مدلول لفظ الكتاب ولفظ القرآن

إن الكتاب والقرآن في كلامنا لفظان مترادفان لدلالة كل منهما على ما بين دفتي المصحف ، وهو الكتاب أي المكتوب ، وهو القرآن أي المقروء ، ولإثبات قصور هـذا الإطلاق في كلامنا فإن من تفصيل الكتاب أن قد وردت للفظ الكتاب في المصحف عشرة معان بل أكثر سأذكر منها في هـذا المقام تسعا :
أولاها : بمعنى المكتوب كما في قوله :
•  ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله  البقرة 235
•  والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم  النور 33
•  وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب  عمران 78
•  اذهب بكتابي هـذا  النمل 28
ولا يقع شيء منها على الكتاب المنزل من عند الله على الرسل والنبيين .
ويعني حرف البقرة أن على المتربصة بنفسها أربعة أشهر وعشرا إن لم تكن من أولات الأحمال أن تكتب يوم ابتدأت العدة ليبلغ الكتاب أجله المعلوم وهو انقضاء العدة ، ولكأن العدة دين عليها ووجبت كتابة الدين كما في قوله  ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله  البقرة 282 .
ويعني حرف النور أن على المكاتب أن يجعل لنفسه أجلا معلوما يفتدي به من الرق وليكتب ذلك الأجل يوم ابتدئ العقد .
ويعني حرف آل عمران أن الذين يلوون ألسنتهم بما كتبوه من عند أنفسهم إنما هو من عند أنفسهم لا من عند الله كما في قوله  لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب  عمران 78 أي ليس هو من الكتاب المنزل من عند الله .
ويعني حرف النمل أن الكتاب الذي حمله الهدهد إلى ملكة سبإ هو رسالة سليمان المعلومة .
وثانيها : بمعنى الفريضة على المكلفين كما في قوله  إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا  النساء 103 أي فريضة فرضت عليهم في أوقات معلومة ، وقوله  والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم  النساء 24 يعني أن تحريم المذكورات فريضة من الله عليكم ، وكذلك دلالة قوله  كتب عليكم الصيام  البقرة 183 وقوله  كتب عليكم القصاص  البقرة 178 وشبهه أي فرض عليكم .
وثالثها : اللوح المحفوظ كما في قوله :
•  ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير  الحديد 22
•  قال فما بال القرون الأولى قال علما عند ربي في كتاب  طـه 51 ـ 52
•  فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب  الأعراف 37
ورابعها : الصحف التي سيؤتاها يوم يقوم الحساب صاحب اليمين بيمينه وصاحب الشمال بشماله وأشقى منه وراء ظهره كما في قوله :
•  فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا  الانشقاق 7ـ8
•  وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه  الحاقة 25
•  وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  الانشقاق 10
ويعني الأعمال الفردية التي لم يشترك معه غيره فيها .
وخامسها : بمعنى الظرف المكاني الذي تنتقل إليه الأرواح والصور الرقمية المستنسخة من الأعمال بعد الموت ، أما أرواح الأبرار بعد موتهم فيصعد بها إلى عليين بعد أن تفتح لهم أبواب السماء فيجدون أمامهم أعمالهم الصالحة مستنسخة تعرض عليهم كأنما هي كتاب مرقوم أي لا يفرقون بينها وبين ما عملوه في الدنيا أي هي صور مستنسخة من الأصل رقمية كما في قوله  كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون  التطفيف 18 ـ21 ، وكذلك يشهد أي يحضر المقربون في عليين أرواح الأبرار بعد موتهم حين صعودها إلى عليين فيسأل الأولون منهم اللاحقين عمن تركوا خلفهم من الأهل والأصحاب كما في الأحاديث النبوية التي بيّن بها النبي الأمي  حرف التطفيف .
