بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام، على قائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وآله، وصحبه، ومن تبعه إلى يوم الدين، أما بعد:

فعن ابن عباس أن رسول الله كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا )الآية التي في البقرة [136]، وفي الآخرة منهما (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) [آل عمران 52] . (1)

هذا الحديث لم يروه عن ابن عباس ـ حسب اطلاعي ـ إلا سعيد بن يسار ولا عن سعيد إلا عثمان بن حكيم الأنصاري ثم رواه عن عثمان جماعة وهم :

1- مروان بن معاوية الفزاري وهذا نص حديثه :
أن رسول الله كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) الآية التي في البقرة [136]، وفي الآخرة منهما (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) [آل عمران 52] .

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (727) والنسائي في الصغرى 2/155 والكبرى (1016) و(11158) (2) والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/298 وأبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم 2/322 والبيهقي في السنن الكبرى 3/42 : كلهم من عدة طرق عن مروان عن عثمان به.

2- عيسى بن يونس :
أخرجه مسلم في صحيحه (727) قال حدثني علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس عن عثمان بن حكيم في هذا الإسناد بمثل حديث مروان الفزاري.

3- زهير بن معاوية :
أخرجه أبو داود (1259) قال حدثنا أحمد بن يونس . ومن طريق أبي داود ابن عبد البر في التمهيد 24/43 .
وعبد بن حميد (706) قال حدثنا أبو نعيم .
وأبو عوانة في مسنده (2162) من طريق أحمد وأبي نعيم عن زهير عن عثمان بمثله .

4- عبد الله بن نـمـيـر :
أخرجه أحمد 1/230 ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم 2/322 عن عثمان بمثله .

5- يعلى بن عبيد :
أخرجه أحمد 1/231 ومن طريقه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم 2/322 عن عثمان بمثله .

6- أبو خالد الأحمر (سليمان بن حيان):
أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف 2/50 ومن طريقه مسلم (727) ، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم 2/322 والبيهقي في الكبرى 3/42 .
وابن خزيمة في صحيحه (1115) قال حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني .
والحاكم في المستدرك 1/307 من طريق عثمان بن أبي شيبة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ! (وهو في مسلم).

ثلاثتهم (أبو بكر وهارون وعثمان)عن أبي خالد الأحمر عن عثمان به.

وهذا نص رواية أبي خالد الأحمر :
كان رسول الله يقرأ في ركعتي الفجر (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) [البقرة 136] ، والتي في آل عمران (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) [ آل عمران 64] هذا لفظ مسلم .
ولفظ ابن خزيمة: ... وفي الأخرى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) إلى قوله (اشهدوا بأنا مسلمون) [ آل عمران 64].
ولفظ الحاكم: وفي الركعة الثانية (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) إلى قوله (واشهد بأنا مسلمون ).

فبجمع الطرق والنظر في تراجمهم تبين ما يلي :

1_ أن الرواة عن عثمان بن حكيم كلهم ثقات ، وبعضهم أوثق من بعض .

2- أن الرواة عن عثمان بن حكيم اتفقوا على ما يقرا في الركعة الأولى.

3- أن الرواة عن عثمان بن حكيم غير أبي خالد الأحمر اتفقوا في روايتهم أنه يقرأ في الركعة الثانية :
قوله تعالى: (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، واقتصروا على ذكر هذا الجزء من آخر الآية .
ونص الآية كاملة فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) سورة آل عمران.

4- أن أبا خالد الأحمر خالفهم فقال : في روايته أنه يقرأ قوله تعالى :
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) سورة آل عمران.

فبهذا يظهر أن رواية أبي خالد شاذة مخالفة لما رواه الثقات عن عثمان بن حكيم ، وكأنه ـ والله أعلم ـ اشتبه عليه ختام الآية 52 من آل عمران وهي قوله تعالى : (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ، وهي التي ذكرها كل أصحاب عثمان بن حكيم بختام الآية 64 من آل عمران وهي قوله تعالى : (فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) !

ومما يُغلِّب الظن في هذا المأخذ رواية عثمان بن أبي شيبة عنه عند الحاكم 1/307 أنه يقرأ في الثانية :

(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) إلى قوله (واشهد بأنا مسلمون ) فقد ذكر بداية الآية رقم 64 (قل يا أهل الكتاب..) وختامها ختام الآية رقم 52 آل عمران التي ذكرها بقية الرواة عن عثمان (واشهد بأنا مسلمون ).

هذا ما تبين لي فإن كان صوابا فمن الله فله الحمد ، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان ، وقد كنت كتبت هذا الكلام في عام 1418هـ ، وجمعت كذلك تخريجا مطولا عن جميع روايات القراءة في سنة الفجر ، وحفظت ذلك في (فلوبي ) لكنه لم يعمل ولم أنشط لكتابته من جديد إلا الآن فكتبته ، وغيرت في صياغته قليلا.

ومما ينبه له أن كثيرا من العلماء في كتب الأحكام ، والفقه ، والفضائل ... اقتصروا على ذكر الرواية الشاذة ، ولم يعرجوا على الرواية الصحيحة وقد وقفت على سبعة وأربعين كتابا اقتصروا على رواية أبي خالد الشاذة ، وتركوا رواية الجماعة الصحيحة فلذا عظم الخطب ووجب التنبيه .

ثم لا تظن أخي الكريم أن هذا الكلام انتقاص من صحيح مسلم أو طعن فيه .... معاذ الله بل هو أعظم كتاب بعد كتاب الله ، وصحيح البخاري لكن أرجو أن يكون فعلي داخل في النصيحة لسنة النبي ، وقد روي عن الشافعي أنه قال: أبى الله أن تكون العصمة إلا لكتابه.

والله تعالى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم .


-------------------------------
(1) قال ابن معين : إسناده جيد . يحيى بن معين وكتابه التاريخ 3/521 رقم (2549)، وقال محقق الكتاب: لم أقف عليه ! وخرج حديث القراءة بـ(قل يا أيها الكافرون ..) قبله خطأ !! .فليصحح هناك.
(2) لفظ النسائي هنا في التفسير( 11158): وفي الأخرى (آمنا واشهد بأننا مسلمون) آية المائدة رقم 111 ، وهذا مخالف للموضع الأول (1016) ولفظه :وفي الأخرى (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) آية آل عمران رقم52 ، مع العلم أنه أخرجه بنفس الإسناد في الموضعين !