هذا المقال ذكرني بكتاب الدكتور جيفري لانج (وهو أستاذ جامعي أمريكي أسلم في التسعينات)، بعنوان: "حتى الملائكة تسأل" (Even Angels Ask) وهو مترجم للعربية ونشرته دار الفكر.
والموضوع يتطرق إلى تلك الآيات القرآنية التي أثارت فيّ (منذ سنوات طويلة) تساؤلات لم أجد لها جوابا يروي الغليل لحد الآن.

أسس العمران في مبدأ خلافة الإنسان.. "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ"؟
عبد الرحمن حللي

المصدر: موقع الملتقى الفكري للإبداع

لم يكن ذكر القرآن لتساؤل الملائكة عن خلق الإنسان من قبيل مجرد السرد القصصي أو الإخبار التاريخي، إنما يحمل دلالة مهمة وأساسية بشأن مستقبل الإنسان في هذه الأرض، وقد مر معظم المفسرين على هذه الآيات دون البحث والتعمق في دلالة تساؤل الملائكة والإجابة الإلهية عليه، لاسيما وأن التساؤل ورد من عالم الملائكة غير المكلفين والذين سبقوا الإنسان في الوجود، ووظيفتهم التسبيح والتقديس لله، وقد حاورهم الله في خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض فكان جوابهم التساؤل عن نتيجة متوقعة لديهم هي الإفساد في الأرض وسفك الدماء [1]، وهذا يعني أن لدى الملائكة معرفة مسبقة عن الإنسان والإفساد في الأرض، ولا يمكن فهم هذا التصور إلا في ضوء أحد احتمالين: أن يكون قد سبق للملائكة علم بوجود كائن سابق كانت هذه صفاته، أو أن علماً إلهياً كان لدى الملائكة بأن الأرض سيكون فيها الفساد وسفك الدماء، لكن الله ربط الأمر بعلمه باعتبار أن علم الملائكة لا يطال الغيب وأبطل تساؤلهم بتعليم آدم الأسماء الذي يمثل معطى جديداً جهله الملائكة.

* دلالة الإفساد في الأرض وسفك الدماء :

إن المعنى الذي يشتمل عليه تعبير الفساد في القرآن الكريم أعم من عدم الالتزام بالأحكام الشرعية والسلوك المستقيم، كما هو متبادر في أذهان الناس، فيغلب على استعمال مفردة الفساد اقترانها بالأرض، مما يدل على عموم وشمول ظاهرة الفساد وأنها قضية إنسانية عامة وليست قضية فردية، والحديث عن الأرض يعني الحديث عن نظام يعيش فيه الإنسان المستخلف، فالفساد عدوان على نظام الحياة وبراءتها وأصل خلقتها وقوانين سيرها، فالعدوان على البيئة إفساد في الأرض والتدخل في تغيير قوانين الأشياء ومعاكسة طبيعتها هو فساد أيضاً، وكل ما هو معاكس للنظام الذي خلقه الله للأشياء مادياً كان أو معنوياً إنما هو فساد في الأرض يمكن أن يحصل من الإنسان.

وأما سفك الدماء فدلالتها واضحة على أنها قمة العدوان على نظام القيم الذي يحكم الإنسان في عالم التكليف، فمن يرتكب عدواناً على حق الإنسان في الحياة والبقاء يرتكب ما هو أدنى من ذلك من عدوان على حقوق الإنسان، وبالتالي إخلال بأهم قيمة هي قيمة العدل، فالتعبير بسفك الدماء هو رمز ونموذج لما هو أعم وهو العدوان على منظومة القيم في حياة الإنسان، فإذا لاحظنا أن الفساد عبث بالبيئة والنظام الطبيعي، وسفك الدماء عبث بحقوق الإنسان والنظام القيمي، علمنا خطورتهما من بين المنكرات حتى قدمتا على الكفر وجعلتا مقابل التسبيح لله وتقديسه.

* دلالة ذكر تساؤل الملائكة:

إن تساؤل الملائكة هو استغراب من كفاءة مخلوق مستعد لأن يعتدي على نظام الطبيعة والقيم ثم يصلح لأن يكون خليفة في الأرض، وهذا يعني أن أهم عناصر فشل الإنسان في خلافة الأرض وتحمل الأمانة، هو الفساد وسفك الدماء، وبالتالي فإن ما يعصم الإنسان منهما هو مفتاح النجاح في عمران الأرض واستمرارها، ولئن كان الجواب الإلهي للملائكة يتضمن إقراراً غير مباشر باحتمال حصول ذلك من الإنسان، فإن الجواب بيَّن معطى جهلته الملائكة وهو تعليم الأسماء.

