ملاحظة: هوامش البحث مفقودة.
===

النص القرآني ومشكل التأويل
المصطفى تاج الدين

المصدر: إسلامية المعرفة، العدد 14، 1998- 1999، ص ص7-29


* مقدمة:

يستطيع المتتبع لجدل الأفكار وصراع المذاهب واختلاف النظريات أن يرجع ذلك إلى قضية المعنى ومشكل التأويل. فالأديان والفلسفات وإن أجمعت على تسميات واصطلاحات ومواضعات فإنها اختلفت في المعاني التي حملتها هذه الاصطلاحات اختلافاً وصل إلى حد التعارض والانشطار. فالائتلاف حاصل في الأوضاع الأصلية للمفاهيم، بينما الاختلاف ظاهر في تأويلات المفاهيم واستعمالاتها. لهذا احتل مفهوم التأويل حيزاً معتبراً في المجال التداولي العربي الإسلامي وارتبطت به المعارك الكلامية المعروفة، وجر المسلمين إلى كثير من الجدال والصراع حتى إن ابن القيم ردّ إليه ما أصاب المسلمين من فرقة وخلاف.1

ولعل معترضاً يقول: ما فائدة الاشتغال بقضية التأويل وقد أصبحت طللاً دارساً لا يكاد يجيب؟ وقتلت بحثاً حتى أن المتقدم لم يترك للمتأخر مجالاً للزيادة والاستطراد؟ ثم أن القرآن الكريم قد فُسّر وأوِّل وانتهى البحث في معانيه؟ وتوضحت طرق استخلاصها. وتقوم هذه الدعوى على أساس فكري، ومستند نظري له أبعاده النفسية والحضارية ولذلك سأتخذ من اعتراضها السالف مدخلاً لهذا الموضوع الخطير مستهدفاً التوسط بين إجابتين تطرفتا تعصباً وتسيباً وانغلاقاً وسيولة.

فهناك من يعتقد أن كتاب الله قد فسره العلماء الراسخون في العلم تفسيرات أضاءت -على سبيل الاستغراق- معانيه، وما علينا إذا أردنا أن نعود منه بقبس من الفهم وشهاب من الإدراك سوى أن نعكف على هذه المصنفات الجليلة ففيها ما يشبع النهم ويروي صدى الصادي. ولا مجال بعدها لمستزيد، ولا لمجتهد برأيه في كتاب الله.

وهناك في الطرف المقابل اتجاه يرى أ ن النص القرآني نص لغوي مفتوح على جميع التأويلات، ولهذا فمعنى النص يتعدد بتعدد قراءاته ويتنوع بتنوعها، ويلتقي الاتجاهان –من حيث اعتقاد التناقض- في غاية واحدة هي قتل المعنى واغتياله.

وسنحاول بإذن الله التطرق إلى المحاور الآتية:

1- معنى مصطلح التأويل: حاولنا سبر غور هذا المصطلح، وإعادة النظر في تعريفاته، فتبين كيف أن الخلاف في مضمونه في التراث كان خلافاً لفظياً وليس كما يظن الكثيرون انشطاراً في الرؤى بين مؤيد للتأويل ومعارض له.

2- المعنى التاريخي وانحسار التأويل: تطرقنا فيه للموقف المتعصب من التأويل.

3- المعنى الذاتي وانحراف التأويل: عرضنا فيه للموقف المتسيب من التأويل.

4- الأصول الدينية لنظرية التأويل الحديثة: وأبرزنا فيه مظاهر الترابط والتداخل في الآراء النقدية الغربية حول ظاهرة النصّية بين التصورات الأدبية وخلفياتها الدينية.

5- ضوابط التأويل: وتتضمن اقتراح مجموعة من الضوابط العاصمة من قواصم الإتجاهين السابقين.


* مفهوم التأويل:

لقد مرّ مصطلح التأويل بمرحلتين:2

1- المرحلة الأولى: تميزت بكون المصطلح حمل فيها دلالته اللغوية الأصيلة.

2- المرحلة الثانية: حمل فيها المصطلح على دلالته الاصطلاحية الحادثة، ويشير ابن تيمية إلى هاتين المرحلتين بقوله: "إن التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف... وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان: أحدهما تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقارباً أو مترادفاً، وهذا -والله أعلم- هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد ابن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل كذا وكذا، واختلف أهل التأويل فلي هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير. والمعنى الثاني في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقاً هو نفس المراد بالكلام."3

ونمثل للمرحلة الأولى بما ورد في المعاجم اللغوية القديمة، حيث ركزت على التفسير اللغوي للمصطلح. ولم تشر إلى معانيه الاصطلاحية الحادثة، قال الأزهري (توفي 280ﻫ) في التهذيب في مادة (آل) فيما حكاه عن ابن الأعرابي: "الأول الرجوع وقد آل يؤول أولاً"4. وعن الأصمعي: "آل القطران يؤول أولاً إذا خثر"5. وفي هذا المعنى المآل والعاقبة وينسجم معه معنى آخر وهو السياسة"، قال [أي الأصمعي]: وآل مآله يؤوله إيالة إذا أصلحه وساسه، قال لبيد:

يصوح صافية وضرب كرينة بمؤثـر تأتالـه إلهامـها

إنما هو "نفتعله" من ألته أي أصلحته."6

فالسياسة إنما تكون بقصد إصلاح الأمر والبلوغ به إلى المآل الأسلم، وهو بهذا ينسجم مع معنى العاقبة كما أسلفنا.

وقال الأزهري: "قلت ومنه قولهم ألنا وإيل علينا أي سسنا وساسونا، ويقال لأبوال الإبل التي جزأت بالرطب في آخر جزئها: قد آلت تؤول أولاً، أي خثرت فهي آيلة وقال ذو الرمة:

ومن آيل كالورس تصح سكوبه متون الحص من مضمحل ويابس

ويقال طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع أي رجع."7

والملاحظ في المعاني التي ساقها الأزهري أنها تدور حول معنيين: معنى الرجوع ومعنى العاقبة. ولم يبتعد ابن فارس (توفي395ﻫ( عن هذين المعنيين إذ قال: "أول، الهمزة والواو واللام أصلان، ابتداء الأمر وانتهاؤه... وآل يؤول أي رجع. قال يعقوب: أول الحكم إلى أهله أي أرجعه وردّه إليهم، قال الأعشى: أوول الحكم إلى أهله.

