قوله تعالى :(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة:212)

الوقف اللازم في هذه الآية على قوله تعالى : (ويسخرون من الذين آمنوا ) .
ولهذه الجملة احتمالان في الإعراب :
الأول : أن تكون معطوفة على جملة ( زين للذين كفروا ) .
الثاني : أن تكون جملة حاليةً على تقدير : وهم يسخرون (1) .
وبناءً على هذا الوقف ، فإنَّ جملة : (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ) محمولةٌ على الاستئناف .
ووجه الإشكال في الوصل بيَّنها السجاوندي ، فقال : » ولو وصل صار (فوقهم ) ظرفاً لـ(يسخرون) ، أو حالاً لفاعل (يسخرون) ، وقُبْحُهُ ظاهرٌ « (2).
والصواب من الإعرابِ أنَّ الواو عاطفة ، وأن جملة (والذين اتقوا ) معطوف على جملة (زين للذين كفروا) (3) .
أقوال علماء الوقف :
اختلف علماء الوقف في الحكم على هذا الموضع على أقوال :
الأول : أنَّ الوقف كافٍ ، وهو اختيار الداني (4) ، والغزال (5).
الثاني : أن الوقف حسنٌ ، وبهذا الوقف قال أبو جعفر النحاس (6) ، وابن الأنباري (7) ، والهمذاني (8) ، والأنصاري (9) ، والأشموني (10) .
الثالث : أن الوقف لازم ، وهو اختيار السجاوندي (11).
وأولى هذه الأقوال قول من قال : إنَّ الوقف حَسَنٌ ؛ لأن جملة (والذين اتقوا ) مرتبطة إعراباً بجملة (زين للذين كفروا) وهذا الرابطُ اللفظي الإعرابي يجعل الوقف حسناً .
ولِوُجودِ هذا الرابط اللفظي الإعرابي لا يصلح أن يكون الوقف كافياً ، كما لا يصلح البدءُ بجملة (والذين اتقوا ) الذي هو نتيجةُ الحكم باللازم .
أمَّا ما عَلَّلَ به السجاوندي فهو من البُعْدِ والتَّكلفِ بمكان ؛ لأنَّ هذه العلة ـ لو صحَّت ـ لا يدركها إلا المتخصص في علم النَّحو . ويلزم من عِلَّتِهِ أنْ يُفهَم أنَّ جملة (الذين اتقوا ) عطف على جملة (الذين آمنوا) ، وأنَّ قوله : (فوقهم ) ظرف لـ(يسخرون) أو حالٌ لفاعلِ (يسخرون) ، وهذا لا يُدْرَكُ إلا بتأمل .
ولو بدأ القارئ من قوله تعالى : ( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) ، فوقف هنا ، لكان واضحاً أنَّ الفوقية للمتقين وأنَّ الظرف (فوقهم) لا يتعلق بهذا الفعل البعيد عنه ، وهو (يسخرون) .
.......................................
(1 ) انظر : البحر المحيط 2 : 130 ، والدر المصون 2 : 372 .
(2) علل الوقوف 1 : 168 .
(3) انظر : الجدول في إعراب القرآن 2 : 362 ، وإعراب القرآن الكريم ، لمحيي الدين درويش 1 : 312 .
(4) المكتفى 83 .
(5) الوقف والابتداء 1 : 268 ، وعبارته : » حسن « ، وهي تعني الكافي عند غيره .
(6) القطع والائتناف 183 .
(7) إيضاح الوقف 1 : 549 .
(8) الهادي في معرفة المقاطع والمبادي 1 : 110 .
(9) المقصد ، بحاشية منار الهدى 58 .
(10) منار الهدى 58 .
(1 1) علل الوقوف 1 : 168 .