القرآن والإنسان: الطبيعة والوظيفة والعلاقة
محاضرة للدكتور: الشاهد البوشيخي
بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة " الحمد الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا" الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، سبحانك لا إله إلا أنت.
موضوع هذه الكلمة،" القرآن والإنسان"، وهذا العنوان في حد ذاته يشعر بوضوح أنه هناك علاقة بين هذا القرآن وهذا الإنسان، والذي في البؤرة في هذه الكلمة، هو هذه العلاقة، لكن لا يمكن الحديث عن العلاقة بين القرآن والإنسان إلا بعد الحديث عن القرآن وعن الإنسان، فما هو هذا الإنسان؟ و ما هو هذا القرآن؟
طبيعة الإنسان ووظيفته:
أ- الطبيعة:
الذي يخبرنا بالحق من خلق هذا الإنسان، فهو العليم الخبير به "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" .
طبيعة هذا الإنسان أنه مخلوق من طين وروح "إذا قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" فأصلنا جميعا من الطين إلا أن الله تعالى نفخ فيه من روحه، فتكون هذا الإنسان وسار بهذه النفخة خلقا آخر، كما أشارت الآية،" ثم أنشأناه خلقا آخر" وذلك بعد المرحلة النطفة وبعد العلقة والمضغة المخلقة وغير المخلقة، ثم أرسل إليه الملك فنفخ فيه الروح، إذاك نصير خلقا آخر مغايرا كل المغايرة، لما كان عليه حاله قبل مخالفا كل المخالفة لأصله الطيني، بهذه النفخة الربانية نصير خلقا آخر، تتتلاحم جزئياتنا لتكوين هذا الكائن وخصائص هذا الكائن بكل ما تعطيه الروح لهذا الكائن من مظاهر الحياة وخصائص الحياة، وإذن ليس هو من طين فقط وليس هو من روح فقط،بل إن طبيعته مزدوجة وتخلفت من انسجام هذين العنصرين وتركبهما بطريقة خاصة أعطت هذا الإنسان كل الخصائص التي له.
ب- الوظيفة:
وبهذه الطبيعة المزدوج استخلفه الله في الأرض، قال جل من قائل "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" ، فقبل أن يخلق آدم حددت الوظيفة التي له في الأرض: "خليفة" وحدد مكان الوظيفة " الأرض"، وكل ذلك جعلا من الله تعالى، ومادة "الجعل" في القرآن تتجه إلى إرساء وتنظيم الشأن العام الكوني قال تعالى:"يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء" ، هو الذي جعل لنا هذه الأرض ممهدة تمهيدا كما يمهد الفراش، وهو الذي جعل إبراهيم إماما للناس وهو الذي جعل البيت متابة للناس وهو الذي جعل، وجعل سبحانه، فهو الذي جعل آدم خليفة، وجعل ذريته من بعده تتوارث هذه الوظيفة، يخلف بعضها بعضا "إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين"
ج- من مستلزمات الاستخلاف: تسخير المخلوقات للمستخلف:
فالإنسان مستخلف في الأرض، وطبيعة الخلافة تقتضي أن هناك مستخلفا له،وأن هناك عهدا وميثاقا لهذه الخلافة، أن هناك ما تتجلى فيه هذه الخلافة وذلك هو الشطر الثاني المحدد لطبيعة المهمة في هذه الخلافة:وهي" العبادة "وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون" لم أخلقهم لشيء آخر، كل الكائنات خلقت لهذا الإنسان، وهو إنما خلق الله خلق لعبادة الله ، كثير من الأشياء خلقت للنبات، والنبات خلق للحيوان، والنبات والحيوان والجماد وكل ما في هذا الكون سخر للإنسان وخلق للإنسانألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض" "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" ، الكل في هذا الكون أعد لهذا الإنسان،حتى الشمس والقمر سخر لهذا الإنسان "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"
