نقاش حول شروط التجديد
د.أحمد خيري العمري
"هل يمكن أن يكون التجديد بشروط وضوابط، وهل التجديد إلا خروج على الشروط والضوابط؟"..
هذه العبارة قد لا تستوقف أحداً إن صدرت من ناقد فني يؤرخ للتكعيبية أو السريالية أو الدادائية – أو للرواية الحديثة او للرواية الحديثة جداً (أي التي ليس فيها رواية ولا يحزنون) أو مسرح اللا معقول الذي اسمه خير دليل عليه، ويستشهد بأسماء مثل بابلو بيكاسو وسلفادور دالي وبيكيت و فوكنر و جويس وآلان روب جرييه.
الأمر الغريب هو عندما تصدر هذه العبارة، ويكون موضوع التجديد هو الفكر الديني، كما حصل مع مقالة أحد الفضلاء الذي ردَّ على مقولة سابقة عن ان التجديد لا بد ان يكون بشروط و ضوابط واضحة ، بعيداً عن التفلت الموجود من قبل بعض مدعي التجديد، وبعيداً في الوقت نفسه، عن الحرس القديم من المشايخ الذي يمنع أي تجديد بالمطلق.
ولكي أكون صريحاً، فأنا لا أنفي سروري ولا أخفيه، من وجود هذه العبارة الصريحة بالذات في مقالة الأخ الفاضل ،لأنها تضع النقاط على الحروف ، و تساهم في احداث "فرز" لا بد من حدوثه ،و لأنها تدلل بالذات على صحة ما اؤمن به ، من أن "بعض" تيارات التجديد تخلت تماماً- و صراحة - عن أي ضابط وأي شرط، ومضت بعيداً في "تجديدها" بطريقة أقل ما يقال عنها إنها أساءت إلى مفهوم التجديد، وقوَّت موقف بعض التقليديين الرافضين للتجديد (الذي أصر أنه صار يبدو أفضل من حقيقته بفضل هؤلاء،لأن جمودهم صار مبررا تحت شعارات حماية الدين من تفلت هؤلاء)..
وسروري نابع من ندرة اعترافات كهذهِ، ذلك أن منظري هذه التيارات لا يعترفون بسهولة بعدم وجود شروط وضوابط، إنما يضعون شروطاً مطاطة ، وضوابطَ واسعة (مثل أن يواكب التجديد التطور..!) – وبما أن التطور كلمة واسعة، فإن التجديد سيكون هو الآخر واسعاً جداً دونما حدود..
والحقيقة أن هذه الشروط المطاطة – بما أنها ترتبط بمفاهيم غير محددة فأنها مساوية تماماً لعدم وجود الشروط، لكنهم نادراً ما يعترفون بهذا، ولهذا يأتي تصريح الأخ الفاضل مناسبة سارة، في هذا السياق، وصراحته هذه، هي نقطة له لا عليه..
عندما يكون الشرط الوحيد للتجديد، هو" أن لا يكون هناك شرط"، وأن تكسر كل القواعد والضوابط وما يسميه القيود، كما يشير عموم ما قاله الأخ الفاضل، فأن التجديد سيبدو كما لو كان نصاً شعرياً متمرداً على بحور الشعر التقليدية أو لوحة متمردة على القواعد الفنية، معتمداً على ما يحتاجه الفنان"المجدد في هذه الحالة" من (حدس) أو ربما (إلهام)!.. - وذلك يشير ضمناً إلى أنهم غير جادين في عملية التجديد وغير مقتنعين أصلاً بأهميتها.
إذا كان لا بد من تشبيه، فالتجديد في الفكر الديني لا يمت بصلة للتجديد في الفن أو الأدب – بل هو أقرب إلى التجديد في المهن الطبية.
فأذا كنت مستعداً لقراءة قصيدة متمردة أو قضاء الوقت في مشاهدة لوحة فنية سريالية – فهل أنت مستعد لأن تجري لابنك عملية جراحية غير منضبطة بأي تجربة أو أي قاعدة أو أي قانون طبي – فقط من أجل حدس الطبيب الذي يرغب بكسر القواعد والشروط التي تقيد حركة تجديده.. هل أنت مستعد لأن تعطي لوالدك (عقاراً) غير منضبط بأي قاعدة كيميائية فقط من أجل تحطيم القواعد؟..