قال الخليل: آل اللبن يؤول أولاً وأوولاً: خثر... قال أبو حاتم: ... والغيالة السياسة من هذا الباب لأن مرجع الرعية إلى راعيها... ومن هذا الباب: تأويل الكلام وهو عاقبته وما يؤول إليه."8

ويجعلنا هذان المعنييان اللذان يدور عليهما مصطلح التأويل عند المتقدمين نسأل عن مستند الإمام الطبري (310ﻫ) في جعل "التفسير" من مرادفات التأويل حين قال: "وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسير والمرجع والمصير."9

ونستطيع أن نجيب عن هذا التساؤل بأحد هذه الاحتمالات:

• إما أن المعاجم اللغوية أغفلت هذا المعنى، وهو احتمال غير وارد إذ تستحيل المواطأة على إغفال معنى يتمتع بوظيفة إجرائية مهمة في مجال التداول العربي وهي وظيفة يستمدها من علاقته بالقرآن الكريم.

• أو أن معنى التفسير نفسه كان معنى اصطلاحياً حادثاً، وإذ سلمنا بهذا –وهو لا يبعد- سقط الاعتراض على تحميل مصطلح التأويل معاني ودلالات أخرى مع تطور الزمن، فيكون المعنى المتأخر للتأويل –وهو الحمل على غير مقتضى الظاهر- معنى معتبراً في مجال التداول.

• أو أن الطبري رأى في الإرجاع والعاقبة معنى التفسير، أي إرجاع الألفاظ والعبارات إلى معانيها المقصودة، أو الوصول باللفظ إلى معناه المراد.

أما المرحلة الثانية فنمثل لها بلسان العرب لابن منظور حيث نجده يسوق المعاني الأولى للتأويل، لكنه يزيد عليها المعنـى الجديد الذي استقر عند علماء الكلام والأصول وغيرهم كما أشار إلى ذلك ابن تيمية، قال صاحب اللسان: "الأول الرجوع... وأول الكلام وتأوله: دبره وقدره، وتأوله وفسره... والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ."10

فهذا المعنى الأخير، الذي لم نجده في المعاجم المتقدمة له صله بالتطور الحاصل في علم التفسير، إذ مع استقواء ظاهرة النـزاع الكلامي احتيج إلى حمل ما لا ينسجم من القرآن مع المذهب الاعتقادي على غير مقتضى الظاهر ليتسق المعنـى القرآني مع اعتقاد المفسر. ولقد ساد هذا المعنى الاصطلاحي الجديد حتى رفع من قدر التأويل فجعل متعلقاً بالدراية واقتصر التفسير على الرواية،11 كما أن التأويل أصبح مدار اشتغاله على المعاني، ووقف التفسير عند حدود المفردات والألفاظ.12

وفي هذه المرحلة أصبح التأويل على صلة كبيرة بالمجاز، ويظهر هذا عند الإمام الغزالي، فالتأويل عنده "عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفاً للفظ عن الحقيقة إلى المجاز."13

وهذا ما نجده عند الآمدي في الأحكام14 والباجي في إحكام الفصول15 وغيرهما. ذلك أن التأويل والمجاز يلتقيان في معنى واحد هو العدول عن اعتبار ظواهر الألفاظ والعبارات، فالتأويل: "صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه يحتمله"،16 والمجاز "كل لفظ تجوز به عن موضوعه."17

وبالجملة فإن مفهوم التأويل يدور حول معان ثلاث:

- التوضيح: ويكون التأويل فيه مرادفاً للتفسير حيث تشير الأوضاع اللغوية اشتقاقاً وتركيباً إلى المعنى من غير التوسل بالآليات الاستدلالية الذهنية أو اللغوية. ولقد ذهب ابن تيمية إلى أن هذا هو المقصود من مصطلح التأويل عند مجاهد والطبري18 وهذا غير مسلم به إلا على جهة التغلب، فنحن نعرف أن مجاهداً  من الذين توسعوا في استعمال العقل في التفسير حتى عدَّ نواة التفسير العقلي، بل حكى الطبري عنه نفيه لرؤية الله مما يفيد حمله للغة القرآن على مقتضى الظاهر أحياناً، أما الطبري فلم يكن التأويل عنده يعني التفسير مطلقاً بل استعمله أيضاً في معنى الترجيح.19

- التصيير: والمقصود منه التحقق العيني للدلالة اللغوية في القرآن ومآلها إلى فعل واقعي ويشير لهذا قوله تعالى:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (الأعراف:53). فتأويل القرآن هنا معناه تحقق نبوءاته وأخبار وعده ووعيده، وهذا هو ما عناه ابن تيمية من أن معنى التأويل هو نفس المراد بالكلام.20

- الترجيح: ومداره حمل اللفظ على أحد محتملاته من المعاني بدليل يقترن به، ويستلزم الانتقال الترجيحي استثمار آليات استدلالية نصية وذهنية تسعف ضبط عملية التأويل وتلمس الخيوط الرابطة بين المعنى المتبادر والمعنى التأويلي، ولهذا جعلوا التفسير متعلقاً بالرواية، والتأويل متعلقاً بالدراية.21

وإذا كان هذا الذي بسطناه متعلقاً بالخلاف في المصطلح من جهة اللغة، فإن ثمة خلافاً أشد في إعماله النصي، أقصد تفسير القرآن، واستمر هذا النـزاع في طريق خطي متصاعد إلى حيث اكتمال ملامح مدرستين في التفسير هما: مدرسة الرأي المعتمدة على العقل في التأويل، ومدرسة الأثر المستندة إلى النقل.

ولو عدنا إلى أحد التفاسير المبكرة والمعتمدة كتفسير الطبري لاتّضح بجلاء أن التربة الفكرية التي نـزل فيها القرآن كانت مؤهلة لاستثارة مشكل التأويل، فقد اختلف المسلمون الأوائل (السلف) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنـزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران:7)، على رأيين:

واحد يقصر معرفة تأويل القرآن على الله تعالى، ولا يشرك معه أحداً في العلم بذلك التأويل، وأما الثاني فيشرك مع الله الراسخين في العلم من العلماء، ونحن لا يهمنا هنا اعتماد موقف معين أو نصرته، ولكن المقصود أولاً فهم أسباب هذا الخلاف، والتدليل على توافر أرضية صلبة ومناسبة لنشأة السجال حول التأويل منذ عهد مبكر من عمر الرسالة الخاتمة.

