عرض للكتاب: (منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة نقدية) د. سامر رشواني
(دار الملتقى بحلب 2009)
====

في منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
عبد الرحمن حللي
المصدر: موقع الملتقى الفكري للإبداع

يمثل التفسير الموضوعي نمطاً من الاستجابة للتطورات الحديثة التي استجدت في حياة المسلمين، باعتباره منهجاً يساعد المفسر على استجلاء نظريات القرآن وقواعده في شتى شؤون الفكر والحياة، لكنه رغم هذه الأهمية لم ينل ما يكفي من التأصيل والضبط المنهجي والنقد الذي يقومه ويطوره، لذلك فهو يعاني من اضطراب مفهومي ومنهجي انعكس على التطبيقات التي جرت باسم التفسير الموضوعي، في ضوء ذلك تبرز أهمية الدراسة التي أعدها الدكتور سامر رشواني بعنوان:" منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم:دراسة نقدية" (صدرت عن دار الملتقى بحلب 2009)، والتي قدم فيها رؤية تحليلية ونقدية لنوعي التفسير الموضوعي (التفسير الموضوعي للقرآن والتفسير الموضوعي للسورة).

في دراسته للنوع الأول وبعد مقاربة مفهومية مقارنة للتفسير الموضوعي ومناهج التفسير الأخرى، قام بسرد تاريخي لما يمكن أن يعتبر من قبيل التفسير الموضوعي، وتتبع أصوله التاريخية التي وجد لها جذوراً ونماذج عند المعتزلة، لاسيما عند الجاحظ في دراسته عن "النار" في القرآن، ثم تطور ذلك مع تأصيل فكرة تفسير القرآن بالقرآن، والتي وجدت اهتماماً لدى ابن تيمية الذي قدم دراسة عن "السنة" في القرآن، ونفس الشيء لاحظه في بعض مصنفات التفسير الفقهي التي تعتمد الموضوع الفقهي أصلاً في الدرس القرآني، كتفاسير الشيعة لأحكام القرآن، مثل "فقه القرآن" للقطب الراوندي، أما في العصر الحديث فقدم رصداً لاهتمام المستشرقين بالتفسير الموضوعي كوسيلة لفهم القرآن، بعد أن استغلق عليهم فهم ترتيبه التوقيفي، وترجع أولى هذه الدراسات إلى المستشرق الهولندي "فت" الذي نشر دراسة عام 1845 بعنوان:"محمد والقرآن"، وتتالت دراسات أخرى تركزت في مجال العقائد والديانات، وتوج عمل المستشرقين - حديثاً - في هذا المجال بصدور "دائرة معارف القرآن" التي كان القصد الأساسي فيها دراسة النص القرآني نفسه، وفي سياق آخر مثلت مدرسة المنار والمدرسة الإصلاحية، والاتجاه الأدبي في التفسير، أهم الحواضن للتفسير الموضوعي، إلى أن ظهرت أول رسالة علمية أكاديمية قدمها محمد محمود حجازي عام 1967 بعنوان:"الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم" كأطروحة للدكتوراه في الأزهر، ثم تبعته دراسات أخرى كثيرة، إلى أن وجدت الفكرة تطوراً آخر لدى محمد باقر الصدر في تركيزه على الجانب الاجتماعي وربط التفسير بالواقع، فيما يتحول التفسير الموضوعي إلى مجال للتأويل عند حسن حنفي الذي يعتبر النص مجرد معطى يمكن أن يملأه المؤول بالمضمون الزماني والمكاني الذي يعيشه.

هذا السرد التاريخي التحليلي كان بمثابة أرضية لنقد المنهج في التفسير الموضوعي ومشكلاتها، وقد توقف فيه بالخصوص عند جهد الباحث الياباني "توشيكو إيزوتسو" ومقاربته للكلمات المفتاحية في القرآن، كما توقف عند مشكلة الترتيب التاريخي لآيات القرآن وأعمال المستشرقين والمعاصرين في هذا المجال وموقفهم منه، وأولى اهتماماً خاصاً للدراسة الدلالية والمصطلح القرآني، والدراسة النصية ودور السياق الجزئي والكلي في التفسير، وتوقف عند أهم الإشكالات في التفسير الموضوعي وهي دعوى الموضوعية في مقابل التحيز، واعتبر أن الرجوع إلى النص القرآني يقلل من الخلاف.

أما التفسير الموضوعي للسورة (النوع الثاني للتفسير الموضوعي) فيقصد به "وحدة السورة" موضوعياً أو عضوياً أو نسقياً على اختلاف في الاصطلاح، وخلاصته أنه "النظر في السورة القرآنية من حيث كليتها ونظمها، لا من حيث الدلالة التفصيلية لآياتها"، ويرصد جذور هذا النوع من التفسير الذي يرجع الاهتمام الصريح به إلى الباقلاني وحديثه عن نظم السورة، كما اهتم الرازي بمناسبات الآيات في السورة الواحدة، وأولى ابن تيمية وابن القيم اهتماماً بموضوع السور، فيما تحدث الشاطبي عن مقاصد سور القرآن، إلى أن جاء البقاعي واعتبر القرآن وحدة مترابطة وأن هذه الوحدة تسري بين سوره وآياته، فكل سورة لها مقصد واحد يدور عليه أولها وآخرها، ويستدل عليه فيها، أما في العصر الحديث فتطور النظر إلى الموضوع مع عبد الحميد الفراهي في نظريته حول "نظام القرآن"، ويرى أن لكل سورة صورة مشخصة، وأن للسورة عمود يجري إليه الكلام، ويُتَابع الموضوع مع محمد عبد الله دراز الذي تحدث عن وحدة عضوية للسورة ونظام معنوي وبنية متماسكة، وتجد فكرة وحدة السورة حضورها عند المدرسة الأدبية وسيد قطب وآخرين اختلفت تسمياتهم للفكرة الأساسية، وهي الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، والتي ترتبط بعناوين منهجية تبدأ من دلالة اسم السورة، وتاريخ النزول وبيئته، وتناسب الآيات، وعمود السورة وقضاياها ومقاصدها.

هذه المحاور التي دارت عليه هذه الدراسة تمثل مداخل قدمت من خلالها إضافة مهمة في الرصد التاريخي والتأطير المنهجي، والتحليل والنقد، لنوع من التفسير هو الأكثر شيوعاً في الدراسات القرآنية المعاصرة، والأكثر اضطراباً أيضاً من حيث المنهج والدقة المفهومية، لذلك اكتفى الباحث بالتحليل والنقد والتساؤل، ليجعل من دراسته مقدمة للتأصيل المنهجي الذي ينبغي لكل مدع لهذا النوع من التفسير أن يلم بتاريخه ومشكلاته المنهجية.

لكن هذا النقد إن كشف عن اضطراب منهجي وارتجال التطبيق في هذا التفسير، أو توظيفه بالبحث عن مقولات الواقع في النص، فإن جانباً مهماً في هذا اللون من التفسير يمثل أرضية متينة للدرس القرآني المعاصر، سواء باسم التفسير الموضوعي أو بأسماء أخرى، وذلك من خلال تطوير الأدوات المنهجية وربطها بالعلوم اللسانية، والتي يمكن من خلالها الكشف عن بنية القرآن، ومفهوماته، ونظرياته، وأحكامه، بطريقة أشد تماسكاً وأقل اختلافاً.