رؤية في شروط النهضة الحضارية للمسلمين

بقلم : د. مرهف عبد الجبار سقا

نشر المقال في مجلة الحقيقة الصادرة عن رابطة العالم الإسلامي بمكة في عددها الثامن


بسم الله الرحمن الرحيم

إن التقدم العلمي والرقي الحضاري ليس حكراً للون أو عرق أو شرق أو غرب كما يحلو للمستشرقين والعلمانيين تصويره وإشاعته بين الناس؛ ولكن التقدم العلمي هو نتيجة للعمل الهادف المنظم المؤسس على أسس سليمة صحيحة، ونشاط عملي دؤوب، فنحن لم نتخلف لأننا شرقيين أو عرب أو مسلمين، كما أن غيرنا لم يتقدم لأنه غربي أو صيني أو ياباني أو غير مسلم.

إن الناظر في تاريخ الأمم يجد لكل حضارة خطاً بيانياً متأرجحاً بين العلو والانخفاض حسب اجتهاد أصحاب هذه الأمة وكسلها، فكما أننا اليوم نرقب الزمن الذي نتفوق فيه حضارياً ونعيد أمجادنا السابقة، كذلك كانت أوربا أيام تخلفها تتذمر مما كانت عليه وتحاول الانتفاض من تخلفها واللحاق بغبار الحضارة الإسلامية. نعرف ذلك من الفقرات التي كتبها شاعر إيطاليا الكبير (بترارك) في غضون القرن الرابع عشر الميلادي مندداً في شعره ببن قومه مستنهضاً هممهم ومهيباً بهم يبث فيهم الثقة والعزيمة فيقول:

(ماذا؟ لقد استطاع شيشرون أن يكون خطيباً بعد ديمستن، واستطاع فرجيل أن يكون شاعراً بعد ميروس، وبعد العرب لا يسمح لأحد بالكتابة، لقد جاريناهم وتجاوزناهم أحياناً وبذلك جارينا وتجاوزنا غالبية الأمم، وتقولون: إننا لا نستطيع الوصول إلى شأو العرب، يا للجنون ويا للخيال بل يالعبقرية إيطاليا الغافية أو المنطفئة)([1]).

ومنذ أكثر من قرن يبحث مفكرونا – وما زالوا – في أسباب تخلف العالم العربي وأسباب تقدم العالم الغربي وسرعة التطور التقني، ومما يؤسف في أكثر هذه الدراسات أنها مبتسرة، فهي تدرس هذه الظاهرة وكأن العالم بدأ من الثورة العلمية (عصر النهضة) في أوربا دون نظر فيما قبل ذلك ومقارنة الأسباب بالأسباب كما كان يفعل ابن خلدون في مقدمة تاريخه. إنهم يدرسون النهضة الأوربية ويعظمون شأنها وكأن الناس كانت قبل في عمى وجهالة لم تبصر النور حتى جاءت الثورة الكوبرنكية التي غيرت التصورات الخرافية عن الكون والحياة والإنسان التي كانت تفرضها الكنيسة والكتاب المقدس والآراء اللاهوتية على مواطنيها المؤمنين في أوربا([2]).

يقول (توبي. أ.هف) في كتابه فجر العلم الحديث: (غير أننا ندرك في الوقت نفسه أن هذه الثورة ثارت في الغرب فقط وليس في البلاد الإسلامية أو الصين، وهذه الحقيقة تجعل الكثيرين يتساءلون عن العوامل الاجتماعية والثقافة الفريدة التي وجدت في الغرب ومكنت هذا التحول العظيم من الحدوث ... فمن المتفق عليه الآن بشكل عام أن التصور (الكوبيرنكي) الجديد للكون لم يقم على ملاحظات جديدة مذهلة أو أساليب رياضية جديدة لم تكن معروفة لدى العرب)([3]).

ولكن كان ينبغي أيضاً طرح السؤال عن العوامل الاجتماعية والثقافية وغيرها التي سادت البلاد الإسلامية فلم تحدث فيها هذه الثورة العلمية بالشكل الذي حصل في أوربة، إذ لم ينقلب المسلمون على امتداد تاريخهم على دينهم كما في أوروبا؟ ثم نسأل أيضاً: لماذا نجد اليوم من يضرب بالدين عرض الحائط ويلفق الشبه حوله ويرده بحجة العلم؟ ولماذا سيطرت فكرة المناقضة بين الدين والعلم على عقول كثير من أبنائنا ؟!.