فقد ذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن جملة "﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾" مستأنفة على الابتداء ويلزم الوقف عند القراءة على كلمة "﴿الله﴾"، وهو بهذا يفردون الله بمعرفة تأويل القرآن، وقد أورد الطبري أقوال أصحاب هذا الرأي من الصحابة كعائشة ، وابن عباس،22 ومن العلماء كالإمام مالك بن أنس.23 ومُثّل لأصحاب الرأي الثاني –الذي مفاده إشراك العلماء مع الله في الحكم أي معرفة التأويل- بابن عباس أيضاً!! ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير.24 والذي نستخلصه مما أورده الطبري أن الخلاف في الحقيقة دائر على مصطلح التأويل ومحتملاته في اللغة والاصطلاح، فالتأويل الوارد في سياق الآية يشير إلى معانٍ مختلفة، ولهذا نجد الإمام الطبري يثبت هذه المعاني دون إظهار الخيط الرابط بينهما، ولو فعل ذلك لاتّضح سبب الخلاف ومآله بين الاتجاهين.

- فالمعنى الأول أشار إليه حين قال: "اختلف أهل التأويل في معنى "التأويل" الذي عنى الله جلّ ثناؤه بقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فقال بعضهم: معنى ذلك الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من انقضاء أمر محمد ، وأمر أمته من قبل الحروف المقطعة من حساب الجمل مثل: ﴿الم﴾، و﴿المص﴾، و﴿الر﴾، و﴿المر﴾، وما أشبه ذلك من الآجال."25 فمعنى التأويل هنا هو العاقبة، واستدل على هذا المعنى بما روي عن ابن عباس من أن التأويل تأويل يوم القيامة،26 وما روي عن السدي  الذي قال: "وتأويله عواقبه".27

- والمعنى الثاني قال عنه الطبري: "وقال آخرون: معنى ذلك وابتغاء تأويل ما تشابه منآي القرآن يتأولونه إذا كان ذا وجوه وتصاريف في التأويلات على ما في قلوبهم من زيغ وما ركبوه من الضلالة."28

فالخلاف في تفسير الآية بين الصحابة والعلماء إذاً خلاف لفظي، والسبب راجع إلى حمل التأويل على بعض محتملاته في اللغة والاصطلاح دون بعض. فإذا كان التأويل هو التفسير والمرجع والمصير،29 فإن القول بقدرة العلماء على تأويله بالمعنى الثاني الذي هو العاقبة ومعرفة الغيب –وهي أشياء اختص الله تعالى بعلمها ويمتنع عقلاً وشرعاً وجود شريك له فيها- جنوح عن المقصود، وحمل للمصطلح على غير مدلوله، وهو ما لا يجوز اختلاف المسلمين حوله، بله الصحابة الكرام والتابعين وعلماء الأمة. ولهذا نستطيع –مطمئنين- استبعاد إرادة هذا المعنى من لدن من أشرك مع الله غيره في معرفة التأويل، كما سنتمكن من فك التعارض الوارد في الروايتين اللتين ساقهما الطبري عن ابن عباس والتين بمقتضاهما يكون رأي ابن عباس ممثلاً للاتجاهين معاً في وقت واحدٍ، وهذا في غاية التناقض، إذ لم نضع في الاعتبار اختلاف الفهم لمصطلح التأويل فمن المؤكد أن ابن عباس لا يجرؤ أن يدعي معرفة التأويل الذي هو المصير والعاقبة، ولهذا روي عنه نفي الاشتراك مع الله في معرفة هذا النوع من التأويل30 غـير أنه من الراجح أن يأنس في نفسه القدرة على معرفة التأويل الذي معناه التفسير او الترجيح بين معاني الألفاظ والتراكيب، ولهذا روي عنه قوله: "أنا ممن يعلم تأويله".31 ومن هنا نستنتج أن الخلاف في مفهوم التأويل كان خلافاً لفظياً في أغلب جوانبه اللهم إلاّ ما كان متعلقاً بالتأويل الاعتقادي الكلامي، ولا نجازف إذا قلنا إن الاتفاق على معاني التأويل الثلاثة: التوضيح والترجيح والتصيير كان حاصلاً من حيث المضمون إذ استثمر المفسرون بالمأثور أيضاً الترجيح المعتمد على الاستدلال، ولم يغفل المفسرون بالرأي أهمية التوضيح في ضبط المعنى فاعتمدوا أيضاًُ على الإسناد العقلي. أما الخلاف الحقيقي فلم يكن مجترحاً في هذا المجال بل كان مرتبطاً بمجال توظيف عملية التأويل وكيفية هذا التوظيف.

* المعنى التاريخي وانحسار التأويل:

نقصد بالمعنى التاريخي (Historical meaning) مجمل المعاني التي استنبطها المفسرون الأوائل كالصحابة والتابعين والعلماء بعدهم، والتي مثلت إطاراً دلالياً للغة القرآنية. غير أن المعنى التاريخي يثير كثيراً من المشكلات في الفهم والتفسير المتجدد للنص، إذ يؤدي الارتكاز عليه وحده إلى السقوط في تعارض بين التأطير التاريخي للمعنى القرآني وبين صلاحيته لكل زمان ومكان ومن جهة أخرى يؤدي ذلك إلى الوقوع في وهم المطابقة بين الكلام المفسر والكلام المفسَّر في التنـزيه والقدسية. والواقع أن رهن المعنى في دلالته التاريخية مثَّل خطراً على الفكر الإسلامي، وعلى النصّ القرآني في حد ذاته، إذ جرد كلام الله تعالى من الشهادة الخالدة على الناس، والتحرك الإيجابي مع صيرورة التاريخ البشري. لقد كانت دوافع أصحاب هذا الاتجاه مفهومة، إذ واجهوا تياراً لا يقل خطورة على النص منهم، وهو تيار غالى في تجاهل المعنى التاريخي وأنتج تأويلات شاذة بعيدة عن مقصدية المبدع المنـزل.

