لا دِيَّةَ ليدٍ لا تكتب... على باب معرض الكتاب
احميدة النيفر

المصدر: موقع الملتقى الفكري للإبداع

معارض الكتاب في البلاد العربية عديدة وهي، رغم تفاوت أهميتها، تظل مظهرا صحيّا للحياة الثقافية في كل قطر ومؤشرا عن درجة نموّ الوعي فيه.

لذلك فإن هذه التظاهرة الاحتفالية بالكتاب تحتاج منا إلى نظر لتقويم مدى نجاعتها باعتبار جملة من المعايير كاختلاف نسبة العارضين و نوعية المقبلين عليها ووجهة القراء المختلفين.

من هذا الجانب الأوّل يمكن اعتبار معرض الكتاب "استفتاء ثقافيا" دوريا تنكشف به طبيعة التوجهات الفكرية والأدبية العامة وخصوصيات الوعي القطاعي و ضروب التيارات الفكرية و الاجتماعية و السياسية والذوقية التي تسود أو تتراجع في كل مرة.

مع ذلك فإن ما يؤكده عدد من الناشرين هو، في أفضل الحالات، تراجع الاهتمام بالكتاب في البلاد العربية تراجعا يهدد صناعته بالكساد والخسران. إلى جانب ذلك فإن لغة الأرقام في خصوص قضية الكتاب أكثر دلالة من تذمّر أي ناشر أو حملة دعاية أي معرض.

ما يورده تقرير التنمية البشرية في هذا الخصوص غير مطمئن: في الوطن العربي سبعون مليون أميّ فعليّ أي أن خُمس السكان لا يقرؤون ولا يخطّون سطرا، يضاف إليهم ضعفهم على الأقل ممن تعلموا و أمّوا المدارس و الجامعات ثم سقطوا بعد ذلك في أميّة ثقافية، حصل لهم ذلك لعدة عوامل لكن المهم أنهم يعيشون دون وعي و بلا إنتاج بما يؤكد مخاوف الناشرين العرب من كساد صناعة الكتاب.

هذا فضلا عن أن هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج بلغ، حسب تقرير لجامعة الدول العربية، مليونا و90 ألفا و282 كفاءة عالية و هي نسبة مرتفعة جدا إذا قارناها بعدد الكفاءات المهاجرة من الصين والهند رغم أن عدد سكان كل دولة من الدولتين على حدة يزيد بمعدل 4 أضعاف على عدد السكان في الوطن العربي بأجمعه.

لكن أخطر ما في لغة الأرقام يتعلق بعدد الكتب العربية الجديدة الصادرة في كل سنة والمقدَّمَة في معارض الكتاب والحاملة لإضافة نوعية حقيقية في أيّ مجال من مجالات الفكر أو العلم أو الأدب.

أكثر الأرقام تفاؤلا في مجال الإبداع العربي المكتوب الذي تسجله معارض الكتاب لا تزيد عن ثلاثين عنوانا عربيا لجملة الاختصاصات مقابل أضعاف ذلك في بلدين مسلمين آخرين هما إيران وتركيا.

عند هذا الحد جاز أن نتساءل: هل هي عودة الانحطاط؟ لماذا هذا القصور المخيف في إنتاج الكتاب العربي؟ وأيّ تفسير يمكن تقديمه لهذه الأميّة الزاحفة و هذا التدهور الإبداعي المتفاقم؟

تتبادر للإجابة عن هذه الأسئلة الحارقة قضية الحرية لكونها قرينة الإبداع، ذلك أن بين مقولة الحريّة و مقولة الإبداع تلازما يجعلنا نعتبر أن بينهما علاقةً عضوية، هذا ما يحدو إلى اعتبار المقولتين وجهين لعملة واحدة فكأنّه لا معنى للحرية إن لم تؤد إلى إبداع يضحي دون قيمة إن لم يفض إلى مزيد من الحريّة.

من هذا التلازم بين الحريّة والإبداع يستخرج البعض تفسيرا للقصور العربي في إنتاج الكتاب الجديد الذي يلقى مؤلفوه عنتا من تشديد الرقيب وإحكام قبضته على إنتاج المفكر المجدد والعالم الباحث والروائي المبدع.

لكن الاقتصار على العامل السياسي المحض لمعضلة القصور الإبداعي العربي لا يبدو كافيا رغم أن الحريّة في صلتها بالإبداع تكون فعلا بمثابة المبدأ أو الشرط المؤسس بينما الإبداع يكون تجسّدا فعليّا لشرط الحريّة.