فالأسماء التي عُلِّمها آدم () [2] كانت الجواب الإلهي عن تساؤل الملائكة المبني على أن خلافة الإنسان في الأرض متمحضة للفساد وسفك الدماء، لكن ما ورد من تفاسير في معاني الأسماء لا يجلِّي هذا الجانب من معنى تعلم الأسماء، فقد تعاملت معظم التفاسير في تحديد معنى الأسماء على أنها الاسم بمعناه اللغوي أعني العلامة على الشيء التي تميزه عن غيره وضمن هذا الإطار جاء تحديد تلك الأسماء متفاوتاً بين قولين: الأول:أنه علمه كل الأسماء أي أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، والثاني: أنه علمه أسماء معدودة لمسميات مخصوصة وقد اختلف في تحديدها (أسماء الملائكة، أسماء الأجناس دون أنواعها، أسماء ما خلق من الأرض، أسماء ذريته) [3]، لكن السؤال المحور حول كون تعلم الأسماء عاصماً من الإفساد في الأرض وسفك الدماء وضامناً لنجاح استخلاف الإنسان في الأرض لم تجب عنه تأويلات المفسرين، فعلم آدم () بكل ما ينطبق عليه من أسماء أياً كان مضمونها مما ذكروه لا يدل منطقياً على كونه مورد عصمة لآدم والإنسان عموماً من سفك الدماء والإفساد في الأرض إلا أن يكون ذلك بتأويل رمزي لم يشر إليه أحد من المفسرين الذين رجعنا إليهم، بل لم نجد ربطاً بين مضمون الأسماء وكون تعلمها جواباً على استشكال الملائكة.

* العاصم من الفساد وسفك الدماء:

إن أول ما يثير انتباه المتأمل في استشكال الملائكة قولهم: "وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" [4]، فكان الجواب بتعليم آدم الأسماء، وبتتبع ذكر الاسم في القرآن نجده يقترن بتكليف الإنسان بالتسبيح وأن هذا التسبيح يكون باسم الله [5]، مما يعني أن الأسماء هي وسيلة الكائن الجديد لتسبيح الله وتقديسه، وهذا يربط بين الأسماء التي تعلمها آدم () واسم الله وأسمائه الحسنى، فهي تدل على معنى يربط الكائن الإنساني بالقيمة المعرفية [6]، والتي من خلالها يستطيع تسبيح الله والقيام بمهمة الاستخلاف في الأرض، فاسم الله هو علمه الذي يسعى إليه الإنسان، والذي علمه آدم، وهو علة الاستخلاف في الرد الإلهي على اعتراض الملائكة [7].

فالأسماء هنا ليست مجرد ألفاظ تحيل على المسميات، فهي ليست أعلاماً كما بسطها البعض، بل وليست علامات على الأشياء، إنما هي معانيها ومعرفتها وملكة إدراكها، لذا فهي كلمة دالة على قيم معينة تعلمها آدم، فالأسماء بما هي مُعَلَّمة من قبل الله ومتقبلة من قبل الإنسان هي الوسيط بين الإلهي والإنساني في إدراك الكون واستخلاف الإنسان فيه، ولعل معنى الرفعة والسمو كأصل لغوي للاسم يدل على اختيار هذا اللفظ للإشارة إلى القيمة المعرفية التي تميز بها الإنسان، فبها يرتفع عن غيره من المخلوقات ويسمو ويرتقي بها إلى الله، وكذلك باعتبار الاشتقاق الثاني من السمة والعلامة فإن القيمة المعرفية هي التي تميز الإنسان عن غيره وتجعله كائناً متميزاً [8].

فبتعلم الأسماء يدرك الإنسان الأشياء ووظائفها وكيفية التعامل معها، وبعبارة أخرى يمتلك مفتاح التعامل مع الكون والتعرف عليه، وهو بذلك يباشر مسؤوليته كمكلف دون أن ينفصل عن الإلهي في تعامله مع الكائنات، فمصدرية الأسماء الإلهية جعلت منه إنساناً مسلماً لله بفطرته، ومكلفاً في الآن نفسه باستخدام ملكة علم الأسماء في إعمار الأرض مسترشداً بهدي الله، لذلك جاء التكليف الإلهي الأول بالقراءة مقروناً بكونها باسم الله، فهي قراءة مزدوجة لا يستقل فيها وعي الإنسان وامتلاكه للقيمة المعرفية في التعامل مع الأشياء عن الصلة بخالقها، فعلم الأسماء لا يتأتى إلا من الله، فهو المختص بها فله الأسماء الحسنى، ومن ادعى الأسماء من غيره فلا قيمة لتسميته إذ لا سلطان من الله فيها، لذلك استنكر الرسل على قومهم ادعاء الأسماء للأصنام وطلبوا منهم بيان تجلي تلك الأسماء، فإدراك الإنسان لما يحيط به من الأشياء من خلال ملكة المعرفة التي أوتيها بتعلم الأسماء تجعله قادراً على معرفة الله أكثر وبالتالي تسبيحه وتقديسه وتنزيهه، وكذلك سيكون قادراً على اكتشاف قيم الوجود وتلقي رسالة الله عبر رسله مما يجعله قادراً على منع الإفساد في الأرض وسفك الدماء، وبما أن الله جعل علم الأسماء ملكة في الإنسان فقد أناط به مسؤولية العمران والخلافة في الأرض تكليفاً لا تكويناً، وما دام التكليف منوطاً بالحرية التي متَّع الله بها الإنسان، كانت استجابته للتكليف متفاوتة، فقد يصل الإنسان إلى درجات جهلتها الملائكة عندما اعترضت على خلافة آدم في الأرض، وقد ينحط إلى ما خشيته الملائكة من إفساد وسفك للدماء.

