بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيطيب لي إخواني رواد الملتقى أن أرفع إلى جنابكم الموقر هذا البحث الذي اطلعت عليه بنشرة رابطة علماء المغرب لصاحبه:ذ. محمد الغرضوف
باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان والحضارات .فارتأيت أن أطلع أساتذتنا ومشايخنا عليه من أجل إبداء الرأي.
العنوان : الوحدة البنائية للقرآن الكريم

يعكس البحث في القرآن الكريم -في الواقع- إشكالا مركزيا ضمن مجمل إشكالات المفاهيم القرآنية، وهو إشكال المنهج الكفيل باستخراج المفاهيم القرآنية بالشكل الذي يعكس القدرة الاستيعابية والقدرة التأطيرية للقرآن بالنسبة لكل المفردات التي تتحرك في الواقع البشري. وسؤال المنهج وإن كان سؤالا في الوسائل؛ فهو حديث بالضرورة في صلب المقاصد إذ هما وجهان لعملة واحدة وهي عملة المفهوم الإسلامي الذي يتطلب بناؤه المنهج الصحيح قبل الخوض في المضامين المتشعبة والمنتشرة على طول الآيات القرآنية الكريمة. وأعتقد جازما أن من أهم النظرات التي من شأنها إغناء منهج تفسيري قادر على استخراج المفاهيم القرآنية الصحيحة :"نظرية الوحدة البنائية للقرآن"[1]، وخلاصتها ذلك التماسك والترابط الشديد بين سور القرآن حتى لكأنه كلمة واحدة، وذلك عبر تماسك وترابط المفاهيم والقضايا التي تفيض بها هذه السور، ولا يمكن وفق هذه النظرية تصور أو إدراك بشكل سليم لأية قضية أو أي مفهوم إلا من خلال تحديد الموقع الديكارتي له[2] -إن جاز التعبير– بين المحور العمودي الخاص بالبناء العام للسورة من حيث أطروحتها المركزية أو مقصدها الأساسي الذي تدور عليه المفاهيم والقضايا المتضمنة داخل هذه السورة، والتي صيغت من حيث النظم والسياق والأسلوب لخدمة هذه الأطروحة بدعمها والاستدلال أو الحجاج لها أي بنائها مفهوميا، وبين المحور الأفقي الخاص بالبناء الموضوعي لهذه القضايا والمفاهيم عبر امتداداتها في السور والتي من خلال جمع جزئياتها المتفرقة يتم بناء الصورة العامة لهذه القضية أو هذا المفهوم.
وقبل إعطاء بعض التفاصيل المنهجية حول نظرية الوحدة البنائية للقرآن لا بأس من سرد لمجمل الإشكاليات العالقة في الدرس التفسيري وكذا بعض الحاجيات المعرفية الملحة بهذا الخصوص كتمهيد لما يمكن أن تعمل على حله "نظرية الوحدة البنائية للقرآن".

سنحاول في هذه الدراسة معالجة هذا الموضوع من خلال العناصر التالية:

