لا يقل لي أحد: هذا حديث عن الموسيقى والطرب :)
إنما أنا ناقل لما أرى فيه بعض الفائدة.

===========

الأداء التفسيري للقرآن الكريم.. الشيخ مصطفى إسماعيل نموذجا
بقلم: شكري مجولي

المصدر: مجلة (أقلام أون لاين) - العدد الحادي والعشرون - السنة الخامسة / فيفري - مارس 2008
الرابط: http://www.aqlamonline.com/chokri21.htm


الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان فهو أفصح الناطقين لسانا، وأوسعهم بيانا وأسرعهم نفاذا إلى القلوب وامتزاجا بالنفوس، واستيلاء على العقول وأخذا بمجامع الأفئدة. وقد أدرك الجاحظ تأثير الصوت والإيقاع على النفس حين ينقل الحالة النفسية للمتكلم إلى السامع، فقال: "أمر الصوت عجيب وتصرفه في الوجوه عجب، فمن ذلك ما يقتل كصوت الصاعقة، ومنه ما يسر النفوس حتى يفرط عليها السرور حتى ترقص، وحتى ربما رمى الرجل بنفسه من حالق، وذلك مثل هذه الأغاني المطربة، لأن من ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحنة، وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني، لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم، وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا. وبالأصوات ينومون الصبيان والأطفال."

ومن هنا يتبين لنا أن الفنون السمعية تنقسم إلى فروع:

فرع يتعلق بالصوت الخاص، (الموسيقى) وفرع يتعلق بإضافة الصوت البشري من خلال عنصر الأداء والإحساس إلى الطبقات والمدد الإيقاعية المنغمة. بمعنى أن الأداء يتصل بجانب المعنى والفكرة، أما الإيقاع فيتصل بجانب الإحساس والعاطفة. فهناك إيقاع يثير الحزن والشجن، وآخر يثير الفرح والسرور، وإيقاع يثير الخوف والرهبة، وآخر يبعث السكينة والطمأنينة، وإيقاع يبعث الحماسة والحيوية ويرفع الهمم.

من خلال هذه المقدمة يتبين لنا تأثير الأداء الصوتي على الدلالات والمعاني، بل إن تحديد المعنى يتوقف أحيانا على الطريقة الصوتية التي تؤدى بها كالنبر والتنغيم والإيقاع والتزمين والتلوين الموسيقي. وقبل أن ألج الى صلب الموضوع أود أن أشرح بعض المصطلحات الواردة فيه.

التنغيم:

التنغيم مصطلح لساني يقابل لفظ (Intonation) يقول روبنز معرفاً التنغيم: "تتابعات مطردة من الدرجات الصوتية المختلفة". ويقول دانيال جونز: "التنغيم ربما يُعَرّفُ بأنه التغيرات التي تحدث في درجة نغمة الصوت في الكلام والحديث المتواصل، هذا الاختلاف في النغمة يحدث نتيجة لتذبذب الأوتار الصوتية" فالتنغيم مرتبط بالاهتزازات التي تحدثها الأوتار الصوتية، فكلما زاد عدد الاهتزازات وكانت ذات سرعة كان عدد التغيرات في التنغيمات أوضح. والملاحظ أن إبراهيم أنيس أخذ مصطلح التنغيم من اللسانيات التي ترى التنغيم هو أحد سمات الأداء الذي لابد من وجوده في أي لغة. فاختلاف نغمات الكلام شيء طبيعي في اللغة التي لابد أن تحتوي على "موسيقى نغمات" تتألف منها ألفاظها . يقول تمام حسان "التنغيم ارتفاع الصوت وانخفاضه أثناء الكلام". ويقول "إن الكلام لا يجري على طبيعة صوتية واحدة بل يرتفع الصوت عند بعض مقاطع الكلام أكثر مما يرتفع عند غيره وذلك ما يعرف باسم التنغيم".

