[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]

الحمد لله وبعد..

هذه الصفة المعنون بها لهذه الحلقة التربوية ، يشهد الله سبحانه كم لها من تأثير في نفسي ـ رغم شح نصيبي منها ـ

حقا .. ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع من شيء إلا شانه ، ولم يؤثر في نفسي ـ أنا الكاتب ـ بالحفظ للخلق الجميل والرفق مثل أناس كانوا رحماء ، وكانوا حليمين ، فأسروا القلب برحمتهم ، التي أرى الحلم لزاما لها .. فإن أدرك المرء ما كانوا يدركونه ، علمت قدرهم ، وقدر رحمتهم وحلمهم بأخيهم ، فجزاهم الله تعالى خير الجزاء .

ولأجل اهتمامي بتلك الصفة السامية ، جذب اهتمامي ذلك المقطع الطويل ـ نوعا ـ من الظلال ، ففوق توصيفة لتلك الصفة ، فإنه يبرز نوعا مواطن رحمة الله سبحانه العبيد ، وهي والله ثم والله صفة لو شعرنا بها لتوجهت قلوبنا لمولانا وسيدنا وخالقنا ، ولتصورنا حقيقة صفاته سبحانه ، لا كدراسات قاسية جدلية لا تربي قلب المؤمن ، وإنما تحقيقا للحقيقة الوحيدة التي خلق الله الإنسان لها ، وهي حقيقة ( العبودية ) فاستشعار صفاته سبحانه كما وردت في كتاب الله كخطاب يخاطب به الأمة الإنسانية هو ما يصنع قلب المؤمن حقا ويربيه ..


[align=center]وأترككم مع المقطع


يقول في الظلال :[/align]

( فهو سبحانه المالك ، لا ينازعه منازع ، ولكنه - فضلاً منه ومنة - كتب على نفسه الرحمة . كتبها بإرادته ومشيئته؛ لا يوجبها عليه موجب؛ ولا يقترحها عليه مقترح؛ ولا يقتضيها منه مقتض – إلا . والرحمة في هذا كله ظاهرة . .
على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال . فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة . . إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء ، لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار!
ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها - وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي - ولكننا سنحاول أن نقف قليلاً أمام هذا النص القرآني العجيب :
** كتب على نفسه الرحمة .
وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي : ** كتب ربكم على نفسه الرحمة . .
إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه . . تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده . . تفضله - سبحانه - بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة . . مكتوبة عليه . . كتبها هو على نفسه؛ وجعلها عهداً منه لعباده . . بمحض إرادته ومطلق مشيئته . . وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها؛ حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة . .

كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه - سبحانه - على نفسه من رحمته . فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر ، لا يقل عن ذلك التفضل الأول! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى؟ وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله؟ من هم؟ إلا أنه الفضل العميم ، الفائض من خلق الله الكريم؟!

إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش؛ كما يدعه في أنس وفي روْح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه!

ومثل هذه الحقائق ، وما تثيره في القلب من مشاعر؛ ليس موكولاً إلى التعبير البشري ليبلغ شيئاً في تصويره؛ وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه ، لا لتعريفه!

وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكوّن جانباً أساسياً من تصور حقيقة الألوهية ، وعلاقة العباد بها . . وهو تصوّر جميل مطمئن ودود لطيف . يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب ، لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله! - على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة - فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية ، يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه . والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه ، كما يروعه بجلال إيقاعه . .

ورحمة الله تفيض على عباده جميعاً؛ وتسعهم جميعاً؛ وبها يقوم وجودهم ، وتقوم حياتهم . وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات . فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها؛ ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة :

إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته . في نشأتهم من حيث لا يعلمون . وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم؛ بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين .
وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان ، من قوى الكون وطاقاته . وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل . الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته .

وتتجلى في تعليم الله للإنسان ، بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة؛ وتقدير التوافق بين استعدادته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته . . هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله ، وهو الذي علمهم إياه! وهو من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك .

وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض ، بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى ، كلما نسي وضل؛ وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال؛ ولم يسمع صوت النذير ، ولم يصغ للتحذير . وهو على الله هين . ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله ، وحلم الله وحده هو الذي يسعه .

وتتجلى في تجاوز الله - سبحانه - عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب ، وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب . « وأخرج الشيخان بإسناده عنه - قال : قال رسول الله - - : جعل الله الرحمة مائة جزء . فأمسك عنده تسعة وتسعين ، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً . فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق ، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه » .

