العلم أساس السلوك

قال تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (الإسراء: 36).

العلم الصحيح، والخلق المتين، هما الأصلان اللذان ينبني عليهما كمال الإنسان، وبهما يضطلع بأعباء ما تضمنته الآيات المتقدمة، من أصول التكليف؛ فهما أعظم مما تقدمهما من حيث توقفه عليهما. فجيء بهما ليكون الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى. ولما كان العلم أساس الأخلاق قدمت آيته على آيتها تقديم الأصل على الفرع.

آية العلم

(القفو): اتباع الأثر، تقول قفوته أقفوه، إذا اتبعت أثره. المتبع لأثر شخص موال في سيره لناحية قفاه؛ فهو يتبعه دون علم بوجهة ذهابه، ولا نهاية سيره. فالقفو: اتباع عن غير علم، فهو أخص من مطلق الاتباع، ولذلك اختيرت مادته هنا. ولكونه اتباعا بغير علم، جاء في كلام العرب بمعنى قول الباطل قال جرير:

وطَالَ حذاري خِيفة البين وأُحْدُوثة من كاشحٍ متقوفِ

(والعلم) إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة، سواء أكانت تلك البينة حساً ومشاهدة، أو كانت برهاناً عقلياً: كدلالة الأثر على المؤثر، والصنعة على الصانع. فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتبة الجزم فهو ظن. هذا هو الأصل. ويطلق العلم أيضا على ما يكاد يقارب الجزم ويضعف فيه احتمال النقيض جداً. كما قال تعالى عن إخوة يوسف : وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (يوسف: 83) فسمى القرآن إدراكهم لما شاهدوا علماً؛ لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال، وإن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه.

(والسمع): القوة التي تدرك بها الأصوات بآلة الأذن. (والبصر): القوة التي تدرك بها الأشخاص والألوان بآلة العين. وقدم السمع على البصر، لأن به إدراك العلوم وتعلم النطق، فلا يقرأ ولا يكتب إلا من كان ذا سمع وقتاً من حياته.

والفؤاد: القلب، والمراد به هنا العقل من حيث اعتقاده لشيء ما. وإطلاق لفظ الفؤاد والقلب على العقل مجاز مشهور. وكان تفيد ثبوت خبرها لاسمها، وكونها على صورة الماشي لا يدل على انقضاء ذلك الارتباط. ومثل هذا التركيب يفيد في استعمال استحقاق الاسم للخير؛ فالجوارح مستحقة للسؤال، ويكون ذلك بالفعل يوم القيامة. (والمسؤول): الموجّه إليه السؤال ليجيب.

(وأولئك): إشارة إلى هذه الثلاثة. وضمير كان عائد على كل، وضمير (عنه) عائد على ما، وضمير مسؤولا عائد على ما عاد عليه ضمير كان. والتقدير: كل واحد من هذه الثلاثة: السمع، والبصر، والفؤاد، كان مسؤولاً عما ليس لك به علم.

العقل ميزة الإنسان وأداة علمه:

يمتاز الحيوان عن الجماد بالإدراك، ويمتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل، وعقله هو القوة الروحية التي يكون بها التفكير. وتفكيره هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجاباً وسلباً، وارتباط بعضها ببعض نفياً وثوتاً. وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول.

فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف ما دام مفكراً. ولما امتاز الإنسان عن سائر الحيوان بالعقل والتفكير – امتاز عنه بالتنقل والتحول في أطوار حياته، ونظم معيشته بمكتشفاته ومستنبطاته: فمن المشي على الأقدام، إلى التحليق في الجو، مثلا. وبقي سائر الحيوان على الحال التي خُلق عليها دون أي انتقال. وبقدر ما تكثر معلومات الإنسان، ويصح إدراكه لحقائقها ولنسبها، ويستقيم تنظيمه لها – تكثر اكتشافاته واستنباطاته في عالمي المحسوس والمعقول، وقسمي العلوم والآداب.

وهذا كما كان العرب والمسلمون أيام، بل قرون مدنيتهم: عربوا كتب الأمم إلى ما عندهم، ونظروا وصححوا واستدركوا واكتشفوا؛ فأحيوا عصورهم علم من كانوا قبلهم، وأناروا بالعلم عصرهم. ومهدوا الطريق ووضعوا الأسس لما جاء بعدهم؛ فأدوا لنوع الإنسان بالعلم والمدنية أعظم خدمة تؤديها له أمة في حالها وماضيها ومستقبلها.

وكما نرى الغرب في مدنيته اليوم:

ترجم كتب المسلمين فعرف علوم الأمم الخالية التي حفظتها العربية وأدتها بأمانة. وعرف علوم المسلمين ومكتشفاتهم، فجاء هو أيضا بمكتشفاته العجيبة التي هي ثمرة علوم الإنسانية من أيامها الأولى إلى عهده وثمرة تفكيره ونظره فيها.

وقد كانت مكتشفاته أكثر من مكتشفات جميع من تقدمه – كما كانت مكتشفات صدر هذا القرن أكثر من مكتشفات عجز القرن الماضي – لتكاثر المعلومات؛ فإن المكتشفات تضم إلى المعلومات، فتكثر المعلومات، فيكثر ما يعقبها من المكتشفات على نسبة كثرتها. وهكذا يكون كل قرن – ما دام التفكير عمّالاً – أكثر معلومات ومكتشفات من الذي قبله. فإذا قلت معلوماته قلّت اكتشافاته. وهذا كما كان النوع الإنساني في أطواره الأولى. وإذا كثرت معلوماته وأهمل النظر فيها.. بقي حيث هو جامداً، ثم لا يلبث أن تتلاشى من ذهنه تلك المعلومات المهملة حتى تقل أو تضمحل؛ لأن المعلومات إذا لم تتعاهد بالنظر زالت من المحافظة شيئاً فشيئا. وهذا هو طور الجمود الذي يصيب الأمم المتعلمة في ايامها الأخيرة، عندما تتوافر الأسباب العمرانية القاضية – بسنة الله – بسقوطها.

وإذا لم يصح إدراكه للحقائق، أو لنسبها، أو لم يستقم تنظيمه لها – كان ما يتوصل إليه بنظره خطأ في خطأ وفساداً في فساد. ولا ينشأ عن هذين إلا الضرر في المحسوس، والضلال في المعقول. وفي هذين هلاك الفرد والنوع جزئياً وكلياً من قريب أو من بعيد. وهذا هو طور انحطاط التام، وذلك عندما يرتفع منها العلم، ويفشو الجهل، وتنتشر فيها الفوضى بأنواعها، فتتخذ رؤوساً جهالاً لأمور دينها وأمور دنياها، فيقودونها بغير علم، فيضلون ويُضلون، ويهلكون ويُهلكون، ويفسدون ولا يصلحون. وما أكثر هذا – على أخذه في الزوال بإذن – في أمم الشرق والإسلام اليوم.