القرآن الكريم المعجزة العظمى ( د/ أبو الحسن عطية مسعد قاسم )
جرت سنة الله تعالى في أنبيائه أن يؤيدهم بالمعجزات , وقد أراد الله تعالى أن تكون معجزة النبي العظمى : القرآن الكريم .
وإذا كنا نقول أن القرآن الكريم هو المعجزة العظمى وهو معجزة معنوية فليس معنى ذلك أن النبي  ليست له معجزات أخرى حسية فقد كان له الكثير منها مثل : انشقاق القمر ,ونبع الماء بين أصابعه الشريفه ،ورد عين قتادة ،وحنين الجزع ،وتسبيح الحصى بين أصابعه ،وغير ذلك الكثير والكثير وقد أُلف في ذلك مجلدات تذكر المعجزات الحسية للرسول  ولكن هذا كله قليل بالنسبة للقرآن الكريم المعجزة الخالدة الباقية .
وقد جاءت المعجزات الحسية للأنبياء السابقين فكيف كان حال من شاهدها ؟ ( مع أن المستفيدين منها فقط هم المشاهدون أما غيرهم فلا ) ، الكثير منهم قال بأنها سحر ، وهذا ما حدث لكثير ممن شاهدوا هذه المعجزات الحسية فها هو عيسى الذي بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل عندما جاءهم بالمعجزات الحسية من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ورغم أن بني إسرائيل شاهدوا ذلك ولكنهم قالوا عن هذه المعجزات بأنها سحر مبين ، وحاولوا قتله , وصدق الله إذ يقول : (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) [المائدة/110] وما حدث مع عيسى حدث مع موسى ومع أكثر الأنبياء .
أما القرآن الكريم فهو المعجزة الخالدة الباقية التي لم تنته بوقت موت النبي  بل باقية إلى يوم القيامة ، هذا الكتاب الذي أحيا القلوب ونور العقول وهدى الأمم إلى ما فيه السعادة الدنيوية والأخروية ، وكما قال شوقي :
أَخوكَ عيسى دَعا مَيتاً فَقامَ لَهُ وَأَنتَ أَحيَيتَ أَجيالاً مِـــنَ الرِمَـمِ
وَالجَهلُ مَوتٌ فَإِن أوتيتَ مُعجِزَةً فَاِبعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَاِبعَث مِنَ الرَجَمِ
والقرآن الكريم معجز بتشريعاته هذا التشريع المعجز الذي يوصل إلى السعادة والاستقامة ، معجز في بلاغته وفصاحته ، معجز في نبوءاته الغيبية التي أخبر فيها عن أخبار الماضي والحاضر والمستقبل ، فأخبار الماضي التي أخبر فيها عن أخبار الأمم الماضية التي عفا عليها الزمن وطواها النسيان واندثرت معالمها أخبر أخباراً دقيقة وأكثرها في مكة أخباراً لم يعرفها النبي  ولا أهل مكة ، ولم يكن في مكة مدرسة ولا كُتَّاب فمن الذي أخبر النبي  بهذه الأخبار ؟ مثل قصة عاد وثمود ونوح وموسى وسليمان ومريم ... الخ وكان في بعض القصص يعقب القرآن بقوله : ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) [هود/49] فمن الذي أخبره بهذه الأخبار الدقيقة والتي صحح فيها أخطاء كانت شائعة في عصره وتحداهم بذلك كما قال في قصة عيسى ( ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) [مريم/34] ؟ إنه الله تعالى .
ومن أنباء المستقبل الكثير والكثير فمن ذلك ما جاء في القرآن أن الله تعالى تكفل بحفظ نبيه  وأنه لن يموت مقتولاً وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )[المائدة/67] أي يعصمك من القتل ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ -- يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -- رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِى اللَّهُ ».( )
فكيف يضمن النبي  لنفسه ألا تأخذه يد الغيلة ، إن هذا لا يملكه بشر لنفسه أبداً فكم رأينا الاغتيالات التي تأخذ العظماء والرؤساء وهم في مواكبهم من الأعوان والحراس , وحقاً لقد عصمه الله من القتل في مواطن كثيرة كان الموت أقرب إليه من شراك نعله ولكن الله تعالى وحده الذي عصمه ، وقل مثل ذلك في قول الله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) [النور/55] وهذا الوعد الذي قال الله فيه (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ) أي من الصحابة ومن على نهجهم , وقد نزلت والصحابة في خوف شديد وقد تحقق هذا فبدل الله الصحابة بعد خوفهم أمناً واستخلفوا في الأرض وسادوها وعبدوا الله تعالى في أمن وأمان ، ومن هذه النبوءات ما جاء أن أهل مكة استعصوا على النبي  فدعا عليهم بسنين كسني يوسف ، فأنزل الله تعالى : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) [الدخان/10-16] ، ويتحقق هذا فيصيبهم القحط والجوع حتى كان الواحد منهم ينظر في السماء فيرى فيها كهيئة الدخان ثم بعد ذلك يدعون ربنا اكشف عنا العذاب إنا عائدون ، ثم يقول الله : (إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) فيكشف عنهم من ذلك عندما جاءوا يطلبون من النبي  أن يستسقي لهم فسقاهم ولكنهم سرعان ما عاودوا إلى ما كان عليه , ثم ينتقم الله منهم يوم البطشة الكبرى يوم بدر , والمعجزات كثيرة جداً لا يستوعبها كتاب وأكتفي بهذا القدر
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
د/ أبو الحسن عطية مسعد قاسم