لذا فإن كل جملة أو كلمة ينطق بها لابد أن تشتمل على درجات مختلفة من درجة الصوت، ما بين عالية، ومنخفضة، ومستوية، ومنحدرة تتناسق وتتناغم لتُؤَدّي الكلمة والجملة. فاختلاف درجة الصوت في الكلمة وتباينها من مقطع إلى مقطع آخر قاعدة عامة تخضع له جميع اللغات . إذ أنه من المستحيل أن نجد لغة تستعمل نغمة واحدة في الكلمة أو الجملة وتجعلها سائدة في كل أجزاء الجملة، فلابد أن تكون هنالك عدة نغمات متآلفة متناسبة في الكلمة. وقد أشار العلماء إلى أنواع النغمات ما بين هابطة إلى أسفل وصاعدة إلى أعلى وثابتة مستوية، كما حددوا الوظيفة الأصواتية للتنغيم بأنها "النسق الأصواتي الذي يستنبط التنغيم منه".

وقد تحدّث الإمام الزركشي (ت 794هـ) في كتابه "البرهان" عن وجوه المخطابات والخطاب القرآني، ويذكر أنّها تأتي على نحو من أربعين وجهاً، وإدراكه لتنوّع الأساليب في القرآن هو ما دفعه غير مرّة في كتابه المذكور إلى القول: "فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديداً لفظ به لفظ المتهدد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم".

ويرى في موضوع آخر أن القارئ المجيد هو الذي تكون تلاوته على معاني الكلام وشهادة وصف المتكّلم، من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف، والإنذار بالتشديد، وهذا القارئ أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وفي مثل هذا قال تعالى: "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به..." البقرة (121)، فإذا كان التنغيم الباكي مقبولاً مثلاً في آيات الاستغفار والتوبة، فلابدّ له من أن يختلف عن تنغيم الآيات التي تحضّ على القتال، أي يجب أن يوائم التنغيم المعنى ويظهره، ليجعل المقروء مستقرّاً في ذهن السامع وقلبه. فاللين غير الشدّة، والأمر والنهي غير الدعاء والالتماس، والخبر غير الاستفهام، والوعد غير الوعيد.

ومن أقدم النصّوص التي تناولت التنغيم في الدراسات لتجويد القرآن الكريم يندرج ضمن ما نسميه تنغيم الجملة، ذلك النصّ الموجود في كتاب "الزينة" لأبي حاتم الرّازي (ت 322هـ) حيث علّل اللفظة (آمين)، إذ يقول، قوم من أهل اللغة هو (مقصور) وإنمّا أدخلوا فيه المدّة بدلاً من ياء النداء، كأنّهم أرادوا (يامين)، فأمّا الّذين قالوا مطوّلة، فكأنه معنى النداء (يا أمين)، على مخرج من يقول: (يا فلان)، يا رجل، ثم يحذفون الياء "أفلان"، "أزيد". وقد قالوا في الدّعاء، (أربِّ) يريدون (يا ربِّ). وحكى بعضهم عن فصحاء العرب أخبيث، يريدون، يا خبيث، وقال آخرون إنّما مدّت الألف ليطول بها الصوت، كما قالوا: (أوه) مقصورة ثم قالوا "آوه" يريدون تطويل الصوت بالشكاية.

ومن النّصوص القديمة التي تناولت التنغيم في الدراسات القرآنية ما دونه أبو العلاء العطار (ت 596 هـ) في كتابه "التمهيد في التجويد". فقد جعل مصطلح اللحن الخفي كما يعرف بالمشافهة فقط، كما جعل اللحن الخفي مميّزاً بين المعاني كالنفي والإثبات والخبر والاستفهام، ثم إن اللحن بالمنطوق جعله ممّا لا يتقيد بالكتابة.

أنماط نغمات الصوت

للنغمة مستويات وهي:

- النغمة المنخفضة: وهي أدنى النغمات، وهي ما نختم به الجملة الإخبارية عادة، والجملة الإستفهامية التي لاتجاب بنعم أو لا.

- النغمة العالية: وتأتي قبل نهاية الكلام متبوعة بنغمة منخفضة أو عالية مثلها.

- النغمة فوق العالية: التي تأتي مع الانفعال أو التعجب أو الأمر.

- النغمة الشيقة المتسعة.

- النغمة النهائية الصاعدة.

