[align=center]هذه تعليقات الشيخ وأرجو من أعضاء الملتقى وطلاب الشيخ المشاركة والمناقشة في هذا الموضوع حتى تستوفى مسائل وفوائد هذا النوع [/align]


النوع الثاني والأربعون : قواعد يحتاج إليها المفسر (15, 23- 2-1429هـ)

• كثير مما ذكره السيوطي لا ينطبق عليه مفهوم القاعدة عند العلماء؛ ولذا فقد يتوسع العلماء في هذا المصطلح فيشمل أشياء كثيرة مثلاً النظر في أساليب القرآن كأسلوب الجمع والإفراد فإذا نظروا فيها وخرجوا بملحوظاتهم سموا هذه قاعدة, فيقولون: قاعدة في الإفراد والتثنية الجمع.
• هذه القواعد متناثرة وأغلبها يرجع إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة ولغة, والقواعد المرتبطة بالنحو أكثرها مرَّ في النوع الحادي والأربعين, أما هذا النوع فهو مرتبط بالثلاثة الباقية .
• والأصل أن استخراج القواعد بالاستقراء عقلي ، فهو من المباحث العقلية في علوم القرآن ، وإن كان المصدر المعتمد عليه نقلي ، وهي العلوم العربية .
• القواعد نوعان:
1. قواعد تفيد في بيان المعاني أو ما وراء المعاني وهي الأغلب.
2. قواعد تفيد في معرفة القول الصحيح أو الأولى وهي قواعد الترجيح, وأكثر القواعد المذكورة في هذا الباب هي من النوع الأول.
• قول السيوطي: (قاعدة في الضمائر: ألف ابن الأنباري في بيان الضمائر الواقعة في القرآن مجلدين...)
اعتنى ابن الأنباري بهذا الموضوع وألف له مجلدين, وهذا يدعونا للتفكير والنظر في هذا الموضوع فلو تفكرت في سورةٍ من القرآن واجتهدت في التأمل في الضمائر ؛ فكم ستجد من ضمير؟ فلو نظرت في سورة عبس مثلاً فقوله : ﴿عَبَسَ وتَوَلَّى﴾ فيها ضميران: (عبس) هو, (وتولى) هو .
• لذا يمكن أن يكون البحث في الضمائر من البحوث التطبيقية التي يجريها المعلم مع طلابه ، وهذا النوع من البحوث تنمي مهارات الطالب ، وتجعله مرتبطًا بالنص القرآن ، ومتدبرًا له .
• قول السيوطي: (وأصل وضع الضمير للاختصار)
ينشأ عن هذا مسألة مرتبطة بالضمير ، وهي أن الضمير إذا وُضِع مقام الظاهر فإنه يكون من باب الإطناب ؛ لأن الأصل أن الضمير يأتي بعد ذكر الظاهر قبله ، فإذ أُعيد الظاهر بدل الضمير الذي يكون على سبيل الاختصار صار ذلك إطنابًا .
• ولوضع الظاهر موضع الضمير فوائد أخرى غير هذا .
• قول السيوطي: (ولهذا قام قوله:﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب : 35] ، مقام خمسة وعشرين كلمة لوأتى بها مظهرة).
أقول: وقد عددتها فوجدتها عشرين ضميراً ، ولا أدري كيف جعلها السيوطي خمسة وعشرين ؟!
والتقدير : أعد لله للمسلمين مغفرة وأجرًا عظيما ، وأعد الله للمسلمات مغفرة وأجرًا عظيما ، وقس بقية الأوصاف على هذا في قوله تعالى ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )
• هل هذا النوع مما يحتاج إليه المفسر؟ فيما يظهر من العنوان أنه مما يحتاج إليه المفسر لكن قد تكون بعض المباحث التي ذكرها السيوطي لا يحتاج إليها المفسر؛ لأن جهلها لا يؤثر في فهم المعنى, فأي معلومة لا تؤثر في فهم المعنى فهي ليست من صلب التفسير, وهناك قواعد في هذا النوع يحتاج إليها المفسر, أما الفرق بين علوم القرآن وعلوم التفسير فالقضية مبنية على فهم المعنى فكل علم له أثر في فهم المعنى فهو من علوم التفسير, وكل علم ليس له أثر في فهم المعنى فهو من علوم القرآن, ومثاله: (عدِّ الآي) لا يؤثر في فهم المعنى وهو من علوم القرآن, لكن معرفة غريب القرآن من علوم التفسير؛ لأنه لا يقوم التفسير إلا به.
• قضية الكتابة في قواعد التفسير جاءت متأخرة(1), وإن كنا نجد هذه القواعد مبثوثة في كتب التفسير منذ أن نشأ من عهد الصحابة؛ لأن الأصل في التفسير أن يقوم على قواعد وأسس, وعدم الكتابة فيها منذ القدم لا يعني أنه لا يوجد للتفسير أسس وقواعد؛ ولهذا فإن ابن عاشور اعترض ـ في مقدمته للتحرير والتنوير ـ أن يعد التفسير علماً بناء على أنه لا يوجد للتفسير أصولاً وأسساً كغيره من العلوم, وذلك مبني على تعريفه هو للعلم ، وبناءًا على تعريفه فإن ما توصل إليه صحيح, لكن تعريفه للعلم فيه إشكال, وكذلك ما ذكره عن التفسير من أنه شرح المفردات ليس دقيقاً بل الصواب أنه بيان المعاني ولا يمكن معرفة هذه المعاني إلا بأسس وقواعد وضوابط هي أصول التفسير.
