[align=center]الاتجاه الهرمنيوطيقي وأثره في الدراسات القرآنية .
الأستاذ الدكتور عبد الرحيم بودلال ، كلية الآداب وجدة ، المغرب .
(ساهم به في ملتقى فكيك الثالث حول القراءات الجديدة للقرآن الكريم 1428 هـ / 2007 م ).[/align]
تعريف الاتجاه الهرمنيوطيقي:
هو اتجاه فلسفي وجودي تحليلي نشأ في أحضان اللاهوت المسيحي، لتفسير النص الديني المسيحي، خصوصا بعد أن طرحت مجموعة من القضايا المشكلة المتعلق بالإنجيل، على المتعاطي للتفسير المسيحي من غير الكنسيين أو الإكليروس:
هذه المشكلات تلخص في:
- تثبيت الإنجيل المنقول شفويا عن طريق الكتابة
- تعريف العلاقة بين العهد القديم والعهد الجديد
- التباعد اللغوي بين العهد القديم والعهد الجديد
- التباعد اللغوي بين الكلمة في أصل وضعها والاستعمال الجديد
- الاعتقاد بوجود معنى خفي وراء المعنى السطحي
- انعدام الثقة في القراءة الوحيدة للإنجيل
هذه العوامل أدت إلى ظهور هذا الاتجاه في الفهم والتفسير. الإصلاح الديني وانتشار الفكر البروتستانتي، وقد أدت إلى ضعف العلاقة بكنيسة روما، وبذلك شعروا بحاجة ملحة لمنهج يتضمن قواعد معينة لتفسر الكتاب المقدس، وأول كتاب ألف في هذا المجال اسمه (الهرمنيوطيقا) ومؤلفه (دان هاور) طبع عام 1654م ذكر فيه مناهج وقواعد لتفسير الكتاب المقدس.

وقد كانت ثورة مارتن لوثر على رجال الكنيسة وفتح المجال أمام تعدد القراءة، وعدم حصرها على رجال الكنيسة أمام اتساع هذا الاتجاه، بل أدت هذه الثورة إلى انتقال التحليل الهرمنيوطيقي من مجال اللاهوت إلى كافة العلوم الإنسانية.
وتعتبر نهاية القرن العشرين فترة ازدهار بالنسبة لهذا الاتجاه، لما أتاحه من إمكانيات لقراءة التراث الإنساني عموما.
وقد حاول بعض الدارسين ربط هذا الاتجاه بالفكر اليوناني، الذي عرف أن عملية تفهيم التعاليم الدينية لم تكن بالأمر الميسر للناس، لذلك كان اللجوء إلى الواسطة المعروفة بهرمس، حيث كان هرمس هو الناقل أو الوسيط بين معاني الآلهة والناس؛ يقول احمد واعظي:" ينسب اليونانيون اكتشاف اللغة والخط إلى "هرمس"، وهما أداتا نقل المعاني للآخرين. وقد كانت عملية التفهيم هي مهمة "هرمس" الأساسية، ولعنصر اللغة دور أساس في هذه العملية بالطبع. كان "هرمس" جسراً يفسر ويشرح رسالات الآلهة, وذلك بتحوير ماهيتها ومضامينها (التي كانت فوق مستوى الفهم البشري)، من أجل تفهيمها للناس وجعلها ممكنة الإدراك من قبلهم" ومنه أخذ الاسم، وأصبحت عملية الفهم تتم بهذا الشكل، ومع ظهور ما عرف بعملية الإصلاح الديني، سيحاول هؤلاء تحويل المسألة إلى اتجاه في الفهم.
