تفسير سورة الكوثر

بسم الله الرحمن الرحيم : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .

هذه سورة الكوثر، امتن الله -- فيها على نبيه -- بأن أعطاه الكوثر، وهو نهر في الجنة، كما فسره بذلك النبي -- وقد رأى النبي -- هذا النهر لما عرج به إلى السماء السابعة.

وهذا النهر نهر في الجنة يصب على حوضه -- في عرصات القيامة بميزابين، كما قرر ذلك الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية" والحافظ ابن حجر بمجموع النصوص الواردة عن النبي -- في الحوض والكوثر.

فامتن الله -- على نبيه -- بأنه أعطاه هذا الكوثر، وأكد الله -- هذه العطية بعدة مؤكدات، منها أنه أكده بـ "إنَّ" المشددة في استفتاح السورة، وبالفعل الماضي، وبدخول الألف واللام على الكوثر.

فلما أعطاه ربه -- الكوثر أمره أن يصلي له وينحر. وذلك دليل على أن العبد إذا أعطاه الله -- نعما فإنه يزداد طاعة وتقربا إلى الله -- كما صح عن النبي -- أنه لما قيل له وهو يصلي حتى تفطرت قدماه صلاة، سئل عن صنعه ذلك، فقال: أفلا أكون عبدا شكورا .

فهذا من شكر نعمة الله -- وهذا تعليم من الله -- لنبيه -- ولأمته من بعده أنهم إذا أعطوا شيئا فإنهم يزدادون طاعة وتقربا إلى الله -- لا يزدادون به سوءا.

إذا ازداد العبد بنعم الله سوءا كان كما تقدم معنا داخلا في قوله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى وإذا ازدادوا طاعة وتقربا إلى الله -- كان متبعا لنبيه -- فيما أرشده ربه إليه.

وقوله : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي: أخلص صلاتك وذبحك ونحرك لله - - والنحر هو الذبح، وإن كان غالبا ما يطلق إلا على الإبل، لكن يطلق النحر على الذبح، يعني: أن يجعل النبي -- صلاته خالصة لله، وذبحه خالصا لله.

لا كما كان المشركين يصنعون من صرفها لغير الله -- أو إشراك غير الله مع الله -- ولهذا قال الله -- في الآية الأخرى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .

ثم إن الله -- نص في هذه السورة على عبادتين عظيمتين: هما الصلاة والذبح؛ ولهذا كان -- يحب هذه الصلاة، وجعلت قرة عينه في الصلاة.

وما نُقِلَ عن النبي -- عبادة كما نقل عنه عليه الصلاة والسلام في شأن الصلاة؛ ولهذا رآه أصحاب كثيرون من أصحابه وهو يصلي، وصلى معه كثير من أصحابه، ونقل صلاته -- في بيته، وفي مسجده، ونقلت صلاته -- في حال صحته، وحال مرضه؛ لأنه كان -- شديد الاهتمام بها.

وكذلك النحر كان -- شديد الاهتمام به فقد ذبح -- في حجته ثلاثا وستين من الإبل بيده الشريفة، وكان -- إذا نزل من المنبر يوم الأضحى أول ما يباشر أن يذبح أضحيته لله --.

فاستدل بعض العلماء بفعله -- هذا على أن النبي -- امتثل هذه الآية غاية الامتثال وإن كان -- مطيعا لله إلا أنه في هاتين العبادتين كان حريصا عليهما، شديد الاهتمام بهما؛ لأن الله -- أمره بهما أمرا عاما، ثم أمره ربه -- بهما أمرا خاصا في هذه السورة.

ثم قال : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني: إن مبغضك وكارهك هو المنقطع، وهذا هو الأبتر، وإن كان في أصل اللغة يطلق على المنقطع الذي لا ولد له، إلا أن المراد به هاهنا الانقطاع من كل خير، فينقطع الإنسان من عبادة الله -- وعمل الصالحات، وينقطع في الآخرة من أهله وماله؛ لأنه يخسرهما، وينقطع في الدنيا بعد موته بألا يكون له ذكر في عباد الله المؤمنين، إلى أنواع كثيرة من الانقطاع.

ولهذا ذكر بعض العلماء أن الإنسان بحسب كراهيته بما جاء به النبي -- يكون له حظ من هذا الانقطاع، فمُسْتَقِلّ ومستكثر.

ولهذا من العلماء من ذكر أن من تليت عليه آيات الله -- في الصفات، أو في التوحيد، أو في طاعة الوالدين، أو في صلة الأرحام، أو في الصلاة، أو في الزكاة، أو في غيرها فاشمئز قلبه، فله نصيب من هذا الانقطاع، بحسب ما عنده من البغض والكراهية.

وأخبر الله -- أن مبغض النبي -- ويدخل فيه المبغض لسُنَّتِهِ -عليه الصلاة والسلام- هو الأبتر، يعني: هو الأبتر، هو المنقطع من كل خير، عياذا بالله .

وقوله : إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وهذا وإن كان واردا على سببٍ اختلف النقلة فيه، وهو أن بعض المشركين على اختلاف في أسمائهم كانوا يسمون النبي -- الأبتر؛ لأنه لم يولد له ولد ذَكَر، وأنه عليه الصلاة والسلام سينقطع ذكره، فرد الله -- عليهم بهذه الآية إلا أنها تَعُمّ من جاء بعدهم، ومن كان مماثلا لحالهم