لذلك حصر أصحاب الدعوة لاعتبار المعنى التاريخي مهمة المفسِّر في النقل والإسناد وأنكروا استعمال الرأي في استخراج المعنى لأنه –أي المعنى- معطى سلفاً وغاية ما يتحرك فيه عقل المفسر هو الترجيح بين المعاني التاريخية المختلفة والاختيار بينها بواسطة الإسناد وتحقيق النص كالجرح والتعديل. ولقد أشار أبو حيان الأندلسي (توفي745ﻫ) إلى هذا حين قال: "وقد جرنا الكلام يوما مع بعض من عاصرنا فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم، وأن فهم الآيات متوقف على ذلك. والعجب له أنه يرى أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف متباينة الأوصاف متعارضة ينقض بعضها بعضاً، ونظير ما ذكره هذا المعاصر أنه لو تعلم أحدنا مثلاً لغة الترك إفراداً وتركيباً حتى صار يتكلم بتلك اللغة ويتصرف فيها نثراً ونظماً، ويعرض ما تعلمه على كلامهم فيجده مطابقاً للغتهم قد شارك فيها فصحاءهم، ثم جاءه كتاب بلسان الترك فيحجم عن تدبره وعن فهم ما تضمنه من المعاني حتى يسأل عن ذلك: "سنقراً" التركي أو "سنجراً"؛ ترى مثل هذا يعد من العقلاء؟ وكان هذا المعاصر يزعم أن كل آية نقل فيها التفسير عن السلف بالسند إلى أن وصل ذلك إلى الصحابة، ومن العرب الفصحاء الذين نـزل بلسانهم... وعلى قول هذا المعاصر يكون ما استخرجه الناس بعد التابعين من علوم التفسير ومعانيه ودقائقه وما احتوى عليه من علم الفصاحة والبيان والإعجاز لا يكون تفسيراً حتى ينقل بالسند إلى مجاهد ونحوه وهذا كلام ساقط."31

لقد استند معارضو التفسير بالرأي إلى بعض الآثار الموهمة لما ظنوه من إنكار تأويل القرآن على مقتضى ما تشير إليه اللغة، والعلوم التي اكتسبها المفسر.

ولعل العلماء الذين ناصروا –باعتدال- التفسير بالرأي كانوا على وعي بخطورة ما يؤدي إليه توقف الأنظار عن معانقة كتاب الله واستخلاص معانيه بحسب تغير الأزمان والأحوال، ففتحوا باب الاجتهاد في التفسير، وأدركوا سر قابلية المعنى القرآني للتجدد والاختلاف، إذ لو أراد الله تعالى أن يجمع الناس على معانٍ محددة لأنـزل القرآن محكماً كله، ولأوصى رسوله أن يفسره كله. ولكنه شاء أن ينـزل إلى الناس كتاباً متحركاً نابضاً بالحياة شاهداً على الناس أينما كانوا ومتى وجدوا، فضَمَّن كتابه المتشابه والمشترك والمجمل والعام، وأرشد الناس إلى المقاصد العامة التي يُستَهدى بها في تعيين الدلالات وإظهارها. إن الآراء التي لا ترى في معاني القرآن سوى دلالاتها التاريخية تلتقي مع الرؤية الكنسية الجامدة في تفسير الكتاب المقدس حيث يحتاج القارئ للواسطة الدينية أو المذهبية لفهم النص وإن كان على اطلاع بيِّن على اللغة التي كتب بها النص المفسَّر، ولذلك انطلقت نظرية التأويل في الغرب أ و ما يسمى بالهرمينوطيقا (Hermeneutic) للإجابة عن سؤال ملح هو: كيف يعيش النص في زمن القارئ، وتستمر حيويته في الإفراز الدلالي؟ وما العلاقات التي ينبغي أن تربط المعنى التاريخي بالمعنى الذاتي؟


* المعنى الذاتي وانحراف التأويل:

إذا كان المعنى التاريخي هو دلالة النّص زمن نـزوله، أو في لحظات اكتساب فيها بعض القراء سلطة التأويل بسبب مكانتهم الدينية أو العلمية، فإن المعنى الذاتي (Individual meaning) هو دلالة النص زمن قراءته، فيصبح محور المعنى التاريخي هو تاريخ النص، بينما يصير محور المعنى الذاتي هو ملتقى النص بميولاته، واعتقاداته، وحتى أوهامه وشهواته.

ولقد عرف تاريخنا التفسيري أنصاراً للمعنى الذاتي مثلتهم المدارس الكلامية والفلسفية والتصوّفية، حيث حملت القرآن على مقتضى النظر القبلي للمؤوّل، فبنى أتباعها تفاسيرهم على أساس مذهبي خالص.

ويشير ابن تيمية إلى خطأ هؤلاء إذ يلبسون لفظ القرآن ما دلّ عليه من معنى تارة أو يحملونه دلالات لا يطيقها وضعه الأصلي، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول معاً.33

وتكمن خطورة هذا الاتجاه في جعل النص تابعاً للمتلقي حيث تنقلب عملية التبليغ إلي اتجاه معاكس. فبدل أن يتجه المعنى من النص إلى القارئ، فإنه يتجه من القارئ المزود برؤى قبلية ومعانٍ جاهزة إلى النص الذي تنتهك بنيته التركيبية والدلالية ليفصح عن معانٍ غريبة عنه وربما متناقضة معه، وسنحاول من خلال هذه الخطاطة إيضاح الاتجاه الطبيعي للمعنى والاتجاه المعاكس له:

الاتجاه الطبيعي للرسالة الاتجاه المعاكس للرسالة:
- المرسل (الله) المرسل (الله)
- الرسالة (القرآن) المتلقي (العارف) الرسالة (القرآن)
- المتلقي (المؤول) المتلقي (المؤول)


ومن خلال الخطاطة يظهر أن الوضع الطبيعي للرسالة ينقلب من خط عمودي إلى دائرة يتكرر فيها حضور المتلقي مرتين: المرة الأولى التي تمثل المرجعية الجاهزة والخلفية الفكرية للمؤول، والمرة الثانية حيث يستثمر تراكيب النص ومقاصد المرسل للدفاع عن أفكار مرجعيته، وإبراز أن المعاني القبلية الموجودة في ذهنه هي نفسها التي يحملها النص ويدعو إليها أو يبقيها ويتبرم منها، وذلك بحسب موقف المؤول منها قبولاً أو رفضاً، فالمعرفة العقلية إذاً سابقة على النص.

وقد أدى هذا المنحى التأويلي إلى عدِّ القرآن مصدراً رمزياً تستند إليه كل فرقة في دفاعها عن أ فكارها وتصوراتها حتى ظهرت في تراثنا آراء عدمية تؤكد قبول النصّ لكل التأويلات، ليس فقط المتقاربة بل وحتى المتناقضة منها.34

وفي العصر الحاضر حيث هيمنت التصورات العدمية، تسربت إلى الفكر النقدي العربي مقولات الاستقلال الدلالي للنص، وانفتاحه لكل القراءات وحرية المتلقي في تحطيم سياق النص لصالح سياق المتلقي. وسنحاول أن نلخص أصول هذه المقولات وأهم الانتقادات التي وجهت إليها ثم نشير إلى بعض النماذج العربية في هذا المجال.