د- من مستلزمات التسخير: العبدية لله
هذا يدل على أن موقع هذا الإنسان عند الله كبير وعظيم في هذا الكون، وحسبنا أنه خليفة، وأن وظيفته في هذه الخلافة أن يعبد الله تعالى " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" ، خلافا لما يشتغلون به ولما يهتمون به ولما يتجهون إليه، كلا تم كلا، أريدهم لي لا لغيري، وطلبت منهم أن يعبدوني أنا، لا أن يعبدوا غيري وسخرت لهم تيسيرا لذلك غيري، إن الملائكة أنفسهم مكلفة بأمور في نظام هذا الكون،وذلك الكون إنما أعد ليخدم هذه الأرض التي أعدت هي نفسها لتستقبل الإنسان، فالمركزية في هذا الكون المنظور حتى الساعة هي للأرض والمركزية في هذه الأرض هي للإنسان فهذا الإنسان ذو طبيعة خاصة وذو وظيفة خاصة وذو رسالة خاصة هذا شأنه، فما شأن القرآن؟
طبيعة القرآن ووظيفته
أ- الطبيعة:
يقول الله : "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" ، ويقول تعالى"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" الطبيعة الأولى للقرآن: أنه روح من أمر الله، نفس التعبير الذي عبر به عن الروح التي نعرفها، نفس التعبير استعمل في القرآن الكريم"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا" ، "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا" "رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق" ، القرآن روح من أمر الله، وخاصية الروح أنها تمنح كل خصائص الحياة للكيان، فهو روح حين تحل في الإنسان الفرد، تمنحه الحياة بعد الموت، فيصير بها خلقا آخر،
وهو روح حين تحل في جمع من الناس ، يصيرون جسدا واحدا، وأمة واحدة، وما صارت هذه الأمة: أمة الإسلام خير أمة أخرجت للناس إلا بحلول روح القرآن في أفرادها جميعا، وفي كيانها العام جميعا، "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" . وما صنعت هذه الأمة ما صنعته في التاريخ إلا حين حلت روح القرآن، وحلت في مجموعها روح القرآن.
والطبيعة الثانية أنه نور، "جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" "قد جاءكم من الله نور" "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه" ، هذه طبيعته، وهو نور من نور الله و "الله نور السماوات والأرض" ، ولا نور لأحد إلا من نوره"ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور" وشأن النور أن يعطي الآمان وأن يوضح الصورة وأن يبرز الأشياء على حقيقتها. بواسطة النور نرى الأشياء على حقيقتها بألوانها الطبيعية، بأحجامها الطبيعية، ، مع النور يكون الأمن والأمان، ومع الظلمة تكون الرهبة ويكون الخوف، مع النور يكون الوضوح ومع الظلمة يكون الرهبة ويكون الخوف، مع النور تعرف الحقائق ومع الظلمة تٌطمس الحقائق، إن هذا القرآن نور كاشف، نور للقلوب ونور للعيون ونور للألسنة ونور للجوارح، ونور للفرد ونور للأسرة ونور للجماعة نور للأمة ونور للبشرية.
حين يحضر تحضر كل الخصائص التي للنور، وحين يغيب تحضر كل مصائب الظلام وأخطار الظلام، ولا سبيل إلى حضوره والانتفاع به، إلا باتباعه واتباع رضوانه، " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" . هذان الأمران يجليان بإيجاز وتركيز طبيعة هذا القرآن: أنه روح من أمر الله وأنه نور من الله .
