[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار الإعجاز البياني في القرآن
سر دخول الواو على لو الشرطية[/align]
قال الله تعالى:{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به } [آل عمران:91 ]
ما نوع( الواو ) الداخلة على( لو) في قوله تعالى{ ولو افتدى به } من الآية الكريمة السابقة، ونحوها، وما سر دخولها؟
وفي الإجابة عن ذلك نقول، وبالله المستعان: هذا التركيب الذي صيغت به هذه الآية الكريمة كثير الاستعمال في القرآن الكريم0 وقد كان، وما زال محطَّ خلاف، ومثار جدل بين علماء النحو والتفسير00 وحقيقته أنه مركب من عبارتين:
الأولى: هي جملة تامة مستقلة بذاتها؛ وهي قوله تعالى:{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا }00 والثانية: هي عبارة شرطية، جُعِلت شرطًا للأولى، وقيدًا لها؛ وهي قوله تعالى:{ ولو افتدى به }0
وهذه العبارة الشرطية إما أن تكون مجردة من الواو؛ كما في قولنا:( يعطى السائل، لو كان فقيرًا )0 أو تكون مقرونة بالواو؛ كما في قولنا:( يعطى السائل، ولو كان غنيًا )0
فالإعطاء الأول في العبارة الأولى مشروط، أو مقيَّد بكون السائل فقيرًا، وليس كذلك الإعطاء الثاني في العبارة الثانية00 والفرق بينهما: أن الأول يجري بوجود الشرط؛ لأن كون السائل فقيرًا يناسب أن يعطَى0 ولهذا يُسمَّى هذا النوع من الشرط: شرطًا إيجابيًّا0 وأما الإعطاء الثاني فيجري رغم وجود الشرط؛ لأن كون السائل غنيًَّا لا يناسب أن يعطَى، بخلاف الأول0 ولهذا يسمى هذا النوع من الشرط: شرطًا سلبيًّا0 ولكونه سلبيًّا أدخلت عليه الواو0 ويمكن أن نعبِّر عن معنى هذا التركيب بقولنا: يعطى السائل رَغْمَ كونه غنيًّا0 وهذا يعني أن ( الواو ) مع ( لو ) أفادت معنى: رَغْم0(1)
وهذا هو المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم:” أعطوا السائل، ولو كان على فرس“؛ لأن كون السائل على فرس مشعرٌ بغناه0 والغنى لا يناسبه الإعطاء، ولا ينسجم معه؛ ولهذا أدخلت الواو على لو، فصار معنى التركيب: أعطوا السائل رغم كونه غنيًا0
ومن هنا ينبغي أن تسمَّى هذه الواو: رَغْمِيَّة0 أو: واو الرَّغْم، مع التنبيه إلى أنه لا يجوز حذفها؛ لأن حذفها يُخلُّ بمعنى الكلام، ونظمه0 ألا ترى أنه لو قيل: أعطوا السائل، لو كان غنيًا، جُعِل الغنى شرطًا في الإعطاء00 وهذا خلاف المراد0 وبهذا ترى أن وجود هذه الواو قبل( لو) حصَّن المعنى من هذا الفهم، وربط بين العبارة الشرطية، والعبارة الأولى، التي لا تنسجم معها في الدلالة انسجامًا مباشرًا0
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى:{ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به }0 أي: لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا، رَغم افتدائه به0 أو: على الرَّغم من افتدائه به0
وأنت إذا تأملت الشرط في العبارة الشرطية- وهو الافتداء بملء الأرض ذهبًا- وجدته غير ملائم لما تقدم( لو ) من كلام؛ وهو نفي قبول الفدية0 وبيان ذلك أن الافتداء لا يرَد؛ لأن قبول الفدية واجب شرعًا، وواجب عُرفًا، وكان يلائمه أن يقبل من الكافر0 ولكنه لم يقبل منه بسبب موته على الكفر00 وهذا يعني أن الافتداء لم يكن سببًا مباشرًا- أي: شرطًا- في نفي القبول، فاختلف بذلك وجها الكلام00 ومن هنا كان لا بد من إدخال( الواو ) على( لو )؛ لتقوم بوظيفة الربط بين الافتداء، وعدم القبول، الذي لا ينسجم معه في الدِّلالة، ولتجعل منهما وحدة لغوية متلاحمة، يكمل بعضها الآخر بأسلوب بديع جمع بين الإيجاز البليغ، والمعنى الرفيع، فصار معنى الآية الكريمة: إن الذين يموتون على الكفر فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا، ولو جعله فدية يفتدي به نفسه من عذاب يوم القيامة0 بمعنى: أنه لن يقبل منه على الرغم من افتدائه به0