* الأصول النظرية لنظرية التأويل:

إن ما نقصد الكشف عنه هنا هو الحلقات الواصلة بين التصورات النقدية في المجال الأدبي وأصولها الاعتقادية، وسنرى كيف تختلط مجالات التأويل الديني والأدبي بعضها ببعض، وكيف تأثّر النقد الجديد في الغرب ببعض الاتجاهات الدينية في التأويل.

يشير ستيفان كوللّيني Stifan Collini إلى هذه المسألة، فالتأويل في نظره ليس نتاج النظريات الأدبية في القرن العشرين، بل إن المعارك والخلافات حول إظهار خصائص هذا النشاط تعود إلى تاريخ طويل في الفكر الغربي، تلك المعارك التي نتجت عن المهمة العظيمة لتأسيس كلمة الله.35 ويرجع نيوتن Newton سبب هذا الارتباط إلى مركزية الدين في الثقافة، هي مركزية تحملنا على "الاعتقاد بأنه ربما كانت المساجلات المهمة –في القرن العشرين- حول التأويل وقد انطلقت من فضاء الدين ومنه إلى الأدب."36

لقد كان السؤال الملح في الغرب هو كيف ينبغي النظر في الإنجيل؟ هل ينبغي النظر إليه في لغته الخاصة أم تقتضي قراءته التوسط بقبول مذهب الكنيسة؟37

وهنا جاءت إجابة مارتن لوثر مزعزعة للنظام التأويلي القائم ومحتجة عليه، فقد دعا لوثر إلى الحرية في قراءة الإنجيل. "لقد كان لوثر هو الأول الذي انخرط في طريق مذهب تعدد المعني في الكتاب المقدس، وهذا يعني أن كل اختلاف في التأويل هو معطىً سلفاً وموجود في النص، وقال بهرمينوطيقا متعددة الطرق في التأويل تفيد في فهم تاريخ التاويلات بصفتها تداولاً لآفاق الماضي والحاضر."38

لقد كان المذهب البروستانتي إذاً عاملاً حاسماً في نشأة نظرية الاستقلال الدلالي للنصوص (Semantic autonomy) وهي نظرية "أخرجت للضوء الهوة بين المعنى الحرفي للنص وسياق التطورات والأحداث."39

إن المستفيد الأول من هذا التحول في الفكر التأويلي الغربي هو المتلقي، إذ انتقل الاهتمام من النص إلى القارئ ومن الارتباط بالمعنى التاريخي إلى الإيمان بالمعنى الذاتي ونسبيته المطلقة. وتم تحطيم المرجع الذي تحاكم إلى أساسه التأويلات وأقيمت مقامَه مرجعيات متعددة بتعدد الذوات المؤولة وهو ما يسميه (Todorov) بالعدمية إذ يقول: "إن العدمية تجيء بالطلع من انهيار العقائد المشتركة للمجتمع. وهو لم يكن في يوم من الأيام كونياً لأننا نعلم أن هناك مجتمعات مسيحية وإسلامية وبوذية... أما الشيء الذي حصل بمجيء ديكارت والثورة الصناعية والتغيير الحديث للعالم فهو النـزعة الفردية (Individualism)، فقد راحت الهوّيات الجماعية الكبيرة تتفكك لكي يحل محلها الأفراد، وراح كل فرد يختار لنفسه ما هو صالح وما هو غير صالح، ويقول هذه إحداثياتي ومرجعياتي... وهذا ما يؤدي إلى العدمية."40

لقد أسهم غادامير (Gadamar) بفلسفته التأويلية في تحطيم أطر المعنى الموضوعي إلى حد بعيد إذ ساند فكرة الاستقلال الدلالي للنصوص، تلك الفكرة التي تعني أن "اللغة المكتوبة كلَّها تظل مستقلة عن العالم الذاتي لأفكار الكاتب الفردية ومشاعره".41 ولهذا فهو يلغي الحقيقة في النص، وإحالته على معنى خارجي من ذاته، مانحاً بذلك –على غرار النقد الجديد- الأهمية الكبرى للتأويل.42

ويرفض غادامير الاعتراف بثنائية المعنى والدلالة، وهو تقسيم يراعي حق النص في الإبلاغ وحق المتلقي في التأويل، فالمعنى (meaning) يشير إلى مقصد النص في زمنه الخاص به والدلالة أو المغزى (signafication) تفيد ما يدل عليه النص في زمن القارئ.43

فما دمنا –في نظر غادامير- لا نفهم النص إلا في علاقاته بمقامنا، فليس هماك إذاً فرق بين المفهومين.44

والحقيقة أن كثيراَ من الانتقادات قد وجهت إلى نظرية الاستقلال الدلالي للنص اللغوي، غير أنها لم تستطع مواجهة المدّ الكاسح لنظريات النقد الجديد، فترسّخ مبدأ الحرية في التأويل وغدا مسلمة من مسلمات الاشتغال التفسيري.

وانتقلت أفكار النقد الجديد إلى المجال العربي، ووجدت مناصرين كثيرين ولا سيّما من الذين اقتنعوا بضرورة تجاوز المرجعية الجمعية للأمة الإسلامية، وناصروا تحطيمها، وأقاموا مقامها مرجعيات بديلة شملت مجمل الفلسفات الوضعية، والعقائد المادية التي عرفها الغرب منذ عصر النهضة. غير أن مبدأ الاستقلال الدلالي والإيمان بحرية التأويل المطلقة ظلت مرتبطة بالنصوص الإنسانية ولم يتجرأ معتقدوه على تطبيقه على النص القرآني، إلا أن تراجع المؤسسات التقليدية في المجتمع الإسلامي، وقوة الصراع بين الفكر الإسلامي ونظيره العلماني فك كثيراً من الأصوات من عقالها، وأصبح من السهل الادعاء بأن القرآن الكريم نص لغوي وحسب، وأن المدخل اللغوي كافٍ لتفسيره واستخلاص معانيه.