وبدأ هذا الاتجاه رومنسيا، يعتمد اللغة والمعاني النفسية بشكل متكامل، وكان هذا في القرن السابع عشر الميلادي، ومع تطور المجتمع الغربي وازدياد حيرته حول الوصول إلى ما يعرف عندهم بالحقيقية عن طريق تلمس معاني الأشياء، سيتسع مجال هذا الاتجاه؛ خصوصا وأن العقل نفسه قد عجز عن الوصل إلى المعنى المعبر عن الحقيقة، هذا العقل الذي ظل الغرب زمنا ينظر إليه المخلص الوحيد من كل الأزمات بما فيها النفسية والسلوكية والعقدية، هو نفسه أصبح محط تساؤل، لأن نتيجته كانت حربين عالميتين خلقتا أزمة فكرية وخلقية ونفسية عاشها ويعيشها المجتمع الغربي، يقول شوقي الزين "لكن القسط الأكبر من أفول المعنى بتشظي الذات وحلول الخطاب يتراءى في هذه الصدمة اللاحقة لسنة 1945 واكتشاف الغرب لفظاعته، ووحشيته، عندما أماط اللثام عن جرائم إنسانية إبان الحرب العالمية الثانية" . هذا الوضع أثر بشكل سلبي على الوضع الأوروبي، مما جعل هذا الوعي الأوروبي يشكك بشكل جلي في مكتسباته المعرفية، العقلية ويجنح بشكل واسع وجلي نحو ما عرف بالوجودية والفينومينولوجيا، المشككة بشكل أساس في التكافؤ الحاصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. فالإنسانيات ميدانها الذات الفلسفية، والطبيعيات ميدانها العقل المادي الطبيعي.
إن الوجودية الفلسفية رفضت الموضوعية ولم تعترف بوجود ذات وموضوع، بل كل شيء راجع إلى تجلي الموضوع للذات في علاقة إدراكية تأويلية.
إن اللجوء إلى هرمس كما قلت الذي كان جسرا يفسر ويشرح رسالات الآلهة، وذلك بتحوير ماهيتها ومضامينها (التي كانت فوق مستوى الفهم البشري)، من أجل تفهيمها للناس وجعلها ممكنة الإدراك من قبلهم، وفق البناء الثلاثي لعملية التفسير، والمكون من الأركان الآتية:
1- العلامة أو الرسالة أو النص الذي يلزمه الفهم والتفسير.
2- واسطة الفهم، أو المفسر(هرمس).
3- إيصال فحوى النص ومعانيه إلى المخاطبين.
يبين طبيعة الغموض الذي كان يكتنف النص الديني، خصوصا العهد القديم الذي كان عندهم عبارة عن تمثيلات ورموز وكنايات، تحتاج إلى تأمل هرمنيوطيقي.
وعلى الرغم من العمل الإصلاحي الذي قام به أوغسطين للكنيسة حيث ضيق من جانب الغموض، واعتبر أن الغموض لا يطول كل الكتاب المقدس، وإنما بعض من فقراته غامضة، فإنه لم يتجاوز التأمل الهرمنيوطيقي، بل دعا إلى ضرورة الجمع بين النور الإلهي الساطع على الإنسان وقواعد التفسير،
يعد كتاب القديس اوغسطينوس "في العقيدة المسيحية" مثالاً لهذه التأويلية التفسيرية، إذ ميّز بين نوعين من العبارات التي تحتاج إلى تفسير: العبارة الغامضة، حيث يكون المعنى مستتراً أو مغلقاً بعناصر تاريخية وصيغ لغوية، وعبارات عجائبية أو غرائبية متعلقة بالمعرفة اللاهوتية المقصورة على علماء اللاهوت.
وسيستلهم كل من هيدغر وغادامير هذه الأفكار من أوغسطين لتطوير الفكر الهرمنيوطيقي.
ومع كل من هيدغر وغادامير ستأخذ الهرمنيوطيقا بعدا فلسفيا يؤصل لشروط الفهم والتفسير. وسيعطيان للذات أهمية قصوى في عملية الفهم، مبعدين كل الشروط الموضوعية المؤسسة على المنهج.
إن جادامير يطرح الهرمنيوطيقا اتجاها مهتما بشرح عملية الفهم في ذاتها لا في علاقتها بعلم بعينه، فكتابه " الحقيقة والمنهج" هو كتاب مساءلة منهجية لأسلوب وقواعد الفهم عند الغربيين.
