ذكرت هذه القيود والتوضيحات في كتابي : "أنس البدوي والحضري تعليق على متن الإمام الأخضري" من ص 75 – 79 وأحببت أن أنقلها هنا للفائدة.
قال المؤلف العلام عبد الرحمن الأخضري – تعالى - : ( ولا يحل له أن يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه ، ويسأل العلماء ، ويقتدي بالمتبعين لسنة محمد ، الذين يدلون على طاعة الله ، ويحذرون من الشيطان ).
التعليق : ما زال المؤلف – تعالى – يعدد المحرمات على المكلف ، ومن أهمها : أن لا يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه عن طريق العلم الشرعي الصحيح ، المبني على كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه بفهم سلف الأمة ، وهذا يتطلب من الإنسان أن يطلب العلم ؛ ليكون على بصيرة من دينه ، ثم إن أشكل عليه شيء من دينه سأل العلماء لقوله تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : (خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ، ثم احتلم ؛ فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة ، وأنت تقدر على الماء ؛ فاغتسل فمات ؛ فلما قدمنا على النبي أخبر بذلك ؛ فقال : قتلوه قتلهم الله ! ألا سألوا إذ لم يعلموا ؛ فإنما شفاء العي السؤال ، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ).
فهذا الحديث صريح في أن الجاهل يجب عليه أن يسأل عما جهل ، ولكن يجب أن توضح هذه النقطة – في رأيي – بتوضيحات من أهمها :
التوضيح الأول : يجب على المسلم أن يطلب العلم الشرعي ، فلا يتكل على سؤال أهل العلم ويقول قد كفيت من التعب في تحصيل العلوم ، وأمرت بسؤال العلماء .
التوضيح الثاني : إذا طلب العلم الشرعي ، ثم أشكل عليه شيء في دينه فالواجب عليه يمكن تلخيصه في نقاط :
النقطة الأولى : أن يستفرغ وسعه في تكوين فكرة عن الأمر المشكل عنده ، ويكون ذلك ببحثه في مظان أدلة ما أشكل عليه .
الثانية : أن يسأل العلماء ، ويطلب منهم أدلة على ما يفتونه به ، إذ المسؤول عنه هو حكم الله لا اجتهاد العالم .
الثالثة : أن يختار في سؤاله العلماء الذين هم مظنة الخير والصلاح ، أهل العقيدة الصحيحة ، والنهج القويم ، ولذلك قال المؤلف – تعالى – ويقتدي بالمتبعين لسنة محمد بعد قوله : "ويسأل العلماء".
الرابعة : أن يسأل ثلاثة أو أربعة ، وإذا كانوا من المقلدين للمذاهب ، فأرى أن ينوعهم حتى يسمع أدلة كل فريق .
الخامسة : أن يعمل بما اتضح له رجحانه من أدلة الذين استفتاهم ، دون تعصب لمذهب أحد كائنا من كان .
التوضيح الثالث : يجب على العالم أن يوضح للسائل أدلة المسألة من كتاب الله تعالى ، وسنة نبيه ، وإن كانت الفتوى من اجتهاده ؛ فيجب عليه إيضاح ذلك للسائل ، وهذا لا ينقص من علمه ، ولا من مكانته ، بل إنه مما يرفعه ويعليه ؛ لأنه اتباع لشرع الله ، وامتثال لأمر رسول الله .
وإنما أتيت بهذه القيود والتوضيحات لأن كثيرا من العوام يسألون كل من هب ودب ، وادعى العلم ، فيضلون بسبب ذلك ، بل إن من العلماء من هو ضال مضل ، فيجب علينا أن لا نتبعه في تحليل الحرام ، وتحريم الحلال ؛ لأن ذلك ليس ضلالا وجهلا فحسب ، وإنما هو شرك بالله تعالى ، وعبادة لأولئك العلماء .