أولا- إشكاليات عالقة في الدرس القرآني.
ثانيا- حاجيات معرفية ملحة في الدرس الاصطلاحي القرآني.
ثالثا- نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم -خطوط عريضة– وسنعرض فيها لـ:
1- مفهوم نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم.
2- منهج إنجاز نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم.
3- الخطاطة النظرية للوحدة البنائية للقرآن الكريم.
4- منهجية القراءة البنائية للسورة.
5- تصميم أولي لصياغة نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم: "العرض البنائي".
خاتمة.
ملاحق: نماذج تخطيطية وتحليلية بنائية لبعض الآيات والسور.
أولا- إشكاليات عالقة في الدرس القرآني
عموما تتلخص هذه الإشكاليات التي يتعذر حلها في القريب العاجل في سؤال المنهج: منهج بناء المصطلحات والمفاهيم؟ ومنهج إدراكها واستيعابها وتطبيقها؟
ولعل أول هذه الإشكاليات: إشكالية العلاقة بين المصطلح والمفهوم:
هل العلاقة بين المصطلح والمفهوم تبنى على الإفراد أم التعدد بمعنى هل لكل مصطلح مفهوم ولكل مفهوم مصطلح وهذا هو الإفراد، أم أن لكل مصطلح مفاهيم ولكل مفهوم مصطلحات تعبر عنه وهذا هو التعدد.
بناء على ذلك هل صياغة المفهوم تتأسس على استعمالات المصطلح في سياقات معينة أم صياغته تتأسس على تركيب دلالات شبكة من المصطلحات؟
ثم متى يمكننا الحديث عن استقلال المفهوم لخصوصية الاصطلاح ومتى يمكن الحديث عن انفتاح المفهوم من حيث الدلالة على ضوء شبكة العلاقات؟
ثاني هذه الإشكاليات مرتبطة بالدراسة المصطلحية التي تحتاج صراحة إلى مزيد من التعديل والتطوير، وقد حاولنا في مقام آخر تعديل بعض الخطوات المنهجية وتطوير بعضها الآخر بما يستجيب مع الدرس القرآني وطبيعة النتائج المراد التوصل إليها. فالإشكال يكمن في الوقوع في التجزيئية على مستوى بناء المفاهيم حيث أن لا الرصد ولا الوصف بإمكانهما بناء المفهوم القرآني، كما إن منهجية البحث اللغوي -وإن كانت هذه مسائل تقنية فلها دور مهم فيما نحن بصدده- لا يحقق المقاصد المرجوة؛ لهذا نقترح "مؤشر المنسوب الكمي" وفق نظرية المشتقات، فبإمكانها كما اعتقد تجاوز هذا الإشكال، أما طريقة التعامل مع القرآن الكريم وفق هذا المنهج؛ فإن تتبع المصطلح ومشتقاته وسياقاته في سور القرآن الكريم لا تكفي وحدها لرصد بنائية المفهوم القرآني، لهذا كان مقترح "المنهج البنائي".
ثانيا- حاجيات معرفية ملحة في الدرس الاصطلاحي القرآني
أفضت محاولاتي البحثية في رحاب القرآن الكريم وفق الدراسة المصطلحية المدعمة بالتفسير البنائي[3] إلى رصد حاجيات أساسية وعاجلة لإنجاز الموسوعة المصطلحية والمفهومية القرآنية في أفق تأكيد مرجعية القرآن الحضارية:
أولا- نحن في حاجة إلى معجم لغوي اصطلاحي شامل أي: مراجعة لكل المعاجم اللغوية التاريخية والمعاصرة، وإعادة صياغتها وفق مناهج الدراسة المصطلية لإنجاز مشروع معجم لغوي مصطلحي يستجيب لطموحات الأمة المعرفية.
ثانيا– نحن في حاجة إلى دراسة أكبر عدد من المصطلحات القرآنية وفق منهج الدراسة المصطلحية وذلك بسبب ترابط المفاهيم والمصطلحات بعضها ببعض وهذا ما يمكن أن نسميه ضمن نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم بالتفسير الموضوعي/ المصطلحي (المصطلحات يوضح بعضها البعض الآخر)، وبناء على ذلك نحن في حاجة إلى إنجاز شبكة العلاقات البنائية للمصطلحات القرآنية.
ثالثا- نحن في حاجة إلى موسوعة البيانات النبوية للألفاظ القرآنية.
رابعا- نحن في حاجة إلى تجديد المنهج في الدراسات المصطلحية والدرس التفسيري على أساس "نظرية الوحدة البنائية" و"التفسير البنائي"، فستكون فتحا بإذن الله.
ثالثا- نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم –خطوات تأسيسية-
أ- مفهوم نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم
يتطلب تحديد مفهوم دقيق لنظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم من إنجاز بحث علمي تفصيلي لها وهو ما ستحاول هذه المقالة بإعطاء تصور أولي فقط حول منهجية هذا البحث العلمي المزمع إنجازه، لكن لا بأس في هذا المقام من تقديم -ولو بشكل وجيز ومختصر- فكرة عامة عن هذه النظرية:
إن الوحدة البنائية تعني في جملة أن القرآن الكريم بكل آياته وبكل سوره وبكل قضاياه ومواضيعه هو في آخر المطاف "وحدة موضوعية واحدة" متجانسة ومتكاملة غير قابلة للتجزيء ولا للتقسيم أي قبول بعض القرآن ورفض البعض الآخر على سبيل المثال، كما أن كل المحاولات التي تريد إقصاء القرآن عن ساحة الفعل الحضاري من خلال محاولات مكشوفة عبر عناوين التجديد أو النقد ترتد أمام وحدته البنائية خاسئة وهي حسيرة؛ لأن القرآن الكريم بكل بساطة من عند الله فطبيعي أن يتسم بصفات الرحمان من الكمال والتوحيد ولهذا فهو معجز في نظمه ومعجز في دلالاته ومعجز في تناسبيته البيانية العجيبة؛ وهذا الضرب من الإعجاز هو ما تكفل بإبراز معالمه البحوث البيانية حول القرآن الكريم، وهي بحوث لعبت دورا مهما في مواجهة محاولات الطعن في القرآن الكريم في عصرها. أما الآن حيث تصاعد وتيرة النقد والطعن واستفحالها وخطورتها على الطلبة الباحثين والمثقفين المسلمين المتأثرين بثقافة الغرب؛ فإنه أصبح من الضروري إبراز هذه الوحدة البنائية للقرآن الكريم بالمنهج الذي يتناسب والتحديات المعاصرة التي تتسلح بمناهج العلوم الإنسانية بكل ما تحمله من مفردات تعقيدية أحيانا وملتبسة أحايين أخرى، كما أن من شأن هذه الوحدة البنائية أن تؤهل الجهود الرامية إلى إعادة بناء العلوم والمعارف الإسلامية على ضوء مقاصد القرآن الكريم ومرجعيته الحضارية.
ب- منهج إنجاز نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم
* المراحل الأساسية:

1. رصد مقاصد القرآن من خلال:
أ. تتبع حديث القرآن عن القرآن.
ب. رصد علله المنوطة به عبر منهج التعليل.
جـ. تجميع هذه العلل في مقاصد كبرى جامعة.

2. تحقيب سور القرآن في خانات هذه المقاصد من خلال النظر العمودي للسورة وذلك عبر:
أ. التفكيك البنيوي للسورة في شكل قضايا ومواضيع.
ب. رصد الهيكل البنائي لهذه المقاطع (أي وحدتها الموضوعية)
جـ. تحديد مقاصد هذه المقاطع عبر منهج التعليل.
د. رصد الخيط الناظم والمعنى الجامع لهذه المقاطع.
هـ. صياغة هذا المعنى الجامع في شكل أطروحة مركزية للسورة.
يتم اختيار هذا المعنى الجامع عبر:
1. براعة الاستهلال.
2. خواتيم السورة.
3. تتبع مادة المصطلح المركزي لهذه الأطروحة في السورة.
و. إنجاز الشبكة المفهومية التي تجمع الأطروحة المركزية بالمقاصد الجزئية.

3. تتبع امتدادات القضايا الجزئية في السورة الواحدة عبر باقي سور القرآن الكريم (وهذا هو النظر الأفقي أو التفسير الموضوعي) وذلك بهدف:
أ. تجميع عناصر السورة.
ب. رصد أوجه العلاقات بين السور (وجوه التكامل).
جـ. تحليل الحضور الكمي من خلال معيار الحضور النوعي.

4. إنجاز خطاطة الوحدة البنائية للقرآن وذلك بهدف:
ـ جعل هذه الوحدة معيار التقييم والنقد فيما يخص قضايا التراث أو مشاريع الإصلاح (أي مدى تحقيقها لمقاصد الوحدة البنائية للقرآن).
ـ فهم وإدراك المنطق الكلي والتماسك المعنوي للقرآن وآليات اشتغاله في تأطير القضايا الجزئية.
ج- الخطاطة النظرية للوحدة البنائية للقرآن الكريم


رابعا- منهجية القراءة البنائية للسورة
يتطلب إنجاز الوحدة البنائية للسورة ومن تم الوحدة البنائية للقرآن الكريم قراءة بنائية للسورة ويمكن تصورها على الشكل التالي:
أ- المنسوب الكمي لمعطيات السورة وتتم من خلال مرحلتين:
مرحلة التفكيك أي إحصاء الألفاظ الواردة في السورة وتحليلها وترتيبها حسب النسب المئوية:
ـ الأسماء.
ـ الأفعال.
ـ الحروف العاملة، أدوات الوصل...
ـ المصادر...

مرحلة التركيب على ضوء ذلك نستخرج:
ـ بنائية الألفاظ.
ـ بنائية الآيات.
ـ بنائية السور.