عملية الفهم
فالفهم ليس نتيجة تطبيق قواعد، بل يرتبط بالقدرة على الاستيعاب واستثمار المخزون المعرفي والثقافي في تقويم المعنى المطلوب. يمر الفهم عبر قنطرة الذات من أجل إعادة تشكيل معالم الدلالة، وفق الأفق الذي يرنو إليه المتلقي. أما إذا ما اعتبرنا الفهم حصيلة تطبيق قواعد مخصوصة، لن يختلف الفهم آنذاك عن عملية الترجمة الآلية .
ثم إن الفهم لا بد أن يبنى على المنهج التأويلي الذي لا يحصر نفسه في التاريخ، تاريخ النص بل لا بد أن يعيش حاضره، ولا بد كما يقول غادامير من انصهار للآفاق (الماضي والحاضر) كي يحصل الفهم، ومن هنا ستبدأ عملية تحليل الفهم الهرمنيوطيقي بوضع أسس للفهم والقراءة، وهي أسس ترفض كل مكتسبات عصر التنوير الأوروبي، وخاصة الاتجاه النسقي الذي أفرز البنيوية في بعدها المؤطر للنص، حيث يعتير أصحاب الاتجاه الهرمنيوطيقي الاتجاه البنيوي نسقا من العلامات مغلقا على نفسه ولا يشير إلى شي ء خارجه مما يجعل النص "بغترب في الشكل المجرد" و تضيع هوية وخصوصية و بعده الأونطولجى ودوره التاريخي.
الأسس المنهجية للاتجاه الهرمنيوطيقي :
إن النقد الموجه للاتجاه البنيوي مرده بالأساس إلى محاولة إقصاء كل ما يجعل الفهم أو التحليل مضبوطا، ولذلك سيغير الاتجاه الهرمنيوطيقي كل أنواع التحليل المؤسس على الموضوعية، ويفسح المجال لكل الذاتيات لكي تمارس عملية الفهم دون قيد أو شرط.
فتصبح الأحكام المسبقة والتصورات القبلية وانفتاح الذات على الموضوع هي المحددات لعملية الفهم.
يقول أحمد واعظي "تعرضت القراءة التقليدية للنص، و التفكير الديني الدارج، لتحديات و إشكاليات على يد بعض الاتجاهات الهرمنوطيقية في القرن العشرين. فقد أثارت الهرمنوطيقا الفلسفية بشتى فروعها سجالات حول تفسير النص وقضية الفهم بصورة عامة، مسّت العديد من أصول المنهج الدارج لفهم النص ... وخلخلت أركانها, ناحتةً إشكالات وشبهات جديدة للتفكير الديني، فقد أشرنا منذ البداية إلى أن التفكير الديني وثيق الصلة بالمنهج التقليدي لفهم النص
وإجمالا فإن أبرز التحديات التي فرصتها الهرمنيوطيقا الفلسفية أمام الأسلوب المعهود للنص لخصها أحمد واعظي في:
1 - فهم النص حصيلة امتزاج أفق المعاني لدى المفسر مع أفق المعاني في النص. ولذلك فإن إشراك ذهنية المفسر في عملية الفهم ليس بالمذموم، بل هو شرط وجودي لحصول الفهم، وينبغي التسليم له كواقع لا مندوحة منه.
2 - الفهم الموضوعي للنص، بمعنى الفهم المطابق للواقع، غير ممكن؛ لأن العنصر الباطني أو ذهنية المفسر وقبلياته شرط لحصول الفهم، فخلفيات المفسر ذات دور حتمي في كافة فهومه وتفاسيره كافة.
3 - عملية فهم النص عملية غير منتهية، فإمكانية القراءات المختلفة للنص لا تعرف حدوداً تتوقف عندها، إذ إن الفهم تركيب وامتزاج بين أفق معاني المفسر وأفق معاني النص، ومع كل تحوّل في المفسر وأفقه تتاح إمكانية جديدة للتركيب والامتزاج وولادة فهم جديد.
إذن لا نهاية لاحتمالات التراكيب ولإمكان القراءات والتفاسير المختلفة للنص.