• قول السيوطي: (قاعدة: الأصل عوده على أقرب مذكور.....)
هذه القاعدة التي ذكرها نجد أن أهل العلم يختلفون في تطبيقها إذا نازعتها القاعدة التي بعدها وهي: (الأصل: توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتيت) فإذا وقع تنازع في عود الضمير على أقرب مذكور أو على أول مذكور لتتوافق الضمائر ؛ نقول: تقدم القاعدة الثانية وهو توافق الضمائر في المرجع كما في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح : 9] فالضمائر لله تعالى, والقول الآخر: لتؤمنوا بالله وبرسول الله وتعزروا رسول الله وتوقروا رسول الله وهذا مرجوح؛ لأن فيه تشتيتاً.
• قول السيوطي: (الخامس: التحقير، بمعنى انحطاط شأنه إلى حد لا يمكن أن يعرف نحو قوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّاً﴾ [الجاثية : 32] أي حقيراً لا يعبأ به وإلا لا تبعوه).
هذا يدخل ضمن بلاغة المعنى وهو ما وراء المعنى؛ لأننا حينما نفسر هذه الآية فإن المعنى الجملي واضح لكن بيان التنكير جاء بعد تمام المعنى.
• قول السيوطي: (قاعدة في الإفراد والجمع من ذلك السماء والأرض)
إذا كان المراد جهة العلو تأتي السماء مفردة, وإذا كان العدد مراداً يأتي الجمع وهو السموات, وذكر السموات على أن المراد به العدد لا يعني عدم العلو.
• قضية المشرق والمغرب وردت بالإفراد والتثنية والجمع, الإفراد باعتبار الجهة جهة المشرق وجهة المغرب, والتثنية باعتبار مشرقي الصيف والشتاء, والجمع باعتبار مشرق كل يوم ومغرب كل يوم.
• قول السيوطي: (قاعدة في الألفاظ التي يظن بها الترادف وليست منه).
هذه القاعدة التي ذكرها السيوطي مهمة لمن أن أراد أن يتعاطى التفسير؛لأن معرفة الفروق اللغوية له أثر في فهم المعنى, ومن أكثر العلماء عناية بذلك: الراغب الأصفهاني في كتابه (المفردات), وكان يود أن يضع كتاباً في الفروق اللغوية كما أشار إلى ذلك في مقدمة كتابه هذا, فهل وضعه أم لا؟ الله أعلم؛لأنه لا يوجد هذا الكتاب, وقد كتب أبو هلال العسكري كتابه (الفروق اللغوية), وكذا ابن القيم أشار إلى فروق لغوية كثيرة, وأشار إلى أنه يحسن جمع هذه الفروق وجعلها من نفائس هذا العلم, وهناك كتب أخرى مثل: (الكليات) لأبي البقاء الكفوي, وكذالك الطاهر بن عاشور له عناية بهذا الجانب ، وقد كتب فيه الدكتور محمد بن عبدالرحمن الشايع رسالة علمية ، وهي مطبوعة في مكتبة العبيكان .
• قول السيوطي: (من ذلك (الخوف والخشية) لا يكاد اللغوي يفرق بينهما)
الخشية معها تعظيم وحبة, ولذا كل خشية خوف, وليس كل خوف خشية.
• قول السيوطي: (قاعدة في السؤال والجواب) ثم قال: (مثال ما عدل عنه قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة : 189] سألوا عن الهلال لِمَ يبدودقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلاً قليلاً حتى يمتلئ ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا؟, فأجيبوا ببيان حكمة ذلك تنبهاً على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه، كذا قال السكاكي ومتابعوه, واسترسل التفتازاني في الكلام إلى أن قال: لأنهم ليسوا من يطلع على دقائق الهيئة بسهولة).
اعتراض السيوطي على فهم السكاكي وتفصيلات التفتازاني (ت 792هـ) في محله .
وأقول : إن قول التفتازاني فيه إشكال فيجب الحذر عند الكلام عن الصحابة, فهم آمنوا بما هو أكبر؛ ولذا أبو بكر لما جاءه المشركون, وطمعوا في ردته, وقالوا: ألم تر ما يقوله صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس, وعاد من ليلته, فقال: أو قد قال, قالوا: نعم, قال: إن كان قد قال فقد صدق؛ فإني أصدقه بخبر السماء فكيف لا أصدقه حين يذهب إلى بيت المقدس ويعود, فهذه العقول التي اختارها الله لصحبة نبيه, ولتكون قادرة على حمل وحيه وإيصاله للناس فكيف لا تكون قادرة على معرفة الأفلاك, وكذلك لدي نظر آخر وهو أن من يقول بذلك من الفضلاء كأن فيه اعتراضاً على قدر الله في اختيار هؤلاء ليكونوا محلاً لحمل رسالته كأنهم لم يستطيعوا معرفة هذه الأشياء, واستطعنا نحن المتاخرين .
ــــــــــــ
(1) أفضل ما كتبه المعاصرون في قواعد التفسير : كتاب القواعد الترجيحية للشيخ الدكتور حسين الحربي ، وكتاب قواعد التفسير للشيخ الدكتور خالد السبت .