ما بين النص الديني ومعناه
إبراهيم غرايبة

المصدر: جريدة الغد الأردنية


إذا كان النص الديني يحتمل معاني وقراءات عدة وفق المناهج المتبعة وحدود اللغة وظروف الزمان والمكان والبيئة المحيطة بالإنسان، وهذا ما كان عليه الحال طوال التاريخ الإسلامي، فإن تجدد وتغير فهم النصوص وتطبيقها سيتواصل عبر التطور الإنساني واختلاف المجتمعات والحضارات.

ويعتقد مفكرون مثل محمد الطالبي ومحمد أركون أن معرفة العالم وإنتاج المعنى هما مسؤولية الإنسان وحده، وهذا يعني إسناد الأهلية للإنسان لفهم هذه النصوص وتدبرها (الأنسنة)، فإن الرؤية الحديثة لمسألة القراءة تتصل اتصالا وطيدا بمسألة تعدد المعنى، وخصوصا فيما يتعلق بالنص الديني.

فالنص القرآني الذي نعتبره من النصوص الثرية الراقية التي تستعمل الإشارة والإيحاء والرمز والمجاز، يحتمل عددا غير محدود من وجوه التأويل، وهي ثمرة التفاعل الخصب بين النص وقرّائه على اختلاف نفسياتهم وثقافتهم وظروفهم.
فهناك علاقة جدلية بين المجتمع وقيمه من ناحية ومستوى المعرفة السائدة فيه ونوعيتها، والقارئ لا ينفك وهو يقرأ يؤول وينتج المعنى بما يتلاءم مع ظروفه العامة والخاصة، والمعرفة البشرية ليست معطى جامدا بل هي إبداع مستمر متدفق تدفق الحياة، متناغم مع حركة التاريخ في بطئها أو تسارعها.

ويقترح محمد الطالبي المنهج المقاصدي لقراءة النص الديني، وجوهر هذا المنهج الاعتماد على التحليل الاتجاهي للنص، ويستشهد الكاتب هنا بالمنهج التاريخي والمقاربي للباحث عبد المجيد الشرفي، الذي يجمع بين النظر التاريخي الصارم، وأخلاقية قوامها المسؤولية العلمية.

وينادي الشرفي بصياغة نظرة علمية للتراث قوامها الأخذ بعين الاعتبار تغير وضعية الدين، الذي أصبح خاضعا للتفسير واستقلت عنه العلوم، مثلما تخلت المؤسسات المجتمعية عن تبريراته، ثم إخضاع الفكر الديني لقوانين عامة يمكن أن تشترك فيها مختلف الديانات، وخاصة الديانات التوحيدية.

وفيما يتعلق بالتعامل مع النص القرآني فتنهض منهجية الشرفي على قراءة النص في كليته بعيدا عن ضروب الإسقاط والانتقائية، واعتماد القراءة المقاصدية للنص وتجاوز الرؤية الحرفية له.

وأما محمد أركون فيسعى إلى نقد العقل الإسلامي بوضع التجربة الدينية بكل أنواعها من تفسير وحديث وعلم كلام وفقه باعتبارها نتاجا بشريا يحق للدارس نقدها وتفكيكها وتجاوزها.

فيدعو أركون إلى "العقل المنبثق حديثا" الذي يعتمد فكرة التنازع بين التأويلات بدلا من الدفاع عن فكرة واحدة في التأويل، ومن شروط هذا العقل ألا يتورط في بناء منظومة معرفية تؤصل للحقيقة، ويتبنى أركون النقد المنفتح على آخر مكتسبات علوم الإنسان والمجتمع، ويطبق القراءة الحية والمتحركة، لأنها قراءة تشكل ما هو بديهي، وتزحزح المفاهيم التقليدية من مواقعها لتفكيكها من النسق الذي ركبت عليه في الوعي الإسلامي.
فهو يحاول أن يخضعها باستمرار للتحديات التي تطرح على التاريخ المقارن للأديان، ويقترح أركون إعادة النظر في العلوم الإسلامية، التي شكلت منهجا وسبيلا إلى فهم النص القرآني ومن بينها علم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول وغيرهما، التي تكشف برأيه عن التلاعبات الخطيرة التي يقوم بها العلماء.

إن العصر الحديث الذي اخترقته الحداثة أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى جماليا ورمزيا يتميز بانتشار قيم جديدة قامت على نقيض القيم القديمة وأهمها قيم المساواة والحرية والتسامح والديمقراطية، وجعلت الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم القيم الحديثة تتجاوز الحدود الجغرافية لها وتكتسب بعدا كونيا، واتجهت نحو الفرد بعد أن كانت تتجه إلى المجموعة، حتى صارت القيم الحديثة وبالخصوص قيم المساواة والتسامح وحرية الفكر والحرية الدينية مطلبا ملحا في الضمير الديني الحديث، ولم تعد هذه المسألة ترفا يدعو إليه بعض المثقفين، بل ضرورة من المقتضيات اللازمة للمعاصرة، حتى أصبحت مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان لا تتعارض لدى العديد من المفكرين مع منطق تحديث الفكر الإسلامي، ذلك أنه من الممكن الاحتفاظ بها لكن بشرط تحديد بعض العناصر التي من شأنها أن تكون قيما خالدة لا تشكل عقبة في وجه الرسالة واستجابتها للمقتضيات المعرفية وتعبيرها عن نزعة الضمير الديني الحديث إلى المواءمة بين موروثه الديني والقيم الحديثة.