معهود العرب في الخطاب: نحو صياغة قواعد التفسير

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، النبي الأمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

اقتضت حكمة الله سبحانه إنزال كتابه القرآن الكريم ليكون هاديا للناس بشيرا ونذيرا، قال تعالى:(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)[1]، ولكي تحقق الهداية ويتحقق مقصود إنزال الكتاب بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبلغا عن الله ومبينا لآياته، فبلغ آيات القرآن وأصلح به أحوال الناس في معاشهم ومعادهم.

والقرآن الكريم لما نزل بلسان العرب في البيان، وعلى تنوع أساليبهم في الخطاب، اقتضى ذلك أن تختلف دلالات ألفاظه في الوضوح والخفاء والإجمال والبيان والإحكام والتشابه والحقيقة والمجاز، فكان من وظيفته صلى الله عليه وسلم بيان ما خفي على الناس مراده، وأبهم معناه، قال تعالى:(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما أنزل ‘لهم ولعلهم يتفكرون)[2] لذلك كان الصحابة يلجؤون إليه صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما التبس عليهم أو أبهم من ألفاظ القرآن الكريم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم بالشرك في قوله تعالى:(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)[3].

وأيد تفسيره بقوله تعالى الوارد في سورة لقمان:(إن الشرك لظلم عظيم)[4]، وقد فسر صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي، في قوله سبحانه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)[5] وقد ورد في صحيح كتب السنة من هذا الشيء الكثير.

وقد صار الصحابة على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في بيان وتفسير كلام الله تعالى، حيث اعتمدوا على ما صح عندهم من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم المأثورة، ثم على ما شاهدوه من أحوال النزول ووقائعه وقرائن ذلك، حيث صار مجموع ذلك ملكة راسخة يخصصون به العمومات ويقيدون المطلقات.

والذي أهل الصحابة للانفراد والتميز في البيان والتفسير، إضافة إلى الوجوه السابقة، نزول القرآن على معهود العرب في الخطاب وعلى أساليبهم في الاستعمال، فكثيرا ما اعتمد الصحابة في بيان القرآن على شواهد اللغة ومعهود العرب، ويعد ابن عباس من الصحابة الذين تميزوا بالاهتمام باللغة في بيان القرآن، فقد استعان بالشعر العربي، وهو القائل: (الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزله الله بلغة العرب رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه"، وهو القائل أيضا: "إذا خفي عليكم شيء، فابتغوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب"، لذلك قال أبو بكر بن الأنباري: "قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر".

وإدراكا لأهمية العربية في البيان، ازدادت العناية بها في التفسير، وظهر في التراث الإسلامي ألوانا من المؤلفات تعنى بمعالجة إشكالات وقضايا التفسير انطلاقا من اللغة، إذ اللغة العربية لسان العرب في التخاطب، وأداتهم للتفاهم، فقد ظهرت في القرن الثاني والثالث الهجريين كتب تحمل أسماء معاني القرآن ومشكله، فقد ألف أبو بكر زكرياء يحيى بن زياد الفراء كتاب " معاني القرآن" (ت 207 هـ).

وإضافة إلى كتب معاني القرآن ظهرت أيضا كتب تعنى بمجاز القرآن وغريبه وإعرابه، وتأويل مشكله.

وقد نمت اللغة وتطورت مع هؤلاء الجهابذة الذين وظفوا اللغة في بيان وتفسير القرآن الكريم.

لقد كانت هذه الأعمال الفريدة تعالج إشكالات الفهم والتفسير بالإعتماد على لسان العرب في الخطاب ومعهودها في الإستعمال، وتدل على أن المنهج السليم في التعامل مع نصوص الكتاب العزيز الرجوع إلى اللغة الأصلية التي ورد بها القرآن الكريم، وذلك لضبط الفهم، وحماية النص من التأويل.

