المباح عند الشاطبي .

قبل أن أنقل لكم ايها السادة كلام الريسوني ملخصا حول هذا الموضوع , رايت أن أنقل كلام الأديب العالم الأصولي فريد الأنصاري الخزرجي المغربي فوائد من معنى المباح لغة وذلك في محاضرة له طبعت مع عدة محاضرات أخرى من طرف إحدى الجامعات المغربية :
"اسا استعمال مادة"بوح" في اللغة إنما هو بمعنيين اثنين فقط .يرجعان في النهاية إلى أصل واحد وقد تفرع عنهما استعمالات أخرى مجانسة لهما .فأما الأول فهو الظهور وأما الثاني فهو الإتساع .جاء ذلك مختصرا في قول ابن فارس :"الباء والواو أصل واحد وهو سعة الشئ وبروزه وظهوره" (المقاييس: بوح)
وفي أساس الزمخشري :"باح السر أظهره يقال : باح ما كتمت وباح الرجل بسره وأعوذ بالله من بوح السر وكشف الستر.وبح باسمح ولا تكن عنه وأباح الأمر : أظهره .ومن لك بكتم المسك الفائح والسر البائح"(الأساس:بوح)
ومن معنيي (السعة والظهور) نقل استعمال الإباحة للدلالة على ما يجانس ذلك بصيغ شتى.
ومن أدق كلام أبي هلال العسكري وهو يصور- في فروقه اللغوية-ذلك الإرتقاء إلى مستوى الدلالة الإصطلاحية للمادة في لفظ"مباح" قال : "الفرق بين الحلال و المباح أن الحلال هو المباح الذي علم إباحته بالشرع والمباح لايعتبر فيه ذلك .تقول :المشي في السوق مباح ولا تقول حلال.والحلال خلاف الحرام .والمباح خلاف المحظور , وهو الجنس الذي لم يرغب فيه ويجوز ان يقال : هو ما كان لفاعله أن يفعله ولا ينبئ عن مدح ولا ذم, وقيل هو ما أعلم المكلف ...أنه لاضرر عليه في فعله ولاتركه.ولذلك لاتوصف أفعال الله تعالى بانها مباحة ولا توصف أفعال البهائم بذلك .فمعنى قولنا : إنه على الإباحة : ان للمكلف أن ينتفع به ولا ضرر عليه في ذلك, وإرادة المباح وألمر به قبيح لأنه لافائدة فيه إذ فعله وتركه سواء , إلا أنه لا يستحق عليه ثواب وليس كذلك الحلال"(الفروق :ص219-220)


*

أعود الآن لكلام الريسوني في نظرية المقاصد عند الشاطبي –ملخصا-فأقول :
"يرى الشاطبي خلافا لعامة الأصوليين أن :"الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك والمقاصد" فخطاب الله تعالى حسب الشاطبي لا يتعلق بأفعال المكلفين إذا كانت خالية من المقصد.
ثم ناقش من قال إن ترك المباح أولى من فعله لأنه يلهي عما هو أهم واعتبر ان الكلام إنما هو في المباح في حد ذاته وأما المباح الذي يلهي عما هو خير منه فهذا موضوع آخر وهو المباح الذي لابسته عوامل خارجية.
فالطوارئ كما تكون مذمومة فتصيره مذموما كذلك تكون محمودة فتصيره محمودا فليس ترجيح الترك بأولى من ترجيح الفعل مطلقا...
وأما ترك المباح على طريقة الزهاد فغير مسلم لأن الزهد في حقيقته ترك ما طلب تركه والمباح المحض ليس من هذا القبيل . ومن جهة أخرى فإن ترك بعض المباحات إذا اعتبرناه زهدا "فهو فضيلة من جهة ذلك المطلوب لا من جهة مجرد لترك" فالمباح قد يصير مطلوبا حسب الشاطبي إن كان خادما لأمر ضروري او حاجي او تكميلي وقد يصير مكروها إذا صار فيه ضرر على اصل من الأصول الثلاثة وإذا لم يكن هذا ولاذاك فهو الباقي على أصل الإباحة.
وقد أدى هذا بالشاطبي إلى ان يقسم المباح تقسيما رباعيا(انتقلت هنا لنقل تقسيم فريد الأنصاري لكونه مختصرا):

*المباح بالجزء المطلوب الفعل بالكل على جهة الوجوب
*المباح بالجزء المطلوب الفعل بالكل على جهة الندب
*المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل على جهة المنع
*المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل على جهة الكراهة

قلت : وقد اعترض الريسوني على القسم الثالث وقال بأنه يصعب التسليم به كما يصعب التفريق بينه وبين القسم الأخير ففي كل منهما المداومة على بعض المباحات إلا ان نقول أن هذه المباحات تصير محرمة باإدمان عليها لأنها تصير هوى متبعا وآفة مستحكمة كالجلوس في المقاهي الساعات الطوال .

يتبع.