لا شك أن الحريات السياسية تواجه مصاعب حقيقية في أكثر من قطر عربي وأن حرية التعبير تضيق أحيانا كثيرة نتيجة الرقابة الذاتية أو بفعل مقص الرقيب وتعليماته. لا شك أيضا أن الرقيب العربي المتوجس من أي تعزير أو تقريع إداريين يندفع في غالب الحالات حمايةً لمصالحه وإيثارا لسلامته، أن يستبعد كل ما من شأنه أن يثير عليه أية مساءلة، لذلك فهو لا يرى حرجا في منع أي كتاب يعبّر صراحة أو تلويحا عن رفضه السائدَ المسموح به و الدعوة إلى تجاوزه.

لكن هذا الوضع، على خطورته، آيل إلى زوال بفعل تطوّر وسائل الاتصال و هو على كل حال لا يصلح أن يفسر ظاهرة بلغت من التفشي عموم الكتّاب المقيمون في الغرب الأوروبي والأمريكي.

ما لا يمكن أن يُنكَر أن الحرية السياسية خاصة ضمانةٌ تساعد على الإنتاج الحر في مجال الكتاب لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق حراك تجديدي يتجاوز هذا التكرار المملّ لذات المواضيع سواء أكانت من مداخل تراثية أم تحديثية.

هناك إذن خللٌ ما يجعلنا نعيد إنتاج أنفسنا برتابة قاتلة، خلل يعطّل حركة الأفكار وطاقتها الإبداعية لدى كتّاب العربية ومؤلفيها.

ما نراه أصوب في فهم هذه العطالة الإبداعية هو التفسير الثقافي الذي كثيرا ما يُحجَب عن الرؤية نتيجة التركيز على العامل السياسي.

ما نعنيه، هو أنّه إلى جانب الشرعية السياسية التي يمكن أن تفسر جانبا من قصورنا التجديدي فإن غياب مشروع فكري لدى النخب العربية أهم للاقتراب من الظاهرة. إنه غياب يوقع في تأتأة فكرية تجعل تلك النخب تعيد إنتاج نفسها قاطعة الطريق على أي شغف بالقراءة والمطالعة.

أكثر من ذلك، فإن هذا المأزق الثقافي ممّا يقوّي من انتشار ضروب العنف المختلفة في أكثر من مجتمع عربي. يبدأ عنفا لفظيا وبذاءة لسان ليصل إلى حالات من التسيّب الإجرامي القاتل المهدد لمدنية المجتمع.

المعضلة في بعدها الثقافي ترتبط بدلالة الثقافة ذاتها. إنّها من حيث تكوّنها من عناصر رمزية واعتقادية وأخلاقية وعملية تشكل إرثا جمعيا، لكن ما يميّز هذه العناصر هو إمكانية تشكّلها في أنساق مختلفة حسب الظروف والبيئات. على ذلك تصبح الثقافة: ذاكرة ومشروعا. هي ذاكرة أعيد تركيب عناصرها في توازن يواكب مقتضيات اللحظة التاريخية ويعيد ترتيب علاقة الذات بالآخر وبالعالَم.

في الوضع الراهن، علاقتنا بماضينا شديدة الانتقائية بما يفضي إلى تشظّي الذاكرة الجماعية فيحجز عن ظهور أي نسق قيمي وأي مشروع فكري يعيد بناء الهوية الذاتية ويفتح أمامها آفاق الإبداع.

كيف يمكن عندئذ للكاتب أن يبدع إنتاجا ويوسّع آفاقا دون أن تتأهل ثقافة المجتمع لتصبح في مستوى تفاعل حضاري وراهنية تاريخية؟

كيف يمكن أن يعود الشغف بالكتاب والمطالعة بينما الذاكرة الجمعية في شبه ارتجاج والرؤية المستقبلية في ضبابية والتباس؟

في أزمنة أخرى، لا صلة لها بالانحطاط وبالذاكرة المتشظّية العقيمة، قال سعيد بن العاص: " من لم يكتب فيمينه يسرى ولا ديّة ليد لاتكتب". قالها لأن الكتابة جمع وبناء وتنسيق لكنها في ذات الوقت توازن في الذات واتساع في الرؤية ولامحدودية في الأفق. عندها كانت الأميّة بأنواعها في تراجع كبير لأن العقول والمؤسسات كانت تعيش واقعا يؤكده المثل العربيّ :" الكتّاب ملوك وسائر الناس سوقة".