وأما أرواح الفجار بعد موتهم فيهبط بها إلى أسفل في سجين في أعماق الأرض فيجدون أمامهم أعمالهم السيئة مستنسخة تعرض عليهم كأنما هي كتاب مرقوم أي هي صور رقمية مستنسخة من الأعمال في الدنيا كما في قوله  كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم  التطفيف 7 ـ9
وسادسها : كتاب كل أمة يوم القيامة كما في قوله :
•  وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هـذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون  الجاثية 28 ـ 29
•  ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون  الزمر 69
•  ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهـذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا  الكهف 49
ويعني الأعمال الجماعية التي اشترك فيها اثنان فأكثر كتسعة رهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون يوم تحالفوا وتقاسموا أن يغتالوا صالحا رسول الله .
وتعني دلالة لفظ الكتاب الخامسة والسادسة وقوعها على ما ينظر إليه ويعرف ولو كان صورا معروضة وكما وصفته آنفا أنه الظرف المكاني الذي تنتقل إليه الأرواح وصور الأعمال بعد الموت ، وإنما احترزت بهذا الوصف من دلالة لفظ الكتاب على الحروف المكتوبة المقروءة وظرفها المكاني الذي يجمعها ويشملها وهي الصحف .
وسابعها : الكتاب الذي أوتيه جميع النبيين والرسل قبل التوراة كما في قوله :
•  كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه  البقرة 213
•  وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة  عمران 82
•  لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان  الحديد 25
•  ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم  البقرة 129
•  ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا  الفرقان 35
ولا يخفى أن كثيرا من النبيين والرسل كانوا قبل التوراة التي أوتيها موسى ومنهم إبراهيم وإسماعيل ، ولا يخفى أن حرف الفرقان يعني أن كتابا قد أوتيه موسى قبل رسالته إلى فرعون فهو كالذي أوتيه كل نبي ورسول قبل النبي الأمي  ، ولا يعني حرف الفرقان التوراة التي أوتيها موسى بعد إغراق فرعون وجنوده ، ولا يخفى أن عيسى قد علمه ربه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل مما يعني المغايرة وأن لكل من الأربعة مدلول خاص به وإلا لزم القول بأن للتوراة والإنجيل مدلول واحد وهو ظاهر الفساد والسقوط .
وثامنها وقوع لفظ الكتاب على التوراة أو الإنجيل أو هما معا كما في قوله :
•  وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب  الإسراء 4
•  فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك  يونس 94
•  أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين  الأنعام 156
•  وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل  المائدة 110
•  ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل  عمران 48
وكذلك حيث اقترن لفظ الكتاب بموسى سوى حرف الفرقان وحيث ورد لفظ أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب .
ولن يصح إبدال لفظ الكتاب في الأحرف المذكورة وشبهها بلفظ القرآن لأن للقرآن دلالة أخرى لا يصح إيرادها في غيرها كما يأتي تحقيقه .
وتاسعها الكتاب المنزل على خاتم النبيين  كما في قوله :
•  نزّل عليك الكتاب بالحق  عمران 2
•  إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله  النساء 105
•  وهـذا كتاب أنزلناه مبارك  الأنعام 92 ـ 155
•  لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون  الأنبياء 15
•  إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق  الزمر 41
إن الكتاب الذي أوتيه النبيون والرسل قبل التوراة لا اختلاف بينه وبين الكتاب الذي تضمنه كل من التوراة والإنجيل والقرآن ، لأن التوراة قد حوت الكتاب وزادت عليه نبوة موسى ، وحوى الإنجيل الكتاب وزاد عليه نبوة عيسى ، وحوى القرآن الكتاب وزاد عليه نبوة خاتم النبيين  ونبوة النبيين قبله كما في قوله  وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه  المائدة 48 .
وإنما علم الرسل والنبيون قبل التوراة الكتاب غيبا فكانوا يعلّمون أممهم منه بقدر استعدادهم للتلقي ثم أنزل الله الكتاب مع موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وتعبد الناس بدراسته ودرايته .
إن الكتاب هو ما تضمن المصحف من الإيمان بالله رب العالمين ، وما تضمن عن العالمين كخلق السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما ، وتدبير أمر الخلق كله ، وما حوى من النعم في الدنيا ومن وصف مخلوقاته وكذا المؤمنون والكفار والمشركون والمنافقون ، وما حوى من التشريع أي الخطاب الفردي والجماعي ، ومن التكليف لسائر العالمين ، وما تضمن عن الحياة والموت والقدر كله والبعث والحساب والجزاء بالجنة أو النار .