لقد كان للبعثات العلمية الموفدة من البلاد العربية والإسلامية لأوربا، ورجوعها للبلاد الإسلامية مدهوشة ومنبهرة بمفاهيم عوراء كمفهوم العلم المحصور بالمادة والمحسوس، واعتبار كل مالا تدركه الحواس ولا يخضع للتجربة من الأفكار والاعتقادات خرافة، محملة بلوثة العداء بين العلم والدين واعتبار الإسلام كدين النصرانية في أوربة، لقد كان لهذه البعثات دوراً كبيراً في توسيع الهوة بين المسلمين ودينهم وتعزيز تبعية البلاد الإسلامية للغرب تحت راية الإصلاح والنهضة العلمية، على اعتبار أن العقل الغربي عقل متفتح وناقد وقادر على حل الدقائق والغوص بالخفايا، ومما زاد في تعزيز هذه التبعية الظروف السياسية التي ساعدت المستغربين في نشر الدعاية الغربية وغرس بذور اعتقاد الكمال في الغرب والتخلف في الشرق.

وبجهود الوافدين من الغرب إلى الشرق يحملون لواء العداء للدين وتعظيم الولاء للثقافة الغربية باسم العلم، مدعومين بكل الوسائل الإعلامية والسياسية، أسقط في أيدي الناس ورفعوا الرايات البيض مسلمين ومستسلمين للأجنبي، ثم ولى عامة المثقفين من المسلمين في البلاد العربية وجوههم شطر النهضة الأوربية، وافتتنوا بها أي افتتان، وجرهم هذا إلى الاعتقاد والتصديق بكل ما يصدر منهم من علم أو فكر، بل جعلوا العلوم والفلسفة الوافدة من أوربا ميزاناً للإسلام، فيعتقدون من الإسلام ما وافق ميزان العلم والفلسفة بالمفهوم الغربي ويردون ما رده العلم والفلسفة بهذا المفهوم السابق.

إن الاحتكاك بأوروبا وغيرها من شعوب العالم لم يكن جديداً على المسلمين، بل كان أشد وأخطر في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي عهد الفتوحات الإسلامية وبدايات العهد العثماني، فقد حصلت المواجهات العلمية والاختلاط بمجتمعاتهم، وتعرض المسلمون لحملات الزندقة والإلحاد وأخذت هذه الحملات صوراً متعددة وغالباً ما كانت تعتمد على الجدل تحت التصور العقلي والمنطقي([4])، وترجم المسلمون كتب اليونان والأغريق ودرسوها ومحصوها وعلموها لطلابهم، ولكن لم يحصل التأثير ـ والانبهار ـ الذي أثر بالمسلمين اليوم أو في القرن الماضي والذي قبله، ولم يفعل المسلمون في تلك العهود المباركة ما يفعله اليوم المتأثرون أو (المتعصرنون) في العصر الحديث، ولم نجد العداء للدين والنداء لتركه باسم المنطق والعقل والعلم، فما السبب؟!.

أرى أن الجواب المناسب لهذه الأسئلة يعود لأسباب ثقافية وأسباب عقائدية بالدرجة الأولى، قإن العافية الإيمانية والصحة العقلية والفكرية، والثقة بالنفس وقوة الشخصية عند المسلمين آنذاك كانت تجعلهم يرون كل ما أمامهم من الظواهر والعلوم أمراً بدهياً. ذلك أن الفهم السليم لمدلول العلم في القرآن والسنة وشمولية مفهومه، وما يعلمونه من حض الإسلام على العلم لما له من أهمية في تطور حضارتهم، وما أشار الله إليه من الحقائق والظواهر الكونية في كتابه؛ كل ذلك جعلهم يألفون كل ما يرونه وما يسمعونه من العلوم؛ لأن مبادئ هذه المعارف مطروقة في أسماعهم مستقرة جملة في عقولهم، كما أنهم لم يجدوا حرجاً من البحث والتجربة في نواحي العلم بحجة أن دينهم ينهاهم عن ذلك أو أن هذه علوم لا علاقة لهم بها، بل اجتهدوا ـ بما أوتوا من قوة ـ في نواحي العلم؛ لاعتقادهم أن ذلك يقربهم من الله تعالى وأنهم بهذا الاجتهاد يقيمون شرع الله، ويرفعون إثماً عن أنفسهم وعن المسلمين. فلم تمنعهم معرفتهم بأطوار خلق الجنين التي استقوها من القرآن ـ في وقت كانت تصورات الروم وفارس مغلوطة ومضحكة في هذا الشأن ـ لم تمنعهم من التشريح والتحصيل والتدقيق. ولم يمنعهم معرفتهم بخلق الأرض والجبال كما ذكر في القرآن من الرحلة والنظر في الأرض ومعرفة أطوار تكونها، وهكذا في الفيزياء والرياضيات، فوجدنا من العلماء المسلمين من برع مع العلوم الشرعية باختصاصات علمية متعددة لهم فيها مؤلفات ما تزال مراجع إلى وقتنا الحالي كابن الهيثم وابن سينا والعز بن جماعة وغيرهم، ثم لم يستخدموا هذه العلوم في مناقضة كتاب الله بل في شرح كتابه لا على سبيل التوفيق بين العلم والدين بل على سبيل أن كل العلوم مفسرة للقرآن، وكلٌّ تكلم على قدر طاقته واجتهد فيما علم فمنهم من أخطأ ومنهم من أصاب.

