الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
أما بعد:
فإن الانتساب لعلم كتاب الله تفسيرا وفهماً من أشرف العلوم وأفضلها, ولئن كان الكثير يقيسون العالم بما لديه من معلومات أو بمقدار ما يحفظ من مسائل وأقوال أو بما لديه من مراتب ودرجات.
فلقد كان النبي والصحابة من بعده يقيسون العالم ويميِّزونه بميزان غير هذا الميزان... إنه ميزان التدبر لكتاب الله .
فقد أخرج الإمام مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِر:ِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَم؟ُ قَالَ قُلْتُ:
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ.

فكيف عرف أبيّ أنها أعظم آية في كتاب الله؟ وهل أخبره النبي صلى الله عليه وسل بها قبل ذلك ؟ وهل كان يعلم أن النبي سيسأله هذا السؤال؟
لقد أجاب بهذا الجواب من واقع تدبر لكتاب الله وتفهم لمعانيه ومعرفة أسراره والتأمل بين الآيات وإلا لما استطاع أن يختار هذه الآية من مجموع ما يحفظ من الآيات والسور.
ولذلك كانت النتيجة النبوية: الشهادة له بالعلم والتهنئة له به ,ولم يكن هذا الفرح وتلك البشارة بالكّم الذي يحفظه بقدر ما صاحبه من التدبر.


وإليك شاهد آخر لكيفية معرفة العالم في عصر الصحابة رضوان الله عنهم.
فعن الشعبي قال لقي عمر بن الخطاب ركبا في سفر فيهم ابن مسعود فأمر رجلا يناديهم من أين القوم؟ قالوا: أقبلنا من الفج العميق نريد البيت العتيق, فقال عمر: إن فيهم لعالما وأمر رجلا أن يناديهم: أي القرآن أعظم؟ فأجابه عبد الله: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) قال نادهم: أي القرآن أحكم؟ فقال ابن مسعود: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) قال نادهم: أي القرآن أجمع؟ فقال: ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فقال نادهم: أي القرآن أحزن؟ فقال: (من يعمل سوءا يجز به) فقال نادهم: أي القرآن أرجى؟ فقال: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) . . الآية فقال أفيكم ابن مسعود؟ قالوا: نعم


فتأمل صنيع عمر حين توسم بأن فيهم عالما, هل سألهم عما يحفظون؟
وإنما سأل عما يظهر العالم الحقيقي من غيره, وهو التدبر منتهى العلماء وغاية الفقهاء.



[align=center]هكذا كان السلف رضوان الله عنهم يتبينون أهل العلم
أسال الله تعالى أن يرزقنا تدبر كتابه, والتلذذ بتلاوته, والعمل بما فيه
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
[/align]