ب- الوظيفة:
فما وظيفة هذا القرآن بناء على تلك الطبيعة؟ إنها باختصار الهداية، قال تعالى:" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ، هذه الكلمة الجامعة تحدد وظيفة القرآن الجامعة، ولذلك كان هذا الدعاء الوحيد الذي ندعو به الله في سورة الفاتحة، كل يوم سبعة عشرة مرة، ندعو بذلك إجباريا إلى الأبد وإلا لا تصح صلاتنا. ماذا نطلب من الله في هذا الدعاء الوحيد في سورة الفاتحة نطلب الهداية، فما قبل الفاتحة مقدمة لها، وما بعدما تفصيل لها، أما الدعاء الوحيد والطلب الوحيد المستمر المتكرر إنما هي شيء واحد وحيد هو الهداية، فأين الجواب عن هذا الطلب؟
ذلك ما نجده أول من ندخل إلى سورة البقرة، اول سورة بعد الفاتحة التي هي بمثابة المقدمة لهذا الكتاب العظيم، " ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين" ، كان الله تعالى يقول لنا: أنتم تطلبون الهداية تفضلوا ها هو الكتاب أمامكم ، هو محض هدى على الوقف" لا ريب فيه هدى"وهو يتضمن الهدى وعلى الوقف "لا ريب فيه هدى للمتقين "، لكن لمن هو هداية؟ لمن اتقى، لمن اتبع رضوانه"يهدي به الله من اتبع رضوانه" أما الذي لم يتبع رضوانه، فلن يهتدي، "جزاء وفاقا" ذلك إذا سالت عن الطريق إلى مكان بعينه ووصف لك الطريق بدقة من عليم خبير رسم لك الطريق بكل التفصيلات، ثم لم تسلك أنت ذلك الرسم وذلك التصميم وذلك البيان، ذلك الهدى، ذلك الإرشاد الذي أرشدت له فأعرضت عنه ولم تتبعه هل ستهتدي؟ وهل ستصل إلى المقصود؟ أبدا لن تصل، لن يحصل لك المقصود إلا بالإتباع، إلا بالتقوى "هدى للمتقين" ، فالقرآن من حيث هو دلالة وإرشاد هو هدى للناس جميعا، ولكن لا يهتدي وينتفع به إلا المتبعون المتقون: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا" وظيفة القرآن الهدى والإرشاد إلى كل الأمور التي فيها صلاح العباد، آمرا بها داعيا إلى اتباعها فيه الدلالة على كل ما فيه الضرر لبني آدم ,فما من خير إلا ودلنا عليه القرآن وبينه لنا رسول الله، ، وما من شر إلا ونهانا عنه القرآن وبينه لنا رسول الله ، فهو محض هدى فهل يطلب الهدى في غيره كلا ثم كلا "قل إن هدى الله هو الهدى" بالحصر، فلا هدى في غير القرآن، من طلب الهدى في غيره أضله الله، فلنفقه هذه الحقيقة الضخمة الواضحة الصريحة ، هذا القرآن هو الهدى وهو الميزان لكل هدى حتى هدى العقل الذي أودعه الله في بني آدم حين " أعطى كل شيء خلقه ثم هدي" إذ لا يمكن الاستفادة منه إلا إذا وزن بميزان القرآن "قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"
ذلكم كان عن طبيعة الإنسان والقرآن، فماذا عن علاقة القرآن بالإنسان ؟
علاقة القرآن بالإنسان
ما أسهل أن نتصورتلك العلاقة بعد أن عرفنا طبيعة الإنسان وطبيعة القرآن، وعرفنا الوظيفتين وظيفة الإنسان ووظيفة القرآن.
وأهم ما يمثل تلك العلاقة ثلاث:
1-علاقة الروح بالجسد(الحياة والموت) قال الله "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" الإنسان بدون القرآن ميت حتى تحل فيه روح القرآن وبالقرآن يتم إحياء الإنسان فأول علاقة هي علاقة الروح بالجسد، وسر ذلك أن هذا الانسان كما تقدم مكون من عنصرين طين وروح من الله : العنصر الطيني مسير من طرف العنصر الروحي فهو الذي يقوده إلى الخير أو يقوده إلى الشر "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" .
هذه الروح هي التي تقود الإنسان إلى المسجد أو إلى الخمارة، هذه الروح هي التي تزين له الخير أو تزين له الشر هذه النفس التي بين جنبيه هي التي تدفعه إلى جهة الصلاح أو تدفعه إلى جهة الطلاح، تلك الروح ما غذاؤها؟ غذاء الطين من الطين نحن نغذي أجسامنا ثلاث مرات، الفطور، الغذاء، العشاء، نأكل ثلاث مرات في عاداتنا هنا بالمغرب هذا الأكل ماذا نغذي به؟ نغذي به القسم الطيني، هو الذي نغذي أما العنصر الروحي إنما يغذي بغذاء جنسه هو القرآن هو الوحي، الوحي فقط هو الذي يغذي الأرواح، وإنما يكون الكلام ضرب من الغذاء على قدر ما فيه من روح القرآن ومن هدى القرآن، نتأثر بالكلام الرباني، أحيانا نتأثر به لما فيه من ذلك الأصل الذي هو الوحي الذي هو نور من الله بسبب ذلك كان ذلك ولكن الحقيقة هي أن تغذية الروح إنما تتم بروح القرآن فقط،والسنة البيان بيان لتلك الروح نفسها، لذلك القرآن فهي من جنسه "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، هو وحي أيضا يأتي من الملإ الأعلى، ياتي من ذلك العالم.