يرى الدكتور حسن حنفي أن معنى النص قد "يتغير حسب الأحوال النفسية للقارئ الواحد، وحسب الفروق بين الأفراد وتبعاً للبيئات الثقافية والحضارات والعصور. وقد يأخذ النص الواحد معاني مختلفة طبقاً لمراحل العمر الواحد، وطبقاً للتجارب المكتسبة حتى ليبدوا النص مساوقاً وتابعاً لتطور الفرد في مراحل عمره، وكأن أعماق الشعور تطابق تطابقاً موضوعياً مستويات النص."45

النص إذاً حامل للخبرة، والقراءة خلق جديد له، واكتشاف لأبعاد ربما لم تكن مقصودة في نشأته الاولى.46 ولهذا فإن المفسر لا يحتاج إلى فهم المعنى التاريخي، فهو لا يذهب "إلى تاريخ النصوص منذ تدوينها ليفهم معانيها التاريخية، وتطور معاني الألفاظ قاضياً السنين في بطون المراجع وأمهات المصادر ومعجمات اللغة والموسوعات. بل يقرأ النص، وفي غمضة عين يفهم معناه ويستعمله بوصفه حجةً. فالنص بهذا المعنى ليست له ثوابت، بل هو مجموعة من المتغيرات يقرأ كل عصر فيه نفسه."47

ولأن عملية التفسير ليست بهذا المعنى سوى التطابق بين النص -باعتباره قالباً متشكلاً- وطبقات الشعور لدى المؤول، "فإنه لا يوجد تفسير خاطئ، بل يوجد تفسير قصدي."48

وسنرى كيف أن مثل هذه الآراء لا تصمد أما النقد الذي وجهه إليها أصحاب نظرية التأويل الموضوعي من أمثال جول وإيكو وغيرهما. لقد أدى البروز القوي لنظريات التلقي والتأويل واستقواء الاتجاهات التداولية في المجال الألسني إلى إعادة الاعتبار مرة أخرى لأهمية –بل لضرورة- تحديد ضوابط للتأويل تعصم المعنى من الذوبان ، وتحد من سلطة القارئ في إملاء أهوائه وميوله على النص. وسنعمل على الجمع بين الحديث عن هذه التصورات والضوابط التي تقترحها، مقارنين بينها وبين ما يوازيها من ضوابط التأويل في الفكر الإسلامي.


* ضوابط التأويل:

لم ينف أصحاب نظرية التأويل الموضوعي مبدأ الاختلاف في التأويلات وتعددها لأن الإيمان بالقراءة الواحدة قتل للنص، وسقوط ساذج في وهم المطابقة بين النص والقراءة. إن ما أسهموا في تفنيده هو القول بالانفتاح المطلق للنص على أي قراءة أيّاً ما كان اقترابها أو ابتعادها عن بنية النص الأصلية ومقصد المؤلف، وفي هذا يقول أحدهم: "أن النصّ ينتج قراءات لا نهائية وهذا لا يعني أنه يسمح بأي قراءة ممكنة."49

وإذا لم نستطع من هذا المنظور تحديد أحسن التأويلات فإننا نستطيع –على الأقل- تعيين التأويلات الخاطئة.50 والمؤول في اعتقاد تودورف Todorov حين يتخلى عن النص ليكتب عنه فإنه يقول شيئاً لا يقوله النص المدروس. وإن ادعى أنه يقول الشيء نفسه إلا أنه في الواقع الأمر يكتب نصاً جديداً."51

ويرى ميللر J. Hillis Miller أن بعض التأويلات تمسك -وبعمق- أكثر من غيرها ببينة النص،52 ولهذا علينا أن نأخذ النص بصفته مؤشراً على تأويلاته الخاصة به.53 لقد اعترف أمبرتو إيكو Umberto Eco في دراسته لجدلية النص والمؤول أنه -في السنين الأخيرة- حصلت مبالغة في التركيز على حقوق المؤولين،54 ولهذا فهو يرى أن فعل القراءة يمكنه الانطلاق من نقطة إلى أي نقطة، ولكن المسالك خاضعة لقواعد مترابطة أعطاها التاريخ الثقافي –بصورة معينة- الشرعية.55

فالحضارة الوسطية وإن كانت وفية لتعدد التأويلات، فإن التأويل يخضع عندها لضوابط محددة بدقة،56 بل إن النقد التفكيكي والقريب من تجارب النقد الباطني لا تنفلت العملية التأويلية عنده من نسق من القواعد والمسلمات.57

فوظيفة هذه الضوابط تظهر في الحد من حرية المؤول وخلق تآخذ مثمر بين بنية النص ومقاصد المؤلف وأفق انتظار المتلقي، ولذلك أكد إيكو أن القارئ يلزمه أن يساءل النص "لا أن يسائل نـزواته الذاتية، في جدلية بين الإخلاص والحرية."58

وسنقتصر في الحديث عن ضوابط التأويل على خمسة ضوابط هي:

1- المقصدية، 2- السياق المقامي، 3- السياق النصّي، 4- السياق الثقافي، 5- انسجام النص.

1- المقصدية

من الآراء السائدة الآن في النظرية التأويلية المعاصرة والتيار التداولي في مجال اللسانيات أن النص موئل تقاطعات بين المرسل والبنية النصية وملتقى الخطاب، ولم يعد سائغاً النظر إلى أن النص في ذاته كما فعلت التصورات الشكلانية إلا من قبيل بناء النماذج وتسهيل عملية التصنيف، إذ أصبح النص عبارة عن أفعال كلامية منجَزَة من المؤلف يقصد بها أنماطاً من تأثير المتلقي. ولهذا أصبحت مقاصد المتكلم مؤشرات حاسمة في عملية التأويل، ومثّل إلغاؤها إلغاء لجزء معتبر من معمار المعني النصي إن لم يكن إعداماً مطلقاً له. ولعل من أبرز المدافعين عن المقصدية باعتبارها ضابطاً من ضوابط التأويل الأمريكي هيرش Hirsh الذي هاجم أفكار النقد الجديد وتأويله غادامير لأنهما يلغيان قصد المؤلف من الاعتبار.59 ويؤدي هذا في نظره إلى أن عدم محدودية المعنى في النص يصبح معها التأويل كليلاً،60 بل إن واحدًا من مناصري المقصدية وهو ب.ج. جول (Jull) في كتابه التأويل يعدّ كل تأويل تعارض مع مقصدية المؤلف تأويلاً فاسداً، أما الاختيار من بين الاحتمالات الدلالية المتعددة للنص فينبغي ان يتجه على المعنى الذي قصده المؤلف ما دام المعنى إنتاجاً لفعل كلامي لا ينفك عن قصد المتكلم،61 وتصبح وظيفة التأويل حينئذٍ هي السعي لاكتشاف مقصد المؤلف واعتباره محدداً للتأويلات المقبولة، فالمعنى –في اعتقاد كرايس- ينبغي النظر إليه في صلته بالمقصدية.62