وجاءت( الفاء ) في قوله:{ فلن يقبل منه }؛ لتؤكد هذا المعنى الذي ذكرناه0 وبيان ذلك: أن الفاء، التي تقع في جواب الشرط، وفي خبر الذي، أو ما يقوم مقامه، تفيد أن ما بعدها محقق الوقوع، لا محالة؛ نحو قولك: إنْ زيدٌ أتاني فله درهم- الذي يأتيني فله درهم- إن الذي يأتيني فله درهم0 المعنى في ذلك كله: أن الدرهم مستحق لصاحبه عقب إتيانه0 ولهذا كان المتكلم ملزمًا بدفع الدرهم، وللمخاطب الحق في المطالبة به، إن لم يدفع له0 فإن نزعت الفاء من ذلك، كان المتكلم على خيار من أمره إن شاء دفع الدرهم، وإن شاء لم يدفع0
فإذا عرفت ذلك تبين لك الفرق بين هذه الآية، وبين قوله تعالى في آية أخرى:{ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم }[آل عمران:90]0 لم يقترن الخبر هنا بالفاء؛ لأن قبول التوبة من الذين كفروا ممكن، إن رجعوا عن كفرهم؛ لأتهم ما زالوا في الدنيا00 فتأمل هذه الفروق الدقيقة، والأسرار البديعة، في البيان الأعلى0
ولست أظن بعد هذا الذي ذكرته أن أحدًا ممن يعرف جوهر الكلام، ويدرك أسرار البيان، يمكن أن يسلم بما ذهب إليه النحاة والمفسرون من القول تارة بأن هذه الواو زائدة، وتارة أخرى بأنها عاطفة، أو حالية، وأن(لو) بعدها بمعنى(إن) الشرطية، وأنها( وصلية )0 يريدون بذلك: أنها( زائدة )0
وما بين( لو ) و( إن ) فرق في المعنى، لا بد من مراعاته، والوقوف عليه، ويتلخص في أن الأصل في( لو ) أنها أداة تمن، ثم نقلت إلى الشرط؛ وذلك من باب تعدد المعنى الوظيفي للمبنى الواحد00 ومن خواصها فرض ما ليس بواقع واقعًا0 ولهذا تستعمل فيما لا يتوقع حدوثه، وفيما يمتنع حدوثه، أو فيما هو محال، أو من قبيل المحال0 أما( إن ) فهي في الأصل موضوعة للشرط، ومن خواصها أن الفعل معها ممكن الوقوع، وغير ممكن0 ومن هنا لا يجوز القول بأن معنى{ ولو افتدى به }: ( وإن افتدى به )، كما ذهب إلى ذلك الجمهور؛ لأنه يقوم على حجة واهية، وهي زعمهم أن الفعل بعد( لو ) لا يجوز أن يكون ما ضي اللفظ، مستقبل المعنى- كما في هذه الآية- خلافًا لـ( إن ) الشرطية0 وقد ذكرنا في مقال سابق؛ وهو( سر دخول اللام على لو الشرطية ) أن الشرط نوعان: وعديٌّ، وخبري0 وبيَّنا أن الشرط الوعدي ِّ لا يكون زمنه إلا مستقبلاً ، خلافًا للخبري0 وذلك بغض النظر عن نوع الأداة الشرطية صيغة الفعل بعدها0 والشرط في الآية السابقة، ونحوها- كما هو واضح- شرط وعديٌّ، لا خبريٌّ00 فتأمل ذلك في القرآن الكريم، تجده على ما ذكرنا، إن شاء الله0 ثم تأمل بعد ذلك قول الشيخ السهيليِّ في هذه الواو الداخلة على( إن ) الشرطية، وقارن بين التركيبين، ثم لاحظ الفرق بينهما0 قال- رحمه الله- في حديث ( من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة، وإن زنى، وإن سرق ):” ولو لم بكن في الكلام الواو، لكان الزنى شرطًا في دخول الجنة0 ولكن الواو حصَّنت المعنى“0
اللهم حصِّن قلوبنا من النفاق، ونفوسنا من الرياء، وعقولنا من سوء الفهم، وزدنا علمًا ودراية بكتابك الذي أنزلته على عبدك محمد صلى الله عليه وسلم، ولم تجعل له عوجُا0 والحمد لله الوهاب المنان بفضله وإحسانه0
ـــــــــــــــــــــــــ ـ
(1)- ينظر في هذه المسألة كتاب( الجملة الشرطية ) لمؤلفه أبي أوس إبراهيم الشمسان0

محمد إسماعيل عتوك
m-attouk44@mail.sy