وأما القرآن فهو ما حوى المصحف من القصص والذكر والقول والنبوة والأمثال ومن الحوادث التي وعد الله أن تقع بعد خاتم النبيين  قبل النفخ في الصور .
وهكذا كان من تفصيل الكتاب أن قوله :
•  إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس  النساء 105
•  إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين  الزمر 2
•  ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء  النساء 127
•  وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم  البقرة 231
قد تضمن لفظ الكتاب لاشتماله على الحكم بين الناس وعلى الأمر بالعبادة وعلى الأحكام الشرعية التي شرع الله للناس ، ولو أبدل لفظ الكتاب بلفظ القرآن في الآيات المتلوة المذكورة لانخرم المعنى كما سيأتي .
إن عاقلا أو مغفلا لن يقول إنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم سيعدمه ويعيد خلقه كما خلقه أول مرة ، وكان حريا بالناس أن يفهموا الكتاب لوضوحه وهل في الله فاطر السماوات والأرض شك ؟ ومتى احتاج الأمر بالصلاة والزكاة وسائر التكاليف إلى تدبر ، وإنما هي تكاليف من رب العالمين فمن شاء زكى نفسه بها ومن شاء دساها بالإعراض عنها .
وكان من تفصيل الكتاب أن قوله :
•  وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم إذ قال موسى لأهله امكثوا إني آنست نارا  النمل 6 ـ 7
•  نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هـذا القرآن  يوسف 3
•  وأوحي إلي هـذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ  الأنعام 19
•  ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر  القمر 17 ،22 ، 32 ، 40
•  فذكر بالقرآن من يخاف وعيد  خاتمة سورة ق
•  ولقد ضربنا للناس في هـذا القرآن من كل مثل  الروم 58 الزمر 27
•  هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ  خاتمة البروج
وشبهه قد تضمن لفظ القرآن لاشتماله على القصص والوعد في الدنيا والذكر والأمثال ولو أبدل لفظ القرآن فيه بلفظ الكتاب لانخرم المعنى .
ولقد أدرك كفار قريش هـذا التفصيل وقالوا كما في قوله  وقال الذين كفروا لن نؤمن بهـذا القرآن ولا بالذي بين يديه  سبأ 31 أي لن يؤمنوا بالقرآن ذي الموعودات في الدنيا ولا بالكتاب ذي التكاليف التي على رأسها ترك الأوثان وعبادة الله وحده ، وذي الموعودات بالآخرة .

النسخ

إن كلا من الكتاب والقرآن كلام الله وليس من قول البشر كما هي دلالة قوله  ولو نزّلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين  الشعراء 198 ـ 199 ويعني أن لو كان الرسول بالقرآن أعجميا لا يتكلم اللسان العربي لقرأ القرآن على الناس كما نزّل على قلبه أي كما أقرئ تماما كما أضحى معلوما لكل الناس سماع الكلام من الأشرطة والأسطوانات التي لا تملك له تحريفا ولا تغييرا ، وهكذا أقرئ النبي الأمي  القرآن كما في قوله  سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله  الأعلى 6 ـ 7 وليس الاستثناء من الله حشوا ولا زيادة لا تعني شيئا سبحان الله وتعالى وإنما هو وعد سيتم نفاذه أي سينسى منه النبي الأمي  ما شاء الله وهو ما لم تتضمنه العرضتان الأخيرتان .
ولم يقع في القرآن نسخ سبحان الله وتعالى أن يخلف الميعاد وإنما القرآن ذكر وقصص وموعودات نبّئ بها النبي الأمي  ستقع قبل النفخ في الصور .
ولم يقع نسخ في موعودات الكتاب التي ستقع في الآخرة ولا في أسماء الله ومشيئته وتدبيره الأمر في السماوات والأرض .