وهكذا سلمت الأمة من الزلل في فهم النصوص وتفسيرها دهرا طويلا، محافظة على لسانها، منضبطة برؤى الوحي ومقاصده في التفسير.

لكن أدى انفتاح الأمة على الأجناس والأمم الأخرى إلى ظهور إشكالات في الفهم والبيان نظرا لحداثة الأمم الأعجمية بالإسلام ولافتقارها للسان العربي الذي نزل به القرآن، فاضطرب اللسان واختل البيان.

وقد أدى هذا الوضع إلى ظهور الخلاف في تفسير النصوص الشرعية، وفتح باب التأويل، وظهور تيارات عقدية وسلوكية تأول القرآن على غير تأويله، وتضع النص في غير موضعه. ويعد مجال التفسير المجال الواسع الذي تمثلت فيه تأويلات التيارات العقدية، ولعل مرد ذلك أن القرآن عربي اللسان يؤثر بداهة في تلقي وفهم القرآن، أضافة إلى ما سبق من أن التفسير هو المجال الذي تمثل فيه جل العلوم الإسلامية من نحو وصرف وبلاغة وأصول وعلم الحديث، الأمر الذي يدلل على جزء من الإشكال العام الحاصل في التفسير: هل هناك ضوابط وأصول تضبط الفهم وتميز التفسير وترقى بنتائجه من العفوية إلى العلمية"؟

ولعل المحاولات العلمية التي سجلت في التراث الإسلامي تؤشر على نوع من الإحساس بالإشكالات الواقعة في التفسير، حيث ألفت كتب في مفردات القرآن تنهج منهجا خاصا يتبع اللفظة القرآنية ويلاحظ تغير معناها مراعيا سياق ورودها، بالإضافة إلى كتب الغريب والمعاني، والنظم والبلاغة، مما ينبئ على أهمية دراسة التراث التفسيري من أجل صياغة قواعد ومناهج التفسير

إن استقصاء واستقراء التراث الإسلامي ثم دراسته ونقده وتأهيله سيقود إلى صياغة نظرية كلية تضبط التفسير والبيان انطلاقا من قواعد وضوابط معلومة يمكن أن نصطلح عليها ضوابط التفسير وقواعد التفسير، هذه القواعد التي يجب أن تنتظم في إطار نظري عام وكلي، بحيث يصير التفسير له أصول ناظمة، تميزه أولا عن غيره من العلوم الشرعية كالأصول وغيره....، ثم تؤطر الفهم ومنهجه درءا للتأويلات الباطلة والأفكار الدخيلة في التفسير، إذ التفسير من أهم الفنون التي تتعرض للتحريف والتأويل

إن محاولة صياغة منهج تفسيري علمي تفرضه المقاصد الشرعية، والحاجة الحضارية، حيث يصير تفسيرا علمياا مؤصلا، إذ كم كبير من التراث التفسير تمتزج فيه الذاتية بالعلمية، فلا تحصل من بعضه إلا أذواق ومواجيد ، واصطلاحات لم ترقى إلا رتبة العلمية، الشيء الذي دفع بعضهم إلى القول بأن التفسير لم ينضج ولم يحترق.

أيمكن مراعاة لما سبق أن نقول لهذا الفن: علم التفسير؟ وإذا كان كذلك، فما هي أصوله؟ ما هي قواعده؟ أليس ما يوظف في التفسير من قواعد إنما تنتمي إلى علوم أخرى كالأصول مثلا والبلاغة وغيرهما.

