(ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون , قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون . ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل , هل يستويان مثلاً . الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)

يضرب الله المثل للعبد الموحد والعبد المشرك
بعبد يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه ,
وهو بينهم موزع ;
ولكل منهم فيه توجيه ,
ولكل منهم عليه تكليف ;
وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج ولا يستقيم على طريق ;
ولا يملك أن يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة المتعارضة التي تمزق اتجاهاته وقواه !

وعبد يملكه سيد واحد , وهو يعلم ما يطلبه منه , ويكلفه به ,
فهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح . .

(هل يستويان مثلاً ؟). .

إنهما لا يستويان .
فالذي يخضع لسيد واحد ينعم براحة الاستقامة والمعرفة واليقين .
وتجمع الطاقة ووحدة الاتجاه , ووضوح الطريق .

والذي يخضع لسادة متشاكسين معذب مقلقل لا يستقر على حال ولا يرضي واحداً منهم فضلاً على أن يرضي الجميع !


وهذا المثل يصور حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك في جميع الأحوال .

فالقلب المؤمن بحقيقة التوحيد
هو القلب الذي يقطع الرحلة على هذه الأرض على هدى ,
لأن بصره أبداً معلق بنجم واحد على الأفق فلا يلتوي به الطريق .

ولأنه يعرف مصدراً واحداً للحياة والقوة والرزق ,
ومصدراً واحداً للنفع والضر ,
ومصدراً واحداً للمنح والمنع ,
فتستقيم خطاه إلى هذا المصدر الواحد , يستمد منه وحده , ويعلق يديه بحبل واحد يشد عروته .
ويطمئن اتجاهه إلى هدف واحد لا يزوغ عنه بصره .
ويخدم سيداً واحداً يعرف ماذا يرضيه فيفعله وماذا يغضبه فيتقيه . .

وبذلك تتجمع طاقته وتتوحد , فينتج بكل طاقته وجهده وهو ثابت القدمين على الأرض متطلع إلى إله واحد في السماء . .

ويعقب على هذا المثل الناطق الموحي , بالحمد لله الذي اختار لعباده الراحة والأمن والطمأنينة والاستقامة والاستقرار . وهم مع هذا ينحرفون , وأكثرهم لا يعلمون . .

وهذا مثل من الأمثلة التي يضربها القرآن للناس لعلهم يتذكرون . وهو قرآن عربي , مستقيم , واضح , لا لبس فيه ولا عوج ولا انحراف . يخاطب الفطرة بمنطقها القريب المفهوم .


( في ظلال القرآن )
تفسير سورة الزمر