4 - ليس ثمة فهم ثابت غير متحرك، ولا يصح تحديد فهم، بوصفه الفهم النهائي الذي لا يتغير لنص من النصوص.
5 - ليست الغاية من تفسير النص القبض على "مراد المؤلف"، فنحن نواجه النص، وليس المؤلف. وما المؤلف إلاّ أحد قراء النص، ولا يتميز عن باقي المفسرين والقراء بشيء. والنص كيان مستقل يتحاور مع المفسر، فينتج عن ذلك فهم للنص. وهكذا فالمفسر لا يعبأ بالمقاصد و الغايات التي أراد المؤلف التعبير عنها.
6 - لا يوجد مناط أو معيار لفحص التفسير القيّم من غير القيّم، إذ لا يوجد أساسا شيء اسمه تفسير قيّم، والرؤية التي تتحدث عن شيء اسمه تفسير قيّم أو صحيح تقرر إدراك مرامي المؤلف كغاية للتفسير، بينما الهرمنيوطيقا الفلسفية ترى "أصالة المفسر" ولا تتوخى معرفة قصد المؤلف إطلاقاً. ولأن مفسّري النص كثر، ولهم على مر الزمان آفاق متعددة مختلفة، ستظهر فهوم للنص جد متباينة، لا يصح اعتبار أي منها أفضل من الآخر.
7 - الهرمنوطيقا الفلسفية ملائمة تماماً لـ"النسبية التفسيرية"، وتفتح مجالاً رحباً لتفاسير متطرفة.
هذه الأفكار وجدت صداها بشكل واضح وواسع في المحاولات التجديدية لدراسة وتفسير القرآن العظيم.
صور من التأثير الهرمنيوطيقي على أهل التجديد :
التقابل في اللفظتين (هرمنيوطيقا وتأويل) .
ويكفي أن أشير في البداية إلى أن الترادف اللفظي بين هرمنيوطيقا والتأويل ساعد دعاة التجديد على تبني المنهج الهرمنيوطي بنوع من الاطمئنان، خصوصا وأن اللفظة مفردة قرآنية، واستعملت في سياق معرفي، وإرجاع الشيء إلى أصله مع وجود فارق واسع بين التأويل في الثقافة الإسلامية التي ضبطت المفردة – التأويل – ضبطا دقيقا. وبين الثقافة الغربية المعترضة على تسمية الهرمنيوطيقا بالعلمية.
فيكفي الرجوع إلى كتب الأصول والبلاغة لكي يعرف القارئ صور استعمال اللفظ في الثقافة الإسلامية.
بعد تبني اللفظ في صيغته العربية بدأ دعاة التجديد يحملونه كل المعاني الهرمنيوطيقية المؤسسة على ثقافة الغرب، الباحثة عن اغتراب الإنسان في الثقافة المادية، والباحثة عن القراءة الصحيحة للكتب المقدسة التي أصابها التحريف والتغيير.
فالتأويل في الثقافة الإسلامية خصه الحق تعالى بذاته حين قال (وما يعلم تاويله إلا الله) وإن شارك فيه أحد من خلقه فهو إما نبي مثل يوسف (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تاويل الأحاديث) وإما راسخ في العلم (وما يعلم تاويله إلا الله والراسخون في العلم). وهكذا يُعوِّل الخطاب العلماني كثيراً على التأويل في قراءته للقرآن الكريم، لأن التأويل مفهوم قرآني يمكن الولوج منه بسهولة إلى الغايات التي يبحث عنها هذا الخطاب، وتحت هذه المظلة يمارس هذا الخطاب آلياته في القراءة، والتي لا صلة لها بالمفهوم القرآني مطلقاً . وبالمناسبة فإن بعضهم أمثال نصر حامد أبي زيد يقدم لفظ التأويل في كل كتاباته على أنه لفظ مظلوم، ولا بد من إرجاعه إلى وضعه الطبيعي، ويستشهد ببعض المحاولات المنسية وغير المؤصلة علميا من أمثال معنى الأساطير والأمثال والعبر والعضات الموجودة في القرآن الكريم التي ذهب بعضهم أنها وردت في القرآن الكريم للاعتبار فقط، وليست حقائق قرآنية .فلابد أن تؤول وتقرأ قراءة هرمنيوطيقية.