وقد تنبه الجاحظ في كتابه الحيوان لتأثير التنغيم على الحالة النفسية للحيوان تحت عنوان أثر الأصوات في الحيوان: "والدواب تصر آذانها إذا غنى المكاري، والإبل تصر آذانها إذا حدا في آثارها الحادي، وتزداد نشاطاً وتزيد في مشيها ويجمع بها الصيادون السمك في حظائرهم التي يتخذونها له.. والأيائل تصاد بالصفير والغناء، وهي لا تنام ما دامت تسمع ذلك من حاذق الصوت، والصفير تُسقى به الدواب الماء وتنفر به الطير عن البذور". ويقول عن أثر الصوت في الحيّة: "فالحية واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصوت في طبعه عمل، فإذا دنا الحواء وصفق بيديه، وتكلم رافعاً صوته حتى يزيد، خرج إليه كل شيء في الجُحْر، فلا يشك من لا علم له أن الحية خرجت من جهة الطاعة وخوف المعصية". ولا يخفى على المتأمل أن هذا الأثر الذي يتركه الصوت على الكائنات الحية مرتبط بالتنغيم، فلو كان الصوت على طبقة صوتية واحدة من الصعود والهبوط، لما كان له أثر واضح.

وقد أشار القرآن الكريم لهذه الظاهرة العجيبة حين تحدث عن داود : "ولقد ءاتينا داود منا فضلاً ياجبال أوبي معه والطير". والآية تصور من فضل اللّه على داود أنه بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات فاتصلت حقيقتها بحقيقته في تسبيح بارئها ورجّعت الجبال والطير معه، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز حين اتصلت كلها باللّه صلة واحدة؛ وتجاوب الكون كله مع ترانيم داود. وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الظاهرة، حين سمع أبا موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف يستمع لقراءته ثم قال: "لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود".

التزمين:

هو المرآة التي تعكس لنا عواطف المتكلم وانفعالاته ويعرف بأنه السرعة التي يتخذها المتكلم ويحسها السامع نحو الكلام المنطوق، سواء أكان كلمة أو جملة، ويمكن وصف هذه السرعة بأنها بطيئة أو سريعة أو متوسطة. وهو عنصر مهم في الأداء الذي يؤثر على فهم المسموع والإحساس بانفعالات المتكلم أو الحالة النفسية المصاحبة للنص.

ومن القراء الذين برعوا وأبدعوا واجادوا وحازوا قصب السبق في ربط الصوت بالدلالة والمعاني، بل جعلوا الصوت يرتبط ارتباطا وثيقا بالدلالة والمعاني، بأداء خارق خلاب، الشيخ مصطفى اسماعيل.

يستأسرك بدون عنف، ويجتذبك كالمغناطيس بصوت لطيف ناعم، فتشعر وانت تستمع إليه بارتجافة لذيذة كما يحدث عند مفاجأة سارة وهو يرنح أعطافك كالصهباء، فكأنك تستنشق عبير الزهر أو تستروح نفحات الرياض في مطلع الفجر.

صوته ينطوي على جمال لا يوصف يجعلك تشعر بالسرور يجلل نفسك و أنت تسمعه، وبالحزن يستولي على فؤادك، فيخبت لله ويخشع، فتلين لسماعه القلوب وتقشعر لصوته الأبدان، بل ويجعل الأنوار الإلهية تغمر قلبك وأنت تسمعه، فتتوق نفسك إلى مزيد من العبودية فيحرر روحك من قفص الجسد، ومن ثقلة اللحم والدم. صوته يجبرك على الانتباه والإصغاء ويحملك على الخشوع والإخبات. هو منحة من الأقدار حين لا تهادن وتجود، بل وتكريم منها للإنسان.

المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل في ميزان التحليل الموسيقي

بطاقة تعريف:

ولد مصطفى إسماعيل في 17 يونيو 1905 بمحافظة الغربية بمصر في قرية ميت غزال قرب مدينة طنطا. والتحق بكتّاب القرية وتعلم القرآن والتجويد والحديث. وظهرت موهبته في التلاوة مبكرا، ثم التحق بالمعهد الأزهري في طنطا لدراسة أحكام القرآءات والتجويد والترتيل، وذاع صيته مبكرا حتى قبل أن يكمل دراسته في المعهد. وأصبح يقرأ في الاحتفالات الدينية من موالد وغيرها. وعلا شأنه حتى اختاره الملك فاروق قارئا للقصر الملكي. ونال شهرة واسعة داخل مصر وخارجها، وطاف معظم البلاد العربية سفيرا لكتاب الله، ونال كثيرا من أوسمة التقدير من الرؤساء المتعاقبين. وله ما لا يحصى من تسجيلات لكتاب الله قدرت ما بين 40 و50 ألف ساعة، المتوافر منها يقرب من 2000 ساعة فقط. ولكن يوجد كنز ثمين من تسجيلات الشيخ في أرشيف الإذاعة المصرية، مع ما يقارب 700 تسجيل خارجي من المساجد ومن قصر الملك فاروق. وتلك التسجيلات الخارجية هي التي تكشف العبقرية الحقيقية لمصطفى إسماعيل في الترتيل ومدرسته المستقلة وفنه العظيم وتجاوب المستمعين معه بالإعجاب والهتاف. على عكس تسجيلات الأستوديو "العادية ".