ومما سبق يمكن صياغة "الوحدة البنائية للنظم" وذلك على أساس "التناسب البياني".
ب- المنسوب المعنوي لمعطيات السورة
يرتبط هذا المنسوب بالمعطيات الدلالية والمعنوية للسورة ويتم رصد هذا المنسوب بالتفكيك المعنوي للسورة وذلك من خلال الخطوات المنهجية التالية:

1- استخراج القضايا والمواضيع التي تعالجها السورة.
2- تصنيف هذه القضايا في وحدات موضوعية، مثل الوحدة العقدية والتشريعية والأخلاقية وغير ذلك.
3- تحليل أسلوب الخطاب الحامل لهذه المضامين بحيث نتمكن من رصد طبيعة بنائها اللغوي والبلاغي والمنهجي... الخ.
4- تصنيف الوحدات الموضوعية السابقة في أبواب جامعة لطبيعة التناسب الحاصل في هذه الوحدات، مثل التناسب المضموني والتناسب التأثيري والتناسب المنهجي والتناسب الفني والجمالي.
5- استثمار المعطيات السابقة في تحليل تفسيري للسورة يعكس بعدها البنائي مع ضرورة ربط كل محطة دلالية جامعة في السورة بالمقصد الأساسي أو الأطروحة الأساسية للسورة حسب الخطاطة النظرية للوحدة البنائية للقرآن الكريم السابق ذكرها.

وهكذا يمكننا البرهنة العملية على الوحدة البنائية للقرآن الكريم كأنه جسد واحد غير قابل للتجزيء أو التقسيم.
خامسا – تصميم أولي لصياغة نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم:
"العرض البنائي"[4] نتصور أن ثمرات البحوث السابق ذكرها يمكن عرضها على الشكل التالي:
الباب الأول- دراسات مصطلحية لمفاهيم "نظرية الوحدة البنائية للقرآن الكريم"
الفصل الأول، مصطلح/مفهوم "البناء" في القرآن.
الفصل الثاني، مصطلح/مفهوم "الوحدة" في القرآن.
الفصل الثالث، مصطلح/مفهوم "القرآن" في القرآن.
خلاصة الباب: "مفهوم الوحدة البنائية للقرآن الكريم".
الباب الثاني- نظرية الوحدة البنائية في القرآن الكريم
الفصل الأول- الوحدة البنائية للنظم: "البناء الشكلي المعماري"
المبحث الأول- هندسة التركيب البنائي للسورة في القرآن
الفرع الأول- بنائية المقدمة: براعة الاستهلال، التمهيد العام الكلي، التمهيد الداخلي الجزئي....
الفرع الثاني- بنائية العرض: أدوات الوصل، التمهيد، التداعي، النمو، التجانس.....
الفرع الثالث- بنائية الخاتمة: مقاصد الرحلة القرآنية.

المبحث الثاني- هندسة البناء النظمي
الفرع الأول- بناء الألفاظ: التناسب الصوتي.
الفرع الثاني- بناء الآي: التناسب الإيقاعي.
الفرع الثالث- بناء السور: التناسب الإجمالي.
خلاصة الفصل: "طبيعة الوحدة البنائية للنظم"

الفصل الثاني- الوحدة البنائية للخطاب الدلالي للقرآن
المبحث الأول- التناسب المضموني للقرآن
الفرع الأول- البناء العقدي ومقاصده.
الفرع الثاني- البناء التشريعي ومقاصده.
الفرع الثالث- البناء الأخلاقي ومقاصده.
المبحث الثاني- التناسب التأثيري للقرآن
الفرع الأول- البناء النفسي ومقاصده.
الفرع الثاني- البناء العقلي ومقاصده.
الفرع الثالث- البناء القلبي ومقاصده.

المبحث الثالث- التناسب الفني والجمالي للقرآن
الفرع الأول- بنائية الأسلوب الفني ومقاصده.
الفرع الثاني- بنائية القصة ومقاصدها.
الفرع الثالث- بنائية الحوار ومقاصده.
الفرع الرابع- بنائية المثل ومقاصده.

المبحث الرابع- التناسب المنهجي للقرآن
الفرع الأول- بنائية الخطاب التكليفي (أصول الفقه القرآني)
الفرع الثاني- بنائية الخطاب المقاصدي (تركيب المقاصد التناسبية السابقة)
الفرع الثالث- البناء المعرفي ومقاصده
خلاصة الفصل- طبيعة الوحدة البنائية للدلالات
الباب الثالث- نموذج تطبيقي: "التفسير البنائي لسورة البقرة"
الفصل الأول- الوحدة البنائية لسورة البقرة
المبحث الأول- الوحدة البنائية للنظم
المبحث الثاني- الوحدة البنائية للدلالات