بشرية النصوص أو الأنسنة :
وبعد هذا التقابل غير المتكافئ يشرع هؤلاء قي الدفاع عن هذا التوحه، فيسوون بين النصوص، كحال الغرب الذي لا يميز بين النص الديني، وغير الديني. فمنذ أن نزل القرآن إلى البشر أصبح نصاً تاريخيا،ً لأنه تحول من كتاب تنزيل إلى كتاب تأويل، فأصبح كتاباً بشرياً " تاريخياً واجتماعياً وتراثياً. إن كتاب التنزيل طلق كتاب التأويل وأحدث معه نمطاً من القطيعة الإبستمولوجية النسبية وتحول "" النص منذ لحظة نزوله الأولى - أي مع قراءة النبي له لحظة الوحي - تحول من كونه نصاً إلهياً، وصار فهماً " نصاً إنسانياً " لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل .
مفاد هذا التوجه عند الهرمنيوطقيين أن النص بمجرد أن يكتب يصبح ملكا للقارئ، وليس للمؤلف، وإن القارئ هو الذي يضفي عليه المعاني المناسبة وهو صاحب القصد.
وفي هذا الاتجاه فإن الغرب يميز في هذا الاتجاه وغيره خاصة التفكيكي بين المكتوب والمسموع، يقول أركون وهو يدعو إلى إعادة ومراجعة قضية تدوين المصحف:"...لأن الخطاب الشفهي له قواعده اللغوية الخاصة للتحليل، وللدلالات قواعد خاصة للتفسير مغاير للقواعد التي تدل على الخطاب، إذا كان مكتوبا، لا ترى الأيدي تتكلم، كما تتكلم يداي الآن وأنا أكلمك، ووجهي يكلمك، وصوتي يكلمك، عندما يرتفع وينخفض، هكذا هو ولكن الناس يخلطون" .
والمكتوب لا علاقة له بمن كتبه لأن الكتابة تحول المنطوق إلى مقروء، والقراءة له شروط مخالفة للمنطوق، كما أن النص لم يعد مملوكا لصاحبه بل يصبح ملكا للقارئ.
ويقول حسن جابر في مقالة له بعنوان "تصور منهجي لفهم القرآن الكريم":"لكن الثابت في علاقة النص الديني، بالنص البشري، أنه يمكن كلاهما أن يخضعا لمنهج واحد، هو منهج التأويل القائم على تفكيك المعنى، وفتح مدايات واسعة أمام إمكان المعنى، وكلاهما أيضا، يمكن أن ينفعلا في حركة كشف المعاني بألوان التفكير وأفق ووعي القارئ، فمن الثابت، لدى جميع من اشتغل في علم النص، أن ثمة علاقة بين القارئ والنص، لا يستطيع أحد إنكارها، حيث الإقرار بأنه لا وجود للمعنى إلا في الوعي البشري، الذي هو نسيج من الأهواء والتقاليد والانفعالات، والمؤثرات واللون الثقافي والحضاري، ويستوي في ذلك قارئ النص الديني والنص البشري، فكلاهما يحضران في عملية تناسل المعاني" . هذا الكلام ينفي المعاني القرآنية ويجعل القرآن الكريم نصا لغويا يستخرج منه القارئ المعاني، عن طريق عملية التأويل وهذا مخالف نسبة القرآن الكريم لله صراحة.
إن مثل هذا الكلام، حصل بعد أن انهارت قداسة الكتاب المقدس في الغرب، وتخلى الغربيون عن الإيمان بهذه القداسة بعد عصر النهضة، وتفاقم الشك والإلحاد، فأصبح الكتاب المقدس كأي كتاب أدبي آخر يُدرس من منظور إنساني دون أي اعتبار للبعد الغيبي الإلهي .