ولم يدرس الشيخ الموسيقى نظاميا، ولكنه أتقن الفن بالسماع، وبارتباطاته وصلاته مع كبار الموسيقيين في عصره. وقد توفي عام 1978 م وهو قارئ الجامع الأزهر.

في ميزان النقد الموسيقي:

* الشيخ درويش الحريري:

سمع في ليلة من الليالي الشيخ مصطفى اسماعيل الملحن القدير وعالم المقامات الشهير الشيخ درويش الحريري فسأله: من علمك كل هذه المقامات؟ فأجابه الشيخ: لقد التقطت أذناي كل ما سمعته طوال حياتي وتمثلته واستنبطت منه طريقتي في الأداء. فقال الشيخ الحريري: "إن فطرتك أقوى وأصح من كل الدراسات ولا يمكن لمعهد فني بأكمله أن يصل إلى ما وصلت إليه فطرتك"، وأضاف "هذه هبة الله تعالى".

* كمال النجمي :

أصدر المؤرخ والناقد الموسيقي الراحل كمال النجمي كتابا خاصا عن الشيخ مصطفى إسماعيل تناول فيه صوت الشيخ وترتيله من زاوية موسيقية، نختار منه المقتطفات التالية :

- كان له أسلوبه الخاص في التعامل مع آذان المستمعين، وكان يبدأ القراءة بصوت منخفض، ويستمر كذلك يجرب صوته ويعلو به درجة واحدة ثم درجتين ثم ثلاث درجات على السلم الموسيقي لينزل مرة أخرى إلى درجة القرار. ثم يرتفع ثانية من درجة إلى درجتين ثم إلى ثلاث درجات ومنها إلى الدرجة الرابعة. وينزل مرة أخرى بصوته إلى درجة القرار. وبذلك يتضح للشيخ أمران: نوعية الصوت التي تتغير كل يوم، ونوعية جمهور المستمعين أمامه. وعلى هذا الأساس يضع المقرئ هيكلا أو إطارا لقراءته يتلاءم مع هذين الأمرين. عندئذ يكون قد مر من الزمن عشرون دقيقة تقريبا، يرتفع الصوت مرة أخرى تدريجيا حتى يبلغ درجة الجواب، بادئا بمقام البياتي الذي كان يعتبره أساس كل النغمات، بخلاف الرأي المعروف بأن مقام الراست هو الأساس. وكان الشيخ ينتقل بين المقامات الأصلية والفرعية ببراعة فائقة مع الالتزام بأصول علم القرآءات ومعاني الآيات الكريمة التي يتلوها.

- إن صوته مدرب على القراءة الطويلة وكلما ازدادت ساعات التلاوة ازداد صوته قوة وحلاوة ومقدرة وتمكنا وارتيادا لآفاق المقامات حتى جوابات الجوابات من الديوان الثاني في السلم الموسيقي الحنجري، والتي لم يصل إليها صوت إلا صوته ولا يحكمها أداء على الإطلاق إلا أداؤه. فقد استطاع أن يمزج بين الأحكام والتفسير وعلم القرآءات والموسيقى الصوتية والحنجرية مزيجا ارتجاليا مبدعا خلاقا جعل كل مستمعيه لا يستطيعون الإحاطة بموهبته وإبداعاته.

* محمد عبدالوهاب :

يقول الموسيقار محمد عبدالوهاب: "إن الشيخ مصطفى إسماعيل يفاجئنا دائما بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة. وهو كبير جدا في موهبته وكبير في إدارة صوته، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن".

