بها كل من أعرض عن نوره ومنهجه: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى )) [طه:124-127].

أما أنت أخيتي إلى ربه، فهنيئًا لك تلك الحياة الآمنة المطمئنة، كما وعدك ربك فقال :

(( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [النحل:97].

فرسان في موكب النور

يقول شيخ الإسلام :

(وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم ـ يعني أهل السنة ـ اعتصامهم بالكتاب والسنة؛ فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبَل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وَجْدِه، فإنهم ثَبَتَ عندهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم).

وإليك ـ أيتها الحبيبة ـ عبيرًا من أقوالهم وأفعالهم، حتى تسيري على نفس الخطا التي عليها ساروا:

1ـ فعن أبي قتادة قال: كنا عند عِمران بن الحصين في رهط منَّا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عِمران يومئذ فقال: قال رسول الله r: (( الحياء كله خير )).

فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارًا لله ومنه ضعف، قال: فغضب عِمران حتى احمرت عيناه، وقال: لا أراني أحدثك عن رسول الله r وتعارض فيه، قال: فأعاد عِمران الحديث، قال: فأعاد بَشير؛ فغضب عِمران، قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نُجيْد، إنه لا بأس به، يعني إنه ليس متهمًا بالنفاق.

2ـ وعن عبد الله بن عباس قال: تمتَّع النبي r، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عُرَيَّة؟ قال: يقول: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة؛ فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون، أقول قال النبي r، ويقول: نهى أبو بكر وعمر.

3ـ وقال سفيان الثوري تعالى: (إن استطعت ألا تَحُكَّ رأسك إلا بأثر فافعل)([2]).
--------------------------------------------------------------------------------

([1]) معالم في الطريق، سيد قطب، ص(10-11).

([2]) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، (1/142).
[/align]