الفصل الثاني- التفسير البنائي لسورة البقرة

بعد ذلك يعمم التفسير البنائي لباقي السور بعد تلمس الثمرات المرجوة من التفسير البنائي لسورة البقرة نظريا وتطبيقيا.
خاتمـــــة
عموما إن الغرض من طرح هذا التصور في هذا المقام يتمثل في قناعة مفادها أن القرآن ليس نصا مستغلقا حتى يمكن الحديث عن العجز عن فهمه في تمهيد لإقصائه عن ساحة الفعل الحضاري بناء وتوجيها أو تقويما وتصحيحا، بل العكس هو الصحيح إذ القرآن ميسر للذكر ولكن لمن أراد أن يذكر أو أراد خشوعا.
فمسألة الفهم : فهم معاني القرآن، توجيهاته، مقاصده، أحكامه... كل ذلك رهين بعملية نفسية وفكرية بسيطة لعل مناطها الأساسي هو التقوى، تقوى الله والتي مدارها على آلية أساسية ومركزية في اشتغال منظومة التقوى وهي آلية: الالتزام (= الميثاق).
ورحم الله سيد قطب عندما قال: "إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق، وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله. ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها؛ وتسمع توجيهاته؛ وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام... ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها، وحين اتخذت القرآن مهجورا -وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقى وأدعية- أصابها ما أصابها"[5].
إن مرجعية القرآن الكريم الحضارية ليست بالشيء المستحيل، فقد حقق القرآن الكريم عالميته في الصدر الأول فكيف لا يمكن له أن يحقق عالميته الثانية، الواقع أن مفتاح هذه العالمية يكمن في الكسب البشري ونهله من هذا الكتاب العظيم بالمجهود والكيفية التي تليق بكتاب أنزله رب العالمين هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان: "ذلك أن كتابا نزل إلى العالمين، إلى الناس كافة على امتداد أزمنتهم وأمكنتهم لابد أن يبقى مفتوحا للأجيال تنهل منه على اختلاف بيئاتها وأزمانها، ولو كان ذلك بأقدار ونسب متفاوتة. إنه لمن الخطأ أن تعمد مدارس أو فرق أو اتجاهات إلى محاصرة الوحي بأفهامها، فلا تسمح له بالامتداد إلا بمقدار ما تسمح له عقولها ومداركها. فما كان لهذا الدين إن سادته هذه الأفهام في صدره الأول أن يحقق عالميته الأولى ولا أن يغادر الجزيرة ليصل آفاق الأرض."[6]
فمناط الأمر، إذن، دعوة للتحرر من القيود المذهبية التي حنطت الآيات في أفهام تاريخية غير قابلة للرد أو التعديل أو حتى التكميل، وهذا لا يعني بالضرورة رفض كل هذا التراث التفسيري الجليل، وإنما كما يقال تاريخ العلوم هو تاريخ تراكم لا تاريخ القواطع المعرفية، إننا في حاجة إلى استئناف حضاري بوابته الكبرى استئناف في الإبداع العلمي والمعرفي ولعل عنوان إعادة بناء علومنا وفق مرجعية القرآن الكريم هو البداية الصحيحة[7].
ملاحق ذات صلة بالموضوع : [8]
ملحق1
نماذج من التخطيط البنائي للآيات والسور:
وتندرج هذه الخطاطات في إطار الوحدة البنائية للدلالات [9]
• خطاطة بنائية للآيات:26-29 من سورة البقرة:
• النمط التشجيري

ـ خطاطة بنائية عامة لسورة البقرة:

ملحق2:
نموذج "تحليل بنائي" لميثاق النصارى في سورة المائدة[10]:
1- الهيكل البنائي:
أ-موقع النصارى في البناء العام لسورة المائدة:
هناك أربع أصناف وقع عليها الخطاب القرآني في السورة:
- صنف المؤمنين.
- صنف أهل الكتاب على سبيل العموم.
- صنف اليهود على سبيل الخصوص.
- صنف النصارى على سبيل الخصوص.

وقد توجه الخطاب للمؤمنين على أساس التكليف الشرعي بجملة من الأحكام ذات طابع تكميلي، في حين كان الخطاب لأهل الكتاب عموما واليهود والنصارى خصوصا يتركز من جهة، على دعوتهم لعقيدة التوحيد والدخول في الإسلام كما يتركز من جهة أخرى، على رد أباطيلهم وتصحيح التصورات العقدية حول قضايا التوحيد.
ومن أجل توضيح الصورة أكثر نعرض للعناوين الأساسية لحديث سورة المائدة لهذه الطوائف خاصة اليهود والنصارى ارتباطا بالموضوع الأصلي لهذا المبحث.