فعن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال : أتيت النبي وفي عنقي صليب من ذهب ؛ فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن ، وسمعته يقرأ في سورة براءة "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" قال : ( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه )
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعالى عند كلامه على هذا الحديث : ( المسألة الخامسة من مسائل هذا الحديث : تغير الأحوال إلى هذه الحالة حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية ، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه ، ثم تغير الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين ، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين )
قلت : وهو كما قال تعالى فإن الناظر في أحوال المسلمين اليوم يرى العجب العجاب ؛ فقد رمى المسلمون في كثير من بلاد الإسلام الشريعة خلف ظهورهم ، وانقسموا إلى شيع وطوائف ، يمكن جمعها من حيث الجملة في أربع طوائف :
الأولى : طائفة مبتدعة تعبد العلماء ؛ فيحللون لها ويحرمون عليها ، ويتبع أصحابها العلماء فيما يحللون ويحرمون دون مستند شرعي ، فلا يسألونهم عن الدليل الصحيح الذي أحلوا به هذا ، أو حرموا به ذاك ، وإن سألوهم في القليل النادر أجابوهم بقال خليل أو قال ابن قدامة رحم الله الجميع ، ولا شك أن هذا لا يعتبر دليلا شرعيا ، فمهما بلغ العالم من العلم فإن قوله لا يحرم شيئا ولا يحلله ، وغاية ما يؤخذ من كلامه هو فهمه للأدلة الشرعية ، وقد يكون فهما صحيحا وقد يكون خاطئا ..
وهنا شبهة تتكرر على ألسنة صغار طلبة العلم ، وكثير من العوام ، وهي قول بعضهم : إذا كان فلان من العلماء قد أخطأ في فهم هذا الدليل فكيف ستصيب أنت فيه ، والفرق ما بينكما في العلم كما بين الثرى والثريا ؟
هكذا يكررون ، ويرددون في كل مرة يبين فيها خطأ عالم ما ، ولا شك أن هذا من الباطل الظاهر ، ومن الجهل بالله وبنعمه على عباده ، ثم إن فيه من الجهل بأمة محمد ما لا يخفى ، وقد قال رسول الله : ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ).
ومع ذلك فلا شك أن احتمال إصابة العلماء الكبار في فهمهم للأدلة الشرعية هو احتمال كبير ، لقدمهم في العلم وما خصهم الله به من الحفظ ، والفهم ، والورع ، والتقوى ، ولكنهم مع ذلك قد يخطئون ، ويصيب غيرهم ممن هو دونهم في العلم بمسافات بعيدة ، وقد كان صغار الصحابة رضوان الله عليه يفهمون ما لا يفهم كثير من كبارهم مع تقدمهم عليهم في الفضل والعلم وغير ذلك ، والأمثلة على ذلك كثيرة فلا أطيل بسردها.
والحاصل أن سؤال العالم لا يستغنى عنه ، ولكنه لا يسأل عن اجتهاده إلا عند عدم وجود النص الصحيح الصريح ، ثم إن اجتهاده غير ملزم في جميع الأحوال ؛ سواء كان اجتهاده في فهم النص ، أو كان في مسألة لا نص فيها ، وما تفرق المسلمون مذاهب وشيع إلا عندما قلدوا أقوال العلماء التي لا تستند إلى دليل شرعي صحيح ، ثم ما زال أتباع تلك المذاهب يصنفون في أصول مذهب فلان وفلان حتى صار الحال إلى ما صار إليه من اعتماد على أقوال أولئك الرجال ، وطرح النصوص الصحيحة ؛ ومعارضتها في أحيان كثيرة بأقوال أئمة المذاهب ؛ بل وبأقوال من ليس بإمام ولا مأموم في الصفوف الأول..!
ومن المعلوم أن الله تعالى قد حذر من العلماء المضلين وتقليدهم ؛ بل وتقليد حتى العلماء الطيبين الداعين إلى الخير ، قال جل من قائل : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين .. ).
قال القرطبي – تعالى – عند تعداده لفوائد هذه الآية : ( ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها ، فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره ، وأن لا يقبل منه إلا بحجة ).
أما الطائفة الثانية : فهي جماعة اتبع أصحابها النصارى في تشريعاتهم ، وقلدوهم في نظرتهم المادية لهذا الكون ، وتفسيرهم الاقتصادي لعلاقة الإنسان به ، فسلموا عنان أفكارهم لهم ، وانبهروا بما أنتجته حضارتهم من تقدم تقني ، وازدهار اقتصادي ؛ فصار همهم وهدفهم الذي يسعون من أجله ليل نهار هو أن يلحقوا دولهم بالنصارى ، ويجعلوا مجتمعهم نسخة طبق الأصل من مجتمعات الغرب الكافرة ؛ فقالوا بلسان حالهم : إذا كان الغرب متقدما ، والمرأة فيه متبرجة ؛ فيجب أن تكون كذلك في مجتمعنا حتى نلحق به ، وإذا كان نصف المجتمع الغربي من المخنثين ؛ فيجب أن نصنع عقارا يقضي على الهرمونات الذكرية في مجتمعنا حتى تكثر عندنا كمية المخنثين .. وهكذا ، فهؤلاء في نظري لا يحتاجون إلى تعليق ؛ لأن العامي يعلم ضلالهم وجهلهم وتخلفهم العقلي فضلا عن الشرعي.
