يقول الإمام ابن باز في مجموع فتاواه :ـ
بعث الله الرسل تأمر الناس بعبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه كما قال تعالى ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) فأخبر عن خليله إبراهيم أنه تبرأ من معبودات قومه إلا اله وحده وهو معنى (إلا الذي فطرني) فدل ذلك على أنهم يعبدون الله ويعبدون غيره ـ فلهذا تبرأ من معبوداتهم كلها سوى الذي فطرني أي خلقني على غير مثال سبق ، ومن كان بهذه المثابة فهو المستحق أن يعبد وحده دون سواه ..

------------------------------------

الأصنام جمع صنم وهو ما جعل على صورة إنسان أو غيره يعبد من دون الله ، أما الوثن فهو ما عبد من دون الله على أي وجه كان فهو أعم من الصنم ، وقد قال إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) أي اجعلني في جانب والأصنام في جانب وهذا أبلغ مما لو قال امنعني ؛ لأنه إذا كان في جانب عنها كان أبعد ، فإبراهيم يخاف الشرك على نفسه وهو خليل الرحمن وإمام الحنفاء ، فما بالك بنا نحن إذن ؟! .. ولا شك أن إبراهيم سأل ربه الثبات على التوحيد ؛ لأنه إذا جنبه عبادة الأصنام صار باقيا على التوحيد .ـ

وقد بين الله عجز هذه الأصنام في قوله تعالى ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ..) الآيات .. وأنها لا تصلح أن تكون معبودة من أربعة وجوه وهي : 1ـ أنها لا تخلق ، 2ـ أنهم مخلوقون من العدم فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداء ودواما ، 3ـ أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم وقوله (لا يستطيعون لهم نصرا) أبلغ من قوله (لا ينصرونهم) لأنه لو قال (لا ينصرونهم) فقد يقول قائل لكنهم يستطيعون ، لكن لما قال (لا يستطيعون لهم نصرا) كان أبلغ لظهور عجزهم ، 4 ـ أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم ... وكذلك هذه الأصنام لا تبصر ولا تسمع كما قال إبراهيم لأبيه (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك من الله شيئا) فإذا كانت كذلك فأي شيء يدعو إلى أن تدعى من دون الله ؟! .. بل هذا سفه كما قال تعالى ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) .. ـ

يقول الله عزوجل عن خليله إبراهيم (إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني) ولم يقل إلا الله .. وفي هذا فائدتان : 1ـ الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة لأنه كما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة ، 2ـ الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها ، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والاثبات وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم ..ـ
( من شرح العلامة العثيمين لكتاب التوحيد ) ..
-----------------------------------------------------------------
وأما عن قصة تحطيم إبراهيم للأصنام فيقول العلامة العثيمين في نفسيره لسورة الصافات :ـ

قصص الأنبياء لا يعلمها إلا الله فلا نتلقى أخبارها إلا من الوحي الكتاب والسنة ، وما جاء من غير الوحي فإنا نتوقف فيه ما لم نعلم مناقضته للشرائع ، لذا نقتصر في قصصهم على ما ذكر الله تعالى .. ـ