وقبل ذلك أحب الإشارة إلى توافق عجيب في نسب الآيات حول هذه الطوائف جاءت كما يلي:
عدد الآيات المجموع عدد آيات سورة المائدة
اليهود 26 60 122
النصارى 26
أهل الكتاب 8
المؤمنين المسلمين 60 60

فكان السورة توجهت بالخطاب بشكل متساو بين صنفين:
- صنف المؤمنين : 60 آية.
- صنف أهل الكتاب: 60 آية، ومجموعهما هو عدد آيات سورة المائدة.
كما أن السورة جاءت في حديثها عن اليهود والنصارى متسامية النسب:
- اليهود : 26 آية
- النصارى : 26 آية.

كما أنه على مستوى المواضيع والمضامين نجد تقارب كبير على هذا المستوى كما يوضحه هذا الجدول.
اليهود النصارى
الآيات المواضيع الآيات المواضيع
12 و13 نقض اليهود للميثاق 14 نقض النصارى للميثاق
18 الأباطيل العقدية لليهود 17 الأباطيل العقدية للنصارى
20←26 مواقف اليهود مع موسى والأرض المقدسة 18 الأباطيل العقدية للنصارى
27← 32
جريمة القتل عند اليهود وقياسها على قصة بني آدم 46-47 إلزام النصارى بحكم التوراة وتصديق الإنجيل له
44-45 هداية التوراة وحكم القصاص 72←76 عقائد باطلة للنصارى
64 من أقبح أقوال اليهود (العقائد الباطلة) 82←86 موقف النصارى من المؤمنين
70-71 تكذيب اليهود للرسل رغم الميثاق 110-111 التذكير بمعجزات عيسى
78←81 لعن اليهود وتصرفاتهم الولائية 112←115 إنزال المائدة بطلب الحواريين
82 عداوة اليهود للمؤمنين 116←120 تبرئة عيسى من مزاعم النصارى
- إننا نلاحظ من خلال هذا الجدول أن أهم العناصر المشتركة تتمثل في أربع عناصر أساسية:
ـ نقض الميثاق.
ـ عقائد منحرفة حول التوحيد.
ـ الإلزام بأحكام الكتاب (توراة أو إنجيل).
ـ طبيعة العلاقة أو الموقف من المؤمنين.

في حين انفرد الحديث عن اليهود في السورة بموضوع المواقف المخزية لليهود تجاه موسى ، تفرد الحديث عن النصارى بالتذكير بمعجزات عيسى وقصة المائدة وتبرئة المسيح من مزاعم النصارى.
- كما نلاحظ بروز موضوع نقض الميثاق ضمن الهيكل البنائي لخطي اليهود والنصارى في السورة إذ جاء مستهلا في بداية الحديث عنهم، وإذا ما أخذنا بمبدأ براعة الاستهلال في هذا المقطع فإننا نفهم خلفيات تفاعل المواضيع الآتية سواء في خط مواضيع النصارى أو مواضيع اليهود.
وبخصوص النصارى يمكن اعتبار انطلاقا من هذا التصور أن نقض الميثاق هو الخلفية السلوكية المؤسسة لباقي المواضيع، كما أن هذه المواضيع يمكن أن تشكل إضاءات على موضوع نقض الميثاق بالمقابل.
2- الأطروحة المركزية
لاشك أن من يتدبر سورة المائدة آخذا كما قلنا بـ:
ـ براعة الاستهلال.
ـ مجمل العقود الواردة في السورة.

يفهم أن الموضوع الأساسي الذي تدور عليه السورة يتعلق بالوفاء العقود والمواثيق والعهود.
والعقود كما يتبين من خلال تفكيك مفردات السورة لا ينحصر فيما يتعلق بالفقه العملي أي المعاملات وما إلى ذلك، وإنما –وهذا هو المقصود- بالجانب العقدي أساسا وإلا لما وجدنا رابطا بين طلب الوفاء بالعقود في بداية السورة، وبين الحديث عن أهل الكتاب واليهود والنصارى، ذلك أن العقد الإلهي الذي يعبر عنه في السياق القرآني بالميثاق أو العهد في مواقع أخرى هو العقد الأساسي والمهم والجوهري في الخطاب القرآني، إذ هذا الأخير يتمحور أساسا على ربط الناس بربهم بتصحيح التصورات عنه وببيان منهج التصور الصحيح حول هذا الموضوع، ويتفرع عن ذلك في مراحل لاحقة كل المواضيع الأخرى ذات البعد التشريعي أو الأخلاقي لكنها في المجمل أو المحصلة خادمة لهذا القصد التوحيدي.