أما الطائفة الثالثة : فهي جماعة اتبع أصحابها المتصوفين والمشعوذين بحثا عن تنويم مغناطيسي يهربون فيه من واقعهم ، وإن كان إلى واقع أسوأ منه .
فهؤلاء لا هم لهم سوى سرد قصص كرامات مشايخهم ومشعوذيهم ، وصناعة الغرائب من ذلك ، حتى يغيبوا في تلك الترهات والتخرصات ؛ فتضيع أعمارهم فيما يسخط الله تعالى ، والأدهى من ذلك والأمر أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وأنهم بأفعالهم هذه يتقربون إلى الله ..
أما أشياخهم ، فإنهم يحذرونهم آناء الليل وأطراف النهار من طلب العلم الشرعي الصحيح ، وإن درسوهم أحيانا بعض الكتب الصغيرة ، فإنهم يشوهون لهم ما فيها من الحقائق ، وما انطوت عليه من أنوار الوحي ؛ حتى يظلوا آلة في أيديهم يحركونها كيف شاؤوا ..
ولا شك أن ذلك يدل على أن لهؤلاء المشعوذين قدرا كبيرا من العقل المعيشي ؛ فلو وظفتهم الدول كوزراء للاقتصاد لتقدمت اقتصاديات تلك الدول ، وارتفع نموها الاقتصادي ، وزاد دخل الفرد فيها ، كما يزيد دخل الفرد منهم بقدر ما يضلل من أمة محمد ، وبقدر ما يحجب عنهم من العلوم الشرعية النافعة ..
إن العلم الشرعي الصحيح هو أخطر سلاح على هؤلاء ، وهو السيف الصلت الذي يقطع رقابهم ، والفارس الشجاع الذي يهزمهم عند بداية اللقاء ..
ولذلك تراهم يخافون منه ويفرون قبل المواجهة ؛ فلو أدخل فرد ما صحيح البخاري إلى وكر من أوكارهم ، وبدأ يقرأ باب : الصلاة من الإيمان ؛ لرأيتهم يشردون لا يلوون على شيء ، ولو فتحت صفحة من كتب شيخ من شيوخ الإسلام المشهود لهم بالفضل كمالك ، والشافعي ، وأحمد ، والأوزاعي ، وابن تيمية ، وابن عبد البر ، وابن أبي زيد القيرواني ، وغيرهم ، لرأيت لهم عويلا وهروبا في كل اتجاه ، ولشاهدتهم يستعملون كل ما عندهم من ذكاء وخبرة في الدهاء والمكر من أجل شبهة يضعونها أمام ما تحويه تلك الصفحة النقية البيضاء ، ولكن الله لهم بالمرصاد ، ويمكرون ويمكر الله ، والله خير الماكرين.
أما الطائفة الرابعة : فهم قوم تعلموا الدين من أصوله الصحيحة ، وعملوا بما علموا منه ، وترحموا على علماء الأمة ، وأحبوهم في الله ، ووالوهم فيه ، ولم يعمهم حبهم لهم عن أخطائهم في الاجتهادات ، كما لم تعمهم أخطاؤهم عن محاسنهم الكثيرة ؛ فلم يجعلوهم معصومين ، ولم يسووا بين أقوالهم وبين الوحي ، وجعلوا الوحي هو الحاكم على كل ذلك ، وكلام المعصوم هو الميزان الذي يتضح به الحق من الباطل ..
وحفظ الله الدين بهذه الطائفة على قلتها ، وتفرقها في أصقاع الأرض الكثيرة وذلك مصداق قول المعصوم : ( لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ).
فنسأل الله العلي القدير أن يجعلنا ووالدينا ومشايخنا وإخواننا وأحبابنا من هذه الطائفة المنصورة ، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله تعالى أعلم وأحكم.