كيف يمكن الاستفادة من جملة العلوم التي ترتبط بالتفسير من نحو وصرف وبلاغة وأصول الفقه وعلم التاريخ لصياغة منهج تفسيري متميز، تستقل فيه المناهج عن النتائج من أجل تجاوز هذا التداخل الحاصل بين النتائج والمناهج؟

إن هذه العلوم تحتاج إلى إعادة تصنيف في علاقتها بالتفسير حيث تصير أدوات وثمرات، ومناهج ونتائج، وقد أحسن الطاهر ابن عاشور في مقدمات التحرير والتنوير، إذ ميز بين مستويات هذه العلوم في علاقتها بالتفسير، فاعتبر الفقه الإسلامي من نتائج التفسير، قال: "ولم نعد الفقه من مادة علم التفسير كما فعل السيوطي، لعدم توقف فهم القرآن على مسائل الفقه، فإن علم الفقه متأخر عن التفسير وفروع عنه،وإنما يحتاج المفسر إلى مسائل الفقه عند قصد التوسع في تفسيره"[6]، وقد صار على هذا المنحى مع باقي العلوم الإسلامية.

ولعل أهم العلوم اتصالا بالتفسير كمناهج للبيان والفهم اللغة العربية والأصول.

أما العربية، فلأن القرآن "كلام عربي فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربي"[7].

وقد قال السكاكي في "المفتاح" "لا أعلم في باب التفسير بعد علم الأصول أقرأ على المرء لمراد الله من كلامه من علمي المعاني والبيان"[8]، ثم إن علم الأصول يضبط قواعد الاستنباط ويفصح عنها "فهو آلة للمفسر في استنباط المعاني الشرعية من آياتها"[9].

وأحسب أن من مزج بين العربية والأصول وصاغ قواعد الفهم والإفهام قديما الإمام الشافعي، فهو حري بالدراسة والبحث، جدير بالعناية والاهتمام من قبل الباحثين، فقد استطاع أن يحل إشكالات الفهم في عصره، فصاغ قواعد ومناهج لدراسة النصوص الشرعية، منطلقا من قواعد العربية ومعهود العرب فيها، وكذا ما تحصل من أدلة مجمع عليها، بالإضافة إلى موافقة روح التنزيل ومقاصده.

إذن لابد من محاولة لدراسة تراث الإمام الشافعي انطلاقا من "الرسالة" لأن القرآن "نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة... فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه عن غير هذه الجهة"[10]. وقال الإمام الشاطبي في الموافقات، مبينا معنى نزول القرآن على معهود العرب، وعلى أساليبها في الخطاب: "فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمة فيه، فبمعنى أنه نزل على لسان مهود العرب في ألفاظها الخاصة، وأساليب معانيها، وأنها فطرت عليه في لسانها، تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه، أو آخره، وتتكلم الكلام ينبئ أوله عن آخره أو آخره عن أوله..."[11].

فلما نزل القرآن على معهود العرب في الخطاب وعلى أساليبهم في الخطاب فإن حصر وإبراز أوجه هذا الإعمال ومراد الشارع فيه قمين باستخلاص ملاحظات أولية توظف في صياغة الإطار النظري لعلم التفسير، إذ لمراد الشارع أثر كبير في فهم الخطاب وبيان العلة وتأسيس القاعدة.

إن عملية التأسيس لأدوات الفهم والاستنباط في أصول الفقه التي قام بها الإمام الشافعي تحتاج إلى دراسة من جديد وذلك من أجل تأسيس قواعد التفسير، إذ الإشكال الحضاري القديم المتعلق بالبيان الذي أنتج صياغة أصول الفقه، هو الإشكال نفسه في الحاضر. فكما استطاعت الرسالة أن تؤسس أصول الفقه، ألا تمدنا بعد الدراسة والبحث بأصول التفسير.






-----------------------------------------
[1] - الإسراء: 9.
[2] -النحل: 44
[3] -الأنعام: 82
[4] -الآية: 13
[5] -الأنفال: 60
[6] -تفسير التحرير والتنوير، المقدمة الثانية، ص:26
[7] -نفسه.
[8] -المفتاح للسكاكي: نقلا عن مقدمة التحرير والتنوير، ص:20.
[9] - نفسه، ص: 26.
[10] - الموافقات، الإمام الشاطبي، ج:2، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الثالثة، 2002، ص:50
[11] - نفسه، ج: 12، ص:50.