وفي تراثنا العربي الإسلامي نجد تصورات دافعت بنحو جدي عن المقصدية، وكانت هي المهيمنة في مجالنا التداولي، إذ تميز الفكر اللغوي عند العرب والمسلمين بميزة تداولية (pragmatic) أصيلة تربط الخطاب بمرسله ومتلقيه، ونظر اللغويون إلى اللغة على إنها إنجاز فعلي واقعي وليست بنية مبتورة عن سياقها التواصلي. فالمعنى الحرفي عند الآمدي غير موجود لأن المعنى غير متعلق بأوضاع الكلم فحسب، ولكن بقصد المتكلم وإرادته.63 وهناك حركات إعرابية تعود إلى قصد دلالي من مرسل الخطاب، كما أن ظواهر الحذف والمجاز والكنايات وغيرها لا يمكن فهم المقصود منها إلا بربط الخطاب بسياقه التداولي، هذا السياق الذي يحتل فيه المتكلم مكاناً معتبراً.

ويسعفنا الإمام ابن قيم الجوزية (توفي751ﻫ) بتقسيم إجرائي مفيد للدلالة، مرتبطة بسياق التواصل بين المرسل والمتلقي، فدلالة النصوص عنده: "نوعان: حقيقية وإضافية، فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه دلالة لا تختلف، والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة لا تختلف اختلافاً متبايناً بحسب تباين السامعين في ذلك".64

والظاهر أن ابن القيم وإن كان مهتماً بإعادة الاعتبار إلى الدلالة المركزية في النص في علاقتها بمقصدية المتكلم في إطار نموذجه المعرفي الساعي إلى إعادة ترميم المرجعية الإسلامية بالبحث عن الثابت، وتقليص نفوذ المتحول أي تعدد المعاني عن طريق التأويل والقياس، فإنه لم يبخس المعنى الذاتي حقه ، كما ذهب إلى ذلك بعض الدارسين، حيث استدلوا بهذا النص في سياق نقدي للدلالة الذاتية،65 بل نراه يسوق كثيراً من اجتهادات الصحابة بوصفها دليلاً على إثراء النص بالدلالة الإضافية.66

إن إعمال المقصدية في تأويل القرآن الكريم تعصم "القارئ" من إنتاج تأويلات تصطدم مع المقاصد الربانية، ويمكن صياغة القاعدة التأويلة الآتية:

[كل تأويل تعارض كلاً أو جزءاً مع مقصد من مقاصد الشريعة فهو تأويل فاسد كلاً أو جزءاً.]

غير أنه من الصعب تحديد أبعاد المقصدية تحديداً منضبطاً، إذ إنها تتعلق بالمتكلم، أو مرسل الخطاب، والذي ليس له وجود عيني حين مباشرة عملية التأويل، ولهذا السبب عدّ بعض العلماء الإحاطة بالمقصدية غير متوقفة على العلم باللغة، لأن المقاصد عبارة عن معان لها تعلق بالذهن لا بالوضع اللغوي.67 ولقد نحا هذا المنحى الإمام الشاطبي في الموافقات، إذ عدّ المصالح والمفاسد معقولات مجردة عن اقتضاء النصوص،68 وليس معنى هذا إهدار قيمة الدلالة النصية عند الإمام، إذ أنه حدد مجال إعمالها فيما له وجه تعلق بالنصوص.69 والحقيقة أن ما ذهب إليه الشاطبي متعلق بالمقاصد المعنوية، ومن الخطأ تعميم هذا الحكم على كل أنواع المقصودات المبثوثة في كل النصوص. ويسعفنا الأستاذ طه عبد الرحمن هنا بتقسيم جديد في غاية الأهمية لنظرية المقاصد عند الشاطبي، ويتمثل ذلك في فك التعارض المتوهم في كلام الشاطبي، إذ نراه يشترط اللغة في الاستنباط من النصوص تارة، ويدلل على عدم أهميتها في تعيين المقاصد تارة أخرى.70 ويرى طه عبد الرحمن أن مصطلح المقاصد كما استعمله الشاطبي ليس متمحضاً لدلالة واحدة كما هو متداول بين الدارسين، بل يدور على معان ثلاثة:

1- المقصد بمعنى المقصود، ويجمع على "مقصودات" ومعناه انعقاد الدلالة وحصولها في الكلام.71 فالمقاصد بهذا المعنى لها تعلق أكيد باللغة، وهو ما ذهب إليه الشاطبي نفسه.

2- المقصد بمعنى القصد ويجمع على "قصود"، ويراد به المضمون الشعوري أو الإرادي.72 ومعلوم أن المقصد بهذا المعنى له وجه تعلق باللغة متى كانت الإرادة متعلقة بالنصوص، وإلا فلا تشترط اللغة في استنباطها.

3- المقصد بمعنى حصول الغرض، ويجمع على "مقاصد" 73، وهذا هو المعنى الشائع والمتداول بين الدارسين. ولقد دلل الشاطبي على أن هذا النوع معقولٌ ولا تعلق في استنباطه باللغة، إذ يستوي العربي والعجمي في معرفة مقاصد الشريعة.74

وعلى كل حال فسواء أكانت المقصدية متعلقة بالنص، أم كانت مجردة عن اقتضائه، فإنها تبقى مؤشراً من مؤشرات المعنى، وفضاء دلالياً يسمح للنص بإفراز دلالته الخاصة به، ويحد من سلطة المؤول في إملاء تصورات عليه. وجدير بالإشارة هنا أن المقصدية عامة، وليس هناك إمكانية لتحديدها إذ إنها تدور مع النص والعقل. ولهذا يشترط في إعمالها عدم ربطها بالمنـزع الإيديولوجي أو العقدي، فالمعتزلة –مثلاً- تأولوا القرآن على مقصديات خاصة بهم، كالعدل والتنـزيه والتحسين والتقبيح العقليين، ولما اعتقدوا العدل –بمفهومهم طبعاً- مقصدا إلهياً، تأولوا العبارات الموهمة للظلم على المجاز دون أن يسلم لهم بالتأويل الذي حملوا عليه عدل الله تعالى وظلمه، فالمقصدية المعتبرة عندنا هي ما تضافرت نصوص الشريعة على تأييدها باستقراء هذه النصوص، وليس بمجرد تدعيم المذهب الاعتقادي.

