المرابد بالأغلب أو الغالب: مجيء الشيء على نمط واحد في أكثر الحالات حتى يغلب على الظن أن الأمر مطرد على هذا النمط.
فإذا وجد فرد من جنس الغالب فإنه يلحق به.
وطريق تحديد الأغلب أن يستقريَ المستدل معنى لفظ من الألفاظ أو يستقريَ استعمالاً معيناً، فيتوصل إلى أن ذلك المعنى أو الاستعمال هو المراد عند الإطلاق أو المقدم على غيره ؛ لكونه الغالب في عرف الشرع أو عرف العرب.
وقد بيّن المفسرون أن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب هو المنهج الصحيح في تفسير النصوص القرآنية والنبوية إلا أن يأتي معارض مقاوم لهذا الإلحاق أقوى منه.
يقول ابن جرير الطبري ـ ـ : «والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهها المعروفة عند العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل» تفسير الطبري مجلد10/35.
ويقول أيضاً: «تأويل كتاب الله غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب الذين نزل بلسانهم القرآن المعروف فيهم دون الأنكر الذي لا تتعارفه إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها» تفسير الطبري 4/79.
ويقول الحافظ ابن دقيق العيد ـ ـ : «ما اشتهر في الاستعمال فالقصد إليه هو الغالب» إحكام الأحكام مع حاشية العدة 3/314.
ويقول الشيخ الشنقيطي: «غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد ؛ لأن الحمل على الغالب أولى» أضواء البيان 1/140. وانظر: 1/...
وتتضح أهمية اتباع هذا المنهج في تفسير القرآن العظيم في أن ألفاظ الكتاب والسنة تحتمل المعاني الكثيرة بالنظر إلى مجرد المعنى اللغوي، ولا شك أن حملها على كل ما تحتمله بمجرد الاحتمال اللغوي موقع في الخطأ واللبس والتناقض، والمخرج من ذلك هو الاعتماد على الإلحاق بالأعم الأغلب لينضبط الاستدلال، وفي أمر الله بتدبر القرآن دليل على اتباع هذا المنهج، لأن التدبر إنما يكون لفهم المراد وإذا عدم منهج العمل بالغالب فتساوت الاحتمالات ما كان هناك فهم للمراد، يقول ابن تيمية : «والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن، وأخبر أنه أنزله لنعقله، ولا يكون التدبر والعقل إلا لكلام بين المتكلم مراده به، فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه ولا يعقل، ولهذا تجد عامة الذين يزعمون أن كلام الله يحتمل وجوها كثيرة وأنه لم يبين مراده من ذلك قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله» درء تعارض العقل والنقل 1/278-279.
وقد جعل الشنقيطي المتوفى سنة 1393 هذا الإلحاق أحد أنواع البيان التي اعتمد عليها في كتابه فقال : «ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك : الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن، فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية» أضواء البيان 1/18-19.
ومن أمثلته : أن قوله تعالى : ولا يفلح الساحر حيث أتى آية 69 سورة طه، يدل على كفر الساحر حيث إنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة «لا يفلح» يراد بها الكافر، كقوله تعالى : قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون آية 69 من سورة يونس، وقوله : فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بئاياته إنه لا يفلح المجرمون آية 17من سورة يونس، وقوله : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بئاياته إنه لا يفلح الظالمون الآية 21 من سورة الأنعام. انظر : أضواء البيان 4/442-443.
ومن أمثلته: معنى الزينة في آية الحجاب : قال الله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها من الآية 31 من سورة النور.
أفاد الشيخ الشنقيطي أنه ثبت باستقراء القرآن أنه إذا أَطلَق الزينةَ، فالمراد : ما يُتَزَيَّنُ به خارجَ الخِلقَة، كالثياب والحلي ونحوهما. من ذلك قوله تعالى : يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية 31 من سورة الأعراف. وقوله : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية 32 من سورة الأعراف، وقوله : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة الآية 8 من سورة النحل، وقوله : ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن من الآية 31 من سورة النور، الخ.
يقول الشنقيطي: «وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن» أضواء البيان 6/199.
ومن ذلك قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم من الآية 198 من سورة البقرة. فسر الفضل بأنه الربح في التجارة وذلك إلحاقا بالغالب في استعمال القرآن لهذا اللفظ، كقوله تعالى : وءاخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله الآية 20 من سورة المزمل، وقوله : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون من الآية 10 من سورة الجمعة. انظر: أضواء البيان 1/140.