التجديد ليس بأقل خطورة أو حساسية من هذين المثالين، الغريب أن الأخ الفاضل يورد في سياق مقاله حديثاً عن (الباراديم) – مع العلم أن هذا الحديث يناقض كل حديثه السابق، فالباراديم يتطلب، بالتعريف، وجود هذا "النسق الخاص" في الرؤية، صحيح أنه نسق مختلف عن الرؤى السابقة، لكنه "نسق" أيضاً، وهو يعني وجود قانون خاص وشروط خاصة، وليس رؤية بلا شرط ولا ضابط كما يوحي المقال.
السؤال الذي لا يمكن إلا أن يطرح في هذا السياق، هو كيف نميز تجديدا حقيقيا ، عم مجرد قول محكوم بالاهواء ، كيف يمكن فصل قول من قال" إن الخمر ليست حراماً، وليست حلالاً أيضاً، وإنما فقط من الممنوعات.! "عن كون أن قائل هذا القول يشرب الخمر شخصياً؟؟.
سيهب من يهب هنا قائلاً: كفى شخصنة، لا دخل لكم بحياته الشخصية. تحدثوا عن أفكاره فقط..
بالله عليكم..نتحدث عن الأفكار فقط عندما يكون هناك قانون داخلي واضح يحكمها،ويحكم نتاجها، أما عندما يكون الأمر محكوماً بأن لا شرط ولا ضابط، - او ان يكون القانون مصمما على قياسه هو -،فلا يمكن فصل النتاج عن الشخص الذي أنتج (هذا إذا كان يمكن إيجاد أي فصل حتى في ظل وجود قانون واضح)..
وغني عن القول أن تجديداً كهذا، يقوي موقف بعض التقليديين من رافضي التجديد بالمطلق، لأنه صنو (التفلت) لا أكثر، فعندها سيبدو التقليدي أكثر محافظةً على دينه، وأكثر جدية، وجزء من قوته ومن التفاف الناس حوله هو تفلت أدعياء التجديد هذا..
بين التجديد، الذي لا ضابط له، والتجديد بشروط تعجيزية كالتي يضعها الحرس القديم، هناك خيار ثالث علينا أن ننحاز إليه وأن نسعى له: تجديد بشروط قرآنية، يسعى لتحريك روح الأمة، ويرنو إلى بناء عالم على أسس أكثر عدالة وتوازناً، يبني حضارة القرآن، لا أن يكون أقصى طموحه أن يكون ترساً في محرك الآخرين وحضارتهم..
الملفت للنظر، أن هذا التيار (عموماً) معروف بقبوله للرأي الآخر، إلى درجة التماهي معه – خاصة عندما يكون هذا (الآخر) من دين آخر، (ما دام مصدر الوحي الإلهي واحداً، كما يفسرون) – وحتى عندما يكون الدين ليس سماوياً، بل وثنياً يعج بالأبقار المقدسة – فلا بأس في ذلك بالنسبة إليهم (فالحكمة ضالة المؤمن، كما سيعللون)..
هذه النفاذية العالية التي يمتلكونها كما كل الكائنات وحيدة الخلية، تبين عبر المقال انها لا تعامل الجميع بالطريقة نفسها: إنها نفاذية تقبل آراء الهندوس والسيخ والملاحدة بصدر رحب وابتسامة عريضة، لكنها نفاذية تغلق أبوابها ويضيق صدرها، عندما يتجرأ أحد من المسلمين بالدعوة إلى" تجديد بشروط"، عندها لا ابتسامة هنا، ولا نفاذية، بل اتهامات يحسدهم على بلاغتها التكفيريون من نوع: إنه عبدٌ للتاريخ! لا يفهم معنى الانسان! لم يرح برائحة القرآن!..
كل هذا، من أجل التصريح بما يجب ان يكون بديهة : إن التجديد لا بد أن يكون بشروط!..

1-1-2008
جريدة العرب القطرية