أسلوب الاستقصاء في القرآن الكريم

الاستقصاء من أنواع إطناب الزيادة ، وعرف بأنه: تناول المتكلم معنى يستقصيه ، فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه ، بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية ، بحيث لم يترك بعده فيه مقالا0 ومثاله في القرآن الكريم قوله تعالى : { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } (البقرة: 266 ) فإنه لو اقتصر على قوله: { جَنَّةٌ } لكان الخبر كافيا ، لكنه لم يقف عند ذلك واستقصى فقال: { مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } ثم زاد { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } ثم زاد { لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ } استقصاء لجميع أوصافها ، حتى يكون الأسف على فقدانها شديدا والمصاب فيها عظيما ، ولم يقف عند هذا الحد بل أضاف وصف صاحبها بقوله: { وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ } ثم أضاف { وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء} ثم ذكر استئصال الجنة بالهلاك في أسرع وقت { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } فالتعبير بقوله: { فَاحْتَرَقَتْ } أفاد قوة هذه النار وعدم ضعفها على سبيل الاحتراس من توهم كونها ضعيفة0 قال السيوطى: هذا أحسن استقصاء في كلام وأتمه0
ويقترب من معنى الاستقصاء كل من:
1- البسط وهو نوع من الإطناب خاص بتكثير الجمل ويرى بعض البلاغيين أنه نوع غير الإطناب وإن كان يتفق معه في كونه نقيض الإيجاز0 وقد عرفه السيوطي بأنه الإطناب الذي يكون بتكثير الجمل ، كقوله تعالى : { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ } ( غافر: 7 ) فقوله: { يؤمنون به } إطناب ، لأن إيمان حملة العرش معلوم وحسنه إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه0
* والفرق بينه وبين الاستقصاء أن الاستقصاء فيه حصر لكل ما يتفرع عن المعنى ، وأما البسط فهو مجرد نقل المعنى من الإيجاز إلى الإطناب ، وإن لم يستقص كل ما يتفرع عنه ، ويكون من لوازمه0
2- التتميم
وهو من أنواع إطناب الزيادة ، وقد عرفه السيوطي بقوله: هو أن يؤتي في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة تفيد نكتة كالمبالغة في قوله تعالى : { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثي وهو مؤمن } ( النساء: 124) فقوله: { وهو مؤمن } تتميم في غاية الحسن 0
وكقوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه } ( الإنسان:8) فقوله: { على حبه } تتميم ، فبذل الإنسان من الشئ الذي يحبه أدعى لزيادة الأجر0
3- التكميل وهو ( الاحتراس )
وقد عرفه السيوطي بقوله: هو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم0 ومثاله قوله تعالى:" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ( المائدة: 54 ) فإنه لو اقتصر على قوله: { أذلة } لتوهم أنه بسبب ضعف ووهن وجبن ، ولذا رفع هذا التوهم بقوله: { أعزة على الكافرين } على سبيل الاحتراس0
* قال ابن أبي الإصبع: الفرق بين الاستقصاء وكل من التتميم والتكميل أن التتميم يرد على المعنى الناقص ، والتكميل على التام ، والاستقصاء على التام الكامل0

* والفرق بين الاحتراس والتتميم واضح كذلك ، لأن الاحتراس يجب أن يكون لرفع إيهام خلاف المقصود ، وأما التتميم فإنه يكون في كلام لا يوهم خلاف المقصود ، فالنسبة بينهما إذن هي التباين0
هذا وقد ادعي صاحب " عروس الأفراح " أن الاحتراس لا يعد إطنابا لأنه أفاد معنى جديدا وكل ما يفيد ذلك لا يعد إطنابا 0 وأجيب عن ذلك بأنه إطناب لما قبله ، من حيث إنه رفع توهم غيره ، وإن كان له معنى في نفسه0