كما أن البناء العقائدي للمسلم يحتم عليه البحث في الأدلة الكونية الإجمالية والتفصيلية، بحثاً منهجياً يعمق من إيمانه بالله تعالى وتعظيمه.

إذن فالجهل بشمولية العلم في الإسلام مع سيطرة الفكرة العلمانية على عقول كثير من المثقفين في فصل العلم عن الدين، والدين عن الحياة، هو السبب المباشر لما نعانيه اليوم من الجدلية العدائية والتخلف العلمي والحضاري. لذلك ينبغي على أولياء أمور المسلمين والمؤسسات العلمية الرسمية والخاصة أن ينهضوا للعمل على تصحيح المسيرة العلمية كما أرادها الإسلام، من خلال تأصيل المفهوم الصحيح للعلم في الإسلام وإعادته إلى عقول المسلمين وتقريره في المناهج الدراسية والأكاديمية، ودعم البحث العلمي المبني على هذا المفهوم، ويُوازى ذلك بالعمل على التربية الإيمانية السليمة التي تعطي للعقل صفاءه وللنفس بهجتها وللشخصية استقلالها.

كذلك لابد من تضافر الجهود وكسب الوقت لصياغة منظومة عامة للعلم والتقنية بشكل منهجي مقنن في إطار من التصور الإسلامي الشمولي العام للعلم، انطلاقاً من كتاب الله تعالى وسنة نبيه والخبرات العلمية السليمة، وأن يعيدوا سيرة مجدهم السابق الذي غاب بجمودهم، فالمحللون لنتائج الأبحاث الجارية خلال العقدين الأخيرين ـ وخاصة في مجال الفيزياء و(البيولوجيا) والفلك والرياضيات والمعلومات ـ يتوقعون أننا على موعد مع ثورة علمية هائلة يتهادى تحت معاولها أساس الكثير من النظريات والمذاهب الوضعية السائدة حالياً، ويطرأ بسببها تحول كبير على وعي الإنسان وتصوره لنفسه وللعالم([5]) ، فإن حصل ذلك بإذن الله ستكون هذه المنظومة الإسلامية هي الأقدر على تهيئة الإنسان لكل ما يمكن أن تسفر عنه الثورة العلمية والتقنية المرتقبة في المستقبل القريب أو البعيد، فلا تحصل الفتنة بها كما حصلت من قبل وتستغل في التشكيك بالإسلام وشعائره تحت مسمى العلم، والله أعلم .

([1]) ـ مجلة التراث العربي عبد الكريم اليافي العددان 13 و 14 ، صـ 218 ، محرم ـ وربيع الثاني 1404 ، تشرين الأول ـ وكانون الثاني 1984 م.

([2]) ـ انظر : فجر العلم الحديث : الإسلام ، الصين ، الغرب ، توبي .أ.هف صـ 353 إلى 355 ، ترجمة :د محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة الكويت العدد 26 ، ط ثانية 200 م .

([3]) ـ فجر العلم الحديث : الإسلام ، الصين ، الغرب ، توبي .أ.هف صـ 354، ترجمة :د محمد عصفور ، سلسلة عالم المعرفة الكويت العدد 26 ، ط ثانية 200 م

([4]) ـ انظر : معالم الثقافة الإسلامية ، د عبد الكريم العثمان صـ 92 فما بعد ط مؤسسة الرسالة أولى 1420 ،1999م.

([5]) ـ انظر: نظرية العلم الإسلامية نحو حضارة إسلامية مستقبلية أساسها الدين والعلم ،د أحمد فؤاد باشا بحث مستفاد من الأنترنت على موقع : www.islamset.com .
المقال موجود ايضا على الرابط:
وهي موجودة أيضاً على الرابط:

http://www.risalaty.net/article1.php...&ft=105&tm=248
والرابط:
http://sakka2005.maktoobblog.com/145...5%D9%8A%D9%86/