خواطر حول كتاب " مستقبل الإسلام في الغرب و الشرق"
أدعياء التجديد الديني، على أطراف أصابعهم! *

د.أحمد خيري العمري
باحث عراقي مقيم في دمشق
المصدر: شبكة إسلام أونلاين



تمثل حوارية "مستقبل الإسلام في الغرب والشرق" فرصة نادرة للقاء بين رؤيتين مختلفتين للإسلام ومستقبله، واحدة منهما رؤية مفعمة بالأمل دون أن تنفي وجود المخاطر المحدقة؛ رؤية ترى إمكانات كامنة، وإن كانت غير مستغلة للنظم الإسلامية في شتى الميادين. أما الرؤية الأخرى، فهي تقول بالحرف الواحد إن البحث عن "نظم كهذه بمثابة جري وراء السراب".

ولأننا نعيش في عالم يجب ألا نستغرب فيه من أي شيء، فإنه ليس من المستغرب هنا أن تكون الرؤية الأولى المفعمة بالأمل، هي لمسلم غربي ولد كاثوليكيا، واهتدى إلى الإسلام، عندما كان على مشارف الخمسين من العمر، إنه الدبلوماسي الألماني المعروف "مراد هوفمان".

أما الرؤية الثانية: فهي للدكتور/ عبد المجيد الشرفي الذي ولد مسلمًا وأتمَّ دراسة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، وقد كان إلى تقاعده أستاذ الحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية، وكل مؤلفاته تدور حول الفكر الإسلامي وتحديثه.

هذه المفارقة بالذات، هي أهم ما في الكتاب، على كثرة ما طرحه المتحاوران من أشياء مهمة؛ لكنها تلخص مأزق الاستلاب الحضاري الذي يعاني منه الكثير من الدارسين والمشتغلين في الفكر الإسلامي، والكثير من المسلمين بطبيعة الحال.

نحن هنا أمام نموذجين، يمثل كل منهما حالة حضارية تناقض الأخرى: هوفمان الخارج من عمق الحضارة الغربية، خابرًا تناقضاتها وأزماتها الدفينة، متطلعًا إلى الإسلام كمادة أساسية لبناء حضارة أخرى.والشرفي الخارج من كل واقعنا السلبي وتناقضاته وأزماته، متطلعًا إلى الحضارة الغربية وبريقها باعتبارها طوق الإنقاذ الوحيد الممكن.

* بطن الحوت:

جغرافيًا سيبدو أن كلا منهما ينظر باتجاه الآخر، لكن الأمر أعقد من ذلك؛ لأن القيم الحضارية لا تسكن خطوط الطول والعرض بالضبط، وإن كانت الأوعية التي تحملها تتمثل فيها أحيانًا.

سيبدو لنا "هوفمان" هنا كما لو كان حبيسًا في بطن الحوت، مثل يونس، لكن الحوت هنا هو حوت الحضارة الغربية ببريقها وقوتها، وكل ما لا يمكن إنكاره من انتصاراتها، تلك الحضارة التي التقمته وجعلته يدخل فيها، لكنها لم تدخل فيه، ولم تدخل في ثنايا قلبه أو تلافيف دماغه؛ لذلك فهو فيها، لكنه يرنو إلى الخروج نحو أرض جديدة.

وتسبيحته في بطن الحوت، هي الرؤية الجديدة التي تنطلق من حقيقة أن الظلم ليس فقط بظلم الجلاد للضحية، ولكن باستسلام الضحية للجلاد أيضًا، الاستسلام للمكوث في بطن الحوت لمجرد جبروته وسطوته وانتصاره.

الدكتور الشرفي على الجانب الآخر ليس في "بطن الحوت"، لكن الحوت في داخله بطريقة أو بأخرى، أو ربما ليس الحوت، ربما ذلك العجل الذي أشرب في قلوب بني إسرائيل، لكنه عجل الحضارة الغربية هذه المرة، الحضارة المنتصرة التي صارت تمثل المرجع والمعيار، وصار كل "صواب" أو "خطأ" يعود لشروطها وتقييمها.

* قراءة انسلاخية:

وهذه هي المشكلة تحديدًا مع صاحبنا هذا في جانبه من الحوار.. فهناك مقدمات لحواره لا يمكن أن نختلف معه فيها، مثل "ضرورة وجود قراءات جديدة للنص القرآني"، لكن المشكلة هي خط السير بعد هذه المقدمة، ذلك أن المسار سيحدد باتجاه تلك الحضارة ومعطياتها وشروطها كما لو كان أي طريق آخر، وشروط أخرى لا تقع إلا في نطاق الاستحالة.