* الدكتورة رتيبة الحنفي عميد المعهد العالي للموسيقى:

في ذكرى وفاة عبد الحليم حافظ قرأ الشيخ مصطفى إسماعيل أمام أهل الفن والموسيقى، فقالت له الدكتورة رتيبة الحنفي عميدة المعهد العالي للموسيقى أنذاك: "ما هذا الجمال يا شيخ مصطفى... والله أنت وحدك معهد كامل للموسيقى".

* عمار الشريعي:

على طريقة "غواص في بحر النغم" يحلل الموسيقار عمار الشريعي ترتيل الشيخ لقوله تعالى: "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر". ففي إحدى التسجيلات قرأ مصطفى إسماعيل هاتين الآيتين خمس مرات دون أن تتشابه إحداهما مع الأخرى في الطريقة.

يتلو بنفس منظم وإيقاع سليم في تتابع الهمزات. ففتحنا أبواب السماء (سكتة خفيفة)، بما (سكتة خفيفة)ء منهمر.. وكأنه يقرأها عروضيا، وهو مدرك لكل ذلك يتلوه بفن واستمتاع. فحين يذكر فتح أبواب السماء يصعد بألف كلمة (السماء) إلى عنان السماء في فضاء ملكوت الله الواسع ورحابة رحمته الأوسع. وكذلك يصعد بألف كلمة (بماء) تعبيرا عن غزارة الماء واستمراره، ثم التوقف عند ( منهمر). وبشأن قفلة الآية الكريمة يذكر عمار الشريعي في تحليله أن شيخنا كان خلاقا في فن القفلة مبدعا، يظل يقرأ حتى يصل للمقام المناسب، ويظل في نفس درجة المقام الموسيقي منذ البداية حتى الختام .

لقد كان الشيخ مصطفى إسماعيل قادرا أيضا على التنقل بين المقامات الموسيقية المختلفة أثناء التلاوة، يقرأ بحس موسيقي عال. ويكمل عمار الشريعي تعليقه على الآيات الكريمة نفسها قائلا: "إنه يمكن ربطها موسيقيا بمقام الصبا، وهو مقام يدل على الحرقة والشجن، مما يناسب سياق الآيات الكريمة التي انتهت بإغراق قوم نوح بالطوفان".

لقد ملأ الشيخ مصطفى إسماعيل الدنيا وشغل الناس بطريقته الجديدة في الأداء التنغيمي، وقدرته على التحليق في آفاق عليا من جمال التعبير الصوتي فتأتي تلاوته في غاية من العذوبة والجمال، والتمكن من تمثيل الآيات بصوته الطيع والتعبير عن المعاني بأداء خارق دون أن تشعر أنه يتكلف ذلك أو يجهد نفسه.

إن الشيخ مصطفى إسماعيل لا يقرأ الآيات فحسب، بل يفسر بصوته المعاني والألفاظ ويتدبر دلالاتها الإيمانية. وللتدليل على هذا نسوق نماذج تحليلية من تلاوات الشيخ . فمثلا عندما يقرأ سورة هود ، ينقل لنا بصوته الموسيقي وبأدائه التفسيري الحوار الذي دار بين نوح وابنه حيث ينصح الوالد الرحيم ولده ويعظه ويلح عليه ليركب معه السفينة، لكن الولد يأبى ويصر على رأيه: "سآوي إلى جبل يعصمني من الماء". يقرأ الشيخ الآية بنبرة العناد والإصرار والتحدي، مصورا حالة ابن نوح الذي رفض الاستجابة لنداء والده. ويجيب الأب "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم".، يقرأها الشيخ بنبرة اللوم والعتاب ممزوجة بنبرة اليأس بأن لا فائدة من العناد و لسان حاله يقول: يا ولدي لا جدوى من العناد، لن تنجو من الغرق إن لم تركب معنا في السفينة.

وفي ختام المشهد يصور الشيخ بصوته الحزين انتهاء الطوفان وهدوء العواصف حيث يقرأ الآية على القرار – والقرار في اصطلاح الموسيقيين هو انخفاض في عدد اهتزاز النبرات الصويتة، وقد يعني عرفا الجواب الموسيقي. وهو يبدو واضحا في بداية القراءة عند القراء "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي".