فقد صار التأويل "لعبة لغوية" -يقول أمبرتو إيكو- بما أن البحث عن مقاصد المؤلف تحول إلى قراءة للنص اللغوي في ذاته (مقاصد النص)، ثم صار الأمر إلى القارئ نفسه يشحن السياق بمقاصده، ويسقط مفاهيمه على النص.
ولم يحصل مثل هذا في الثقافة الإسلامية، فعلى أي أساس تبني المقارنة، بل إن اغتراب الذات عند الغربيين يقابله نقاء وصفاء ووضوح في معرفة الذات ووظيفة الذات. بمعرفة المقصد الأسمى من الوجود، ولذلك ظلت الذات المسلمة تحتهد وفق مكر مقاصدي أساسه العبادة، وثماره الاستخلاف.
التاريخية والفهم :
يعتبر غادامير الوعي التاريخي مكتسبا من مكتسبات التجربة الإنسانية، لأنه موجه لفهم الذات وذاتية الفهم، لأن الوجود التاريخي يختزن معايير عالمية للحياة العملية .
المنهج التاريخاني الذي يعتبر أن تفسير النص يجب أن يكون مرهوناً بتاريخه، ويجب أن يكون ساكناً هناك لحظة ميلاده، فلا يمكن فصل أي نص عن تاريخه. فغادامير يرى بأن الفهم فعل تاريخي، بمعنى أن النص لا يفهم إلا في سياق متطلبات العصر، ولهذا فإن الفهم يرتبط دائما بالزمن الحاضر، لأن تاريخية انتساب الإنسان إلى الزمان والمكان تهيئ له القدرة على الفهم الأفضل، عوضا أن تكون هي العائق في تعطيل عملية الفهم. بل على الذات أن تكشف عن حدود المعرفة التاريخية في الممارسة التأويلية، لكن هذه الأحداث يجب أن تؤول وفق واقع المؤول، ولشدة الربط بين الذات وتاريخها يعيب غادامير على الإنسان الذي يعيش دون وعي لتاريخه.
إن القول بتاريخية النصوص أفضى إلى القول بالتفسير التاريخي للقرآن بأن عدت التعبيرات في القرآن "موافِقة لظروف معيشة وأفق محمد () ومستمعيه الأوائل، لكنها لم تعد تتوافق مع ظروف معيشة وأفق قارئ اليوم الحضاري .
إن القول بالتاريخية يعني نفي صفات الخلود وصلاحيته لكل زمان ومكان، وأنه نص غير مساير للحياة، وهذه دعوة صريحة إلى إزاحة القرآن الكريم عن الحياة، وإبعاده عن كل تشريع وتوجيه.
إن الكتاب الخالد الذي جعله الحق خاتم الرسالات والهادي إلى الحق إلى يوم الدين، وهذا أصل الاعتقاد يتحول عند هؤلاء كتابا تاريخيا على الرغم من أن الأدلة العلمية أثبتت أنه المخبر عن العالمية والاستمرارية. وأن صفة الغيب التي يختص بها ويتميز بها عن غيره ستزول بصفتي البشرية والتاريخية وهذا مناف لصفته الوجودية.
اللغة والتأويل:
هذا العنصر من أخطر المباحث الهرمنيوطيقية لأن كل ما سبق وما يمكن أن يذكر في هذا الاتجاه يبني عليه ومؤسس به، اللغة لم تعد نسقا، ولا بنية ولا نظاما من العلامات، وليست دالا ومدلولا، العلاقة بينهما اعتباطية، وظيفة اللغة ليست التواصل. لم تعد اللغة وسيلة للإبلاغ، ولا وسيلة الفكر، باختصار لم تعد اللغة أداة يستعملها المتكلم كيف ما شاء ومتى شاء. ولا ألفاظا حاملة للدلالات.
إن اللغة أصبحت علامات ورموزا، تتحول معانيها، حسب القارئ بما يحملها من معان ناتجة عن مخزونه الثقافي، يناسب ما يحمله القارئ النص.
لقد جعلت الفلسفة التحليلية كل شيء يتم باللغة وعبر اللغة.