إن قوله :
•  ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها  البقرة 106
•  وإذا بدلنا آية مكان آية  النحل 101
ليعني وقوع النسخ في التشريع خاصة من الكتاب المنزل ، وقد وعد الله أن يأتي بآية خير من الآية المنسوخة أي ينزلها ، وكان في كل آية مبدلة إصر أو تحريم وفي الآية البدل تخفيف وتيسير أو تحليل ، ألم تر أن قوله  وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون  الأنعام 146 يعني أن نبيا بعد موسى نزل عليه ذلك التحريم ، وأن قوله  ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم  عمران 50 يعني أن عيسى قد نزل عليه تحليل بعض ما حرم على بني إسرائيل كالذي تضمنه حرف الأنعام ، فالأول المنسوخ فيه إصر وتحريم والثاني البدل فيه تخفيف وتحليل ، وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي  مثل ذلك كما في نسخ شرب الخمر بقوله  يـأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون  المائدة 90 ـ 91 وذلك بعد الكراهة كما في قوله  ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون  النحل 67 ويعني أن من يعقل سيدرك أن الموصوف بالسكر ليس رزقا حسنا وإنما هو رزق قبيح وكذلك بعد قوله  يـا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون  النساء 43 ويعني أن السكر يذهب العلم والوعي والإدراك .
وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي  مثل ذلك كما في تكليف الواحد من المؤمنين وهو في ساحة المعركة أن يصبر ولا يولي الدبر ولو قاتله العشرة من الكفار بقوله  يـأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون  الأنفال 65 ولا يخفى ما فيه من المشقة على البعض وقد نسخ بقوله  الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين  الأنفال 66 .
وكذلك تضمن التشريع المنزل على النبي الأمي  مثل ذلك كما في نسخ التكليف بفرض الإقامة الجبرية على الزانية مدى الحياة في منزلها كما في قوله  واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا  النساء 15 وقد نسخ بقوله  الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة  النور 2 ولا يخفى أن في الأول المنسوخ إصر ومشقة وفي الثاني البدل تخفيف وتيسير هو على الأمة خير من التكليف الأول الثقيل .

بيان قوله  كتابا متشابها مثاني 

وإن من تفصيل الكتاب أن قوله  الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني  الزمر 23 ليعني أن كل دلالة أو معنى في الكتاب قد أنزل مرة ومرة حتى تشابه وتكرر كما في قوله  وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة  الزمر 45 ومن المثاني معه قوله  إلـهكم إلـه واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة  النحل 22 ويعني أن قلوب المشركين تشمئز من الإيمان بالله وحده أي تنكره .
وكما في قوله  قال لن تراني  الأعراف 143 ومن المثاني معه قوله  لا تدركه الأبصار  الأنعام 103 ويعني أن موسى لم ير ربه وكذلك لم يره أحد ولن يراه في الدنيا إذ لا تدركه الأبصار أما في الآخرة فيراه المكرمون من الناس كما في قوله  وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  القيامة 22 ـ 23 ومن المثاني معه قوله  كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  المطففين 15 ويعني المعتدي الأثيم أما غيرهم فغير محجوبين عن ربهم بل يرونه .
وكما في قوله  ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم  المجادلة 7 ومن المثاني معه قوله  ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا  النساء 107 ـ 108 وقوله  ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب  التوبة 78 ويعني أن الله على كل شيء ومنه النجوى شهيد لم يغب عنه شيء في الأرض ولا في السماء وأنه علام الغيوب .
وكما في قوله  فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب  الأعراف 37 ومن المثاني معه قوله  فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص  هود 109 وقوله  فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون  الأعراف 135 ويعني أن المكذبين لن يعجل لهم العذاب قبل أن يستوفوا نصيبهم من المتاع والرزق والحياة كما كتب لهم في اللوح المحفوظ فلا ينقصون منه شيئا .
وكما في قوله  واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه  الأنفال 24 ومن المثاني معه قوله  ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  سورة ق 16 ويعني أن القلب هو محل الإرادة ويرسلها عبر حبل الوريد ، والله أقرب إلى الإنسان منهما أي يحول بينه وبين التوبة إذا جاء الموت فهلا بادروا بها قبل الأجل .
