كلمتي ـ أخيكم أبي يوسف ـ :


انتشرت في زماننا كثيرا ظاهرة الإلحاد .. ووجدنا الدعاة والعلماء يكرسون جهودهم لمحاربتها ، و في الحقيقة فقد كنت ـ منذ قديم ـ في حيرة من قضية تكريس الجهود لحربها ومجابهة أصحابها ، فحينما أتصور تقمصي لفكرة الإلحاد أجدني واقفا في فراغ ! عاريا من كل ثياب ! فأية فكرة هذه التي نكرس لها الجهود ؟

حينما نناقش أهل الباطل فإنه ـ أي النقاش ـ يكون لإثبات بطلان ما يقفون عليه من الأرض ، فماذا لو كان هؤلاء يقفون أصلا في فراغ ؟!

حينما نناقش أهل الباطل فإنه ـ أي النقاش ـ يكون لتعريتهم من باطلهم الذي يأتزرونه ، فماذا لو كان هؤلاء عراة اصلا ؟!

إن الملحدين يقفون في الفراغ ـ لا يقفون على حق أو باطل ـ ! ويقفون عراة لا ثياب عليهم ـ لا ثياب حق ولا باطل ـ

لذلك سرعان ما يسقطون فتتكسر عظامهم حين يزول أثر القصور الذاتي الذي أوقفهم في الهواء لحظات! .. وسرعان ما يأكل البرد الفضائي أبدانهم وينخر عظامهم ، حين تزول حرارة جسدهم المؤقتة والتي أغرتهم بالتعري !

لذلك كنت أعجب من بذل الجهود مع أناس ينفون الإله ـ إله الحق أو آلهة الباطل ـ !! وكيف أنهم يخالفون بذلك فطرة البشرية جمعاء ـ من كان منهم على الحق ومن كان على الباطل ! وكنت أميل إلى ترك هؤلاء الملاحدة ينقرضون بذاتهم ، حيث تأكلهم آراؤهم ، فتودي بهم إلى الجنون أو الانتحار ، وإن كان لهم علينا حق الدعوة والتوجيه .

ربما يقول البعض : إن الأمر الآن مختلف ؛ فالإلحاد قد انتشر وزاد عدد الملحدين عما كان الحال من قبل ، فلزم هذا التكريس.

فأقول : أتناول هذا الطرح من وجهين :

أ ـ التسليم : فلو سلمت بهذا ، فإن الأمر لم يتغير ، والعدد لا تاثير له ، فكل هذا العدد واقف في فراغ ويكاد يسقط ، وكلهم عراة سينخر البرد في عظامهم ويأكل جلودهم .. ولا تغتروا بالكثرة الإلحادية ، فهي ظاهرة ، والظاهرة تعني دائما انتفاش العدد الكثير ، ولكن كبيعة الشيء هي ما يحكم على الشيء .. وطبيعة الإلحاد ـ المار بيانها ـ واحدة لم تتغير ، ولم يكن للعدد تأثير فيها.

ب ـ عدم التسليم : فكثرة عدد الملحدين ربما تكون قد ازدادات باعتبار العدد في ذاته ، إلا أنها في انحسار شديد باعتبار النسبة إلى عموم البشرية ، وذلك يشهد به حتى التاريخ الحديث ؛ فمنذ نصف قرن تقريبا كان الإلحاد بمصر في العهد الناصري ـ الذي نشر فيه المقبور الشيوعية والإلحاد بمصر طاعة لآلهته الماركسيين ـ هو أكثر منه الآن .. على الرغم من أنه قد يكون عدد الملحدين في أيامنا أكثر .. وقد مر وجهه.

لذا ، فقد كنت أميل غالبا إلى تكريس الجهود للعقائد الباطلة المشبهة على الناس ، وكلما اتقربت العقيدة الباطلة من هيئة العقيدة الإسلامية ، كلما ازدادات خطورتها وزاد قلقي منها .. فما كنت أفزع من التنصير باسم الصليب .. بقدر ما كنت أفزع من الملل والنحل التي تعمل على إخراج الناس من دين الله تعالى باسم اتباع دين الله وروح الإسلام ، وذلك ما تقوم به طوائف أجمع المسلمون على عدم انتسابها لديننا الإسلام .. ولكنها تدعو الناس للخروج من دين الله باسم دين الله !