وإذا كانت بداية الحديث عن اللغة باعتبارها رموزا، فإن الرمز سيأخذ بعدا تصويريا حيث إن العلامات و الرموز تشكل عالما موازيا للعالم الخارجي هو ما يمكن تسميته بالنظام اللغوي الرمزي، بل يصبح بديلا للأشياء المادية، نحن إذن لا نتعامل مع الأشياء والموجودات كما هي، بل كما يحددها النظام اللغوي، وهنا ستصبح اللغة تصويرا للواقع، وفي هذه الحال تصبح الكلمات تعبيرا عن الأشياء، وسنقف عند حدود الألفاظ لتصوير عالم الأشياء .
التوجه في الهرمنيوطيقا يتجاوز هذا التحليل وينظر إلى اللغة نظرة وجودية مما جعل قضايا الفلسفة ليست قضايا واقعية factual، بل لغوية في طبيعتها.
فكيف سينظر أصحاب هذا الاتجاه للغة؟
يقول نيتشة: "إننا نفكر داخل اللغة. ولا يحصل لنا الوعي بأفكارنا المحددة الواقعية إلا عندما نمنحها شكلا موضوعيا، ونفصلها بذلك عن حياتنا الداخلية، ونضفي عليها شكلا خارجيا، ولكن هذا الشكل ينطوي بدوره على خاصية من خصائص الأنشطة الذاتية الداخلية، وإنه لمن من العبث أيضا أن نعتبر احتياج الفكرة للكلمة عيبا أو نقصا فيها. يعتقد عادة، وهذا الاعتقاد وارد بالفعل، أن أكثر الأشياء سموا هي الأشياء، التي يتعذر التعبير عنها. ولكن هذا الرأي سطحي ولا أساس له من الصحة. والواقع أن ما لا يمكن التعبير عنه هي الفكرة الغامضة، الفكرة التي لا زالت في طور الاختمار، والشيء الذي لا يصبح واضحا إلا بعد أن يجد الكلمة المناسبة للإفصاح عن نفسه. وبالتالي فإن الكلمة هي التي تمنح للفكرة وجودها الحقيقي الأكثر سموا . لقد اعتبر نيتشة أن الفكر يتم داخل اللغة، وأن اللغة وحدها، هي التي تمنح للفكر وجوده، هذا التصور سيعتمده هيدغر بشكل موسع وسيعتبر اللغة مسكنا للوجود، ولذلك لا شيء يتم خارج اللغة، يقول توفيق سعيد: "إن ماهية اللغة عند هيدجر تكمن في كونها كشفا أو إظهارا للوجود، واللغة تكشف الوجود عندما تظهر الوجود الإنساني والموجودات الفردية من خلال تحجبها. فكيف يتكشف الوجود على هذا النحو في اللغة ؟ لنستمع إلى هيدجر... فاللغة وحدها تجلب ما يكون - باعتباره شيئا ما يكون أي تجلب ماهية شي ء ما، إلى المجال المفتوح لأول مرة. فحيث لا تكون هناك لغة، كما هوا لحال في وجود الحجر والنبات والحيوان، لا يكون هناك أيضا انفتاح لما يكون (أي لماهية شيء ما)... ومن خلال تسمية الموجودات، لأول مرة تجلب اللغة الموجودات ابتداء إلى الكلمة والى الظهور" .
ويعتبر غادامير الفهم كله تأويل والتأويل كله يحدث بواسطة اللغة التي تسمح للموضوع بأن يحل في جسد الكلمات. ونجد أن البرهان ينطلق هنا من مقدمتين منطقيتين : ١ ـ الفهم كله تأويل. ٢ ـ التأويل كله لسانيّ .
