بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
جاء في التوراة المحرفة في سفر التكوين في الإصحَاحِ الْخَامِسِ : "1هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ. 2ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُ، وَبَارَكَهُ وَدَعَا اسْمَهُ آدَمَ يَوْمَ خُلِقَ. 3وَعَاشَ آدَمُ مِئَةً وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ وَلَدًا عَلَى شَبَهِهِ كَصُورَتِهِ وَدَعَا اسْمَهُ شِيثًا. 4وَكَانَتْ أَيَّامُ آدَمَ بَعْدَ مَا وَلَدَ شِيثًا ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 5فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ آدَمَ الَّتِي عَاشَهَا تِسْعَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
6وَعَاشَ شِيثُ مِئَةً وَخَمْسَ سِنِينَ، وَوَلَدَ أَنُوشَ. 7وَعَاشَ شِيثُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَنُوشَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَسَبْعَ سِنِينَ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 8فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ شِيثَ تِسْعَ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً، وَمَاتَ.
9وَعَاشَ أَنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ قِينَانَ. 10وَعَاشَ أَنُوشُ بَعْدَ مَا وَلَدَ قِينَانَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 11فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَنُوشَ تِسْعَ مِئَةٍ وَخَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَ.
12وَعَاشَ قِينَانُ سَبْعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ. 13وَعَاشَ قِينَانُ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 14فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ قِينَانَ تِسْعَ مِئَةٍ وَعَشَرَ سِنِينَ، وَمَاتَ.
15وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ يَارَدَ. 16وَعَاشَ مَهْلَلْئِيلُ بَعْدَ مَا وَلَدَ يَارَدَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 17فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ مَهْلَلْئِيلَ ثَمَانِيَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
18وَعَاشَ يَارَدُ مِئَةً وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ أَخْنُوخَ. 19وَعَاشَ يَارَدُ بَعْدَ مَا وَلَدَ أَخْنُوخَ ثَمَانِيَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 20فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ يَارَدَ تِسْعَ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَمَاتَ.
21وَعَاشَ أَخْنُوخُ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَوَلَدَ مَتُوشَالَحَ. 22وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ بَعْدَ مَا وَلَدَ مَتُوشَالَحَ ثَلاَثَ مِئَةِ سَنَةٍ، وَوَلَدَ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. 23فَكَانَتْ كُلُّ أَيَّامِ أَخْنُوخَ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَخَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. 24وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ".

قلت : وقد ذكر أهل السير والتوريخ أن إدريس عليه اسلام هو أخنوخ المذكور . قَالَ إمام المغازي اِبْن إِسْحَاق تعالى فِي أَوَّل السِّيرَة النَّبَوِيَّة لَمَّا سَاقَ النَّسَب الْكَرِيم فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى نُوح قَالَ : " اِبْن لَمْك بْن مَتُّوشَلَخ بْن خَنُوخٍ - وَهُوَ إِدْرِيس النَّبِيّ فِيمَا يَزْعُمُونَ- " . قال الحافظ ابن حجر تعالى في الفتح (6/373) : " وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْل مَأْخُوذ عَنْ أَهْل الْكِتَاب " .
وقال الحافظ العراقي تعالى في ألفية السيرة في سياق النسب الكريم :
[poem=font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
وهْو ابنُ لامَكَ بنِ مَتُّوشَلَخا = ابْنِ خَنُوحَ وهْو فيما وُرِّخا
إدريسُ فيما زعموا يَرْدٌ أبُهْ = وهو ابنُ مَهْليلَ بنِ قَيْنن يَعْقِبُهْ[/poem]

ومما يوهم أن أخنوخ المذكور في التوراة المحرفة هو إدريس ما جاء فيها : " 24وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ " . وقد ذكر الله تعالى في كتابه أنه رفع إدريس فقال : " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) " فيقال: إن الأخذ المذكور في العهد القديم هو الرفع الذي ذكره الله تعالى، ولذلك قال ابن عاشور تعالى في تفسير هذه الآية : " قال جماعة من المفسرين : هو رفع مجازي . والمراد : رفع المنزلة لما أوتيه من العلم الذي فاق به على من سلفه . ونقل هذا عن الحسن ، وقال به أبو مسلم الأصفهاني .
وقال جماعة : هو رفع حقيقي إلى السماء . وفي الإصحاح الخامس من سفر التكوين : " وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ " . وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى . - قال أبو الحسنات : هذا رواه ابن جرير عن مجاهد -
والأظهر أن ذلك بعد نزوع روحه وروْحنة جثته " ا. هـ كلامه .

