أثناء قراءتي لكتاب قضية التنوير للمفكر الإسلامي الكبير محمد قطب ـ وهو كتاب لا يسع المثقف جهله ـ استوقفتني بعض العبارات التي ذكرها أثناء سرده لسلبيات وإيجابيات حركة التنوير في القرن الماضي ، ومنها قوله حفظه الله :

حركة التنوير نجحت فى أمرين مهمين الأول : هو إزالة التعلق بالخرافة ، الذى كانت الصوفية قد نشرته فى الأرض الإسلامية ، فى صورة كرامات وخوارق تنسب إلى مشايخ الطرق - الأحياء منهم والأموات - وموالد و(حضرات) تنفق فيها الجهود والأموال والأوقات ، وقعود عن السعى واتخاذ الأسباب تعلقا بقضاء الحاجات عن طريق التقرب ( للأولياء ) بالذبح والنذر والدعاء والصلوات .. قضية التنوير ص72.

وسبب توقفي عند هذه العبارة هو مخالفتها الواضحة لواقع مدعي التنور من الليبراليين المعاصرين ومن اقتفى أثرهم من مدعي العقلانية ، والذين لم يكن لهم دور ظاهر فيما ذكره محمد قطب من ايجابيات التنويريين السابقين ، بل صار لهم دور مخجل في دعم الخرافة والدفاع عنها والسكوت عن ممارساتها المسيئة للأمة ، وذلك بالتحالف الواضح مع الرافضة الخرافية والصوفية القبورية ، وإحجام ظاهر عن نقدهم ، ونقد ممارساتهم الخرافية ، في حين نجدهم يوجهون سهام نقدهم للإسلام السني السلفي ، والذي يعتبر أبعد المذاهب الإسلامية وأنقاها عن لوثة الخرافة بشتى صورها وأنواعها ، مع محاولات يائسة لتصيد أخطاء المنتسبين له وتضخيمها ، وتحميلهم أخطاء غيرهم ، كل ذلك ليجدوا مبرراً لنقدهم ، والتشهير بهم ، ووصفهم بأبشع الصفات .

ومن تأمل واقع متنوري هذا العصر سيجدهم يكثرون من نقد المؤسسات الخيرية والدعوية ، حتى صار دعم العمل الخيري جريمة وتهمة يتهم بها كل منتسب للجمعيات والمؤسسات الخيرية الإسلامية ، وفي المقابل نجد سكوت منقطع النظير من كتابنا ( الشرفاء ) عن أخماس الشيعة ونذور الصوفية والتي تصب في جيوب الآيات والملالي والأسياد ، وهي أضعاف ما يدفع للعمل المؤسسي التطوعي الخيري ، فقد ضاقوا ذرعاً بـ( 2.5%) تدفع لمصارف الزكاة ، بينما نجدهم يغضون الطرف عن نذور الصوفية وأضرحتهم الاستثمارية ، وعن أخماس الشيعة والتي تبلغ (20% ) تذهب لجيوب الآيات في دولة تعلن العداء للبلد الذي يسبحون بوطنيته صباح مساء!! .

ونجد أن متنوري هذا العصر العجيب يكثرون من نقد تعدد الزوجات وأنه ظلم للمرأة ، ويسخرون من بعض صيغ الزواج الحديثة كالمسيار والزواج بنية الطلاق وغيرها مما أسيئ استخدامه من قبل بعض الشهوانيين المتحايلين ، مع سكوتهم المخجل عن جريمة زواج المتعة ، والذي أضر بالمرأة الشيعية أيما إضرار ، فقد جعلها زوجة لساعات معدودة ، وربما دقائق قليلة !! ، وعندما حاول أحد المسلسلات التعرض لزواج المتعة بمشهد واحد ثارت ثائرة الشيعة وطلبوا إلغاء المسلسل كاملاً فما كان من القناة المنتجة إلا تلبية نداء الحلفاء بإلغاء عرض المسلسل !!

كما نجد أن مصلحي هذا الزمان يكثرون التشكيك حول قدسية النص الشرعي ـ مع أنه كلام الله و كلام رسوله ـ ومن يملك الحق في تفسيره ، ويلمزون كل من ينتسب إلى العلم الشرعي من السلفيين حينما يتكلمون عن منهج أهل السنة في التلقي والاستدلال ، ويعرضون إعراضاً تاماً عن مناقشة قضية عصمة الأئمة عند الشيعة ، وعبودية المريد لشيخه عند الصوفية ، والذي يجعله كالميت بين يدي مغسله كما تقول كتبهم .

ونجدهم ينتقدون الدعاة حينما يطالبون بحقوق أهل العلم واحترامهم وتقديرهم لعلمهم ولسنهم ، بينما نجد سكوتاً مطبقاً حول موضوع التبرك بالأسياد والأولياء ، والتمسح بهم وبفضلاتهم ، والطواف حول قبورهم ، والسجود لها ودعاءها من دون الله ، وربما تجاوزوا إلى المطالبة بهذه الممارسات من باب حرية الأديان والمذاهب والمعتقدات .!

وحينما يأتي وقت الصيف يكثر نقد المراكز الصيفية والملتقيات الدعوية مع التشكيك في نوايا القائمين عليها مع أنها تحت إشراف مباشر من الوزارات التابعة لها ، ولكن هذه الأقلام تجف وهذه الأفواه تخرس حينما يأتي وقت اللطم والتطبير ، وحينما يأتي موعد الموالد والحضرات ، فلا تجد من ينتصر للعقل ، ويساهم في إخراج هؤلاء من الظلمات إلى النور !!

بعد هذا الاستعراض السريع لموقف التنوريين من الخرافيين ، وموقف العقلانيين من القبوريين ، وموقف مدعي الحرية من عباد البشر ، يحق لنا أن نطرح هذا السؤال :

هل يستحق الليبراليون أن يرفعوا شعارات الحرية والعقل والتنور والحضارة ؟
وهل فعلهم هذا يعتبر خيانة للعقل وخيانة لشعاراتهم ومبادئهم التي يتشدقون بها في كل محفل ؟؟؟


محبكم
كاتب
http://kaaatib.maktoobblog.com/1113410/%D8

أبو بنان مجرد ناقل من مدونة " كاتب "