أثنى الله على نبيه إبراهيم ووصفه بوصف عظيم (إذ جاء ربه بقلب سليم) من الشبهات والشهوات خالصا لله قصدا وإرادة وعملا ، وهذا من عناية الله بنبيه .. وفيها بيان لقوة إبراهيم في ذات الله وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم ، حيث أنكر على قومه بقوله (ماذا تعبدون) وهذا استفهام للتوبيخ ، كما وبخهم بقوله (فما ظنكم برب العالمين) إذا عبدتم غيره .. هل تظنونه ناقصا لا يستحق أن يعبد وحده ، أو غافلا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة ، أو أنه يرضى بأن يعبد معه غيره ؟! .. فظنكم ظن خاطئ .. وهذا من سفه هؤلاء القوم وجهلهم .. ثم نظر نظرة في النجوم من أجل محاجة قومه وإظهار عجزهم .. ولأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض وأصل العبادة للنجوم ، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها من باب التورية بالفعل ، فلما نظر فيها قال إني سقيم أي سأسقم وهذه أيضا تورية قولية لأن سقيم اسم فاعل وهو صالح للزمان الحاضر والمستقبل .. فتولى قومه عنه وتركوه إلا حراس الأصنام فمال وانطلق في خفية إلى أصنامهم وكان عندها طعام .. فقال لها (ألا تأكلون) على سبيل الاستهزاء والسخرية فهي لا تعقل ولا تعلم فلا يمكن أن تكون معبودة ، ووضع الطعام عندها من قبلهم دليل على أنها ليست صالحة للألوهية لأن الإله مستغن عن غيره .. فقال لها (مالكم لا تنطقون) استفهام للتحقير وقد خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع .. وفيه دلالة على أن عابديها لم ينصرفوا عنها كلهم بل عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوا لا فائدة منه ... (فراغ عليهم ضربا باليمين) كسرها بقوة بيده اليمنى لأنها هي آلة العمل غالبا وهي أقوى من اليسرىفي الغالب .. فجاؤوا ينتصرون لأصنامهم .. ولكن إبراهيم كان قويا في ذات الله فقال لهم موبخا (أتعبدون ما تنحتون) استفهام للتوبيخ والانكار والاستهزاء بهم .. هل يليق عقلا أن يكون المعبود مصنوعا لعابده ؟!.. لايفعل هذا إلا أسفه السفهاء .. ولكن والعياذ بالله إذا أعمى الله بصيرة الإنسان لا يغنيه بصر العين .. فقد أقام عليهم الحجة والبينة بأنها لاتصلح أن تكون آلهة لأنها : لا تعقل ، لا تنطق ، لا تعرف ما ينفعها ، لا تجلب لنفسها نفعا فلغيرها من باب أولى .. (فأقبلوا) الفاء للترتيب والتعقيب والسببية أي بسبب ما عمل إبراهيم بالآلهة أقبلوا إليه وهذا من شدة انتصارهم لآلهتهم !!.. ثم أنكر على أهل الباطل باطلهم عن طريق العقل (أتعبدون ما تنحتون) كيف تصنعونه ثم تعبدونه ؟! .. أليس الأولى ومن الناحية العقلية أن يكون هذا المنحوت هو الذي يعبدكم ؟! .. لكن عقولهم منتكسة فصار الأمر بالعكس .. ثم أقام عليهم الدليل على أن الله وحده هو الذي يعبد لأنه الخالق عزوجل (والله خلقكم وما تعملون) .. (فقالوا ابنوا له بنيانا) أي لأجله وليست اللام للتمليك فبنوا بنيانا وملؤوه حطبا (فألقوه) الفاء للمبادرة فأوقدوا لاحراقه نارا عظيمة ورموه بالمنجنيق لبعدهم عنها بسبب شدة حرارتها .. فألقوه في النار ولكن خالق النار قال للنار (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فلم تكن بردا شديدة البرودة فيهلك ولا حارة .. بل عكس ما أراد أعداؤه فكانت باردة مسلمة .. وما ذكر من أن النار في جميع أقطار الدنيا كانت في تلك اللحظة باردة فضعيف جدا مخالف للقرآن فقوله (يا نار) موجه للمقصود .. نكرة مقصودة أي تلك النار التي خوطبت فقط ، فجعلهم الله الأسفلين وكان العلو لإبراهيم عليهم فخرج منها سالما وأكرمه الله بشيء لم يكن معهودا عند البشر وهو سلامته من النار التي ظنوا أنها ستحرقه !!..

--------------------------------------------------------------------

فائدتان من كتاب (المستفاد من قصص القرآن) عبدالكريم زيدان :

1ـ لم يتأثر إبراهيم ببيئته الكافرة فقد بصره الله بالحق وهداه إلى التوحيد (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) .. ولم ترهبه كثرة المبطلين بل بقي مستعليا عليهم وهذا بدا في قصة تكسير الأصنام ومحاجة قومه .ـ

2ـ لما لم ينفع جدال إبراهيم مع قومه ولم يؤثر فيهم قوله المدعوم بالحجة والبرهان والعقل السليم تحول إلى وسيلة أخرى وهي تكسير الأصنام وباشرها بنفسه مع علمه بما قد يلحقه من أذى وضرر ولكن كل شيء في سبيل الدعوة إلى الله يهون ، ويبدو ـ والله أعلم ـ أنه قام بتكسيرها ليلفت الأنظار إليه وإلى دعوته فيجتمع الناس فيكون في هذا فرصة جيدة لأن يبين لهم بطلان وسخافة ما يقومون به من عبادة هذه الأصنام التي لم تستطع أن تمنع عن نفسها التحطيم والتكسير ، وهذا ما حصل . ـ