ولنعرف خطورة هذا الغذاء يكفي أن ننظر في تشريع الصلوات الخمس، نحن لم نجبر على الأكل ليس واجبا علينا أن نفطر في الصباح، وليس واجبا علينا أن نتغذى وليس واجبا علينا أن نتعشى،ولكن واجب علينا أن نصلي صلاة الصبح،وواجب علينا أن نصلي صلاة الظهر وواجب علينا أن نصلي صلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء في أوقات معينة "إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا" لا يمكن التقديم ولا يمكن التأخير، لم؟ لأن الجزء الروحي في الإنسان يحتاج ضرورة إلى التزود بالطاقة خمس مرات في اليوم ، وإلا لم تبق فيه طاقة ويتجه جهة الظلمة ويتجه جهة الضلال، الجوع الروحي في الانسان أكبر من الجوع الطيني، بدليل هذا التشريع لماذا أوجب علينا الصلاة؟ والصلاة إنما هي للتزود، الصلاة صلة بين العبد وربه فنحن نقف بين المولى نتصل به مباشرة، نستمد من أسمائه الحسنى المعاني، نستمد من إسمه العليم العلم، ومن الحكيم الحكمة، ومن النور النور،من الرحمان الرحمة, إذا لم يقع اتصال لا يقع استمداد ولا إمداد تماما كما يتصل القابس بالدائرة الكهربائية فإنه يمد الجهاز بالطاقة ولكن عندما لا يكون اتصال يكون الانقطاع، الطاقة القديمة تستهلك وإذا لم تجدد الطاقة فإن الجهاز يقف، كذلك الأمر في هذا الانسان، فهو يحتاج إلى التزود بالطاقة بصورة منظمة منتظمة كما شرعها الله ، وهو العليم الخبير بنا يعلم ما يصلح لنا وما يصلحنا.
بل ننظر أيها الأحبة في مستوى الضرورة ومستوى الخطر الذي يتهدد البشرية حين لا تصلي، والضرر الذي يلحق بالفرد حين لا يصلي الصلاة التي شرعها الله وأمر الله بها "وأقم الصلاة لذكري" ذلك الذكر هو الذي يحدث الاتصال، فإذا كان هناك سهو "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون" سواء السهو عنها كان جملة أو عن بعضها، يوجد الشبح ولا توجد الروح، يوجد شبه الصلاة ولا توجد روح الصلاة، وإنما روح الصلاة الذكر، "وأقم الصلاة لذكري"،لا لذكر غيري، فبذلك الذكر يحدث الإتصال وبالاتصال يحدث التزود بالطاقة حقيقة، فيا أيها الأحبة فلننظر كما قلت في خطورة هذا الأمر وهو أن هذا القرآن علاقته بالانسان كعلاقة الروح بالجسد، وإذا لم تغذى الروح التي هي في الجسد بروح القرآن بانتظام فإنها تموت، وأغلب البشرية أموات "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت" .
يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، هذه هي العلاقة الأولى.
العلاقة الثانية : هي علاقة النور بالرؤية :
وهي التي تشير إليها آيات :"قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" ، بالنور نرى ونبصر فإذا ذهب النور نصبح في ظلام دامس، فلا نبصر لا طريقا، ولا خطرا يتهددنا ولا أي شي بعضنا يصطدم ببعض، يحدث الاضطراب الكامل، التخبط التام ولن يهتدي الناس إلى السبيل. بالنور تتم الرؤية ويتم وضوح الرؤية، هذه الرؤية حاجة الإنسان إليها كما الهواء والماء، لم؟ لأننا جئنا من غيب ونتجه إلى غيب، "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت" علاقتنا بالدقائق القادمة لا نعرف عنها شيئا، نتواجه في كل لحظة مع الغيب،ما مضى فات، وحين فات دخل في عالم الغيب، فالذي يعلم عما فات إنما هو تخرصات وظنون، إلا ما تكفل الله بحفظه من ذكره وبيان ذكره، وما نهج فيه نهجه من حفظه بميزان ذكره ومن إسناد خصت به هذه الأمة بالتوثيق . الأهم في المسألة الأول هو أنه غيب تام فكيف نتصرف؟ الله أرشنا بهذا النور إلى أن نتصرف تصرف يكفل لنا أن نحفظ ونحن نخترق الغيب ، "احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده اتجاهك" "يوم يقول يالتني قدمت لحياتي" فلا حياة إلا تلك هذه ليست حياة، هذه مقدمة حياة، فيجب أن نستيقض "الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا" أو كما قال ، إذاك نعرف الحيقية.