وكما في قوله  لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش  الأعراف 41 ومن المثاني معه قوله  لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل  الزمر 16 وقوله  يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم  العنكبوت 55 .
وكما في قوله  وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  الشورى 30 ومن المثاني معه قوله  أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هـذا قل هو من عند أنفسكم  ويعني أن المؤمنين قد أصابوا من المعاصي مثلي ما أصابهم من القتل والقرح في غزوة أحد .
وكما في قوله  الرجال قوامون على النساء  النساء 34 ومن المثاني معه قوله  وألفيا سيدها لدى الباب  يوسف 25 ويعني أن الزوج هو القائم على شؤون امرأته المسؤول عنها أي هو سيدها .
وكما في قوله  قال فرعون وما رب العالمين  الشعراء 23 ومن المثاني معه قوله  وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان  الفرقان 60 ويعني أن العبد إذا نسي ربه سيقع منه حتما نسيان نفسه وهكذا يطغى ويتجاوز حده وينكر خالقه .
وكما في قوله  يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا  خاتمة النبإ ومن المثاني معه قوله  يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا  النساء 42 ويعني أن الكافر في يوم القيامة حين تعرض عليه أعماله يتمنى أن يكون ترابا أي تسوى به الأرض ولا يحاسب عليها .
وكما في قوله  هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية  ومن المثاني معه قوله  وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما  طـه 111 ويعني أن وجوها ستنصب وهو عنتها لله الحي القيوم يوم يقوم الناس لرب العالمين في يوم القيامة فتعاني وجوه من التعب والمشقة والخشوع ما لا ينفعها بل ستخيب بما حملت من الظلم وستصلى بعده نارا حامية .
وكما في قوله  هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا  ومن المثاني معه قوله  أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا  مريم 67 وقوله  وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا  مريم 9 .
وكما في قوله  ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم  الأعراف 11 ومن المثاني معه قوله  كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحييناكم ثم يميتكم ثم يحييكم  البقرة 28 ويعني أن جميع بني آدم قد خلقوا وصوروا قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم وماتوا جميعا فكان كل منهم ميتا إلى أن يحيى في بطن أمه .
وكما في قوله  يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون  الأنفال 65 ومن المثاني معه قوله  لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون  الحشر 13 ويعني أن جمع وكثرة الكفار والمنافقين والمشركين أضعفها رهبتهم من الذين آمنوا فكان الرجل من المؤمنين بمثليه أو أكثر في القتال في سبيل الله ، ويعني وصفهم بأنهم قوم لا يفقهون في الحرفين أنهم لا يفقهون أن الله أحق أن يرهب منه وأن يخاف من عذابه وعقابه .
وكما في قوله  كذلك كدنا ليوسف  يوسف 76 ومن المثاني معه قوله  لا يستطيعون حيلة  النساء 98 ويعني صحة الحديث النبوي أن الله يلوم على العجز ومنه ترك الحيلة الموصلة إلى الغاية الشرعية .
وكما في قوله  أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير  خاتمة العاديات ومن المثاني معه قوله  وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور  غافر 18 ـ 19 وقوله  ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب  التوبة 75 ـ 78 ويعني أن الظالمين في يوم القيامة سيعلمون رأي العين أن الله كان يعلم ما تخفي صدورهم في الدنيا إذ حصّل ما فيها من الكبر والغل والحسد وسوء القصد وحوسبوا عليه ، ويعني حرف التوبة أن المنافقين كانوا قد أسرّوا في قلوبهم أن لا يصدقوا وأن لا يكونوا من الصالحين خلاف ما قالوه بألسنتهم وهو النفاق في قلوبهم الذي سيبعثون عليه ويحصّل من قلوبهم فيحاسبون عليه .
وكما في قوله  لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه  القيامة 16 ـ 17 ومن المثاني معه قوله  ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  طـه 114 .