أطلت عليكم .. على كل حال فهذا ما كنت عليه من قديم ، ثم ـ خلال قراءاتي ـ وقفت في ظلال القرآن على عين ما أقول ، واستروحت له ولصحة ما يرمي إليه .. وأترككم مع الظلال ..



يقول سيد قطب في الظلال :

(إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة!
وإذ كنا - في هذه الظلال - لا نخرج عن المنهج القرآني؛ فإننا لا نمضي أكثر من هذا في مواجهة لوثة الإلحاد ببراهين الخلق والتدبير والحياة . . فالقرآن الكريم لم يجعل قضية وجود الله قضيته . لعلم الله أن الفطرة ترفض هذه اللوثه . إنما القضية هي قضية توحيد الله؛ وتقرير سلطانه في حياة العبد؛ وهي القضية التي تتوخاها السورة في هذه الموجة التي استعرضناها . )



ويقول :

(نحن نشك شكاً عميقاً - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقاً أنشأته يد الله ، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماماً طابع اليد التي أنشأته؛ وفي صميم كينونته هذا الطابع ، مختلطاً بتكوينه متمثلاً في كل خلية وفي كل ذرة!
إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع ، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة ، ومن الكبت والقمع ، ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قروناً طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فراراً في التيه ، من الغول الكريه .

ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي؛ ودفع النصارى بعيداً عن دينهم؛ ليسلس لهم قيادهم ، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم ، وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير « التلمود » و « بروتوكولات حكماء صهيون » . )


ويقول :

(ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلاً على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام ، أو حتى ورث الإسلام!
وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث ، وإلى حبائل أمكر . . لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام؛ وتتمسح في العقيدة؛ ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع ، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون ، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل! )


ويقول :

( ومع كل هذا الجهد الناصب ، المتمثل في محاولة « الشيوعية » - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد ، خلال أكثر من نصف قرن ، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة ، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله . . ولقد اضطر « ستالين » الوحشي - كما يصوره خلفه خروشوف! - أن يهادن الكنسية ، في أثناء الحرب العالمية الثانية ، وأن يفرج عن كبير الأساقفة ، لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس . . مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله .

ولقد حاول اليهود - بمساعدة « الحمير » الذين يستخدمونهم من الصليبيين - أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها وديناً . ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس . . فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق « البطل » أتاتورك في تركيا . . انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها - وللبطل - من التمجيد والمساعدة . وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك ، ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد . إنما يرفعون عليها راية الإسلام . كي لا تصدم الفطرة ، كما صدمتها تجربة أتاتورك . ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي ، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية .

غير أن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله ، هي أن الفطرة تعرف ربها جيداً ، وتدين له بالوحدانية ، فإذا غشي عليها الركام فترة ، فإنها إذا هزها الهول تساقط عنها ذلك الركام كله وتعرت منه جملة ، وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة . . مؤمنة طائعة خاشعة . . أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه ، وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه . ولن يذهب الباطل ناجياً ، وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة . ولن يخلوا وجه الأرض مهما جهدوا ممن يطلق هذه الصيحة . )



ويقول :

(ولم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون ، وخالق الناس ، ورازقهم كذلك من ملكه ، الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد! . . وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق - على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق! - ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق . . لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة - مع الله - على سبيل الزلفى والقربى من الله! - وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس . . أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود الله - سبحانه - كما يقول اليوم « ناس »! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!

والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة . وسيظلون قلة . إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية . وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله . . وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضاً!

والقلة الشاذة التي تجادل في وجود الله اليوم لا تعتمد على « العلم » وإن كانت هذه دعواها . فالعلم البشري ذاته لا يملك أن يقرر هذا الإلحاد ولا يجد عليه دليلاً لا من هذا العلم ولا من طبيعة الكون . . إنما هي لوثة سببها الأول الشرود من الكنيسة وإلهها الذي كانت تستذل به الرقاب من غير أصل من الدين . . ثم نقص في التكوين الفطري لهؤلاء المجادلين ، ينشأ عنه تعطل في الوظائف الأساسية للكينونة البشرية . . كما يقع للأمساخ من المخلوقات . . !

ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود الله - إذ كان الجدال في وجوده تعالى سخفاً لا يستحق من جدية القرآن العناية به - إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد ، كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها؛ وعبادته وحده بلا شريك . .

مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - تقذف في وجوه الذين يجادلون في الله - سبحانه - بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المراء . وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان!

« جوليان هاكسلي » مؤلف كتاب : « الإنسان يقوم وحده » وكتاب « الإنسان في العالم الحديث » من هؤلاء المتبجحين المستهترين؛ وهو يقذف بالمقررات التي لا سند لها إلا هواه وهو يقول في كتاب « الإنسان في العالم الحديث »؛ في فصل : « الدين كمسألة موضوعية » ذلك الكلام!

« ولقد أوصلنا تقدم العلوم والمنطق وعلم النفس إلى طور أصبح فيه الإله فرضاً عديم الفائدة ، وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا ، حتى اختفى كحاكم مدبر للكون ، وأصبح مجرد » أول سبب « أو أساساً عاماً غامضاً » .

و « ول ديورانت » مؤلف كتاب « مباهج الفلسفة » يقول : إن الفلسفة تبحث عن الله ، ولكنه ليس « إله اللاهوتيين الذين يتصورونه خارج عالم الطبيعة . بل إله الفلاسفة؛ وهو قانون العالم وهيكله ، وحياته ومشيئته » . . وهو كلام لا تستطيع إمساكه! ولكنه كلام يقال!

ونحن لا نحاكم هؤلاء الخابطين في الظلام إلى قرآننا ، ولا نحاكمهم كذلك إلى عقولنا المنضبطة بهدى هذا القرآن . إنما نكلهم إلى أندادهم من « العلماء » وإلى العلم البشري الذي يواجه هذه القضية بشيء من الجد والتعقل . .

يقول جون كليفلاند كوتران : ( من علماء الكيمياء والرياضة . دكتوراه من جامعة كورنيل . رئيس قسم العلوم الطبيعية بجامعة دولث ) . من مقال : « النتيجة الحتمية » من كتاب : « الله يتجلى في عصر العلم » :

« فهل يتصور عاقل ، أو يفكر ، أو يعتقد ، أن المادة المجردة من العقل والحكمة قد أوجدت نفسها بنفسها بمحض المصادفة؟ أو أنها هي التي أوجدت هذا النظام وتلك القوانين ، ثم فرضته على نفسها؟ لا شك أن الجواب سوف يكون سلبياً . بل إن المادة عندما تتحول إلى طاقة أو تتحول الطاقة إلى مادة ، فإن كل ذلك يتم طبقاً لقوانين معينة . والمادة الناتجة تخضع لنفس القوانين التي تخضع لها المادة التي وجدت قبلها » .

« وتدلنا الكيميا على أن بعض المواد في سبيل الزوال أو الفناء؛ ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة . وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية . ومعنى ذلك أيضاً أنها ليست أزلية . إذ أن لها بداية . وتدل الشواهد من الكيميا وغيرها من العلوم على أن بداية المادة لم تكن بطيئة أو تدريجية ، بل وجدت بصورة فجائية . وتستطيع العلوم أن تحدد لنا الوقت الذي نشأت فيه هذه المواد . وعلى ذلك فإن هذا العالم المادي لا بد أن يكون مخلوقاً . وهو منذ أن خلق يخضع لقوانين وسنن كونية محددة ، ليس لعنصر المصادفة بينها مكان » .

« فإذا كان هذا العالم المادي عاجزاً عن أن يخلق نفسه ، أو يحدد القوانين التي يخضع لها ، فلا بد أن يكون الخلق قد تم بقدرة كائن غير مادي . وتدل الشواهد جميعاً على أن هذا الخالق لا بد أن يكون متصفاً بالعقل والحكمة . إلا أن العقل لا يستطيع أن يعمل في العالم المادي - كما في ممارسة الطب والعلاج السيكلوجي - دون أن يكون هنالك إرادة . ولا بد لمن يتصف بالإرادة أن يكون موجوداً وجوداً ذاتياً . . وعلى ذلك فإن النتيجة المنطقية الحتمية التي يفرضها علينا العقل ليست مقصورة على أن لهذا الكون خالقاً فحسب ، بل لا بد أن يكون هذا الخالق حكيماً عليماً قادراً على كل شيء ، حتى يستطيع أن يخلق هذا الكون وينظمه ويدبره؛ ولا بد أن يكون هذا الخالق دائم الوجود ، تتجلى آياته في كل مكان . وعلى ذلك فإنه لا مفر من التسليم بوجود الله ، خالق هذا الكون وموجهه - كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال » .
« إن التقدم الذي أحرزته العلوم منذ أيام لورد كيلفن يجعلنا نؤكد بصورة لم يسبق لها مثيل ، ما قاله من قبل ، من أننا إذا فكرنا تفكيراً عميقاً ، فإن العلوم سوف تضطرنا إلى الإيمان بالله . .
ويقول فرانك أللن عالم الطبيعة البيولوجية في مقال « نشأة العالم هل هو مصادفة أو قصد » من الكتاب نفسه :