وهذا ما وجدناه في سورة المائدة مبينا وواضحا بشكل انسيابي ومعجز في نفس الآن:
فالأحكام الشرعية التكليفية سواء العبادية أو الأخلاقية السلوكية جاءت لتعكس بعد الحاكمية الإلهية من خلال اتباع شرعه، كما أن التعقيبات الكثيرة على هذه التكليفات حملت مضمون هذه الحاكمية والحوار مع أهل الكتاب وتفنيد أباطيل اليهود والنصارى جاءت لتصحيح التصور العقدي حول موضوع الربوبية، كما أن التعقيبات عنها وعن سابقتها عكست بشكل جلي بعد توحيد الأسماء والصفات؛ فهكذا تصبح أمام مشهد ظاهري للآيات يعالج موضوع الأحكام الشرعية والجدال والحوار الديني لكن في عمقه ومقصده؛ فإننا بصدد مشهد عقدي يعالج موضوع التوحيد.
ولإدراك موقع ميثاق النصارى ضمن هذا كله نقترح الخطاطة التالية:

فالموقع البنائي لميثاق النصارى في السورة يقع بين الإحداثية التالية (محور الرد على أهل الكتاب، الخط العقدي)
3- التركيب البنائي
يمكن معالجة التركيب البنائي لميثاق النصارى على الشكل التالي:

أ. الدواعي والموجبات
التي تحتم على النصارى تطبيق الميثاق:
- أخذ الله تعالى نفسه الميثاق منهم (الآية 5/14).
- دعوى التنصر (الآية 5/14).
- الوعد (الآيات5/84- 5/85- 5/449).
- الوعيد (الآيات 5/14 – 5/86- 5/109- 5/115).
- الإقرار من طرف النصارى (الآية5/83).
- إنزال المائدة (الآيات 5/112- 5/115)؛ (فهي معجزة داعية للتصديق كما أنها تثبت إعجاز القرآن في ذكر الغيب التاريخي).
- التذكير بالميثاق (الآية5/14).
- البرهان الحجاجي القرآني في تنفيذ عقيدة النصارى المنحرفة (الآيات 5/17- 5/18 – 5/75 – 5/76).
- ظهور الحقيقة يوم القيامة (الآيات 5/14 – 5/116 – 5/118).

ب. الشروط
- مجيء الرسول .
- تصديق القرآن لما جاء في الإنجيل.

جـ. المجالات
العقيدة أساسا (موضوع التوحيد والإلوهية والتثليث ... الخ).

د. المضامين
- توحيد الله وتحريم الشرك (بشكل عام) (5/69 -5/72- 5/117).
- تحريم عقيدة إلوهية المسيح (5/17).
- تحريم عقيدة التثليث (5/73).
- الحكم بالإنجيل (وفيه اتباع محمد ) (5/47).
- اتباع الرسول (مفهوم الموافقة) (5/83).

هـ. الاستحقاقات والنتائج
• استحقاقات الوفاء والتطبيق:

- رفع الخوف والحزن (5/69).
- خيل درجة الشهادة (5/83).
- الدخول مع القوم الصالحين (5/84).
- جزاء الجنة (5/85 – 5/119).
- نيل رضوان الله (5/119).
• استحقاقات النقض والتحريف:
- إلقاء العداوة بينهم (5/14).
- إلقاء البغضاء بينهم (5/14).
- العذاب الدنيوي بسبب الذنوب (5/18).
- حكم الفسق (5/47).
- الحرمان من الجنة والأنصار والدخول إلى النار (5/72).
- المس بعذاب أليم (5/73 – 5/115).
- جزاء الجحيم (5/86).