نلاحظ أن الدكتور الشرفي، بذكاء شديد يتجنب قدر الإمكان استخدام لفظ "التجديد"، ويستخدم بدلا عنه "التحديث"، ليس ذلك بدون سبب وجيه.. ذلك أن التجديد هو "إضافة جديد على القديم"، كما يقول في لقاء صحفي معه نشر في موقع الحوار المتمدن، أما التحديث فهو يدخل في عملية الانسجام بين متطلبات الحداثة والتدين الذي هو موروث من قبل فترة ما قبل الحداثة.

هذا هو التحديث المطلوب؛ انسجام بين متطلبات الحداثة (أو شروطها) وبين التدين، وهذه العبارة هي وجه آخر للقول: إن التحديث هو "إخضاع الدين لشروط الحداثة"، فشروط الحداثة ومتطلباتها هي المرجع الأساسي الذي يجب "قراءة النص الديني من خلاله"، ويجب لَيّ عنق هذا النص أو قطعه أحيانًا، من أجل "انسجام التدين مع متطلبات الحداثة".وهذا بالضبط هو التشرب بعجل الحضارة الغربية في قلب من يقرأ النص، بل يقرأ الدين كله، وجُل همه هو وضعه في قالب مسبق لمعطيات الحضارة الغربية.

يقول الشرفي: "ماذا لو كان التناقض حادًّا، وكان النص قطعي الدلالة؟ لا بأس في ذلك، سنستخدم تاريخية النص عندها ونقول: كان زمان! وتعددت الأساليب والهدف واحد".

يتحدث الدكتور الشرفي في لقاء آخر عن "التحديث من داخل المنظومة الدينية" دون أن يخبرنا كيف.. لكن مشاركته في هذه الحوارية نموذج لما يقصده: إدخال شروط الحداثة الغربية على المنظومة الدينية بطريقة لا تبدو فيها أنها مفروضة عليها من خارجها.. يقول الشرفي بصراحة: "لا قراءة للنص بريئة تمامًا"، وهو يقصد أن كل قراءة على مر العصور كانت تحمل ضمنًا جزءًا من قارئها وتوجهاته، ومعطيات عصره وظروفه التاريخية.

هذا صحيح ولا شك فيه، لكن هذا لا يساوي قط بين كل القراءات لا يجعلها جميعًا في سلة واحدة بدعوى أن لا قراءة بريئة، فهناك قراءة تتفاعل مع معطيات عصرها لتصل إلى المقاصد القرآنية، وتلتحم بها.

وهناك قراءة أخرى تعتبر المعطيات نفسها مرجعًا تحاول أن تخضع النص له مهما كان الثمن.. وهكذا فإن قوله: "لا قراءة بريئة للنص" ينسحب أيضا على قراءته أيضًا بفارق أنه يحدد بوضوح هدفه الانسجام مع معطيات الحداثة "الغربية".

وهكذا فإن مقدمته التي تتفق معها حول ضرورة وجود "قراءات جديدة" للنص تنتهي بقراءة "انسلاخية" من النص ومن مقاصده قراءة "إلغائية" للنص، بالكاد تسمى قراءة.

ما الذي سيبقى مما نعرفه من الفقه جراء هذا التحديث الذي يتحدث عنه الشرفي؟ سيسأل الشرفي نفس السؤال وسيجيب بنفسه :"جوابنا، من دون أدنى مواربة، هو: لا شيء!".. هذا "اللاشيء" الناتج عن "تحديث" قراءة النص سيطبقه الدكتور الشرفي ليصل في قراءته الإلغائية إلى إلغاء "الشعائر والعبادات".

وهو مجال أشهد أن زملاءه كانوا يتجنبونه على الأقل، إن لم يكونوا يؤكدون دومًا أن لا مساس به، كانت قراءتهم الإلغائية قد ألغت الحجاب والمواريث والحدود ومفهوم السنة النبوية، لكنها وقفت عند العبادات وقالت، لأسباب مختلفة: لا مساس!