العلاقة الثالثة : هي علاقة الماء بالارض، وأحسن بيان لها بيان رسول الله في حديث الهدى المشهور "إن مثل ما بعثني الله) (به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجاذب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا ورعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به من الهدى والعلم فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ، هذا الحديث في غاية الوضوح في بيان العلاقة بين القرآن والإنسان ،في بيان وجه من وجوه هذه العلاقة: فإذا كانت العلاقة الأولى تقوم بوظيفة الإحياء، علاقة الروح بالجسد والعلاقة الثانية تقوم بوظيفة الرؤيا فتحدت للإنسان الرؤية يبصر حقا الطريق في هذا الظلام الدامس، فإن هذه العلاقة تخصب الإنسان وبها يحدث الفعل الحضاري، قال الله تعالى " وجعلنا من الماء كل شيء حي" الآن ههنا في هذا الحديث، يقول لنا هذا القرآن مثله كمثل غيث والتعبير بالغيث غير التعبير بالمطر،إذ الغيث وظيفته الرحمة "وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا و ينشر رحمته وهو الولي الحميد" وأغلب ما ورد – كما نص العلماء – لفظ المطر في القرآن في العذاب "وأمطرن عليهم مطرا فساء مطر المنذرين" والغيث هو اللفظ المفضل في الاستعمال القرآني.
"كمثل غيت أصاب أرض" الناس في علاقتهم بهذا الغيث أصناف ثلاثة صنف هو المختار، وهو المفضل وهو النموذج، هو الصنف الذي يشير في الأخير في قوله "فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به من الهدى والعلم فعلم وعلم" علم "اصاب أرضا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء" ما رفضت سمحت له بأن يتخلل كيانها، "وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" إذا لم تقبل الماء لن تهتز ولمن تربو، استقبلته، ووعته، وعملت به، ثم أرسلته وبلغته وعلمته بجميع معاني التعلم، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير.فهذه أرض طيبة.
والنوع الثاني : أرض ما قبلت الماء، لكن أمسكته، هي الأرض الطينية، النوع الطيني الذي لا يسمح للماء بأن يتخلله. هي ما يوجد في البحيرات، البحيرات هي أماكن تمسك الماء، وليس كالأراضي الزراعية التي تقبله فتنبت الكلأ، لا تستفيد منه لذلك فهي لا تنبت لكن الناس يستفيدون منها، ورغم أنها هي لا تستفيد فالناس يشربون، "فشرب الناس منها وسقوا وزرعوا" فلها فائدة وإن لم تستفد هي، وهذا النوع يحمل القرآن وإن كان هو كالحمار يحمل أسفارا، لكن ما في الأسفار ينتفع به الناس، وإن كان الحمار لا ينتفع.
والنوع الثالث : أرض إنما هي قيعان، نوع قيعان، إذا نزل عليها الماء لا تسمكه أصلا كالأرض في الطائفة الثانية ولا تنبت كالطائفة الأولى، فهي لا تنفع ولا تنتفع .