وأخرج مسلم - بإسناده عن سلمان الفارسي - - قال : قال رسول الله - : « إن لله مائة رحمة . فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم ، وتسعة وتسعون ليوم القيامة » .

« وله في أخرى : إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة ، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض . فجعل منها في الأرض رحمة واحدة ، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة » .

وهذا التمثيل النبوي الموحي ، يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى . . ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها ، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة ، والضعف والمرض؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه . . فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئاً ما!

وكان رسول الله - - لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى :

عن عمر بن الخطاب - - قال : « قدم على رسول الله - - بسبي . فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها ، إذ وجدت صبياً في السبي ، فأخذته ، فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال - - : » أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ « قلنا : لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه . قال : فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها » . ( أخرجه الشيخان ) .

وكيف لا . وهذه المرأة إنما ترحم ولدها ، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة؟

ومن تعليم رسول الله - - لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية ، بهذا الأسلوب الموحي ، كان ينتقل بهم خطوة أخرى؛ ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته ، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعاً؛ ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها ، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل .

عن ابن عمرو بن العاص - - قال : قال رسول الله - - « الراحمون ي تعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » . ( أخرجه أبو داود والترمذي ) .

وعن جرير - - قال : قال رسول الله - - : « لا يرحم الله من لا يرحم الناس » . . ( أخرجه الشيخان والترمذي ) .

وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة - - : قال - - : « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » .

وعن أبي هريرة كذلك . قال : « قبل رسول الله - - الحسن بن علي - - وعنده الأقرع بن حابس . فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً! فنظر إليه رسول الله - - ثم قال : من لا يرحم لا يُرحم » . ( أخرجه الشيخان ) .

ولم يكن - - يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان الله عليهم - عند حد الرحمة بالناس . وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء . وأن المؤمنين مأمورن أن يتخلقوا بأخلاق الله؛ وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقاً بخلق الله سبحانه ، وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها :

عن أبي هريرة - - قال : قال رسول الله - - « بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئراً ، فنزل فيها فشرب ، ثم خرج ، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش . فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني ، فنزل البئر ، فملأ خفه ماء ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقى الكلب . فشكر الله تعالى له فغفر له . قالوا : يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال : في كل كبد رطبة أجر » . ( أخرجه مالك والشيخان )

« وفي أخرى : إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر ، قد أدلع ( أي أخرج ) لسانه من العطش فنزعت له موقها ( أي خفها ) فغفر لها به » .

« وعن عبد الرحمن بن عبدالله عن أبيه - - قال : كنا مع رسول الله في سفر . فرأينا حمرة ( طائر ) معها فرخان لها فأخذناهما . فجاءت الحمرة تعرّش ( أو تفرش ) - ( أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض ) فلما جاء رسول الله - - قال : » من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها « . ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال : » من أحرق هذه؟ « قلنا : نحن . قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار » . . ( أخرجه أبو داود ) . .

وعن أبي هريرة - - قال : قال رسول الله - - « قرصت نملة نبياً من الأنبياء . فأمر بقرية النمل فحرقت . فأوحى الله تعالى إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟ » . . ( أخرجه الشيخان ) .

وهكذا علم رسول الله - - أصحابه هدى القرآن . ليتذوقوا رحمة الله من خلال مزاولتهم للرحمة . . أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات الله الكثيرة؟!
وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشىء في حسه وفي حياته وفي خلقه آثاراً عميقة؛ يصعب كذلك تقصيها؛ ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها ، كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية ، إلى قضية مستقلة!

إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء ، التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة ، وكل حالة ، وكل وضع؛ وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه ، أو طرده من رحمته . فإن الله لا يطرد من رحمته أحداً يرجوها . إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون بالله ويرفضون رحمته ويبعدون عنها!

وهذه الطمأنينة إلى رحمة الله تملأ القلب بالثبات والصبر ، وبالرجاء والأمل ، وبالهدوء والراحة . . فهو في كنف ودود ، يستروح ظلاله ، ما دام لا يُبعد عنه في الشرود!

والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من الله . فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرّىء على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من الله الغفور الرحيم . والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقية! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم ، أو المغفرة ، أو الرحمة . . إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية!

كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيراً قوياً في خلق المؤمن ، وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق الله - سبحانه - وهو يرى نفسه مغموراً برحمة الله مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم ، وكيف يعفو ، وكيف يغفر . . كما رأينا في تعليم الرسول - - لأصحابه؛ مستمداً تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة . . ) ا . هـ