لقد عاب غادامير على المفسرين السابقين اعتمادهم ما سماه بـ"الإحلال اللغوي" حيث لا يتجاوز المفسر، إحلال كلمة محل كلمة أخرى، يقول سعيد توفيق:" إن اللغة عند غادامير ليست ألفاظا، أو تعبيرات لفظية، يمكن أن تحل إحداهما محل الأخرى، على أساس افتراض نوع من التكافؤ القائم بينها، بل هي كيان متفرد من التركيب اللغوي، والأسلوب التعبيري، أو القدرة على الخطاب والإيحاء"
إن اللغة لم تعد ألفاظا تحمل دلالات بل رموزا وإيحاءات، بل إن الدلالة اللغوية للفظ أصبحت تمثل عائقا أمام كشف المعنى لأن:" النسق الرمزي (Allegorical) للنصوص على قبلية أن لغة النص تبتعد عن لغة التحاور الدارجة، وتتلبس أغلفة كنائية رمزية متكاثفة، لذا يجب التوغل إلى المعاني الحقيقية الكامنة وراء هذه الرموز والتمثيلات، ولا يتعذر على المعاني الظاهرية للألفاظ تقديم العون لنا في استكناه المعنى الحقيقي وحسب، بل تمثل معوقات تعرقل جهودنا في هذا السبيل"
هكذا لم تعد الألفاظ في اللغة قوالب للمعاني، وإنما أصبحت الألفاظ رموزا وكنايات، يحملها القارئ أو المستعمل ما يريد من المعاني، وأصبحت الحقائق القرآنية أمثال رمزية وليست حقائق تاريخية حكاها القرآن الكريم من أجل الاعتبار بالأساس ومن أجل تصحيح مسار الحياة وفق إتباع المنهج القرآني في الحياة، إن تغيير كل ما أخبر عنه القرآن الكريم بصريح العبارة وليس من باب التأويل كما يفعل هواة التجديد، يعد مخالفا للحقيقة العلمية.
ومن باب المخالفة العلمية الصريحة مخالفة آيات البيان القرآني الذي أخبرنا الله أن وسيلة القراءة تبتدأ من اللغة المبينة، ولعل الوصف الكريم للقرآن المجيد: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا) أنسب إلى الفهم حول اللغة التي نزل بها، فقد ربط بين العربية والعلم والإنذار، وهذا الربط بين العربية المبينة والعلم والعقل يتكرر في كتاب الله، في آيات كثيرة ففي سورة يوسف مثلا يقول الحق : (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) وقد تكررت الآية في سورة الزخرف الآية 2.
ولعل الآية الكريمة الواردة في سياق ضرب المثل تجيب عن كل ما يجوز أن يتبادر إلى الذهن من فصل بين عربية القرآن الكريم المبينة وبين قراءة القرآن الكريم وفق شروط هذا البيان، فقد ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان .
أليس ما يدعيه هؤلاء من أن لغة القرآن الكريم إيحائية وأن القرآن الكريم ذو طبيعة بشرية هو ما نفاه الحق في آيات كتابه المنزل: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) .
إن الربط بين البيان والوضوح والإفصاح هو ما عمل العلماء على إنجازه طيلة التاريخ الإسلامي، وانتهوا إلى تقرير الحقيقة التي خلدت معاني القرآن الكريم ومازالت تظهر كل يوم مظاهر خلود وإعجاز هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل، لأنه محفوظ بالعناية الإلهية.
هذه الحقيقة عبر عنها علماء الأصول أحسن تعبير وهي:
هذه الشريعة عربية فعلى أسلوب العرب تفهم، وأسلوب العرب بيان وإفصاح ووضوح، وليس غموض والتباس وتعقيد.
ولعل كلام الشاطبي:"إنما البحث المقصود هنا- يقصد بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام – أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذه الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) وقال: (بلسان عربي مبين) وقال : ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) وقال: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب، لا أنه أعجمي ولا بلسان العجم، فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة"
أحسن ما يرد به على ما ورد في حق لغة التنزيل.
وختاما، فلا بد من ضرورة البحث في جملة من الدراسات الواردة حول الإنجيل عند المسيحيين، وما يكتنفه من غموض، وإبهام ومقابلتها بالدراسات القرآنية حول البيان والوضوح ليتضح فساد تطبيق الاتجاه الهرمنيوطيقي على النص القرآني.

عبد الرحيم بودلال
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
جامعة محمد الأول وجدة
18/04/ 2007.