جلى الرسول هذا المثل بالتلخيص فذلك مثل من فقه في دين الله، ونحن نعلم أن هذا الفقه في الدين هو سر التفعيل، وسر العطاء، الناس معادن، كمعادن الذهب الفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، "فمن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
هذا الذي فقه "مثل ما بعثني الله به فعلم وعلم" إذ الرسالة مستمرة، والأمة شاهدة، ووظيفتها الشهادة على الناس، وهذه الشهادة لا تتيسر إلا بالأمرين معا، التعلم والتعليم، و "إنما العلم بالتعلم" كما في الحديث الصحيح ولا بد من تعليم ما يُعلم لتتواصل الأمانة، وتتواصل الشهادة حتى قيام الساعة. فذلك مثل من فقه في دين الله فعَلٍمَ وعلٌم، أما من لم يقبل هدى الله، فمن أين له فقه الدين، حتى ينتظر الناس منه الخير الكثير أو القليل؟
وعليه، فإن المخصِّب لهذا المعدن البشري، ولهذا الصلصال، إنما هو هذا القرآن، هو الذي يخصّبه، فيحدث الفعل الحضاري الصالح، من جنس ما أحدثه رسول الله ، وأحدثه الصحابة رضوان الله عليهم من بعده، وأحدثه الجيل الراشد الذي حمل النور في الكرة الأرضية شرقا وغربا،شمالا وجنوبا،في ظرف قياسي لم تعرفه أمة من الأمم قط.
خاتمة
وأخيرا ما الذي يجب على هذه الأمة الآن لكي تتوب من هجر القرآن،إننا نحتاج إلى توبة نصوح،ولاسيما في جبهة التعليم،ذلك بأن التعليم هو:الذي ينزل الغيث أو ينزل القحط، ويسجله في قلوب الأطفال، وقلوب الشباب، وقبل التعليم توجد الأسرة، ومع التعليم يوجد الإعلام.فالمعلمون الكبار للخير أو للشر مؤسسات ثلاث:
1-مؤسسة الأسرة:لقول الرسول :"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه..."والفطرة هي الإسلام،لقول الله تعالى فَأَقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم.
ولقول الله عزوجل في الحديث القدسي:"خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم..."
لماذا الأبوان؟ لأن الاحتكاك الأول بهما، فإذا قام الأبوان بوظيفتهما في غرس روح القرآن، وفي غرس هداية القرآن، فإن شوطا كبيرا سيقطع في اتجاه إعادة الأمة إلى التاريخ، وإلى الرشد والعطاء الحضاري.
2-مؤسسة التعليم :لأن التعليم يتلقى الطفل في سن مبكرة، ويحدث التأثير فيه بطرق متعددة، بطرق القدوة الذي هو الأستاذ أو الأستاذة، وبطرق الوسائل والوسائط السمعية والبصرية، وبطرائق المعلومات التي يقدمها له، وبطرائق وطرائق...كل ذلك يدفع في اتجاه واحد هو:جعل هذا المتعلم قد خزن فيه وأعد لما ينفع الناس ويمكث في الأرض، أو خزن فيه وأعد لما يضر الناس ويفسد الأرض،وهذه حقيقة تثير تساؤلا ضخما،عن رسالة التعليم ووظيفة التعليم في الأمة اليوم، ماهي تلك الرسالة؟ وما هي تلك الوظيفة؟ مانوعية الخريج الذي ينبغي أن يصنعه التعليم في الأمة اليوم، التعليم معمل، فأي إنتاج ينتج؟ وأي خريج يٌخَرِّج؟ لابد أن نتساءل عن هذه النقطة ولابد أن نتعاون على جعل التعليم مؤسسة لتربية وتكوين الخريج الذي أصله ثابت ورأسه في السماء يوتي أكله كل حين بإذن ربه.
3-مؤسسة الإعلام: الإعلام اليوم أصبحت له وسائل لا تستأذن أحدا، ولا تقبل محاصرة أو تحديدا،أصبحت تدخل إلى عمق البيت،وتدخل إلى عمق المدرسة،وتكتسح الشوارع،وتكتسح المؤسسات...هذا الإعلام ما رسالته الحقيقية أيضا؟ إن رسالته:أن يعلم الناس الخير، إن رسالته أن يعلّم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض،إن رسالته التمكين لروح القرآن ونور القرآن وهدى القرآن لانقاد هذا الإنسان.
ولو يعلم الإعلاميون كم أعد الله لهم من الأجر حين يحسنون تعميم الخير لطاروا من الفرح،فالله الله في الأمة أيها الإعلاميون.وإن الله لا يضع اجر من أحسن عملا.