* أخيراً..

إن الآيات القرآنية إذ أوردت تساؤل الملائكة عن أهلية الإنسان ليكون خليفة في الأرض والجواب الإلهي عليه، إنما كانت تشير إلى أسس نجاح الإنسان في عمران الأرض منذ بدء الخلق، فالملائكة تشير إلى سنة إلهية هي أن العمران والخلافة في الأرض لا تستقيم مع الفساد وسفك الدماء، والجواب الإلهي كان أن الإنسان بما هو مكلف قد أوتي من علم الأسماء ما يعصمه من الفساد وسفك الدماء وبالتالي النجاح في الاستخلاف، فقد آتاه الله ملكة المعرفة واكتشاف قوانين الأشياء، والتعرف على خالقها، وبالتالي ربط الكون به، وإذا تعرف الإنسان على قوانين الأشياء وسننها والتزم بها فلا فساد في الأرض، وإذا تعرف على الخالق ورسالاته وعرف منظومة القيم التي تحكم حياة الإنسان والتزم بها فلا سفك للدماء، إما إن اغتر بما أوتي من معرفة فتألَّه بعلمه وسمى الأشياء من عنده ولم يربطها بالله فقد استبد ولن تكون المعرفة عاصماً له من الفساد أو سفك الدماء، فالمعرفة العاصمة (علم الأسماء) هي التي تقود إلى تسبيح الله وتقديسه، وبالتالي ضبط النفس عن استخدام المعرفة للإفساد أو سفك الدماء، فإذا حصل ذلك فاق الملائكة قدراً وشرفاً وإلا انحط إلى ما حذرت منه الملائكة.

إن أزمة الإنسان العالمية اليوم ولدى جميع الأمم أنها تعيش انتهاكاً صارخاً (دولياً ومحلياً، فردياً وجماعياً) للنظام الطبيعي (الإفساد في الأرض) وللنظام القيمي (سفك الدماء)، فقضية القضايا التي لا تختلف فيها فِطر الناس هي استنكار العدوان على البيئة والعدوان على حقوق الإنسان، وكلاهما يحولان دون أداء الإنسان ما لأجله أوجد في هذه الأرض وهو العمارة: "وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود:60)، والعبادة: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" [الذاريات:56]، والخلافة: "وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" (الأعراف:129) [9].

* الإحالات:

[1] "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة :30).
[2] الآيات هي: ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32)قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)[ [البقرة].
[3] انظر أقوال المفسرين في: الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، (بيروت:دار الفكر،1405هـ)، ج1 ص215- 216، القرطبي،محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: أحمد عبد العليم البردوني (القاهرة: دار الشعب، ط:2، 1372هـ) ج1 ص282، ابن الجوزي،جمال الدين أبو الفرج، زاد المسير في علم التفسير، (بيروت:المكتب الإسلامي، ط:3، 1404هـ) ج1 ص62-63.
[4] "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ" (البقرة:30).
[5] الواقعة:74-96، الحاقة:52، الأعلى:1، ومن الطرافة تكرار مفردة الأسماء التي علمها آدم (ع) أربع مرات أيضاً.
[6] انظر: انظر:المرزوقي، أبو يعرب، في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني، (بيروت:دار الطليعة، ط:1، 2000) ص:125.
[7] انظر: [7]انظر: المرزوقي، أبو يعرب، شروط نهضة العرب والمسلمين، (دمشق:دار الفكر، ط:1،2001) ص181.
[8]انظر حول المعنى اللغوي: ابن منظور، محمد بن علي، لسان العرب، (بيروت: دار صادر، ط:1، د.ت) ج:14 ص401-402-403، الفيروزأبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب، القاموس المحيط (د. ط، د.ت) ص:1672، الأصفهاني،الحسين بن محمد الشهير بالراغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داوودي (دمشق: دار القلم، ط:3،2002) ص:428.
[9] انظر: الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ، ص 31-32.