2- السياق:

يعد السياق مفهوماً تداولياً راسخاً، ولعل مستعمل اللغة أكثر وعياً به من غيره من المفاهيم اللغوية، ولهذا عده جون لا ينـز Lyons اصطلاحاً سابقاً على النظرية والوعي بالمفاهيم 75 ويمكن التمييز بين أنواع ثلاثة من السياق:

أ. السياق المقامي:

ينظر عادة إلى المقام على أنه معيار محكم من معايير الحكم على العبارة بالمقبولية النحوية، إذ إن العبارات غير المكتملة نحوياً من جهة التركيب لكنها منسجمة مع المقام تصبح عبارات مقبولة وقابلة للتأويل. ولقد ذهب تودوروف إلى أن عبارة بسيطة من مثل: "علينا أن نغادر هذا المكان من هناً"، لا يمكن تفسيرها إلا في سياق محسوس.76 ولنأخذ الفعل الكلامي الآتي: "اعطني خبزاً" فإن الجهل بمقام الخطاب يؤثر في تأويلنا له فنتردد في عده أمراً أم التماساً، ومن هنا اكتسب سبب النـزول فاعلية كبيرة في تأويل النص القرآني، وعلماء التفسير تعاملوا معه باعتباره مؤشراً على المعنى وليس منبع المعنى وإطاره، فقالوا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وجعلوه مرجعاً يحتكم إليه حين الاختلاف في التأويل، ويمكن صياغة القاعدة التأويلية الآتية:

[إذا تعارضت التأويلات، فإن أقربها إلى الصواب أكثرها انسجاماً مع مقام الخطاب]

ب. السياق النصي:

يرى اللسانيون أن المعنى في النص خاضع لعملية التركيب سواء على مستوى الجملة أو على مستوى الخطاب، وبموجب هذا يكون فهم اللاحق مستنداً إلى فهم السابق.وتكمن فاعلية النص أو التركيبي في أنه ينظر من خلاله إلى النص في كليته وانسجامه وليس بصفته نتوءات مجتزأة لا يشير بعضها إلى بعض، وكل معنى منتزع من السياق بالضرورة معنى لا يعبر عنه النص.

[إذا تعارضت التأويلات فإن أقربها إلى الصواب أكثرها انسجاماً مع سياق الخطاب.]

ج. السياق الثقافي:

تكمن إجرائية هذا المفهوم في كونه يراعي المقام الثقافي العم الذي يمثل مرجعية المتلقي. ولقد اعتمد اللساني فيرث على مصطلح السياق الثقافي في التأويل واعترف هو وتلامذته منهم هاليداي وإيليس متضمناً سياقات ثقافية جزئية ، ومفاد هذا الاصطلاح أن تأويل النصوص لا يتم إلا بجعلها تتسق مع سياق ثقافي محدد.77 ويرى إيكو أن النص حينما يوجه إلى جماعة من القراء فإن الكاتب يعرف أنه سيؤول لا بحسب مقاصده هو، ولكن بحسب استراتيجية معقدة من التقاطعات بين القراء وقدراتهم اللغوية لهذا التراث الذي تشكل بواسطة استعمال اللغة. إن فعل القراءة في نظر إيكو يلزمه اعتبار هذه العناصر مجتمعة على الرغم من أن قارئاً واحداً قد لا يستطيع استيفاءها.78

إن تاريخ تأويلات القرآن الكريم وتقاليد اللغة العربية تمثل خصائص للمجال التداولي العربي الإسلامي في مجال التفسير، وعلينا ألا نسقط نظريات تأويلية غريبة على قانون التأويل العربي الإسلامي ما لم تندرج في سياقه الثقافي.

ففكرة الاستقلال الدلالي، وموت المؤلف، وانصهار الآفاق، مفاهيم يرفضها العقل الإسلامي في مجال مساءلة النص، كما أن الوساطة التأويلية فكرة غير معهودة عند المسلمين، ولا يمكن بحال الانطلاق من مثل هذه الأفكار لبناء تأويلات للقرآن.

[كل تأويل بني على غير مقتضى قانون التأويل العربي فهو تأويل فاسد]

3- الانسجام الدلالي:

إن كان مدار السياق النصي على الربط، فإن مدار الانسجام على الترابط، ويكاد التأويليون يجمعون على أن وظيفة المؤول هي البحث عن انسجام النص، وهم يختلفون عن أصحاب نظرية التأويل الشكي أو ما أطلق عليه نيوتن: الهرمينوطيقا السلبية (Negative Hermeneutic)، فأصحاب هذه النظرية يرون أن روح التأويل هو الكشف عن تناقض النص وتفككه واختزال أكاذيب الوعي وأوهامه، وأهم روادها في اعتقاد نيوتن هم ماركس ونيتشه وفرويد.79

ويعرف إيليس Ellis التأويل قائلاً: "التأويل... هو فرضية في التنظيم العام والانسجام لكل عناصر المكونة للنص الأدبي".80 وإذا كان افتراض التفكك يعيق من عملية التأويل للنص الأدبي، فإن تأويل القرآن لا يقبل مثل هذا الافتراض، إذ يتعامل المؤول مع نص بلغ درجة الكفاية اللغوية ووصل مرتبة الإعجاز، وله مقاصد معرفية كونية واضحة.

ومن غير الممكن العثور على تعارضات دلالية فيه، فهو كلام الله المنـزه عن التناقض والاختلاف. لقد كان علماء التفسير على وعي بقضية الانسجام فجعلوا من أصول التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، فما غمض هنا توضح هناك، وما أجمل في موضع فصل في آخر. ويُبيِّن إيكو كيف أن التخمينات التي يصدرها المؤول على النص –الذي ينبغي أن يؤخذ في وحدته العضوية- لا تقبل إلا إذا تلاءمت مع انسجام النص الذي سينكر التخمينات الاعتباطية.

[كل تأويل أدى إلى تعارض أجزاء النص هو تأويل فاسد]

وأخيراً لقد عرضنا باختصار أهم الضوابط التأويلية التي اكتسبت إجرائية معتبرة في مجال تفسير النصوص، والتي أخذناها من المجال العربي الإسلامي، والمجال الغربي. وواضح أن جانب التطبيق هو ما ينقص هذه المحاولة النظرية المتواضعة، وهو ما سنحاول الوفاء به في بحث قريب، نطبق فيه تلك الضوابط على النص القرآني، وهو ما سيظهر بجلاء أهميتها في استخلاص المعنى القرآني، والذي سيكون له إن شاء الله أثر تسديدي معتبر في إعادة النظر إلى لغة القرآن ومضامينه.