* تحديث العبادات:

لكن يبدو أن الشرفي يرى أن التحديث يجب ألا يقف عند حدّ معين، فهو يرى أن العبادات من "الثوابت الزائفة" و"المسلمات المغلوطة" وأن جعلها من الأركان وتسويتها بالشهادة أمر لا دليل عليه قرآنيًا (كما لو أن جعل الشهادة ركنًا قد تم تسميته قرآنيًا!) وهو يأخذ مثلا من بعض الآثار التي تتحدث عن وجود البسملة في الصلاة والأخرى التي لا تتحدث عن وجودها دليلا على المرونة التي تميزت بها صلاة النبي والصحابة، والمرونة التي يقصدها ليست الاختيار من بين هذه الهيئات التي ذكرها، بل هي مرونة تتعدى ذلك بكثيرٍ وصولا إلى كيفية الصلاة وعدد ركعاتها، ذلك أن "توحيد الطقوس هو مما اقتضته سيرورة المأسسة التي خضع لها الدين الإسلامي حين انخرط في التاريخ"، وهو أمر صار تاريخًا وانقضى بحسب متطلبات التحديث والحداثة التي ينادي بها.

فلنشاهد كيف يتعامل مع حديث النبي : "صلوا كما رأيتموني أصلي" إنه يقول: "فهذا الحديث إن صح، وعلى فرض أنه ملزم للمسلمين في غير عصره وبيئته، لا يعني بالضرورة حصر أشكال الصلاة في شكل وحيد، وليس فيه تحريم لغير الطريقة التي صلى بها ولا إقصاء للمصلين بغيرها". أي أن هناك ثلاث خطط يتعامل بها مع نص الحديث:

أولا: التشكيك في صحة الحديث بشكل ضبابي (إن صح!)، وهو لا يخبرنا عن معايير للتصحيح أو التضعيف، والحديث صحيح بكل الأحوال (رواه البخاري).

ثانيًا: يقول: "على فرض أنه ملزم في غير عصره وبيئته" أي أن "تاريخية النص" جاهزة دومًا للإجهاز على النص.

ثالثًا: "ليس فيه تحريم لغير الطريقة التي صلى بها" أي أن هذا يساوي في النهاية بين أنواع الصلوات وهيئاتها كلها.. ويسجل الشرفي "أن عدم تنصيص القرآن على عدد الصلوات وعلى كيفيات أدائها مقصود، ولم يترك بيانه عبثًا" من أجل الدخول إلى المرونة المزعومة التي تنسف الكيفيات والعدد والهيئات.

لكن ماذا لو كان هناك تنصيص قرآني على ذلك؟ هل كان ذلك سيجعله يرضخ له؟ أم أنه كان سيلقي الأمر على كاهل تاريخية النص واختلاف الإيقاع الزمني الذي "لا علاقة له بإيقاع زمن القروي والراعي والفلاح والتاجر البسيط، أو الحرفي التقليدي".

لا نفترض ذلك افتراضًا؛ بل لأن هذا هو ما فعله تحديدا مع عبادة أخرى هي الصيام، والتي توفر فيها "التنصيص القرآني" على الكيفية والوقت، ورغم ذلك نراه يقرر أن "الصوم يبقى أفضل من الإفطار ولكن الإفطار مع الفدية من الرخص التي من المفروض أن يتمتع المسلم بها من غير شعور بالذنب أو بالتفريط في القيام بواجبه"، أي أنه يتوسع في موضوع "الرخصة" لتشمل كل من لا يريد الصيام دون ضابط واضح، مع تقريره أن الصيام "أفضل من الإفطار!".

لماذا أصلا يطالب بالتمتع برخصة الإفطار؟ "لأن الصوم يعطل الآلة الإنتاجية في وقت تعاني فيه أغلب المجتمعات الإسلامية من التخلف الاقتصادي"، لماذا إذن يكون الصيام أفضل من الإفطار حسب هذا المنطق؟!

وهكذا فإن الشرفي يقرر "أن الثبات المزعوم للعبادات في الإسلام إنما هو تكريس للانحراف عن معانيها" وإذا كان هذا ساريًا على الصلاة، والصيام، فإنه يطبقه أيضًا –وبشهية لا مثيل لها– على الزكاة، والحج، من باب أولى، مما لا داعي للدخول فيه.

إذن صل أدعياء التجديد إلى إلغاء العبادات والشعائر خطوة خطوة، وصلوا إلى هناك، وتسللوا على رءوس أصابعهم رويدًا رويدًا، إلى أن وصلوا إلى تفكيك الشعائر.

لكن هل يجب أن يثير هذا استغراب أي أحد؟ ألم يكن هذا متوقعًا منهم منذ البداية، رغم تطميناتهم وتأكيداتهم أن الأمر لن يصل إلى العبادات؟ لم يكن أدعياء التجديد الديني أكثر صدقًا وانسجامًا مع أنفسهم ومع منطلقاتهم، كما كان الدكتور الشرفي في هذه الحوارية.. لقد قال بصراحة ما كان الآخرون يتجنبونه، وهذا على الأقل إنجاز!

* نقلا عن موقع دار الفكر مع بعض التصرف