وكما في قوله  وقل رب زدني علما  طـه 114 ومن المثاني معه قوله  واذكر ربك إذا نسيت  الكهف 24 يعني ادع ربك أن يزيدك علما كما هو مفصل في حرف طـه .
وكما في قوله  قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذن لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا  الإسراء 100 ومن المثاني معه قوله  أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا  النساء 53 ويعني أن الإنسان القتور لو كان يملك خزائن رحمة رحمة ربنا لأمسكها عن الناس ولم يؤتهم منها نقيرا وإذن لما أوتي النبيون والرسل منها ما آتاهم ربهم من خزائن رحمته .
وكما في قوله  رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد  هود 73 ومن المثاني معه قوله  فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه  النساء 54 ـ 55 ويعني أن ما آتى الله آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم لم يختص به آل إسرائيل وحدهم بل شاركهم فيه آل إسماعيل فرحمة الله وبركاته على أهل البيت كلهم والكتاب والحكمة والملك العظيم أوتيه آل إبرهيم كلهم فلماذا حسد اليهود الذين عاصروا نزول القرآن بني إسماعيل أن بعث منهم النبي الأمي  وسيأتي من بيانه في "من بيان القرآن ".

بيان قوله  قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين 

وإن من تفصيل الكتاب وبيان القرآن أن لفظ النور حيث وقع في الكتاب المنزل قد تقع على أكثر من دلالة ومنها :
1. نور خارق معجز تشرق به الأرض يوم القيامة كما في قوله  وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب  الزمر 69
2. نور في يوم القيامة يهتدي به المكرمون إلى حيث يأمنون كما في قوله :
•  يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا  التحريم 8
•  والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم  الحديد 19
•  يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم  الحديد 12
•  يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم  الحديد 13
3 . نور كالموصوف في سورة النور قد تضمنه القرآن كما في قوله  أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس  الأنعام 122 وبينته في "من بيان القرآن" .
4 . نور يقع على تبيّن ما في الكتاب المنزل والاهتداء به أي في مقابلة الظلمات وهي كل سلوك ومنهج اختاره الإنسان لنفسه مخالفا لهدي الكتاب المنزل كما في قوله :
•  ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور  إبراهيم 5
•  الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات  البقرة 257
•  فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور  الطلاق 10 ـ 11
5 . وأما قوله :
•  قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس  الأنعام 91
•  إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور  المائدة 44
•  وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور  المائدة 46
فيعني أن كلا من التوراة والإنجيل قد تضمن موعودات نبّأ الله بها موسى وعيسى لن تقع إلا متأخرة كثيرا ، وكذلك النور يقع على البعيد فيتراءى للمستبصر رغم ظلمات الغيب .
ومما نبّأ الله به موسى قوله  وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين  المائدة 20 ، ووقعت نبوة موسى هـذه بعده فجعل الله فيهم أنبياء بعده وجعل فيهم ملوكا كطالوت وداوود وسليمان وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ومنه أن علم داوود وسليمان منطق الطير وآتاهما من كل شيء .
ومما نبأ الله به عيسى قوله  ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  الصف 6
6 . وإن المثاني في قوله :
•  وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا  الشورى 52
•  يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  المائدة 15
•  فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا  التغابن 8
•  يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا  النساء 174
•  فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون  الأعراف 157
لتعني أن القرآن نور أنزل من عند الله وكلف الناس بالاهتداء به ، إذ يقع على موعودات بعيدة يوم نزل القرآن على النبي الأمي  وكذلك النور يقع على البعيد فيتراءى لك قبل أن تصل إليه ، وسيعلم الناس رأي العين في الدنيا يوم تقع موعودات القرآن فتصبح شهادة بعد أن كانت غيبا يوم نزل القرآن أن القرآن قول ثقيل ألقي على خاتم النبيين  وأنه قرآن عجب يهدي إلى الرشد وإلى التي هي أقوم إذ سيهتدي به يوم تقع موعوداته أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى ، وسيزداد به الذين في قلوبهم مرض رجسا إلى رجسهم وضلالا إلى ضلالهم .