وحين يقرأ الشيخ قوله تعالى: "ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن" حيث يكرر هذه الآية خمس مرات في كل مرة، يوصل إلى قلب السامع معنى معينا.

" ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن" - إخبار بالحقيقة.

"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن" - تشيوق لما ينتظر المؤمن في الآخرة.

"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن" - إنذار وترهيب.

"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن". تذكير وتأكيد.

"ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن". حث واستنهاض للهمم.

هكذا يوصل الشيخ بأدائه وصوته وتنغيمه القرآن الكريم إلى جميع أصناف الناس: المؤمن، الكافر، المنافق، الغافل، المعرض... فأداؤه موعظة بالغة.

في المقطع التالي يصور لنا الشيخ مصطفى حوار ملكة بلقيس مع قومها:

قال تعالي: "قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم" قرأها الشيخ مصورا حالة التريث والتفكير التي كانت تعيشها ملكة بلقيس عندما وصلها الخطاب من عند نبي الله سليمان .

قال تعالى: "قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون" يصور الشيخ حالة التفكير العميق والتريث التام قبل اتخاذ القرار المصيري الذي تتوقف عليه حياة الملكة وقومها، لذلك يكرر الشيخ خطاب سليمان والآيات بعدها عدة مرات، مصورا حالة النقاش والحوار الدائر بين بلقيس وملئها.

قال تعالى: "قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تامرين" يصور الشيخ حالة الاعتداد بالنفس والاغترار بالقوة حيث يقرأ الشطر الأول من الآيات بنبرة الاطمئنان وعندما يقرأ "فانظري ماذا تأمرين" يقرأها على القرار مصورا حالة الخضوع والانقياد والنزول على رأي ملكتهم.

قال تعالى: "قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة" يجيء الجواب القاطع والوقفة الرهيبة على "قالت" يصور مشهد الملكة وهي تخاطب قومها وتعطيهم رأيها النهائي. كما أن الوقفة الرهيبة يشد بها الشيخ انتباه السامع لأن ما سيقال شيء مهم جدا جدا جدا.

وبنفس الأسلوب في التناسب بين الإيقاع والحدث في قوله تعالى: "و نزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد"، في هذا المقطع من سورة ق يستعرض الشيخ نعم الله من إنبات الزرع و إنزال الماء من السماء وغيرها من النعم. يصور كل ذلك بنبرة الإقرار بحيث يجعلك تحس بالاستحياء من الله أمام كل تلك النعم. ويعرج بعدها على الأمم المكذبة ويستعرضها جميعها بنبرة اللامبالاة وكأنه يقول إن جميع الأمم قد كذبت، فهل نفعها استكبارها في شيء: " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الايكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد".

وبنفس الطريقة يقرأ الشيخ قوله تعالى: "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض فالتقى الماء على أمر قد قدر". فجاء صوته مجلجلا مدويا كالرعد وكأنك تسمع صوت المطر والبرق والرعد. وبعدها يأتي بيت القصيد، يأتي على الجواب وأي جواب، حواب تنغلع لهوله القلوب، و عندما يقرأ الشيخ مصطفى يضع كل أحاسيسك وتفكيرك أمام الحقيقة التي لا مفر منها. قال تعالى: "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد". ورغم أن تلاوات الشيخ يغلب عليها طابع الجمال إلا أنه عندما يتلوا آيات التخويف فإنه يتلوها بخشوع شديد.

إن صوت المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل قادر بطبقاته المتعددة على عكس الحالة التي يريد القرآن أن يوصلها إلى قرائه أو مستمعيه. ولذلك يشعر الجالسون في سرادق أو مسجد يستمعون إلى القرآن الكريم أن الشيخ يعيد رسم الحياة من حولهم، حيث تختفي الماديات ويشعر هؤلاء أنهم يسافرون في رحلة حقيقية إلى العالم الآخر. وهي الرحلة التي يمكن تلخيصها في أنها "رحلة النعيم والجحيم".


--------------------------------------------------------------------------------

المراجع
1- البرهان في علوم القرآن، برهان الدين الزركشي
2-التمهيد في علم التجويد، شمس الدين بن الجزري
3- الحيوان، الجاحظ
4- الدراسات الصوتية لدى علماء التجويد، غانم قدوري
5- كتاب الزينة، أبو حاتم الرازي