« كثيرا ما يقال : إن هذا الكون المادي لا يحتاج إلى خالق . ولكننا إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود ، فكيف نفسر وجوده؟ . . هنالك أربعة احتمالات للإجابة على هذا السؤال : فإما أن يكون هذا الكون مجرد وهم وخيال - وهو ما يتعارض مع القضية التي سلمنا بها حول وجوده - وإما أن يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم . وإما أن يكون أزلياً ليس لنشأته بداية . وإما أن يكون له خالق » .

أما الاحتمال الأول فلا يقيم أمامنا مشكلة سوى مشكلة الشعور والإحساس ، فهو يعني أن إحساسنا بهذا الكون وإدراكنا لما يحدث فيه لا يعدو أن يكون وهماً من الأوهام ، ليس له ظل من الحقيقة . ولقد عاد إلى هذا الرأي في العلوم الطبيعية أخيراً سير جيمس جينز ، الذي يرى أن هذا الكون ليس له وجود فعلي ، وأنه مجرد صورة في أذهاننا . وتبعاً لهذا الرأي نستطيع أن نقول : إننا نعيش في عالم من الأوهام! فمثلاً هذه القطارات التي نركبها ونلمسها ليست إلا خيالات؛ وبها ركاب وهميون ، وتعبر أنهاراً لا وجود لها ، وتسير فوق جسور غير مادية . . الخ . وهو رأي وهمي لا يحتاج إلى مناقشة أو جدال!

« أما الرأي الثاني القائل بأن هذا العالم ، بما فيه من مادة وطاقة ، قد نشأ هكذا وحده من العدم ، فهو لا يقل عن سابقه سخفاً وحماقة؛ ولا يستحق هو أيضاً أن يكون موضعاً للنظر أو المناقشة » .

« والرأي الثالث الذي يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لنشأته بداية ، إنما يشترك مع الرأي الذي ينادي بوجود خالق لهذا الكون - وذلك في عنصر واحد هو الأزلية - وإذن فنحن إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميت ، وإما أن ننسبها إلى إله حي يخلق ، وليس هنالك صعوبة فكرية في الأخذ بأحد هذين الاحتمالين أكثر مما في الآخر . ولكن قوانين » الديناميكا الحرارية « تدل على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجياً . وأنها سائرة حتماً إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض ، هي الصفر المطلق؛ ويومئذ تنعدم الطاقة ، وتستحيل الحياة . ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقات عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق ، بمضي الوقت . أما الشمس المستعرة ، والنجوم المتوهجة ، والأرض الغنية بأنواع الحياة ، فكلها دليل واضح على أن أصل الكون أو أساسه يرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة ، فهو إذن حدث من الأحداث . . ومعنى ذلك أنه لا بد لأصل الكون من خالق أزلي ، ليس له بداية ، عليم محيط بكل شيء ، قوي ليس لقدرته حدود ، ولا بد أن يكون هذا الكون من صنع يديه » . )


ويقول :

(فالذي وقع بالفعل أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك . واستقرت العقيدة في الله في هذه الأرض؛ ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من عقبات الشرك والوثنية ، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك والإلحاد . وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد أو الشرك إلى الظهور في بعض بقاع الأرض كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية فإن العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة . فضلاً على أن فترات الإلحاد . والوثنية إلى زوال مؤكد ، لأنها غير صالحة للبقاء . والبشرية تهتدي في كل يوم إلى أدلة جديدة تهدي إلى الاعتقاد في الله والتمكين لعقيدة الإيمان والتوحيد . )