ومما يستدل به على أن إدريس ليس أخنوخ ما جاء في حديث الإسراء والمعراج في الصحيحين : " فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ " .
فأَخَذَ الإمام أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ تعالى مِنْ هَذَا أَنَّ إِدْرِيس لَمْ يَكُنْ جَدًّا لِنُوحٍ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لِأَنَّ إِلْيَاس قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَجْدَاده لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُ آدَم وَإِبْرَاهِيم : " وَالِابْن الصَّالِح " .
قال الحافظ : " وَهُوَ اِسْتِدْلَالٌ جَيِّد، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّوَاضُع وَالتَّلَطُّف فَلَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا فِيمَا زَعَمَ " .
وقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه في شرح الحديث المتقدم : " هَذَا مُخَالِف لِمَا يَقُولهُ أَهْل النَّسَب وَالتَّارِيخ مِنْ أَنَّ إِدْرِيس أَب مِنْ آبَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَنَّهُ جَدّ أَعْلَى لِنُوحٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ نُوحًا هُوَ اِبْن لَامِك بْن متوشلخ بْن خنوخ . وَهُوَ عِنْدهمْ إِدْرِيس بْن بُرْدَة بْن مهلاييل بْن قَيْنَان بْن أَنُوش بْن شيث بْن آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَلَا خِلَاف عِنْدهمْ فِي عَدَد هَذِهِ الْأَسْمَاء وَسَرْدهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي ضَبْط بَعْضهَا وَصُورَة لَفْظه . وَجَاءَ جَوَاب الْآبَاء هُنَا إِبْرَاهِيم وَآدَم مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِح . وَقَالَ إِدْرِيس : مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِح كَمَا قَالَ مُوسَى وَعِيسَى وَهَارُون وَيُوسُف وَيَحْيَى وَلَيْسُوا بِآبَاءٍ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ قِيلَ : عَنْ إِدْرِيس إِنَّهُ إِلْيَاس وَأَنَّهُ لَيْسَ بِجَدٍّ لِنُوحٍ فَإِنَّ إِلْيَاس مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَإِنَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَأَنَّ أَوَّل الْمُرْسَلِينَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة " .
قلت : هذا القول يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - كما قال الإمام البخاري تعالى في صحيحه - قال الحافظ : "أَمَّا قَوْل اِبْن مَسْعُود فَوَصَلَهُ عَبْد بْن حُمَيْدٍ وَابْن أَبِي حَاتِم بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ قَالَ : إِلْيَاس هُوَ إِدْرِيس ، وَيَعْقُوب هُوَ إِسْرَائِيل . وَأَمَّا قَوْل اِبْن عَبَّاس ، فَوَصَلَهُ جُوَيْبِرٌ فِي تَفْسِيره عَنْ الضَّحَّاك عَنْهُ وَإِسْنَاده ضَعِيف ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْزِم بِهِ الْبُخَارِيّ " ثم قال : " إِنْ ثَبَتَ مَا قَالَ اِبْن عَبَّاس أَنَّ إِلْيَاس هُوَ إِدْرِيس لَزِمَ أَنْ يَكُون إِدْرِيس مِنْ ذُرِّيَّة نُوح لا أَنَّ نُوحًا مِنْ ذُرِّيَّته، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَنْعَام: ( وَنُوحًا هَدْينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ) إِلَى قَوْله : ( وَعِيسَى وَإِلْيَاس ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِلْيَاس مِنْ ذُرِّيَّة نُوح سَوَاء قُلْنَا إِنَّ الضَّمِير فِي قَوْله : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ " لِنُوحٍ أَوْ لِإِبْرَاهِيم ، لِأَنَّ إِبْرَاهِيم مِنْ ذُرِّيَّة نُوح فَمَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّة نُوح لَا مَحَالَة " . والله أعلم .