• العلل: (أو أسباب نقض النصارى للميثاق)
- النسيان (5/14).
- التوهم بأنهم أبناء الله وأبناؤه (5/18) (عقيدة شعب الله المختار).
- سوء فهم معجزات عيسى من إحياء الموتى وغيرها حيث أوهمهم شاول بولس أن هذه الأفعال لا تكون إلا من إله فاعتبر النصارى عيسى إلها (ن، تفسير السمرقندي، 1/423).
- عدم تدبر الآيات (الكونية والمكتوبة) كما أراد الله (5/75).
- عدم استعمال العقل (5/76).
بالإضافة إلى ذلك هناك آيتا سورة البقرة اللتان تشيران إلى الأسباب التالية:
- كراهية إنزال الخير على غيرهم (2/105).
- الحسد (2/109).
الهوامش:
_
1. من أبرز من تحدثوا عن الموضوع: د. طه جابر العلواني بمقالة الوحدة البنائية للقرآن المجيد بمجلة الكلمة وقد ركز فيه على اهتمام العلماء بموضوع التناسب البياني ثم ما لبث أن توسع في الموضوع في كتاب يحمل نفس العنوان أصدرته مكتبة الشروق الدولية وهو يشكل أرضية خصبة مهمة في التعرف على هذه النظرية من حيث الأهمية وتأثير هذه النظرية على العلوم وكذلك جذورها التاريخية، كذلك نجد مساهمة الدكتور أحمد عبادي في فصل خاص ضمن رسالته للدكتوراه: "مفهوم الترتيل في القرآن الكريم" الصادر مؤخرا، وقد نشر ما يتعلق بالوحدة البنائية ضمن مقالة له بمجلة رسالة القرآن، كما نجد مجهود ملموس لمحمود البستاني في كتابه: "المنهج البنائي في التفسير"، وقد حاولت الاطلاع على تفسيره الموسوم بعمارة السورة القرآنية في 6 أجزاء لكني لم أستطع الحصول على الكتاب؛ لهذا الغرض حاولت -تكملة لهذه الجهود الطيبة- اقتراح منهج لاكتشاف هذه الوحدة البنائية في هذا المقال وكلي أمل في أن يحظى هذا المشروع بالدعم المنشود توجيها ونقدا وتصحيحا وإن كان يخطو خطواته الأولى. غير أن الرغبة في فتح نقاش جدي في الموضوع أرغمتني على نشر هذه الورقات والله الموفق وهو يهدي إلى سواء السبيل.
2. نسبة إلى المَعْلَم الديكارتي في علوم الرياضيات أي الحديث عن الإحداثيات، والكلام هنا –على أي حال– مجازي المقصود به ضبط الموقع المعرفي للمفاهيم ضمن النسق القرآني.
3. منها بحث دبلوم الدراسات العليا المعمقة الموسوم بـ"الميثاق في القرآن الكريم: دراسة مصطلحية وتفسير بنائي" موسم 2005 /2006 وبحث "التدافع في القرآن الكريم: دراسة مصطلحية" الذي شاركت به في الندوة الوطنية التي نظمها مركز دراسات المعرفة والحضارة بتعاون مع وحدة السلك الثالث ببني ملال في موضوع "التدافع الديني والحضاري بين العالمين الإسلامي والغربي" أيام 9 -10 ماي 2006.
4. وإذ نقترح هذا التصميم كدعوة مفتوحة للباحثين المختصين للمساهمة في هذا المشروع باعتباره مشروعا أكبر من المجهود الفردي.
5. في ظلال القرآن، ج1.
6. شبار سعيد، تقرير عن أطروحة "الاجتهاد والتجديد في الفكر العربي الإسلامي المعاصر"، م. المنعطف، ع 18-19، 2001م، ص: 210-211.
7. تندرج في هذا الإطار محاولات الدكتور طه جابر العلواني في سلسلته القرآنية التي تنشرها له مكتبة الشروق الدولية وقد صدرت منها العناوين التالية:1- أزمة الإنسانية ودور القرآن الكريم في الخلاص منها. 2- الجمع بين القراءتين. 3- الوحدة البنائية للقرآن المجيد. 4- لسان القرآن ومستقبل الأمَّة القطب.
8. لا تعكس هذه النماذج التي سنذكرها المنهج الذي سطرناه في بيان الوحدة البنائية للقرآن المجيد إلا في بعض جوانبه ولهذا فالغرض من عرضها إعطاء صورة أولية لكيفية الاشتغال على هذا الموضوع ونظرا إلى أن هذا ما توفر حاليا بعد إنجاز هذه الدراسة التي نحن بصددها، لكن الأمل كبير في عون الله في إنجاز ما تم التنظير له في هذه الدراسة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
9. أخذنا هذه النماذج من بحثنا: الميثاق في القرآن الكريم –دراسة مصطلحية وتفسير بنائي- السابق ذكره.
10. لكن دائما في إطار البناء الدلالي دون البناء الشكلي المعماري الذي هو جدير بالإفراد بالدراسة في غير هذا الموضع.