بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى ، والصلاة والسلام على نبينا محمد .
أما بعد :

الإبداع الحقيقي وحدود الجرأة العلمية في عالم التفسير .

نسمع أو نقرأ بين الآونة والأخرى حديثا لمن يقلل من قيمة الكتب القديمة في التفسير ، أو يشير إلى أنها ينقصها الإبداع وينقص مدونها الجرأة العلمية !

إننا عندما نقتحم هذا العالم ، ونقرر أن نصدر أحكاما على مجهود أي إنسان ، لابد أن ندرس الموضوع بدقة قبل أن نتحدث .

وليكن شعارنا :
( كان هذا أيام الحداثة أما الآن فلا ). لا للتسرع .

لكل عصر يا إخوتي ما يميزه وما يجبر المؤلف والعالم على طريقة معينة في التأليف ، فلابد أن يقدم الأهم على المهم ، ويعرف جيدا ما هو المطلوب منه أمام ربه ، فربه يعلم السر وأخفى ، لا بد أن تكون عنده الجرأة على تقديم ما يستحق التقديم .

فنحن نرى التابعين ، - ومن هنا بدأ التأليف في علم التفسير - ، يغلب عليهم أسلوب وهو نقل الروايات ، وهم معذورين ، في وقتهم لابد من حفظ الأصول ، فالمبين وهو القرآن يحتاج إلى المبين وهي السنة ، وتفاسير الصحابة لابد من حفظها لأنها من الأهمية بمكان كما هو معروف ، فأنت أيها الفاضل لو كنت مكانهم ماذا ستقدم ؟
ومع ذلك بدأ المؤلف مذ ذاك العصر ، بالتطرق لعلوم التفسير ، فنرى اهتماما بعلم غريب القرآن ، أو آيات الأحكام فنرى استنباطات لبعض الأحكام ,وغير ذلك مما كان نواة للتوسع الذي حصل فيما بعد.

والذي لا شك فيه أن العلماء الأوائل كان اهتمامهم بزرع هذا العلم في القلوب أكبر مما نظن ، فترى عالم التفسير يلتف الطلاب حوله يستقون من علمه ، وهو أيضا ملم بباقي العلوم ، فهو يزرع رجال ويعدهم لحمل الأمانة ، فالأمر عظيم والخطب جليل والوقت قصير والأمانة عظيمة.

فيكفينا أن نرى حال الأمة في عصرهم لنعرف بكل وضوح حالهم وما أهمهم ، وهم يعرفون بكل دقة أنه :
( رب مبلغ أوعى من سامع )

فقل كلامهم وكثرت إشارتهم ، شحذا لهمم الطلاب ، وطلبا لإبداعهم وإعدادهم ، وأفضل مثال على ذلك الإمام البخاري ، أنظروا إلى تراجمه كم هي للكسل راجمه ، كم شحذت أذهان العلماء ، واحتار فيها الألباء ، كنز من الفوائد ، وعلم رائد ، لقد كان القرآن مربيا للأوائل ، هذا الكتاب العظيم فيه من الإيجاز والإعجاز ، ما يدعوا أهله إلى أن يكون مثالهم الأعلى ، وكذلك نبينا محمد ، كلامه رأس البلاغه والحكمة ، وقد شك نقاد الحديث في صحة أحاديث لطولها ، فقد كان الحبيب يوصل المعلومة بأقصر العبارات الرائعة المفهومة .

أما ما حدث للأمة في العصور المعروفة ، وهي ما سمِّي في التاريخ الإسلامي بمرحلة الإنحطاط ، والتي يقوم فيها الكاتب بالنقل بلا فائدة ، فهي حالة بلورتها حال الأمة في ذاك الزمان ، ومع ذلك ظهرت بعض التآليف الجليلة في عصور الظلام ، أما الكتب الأخرى فقد اندثرت وبقي ما ينفع الناس يتداول بين الناس.

والله أعلم وأحكم.