- الكتاب: "مناهج الاستمداد من الوحي"
- الطبعة الأولى 2008
- دار النشر: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط،
- عدد الصفحات 649 صفحة من القطع الكبير.


الاستمداد من الوحي.. رؤية من أجل التجديد
حسن الأشرف

صحفي مغربي
المصدر: شبكة إسلام أون لاين

تضمن الكتاب الصادر حديثًا عن الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب والموسوم بعنوان "مناهج الاستمداد من الوحي" دراسات متنوعة لمفكرين وباحثين في العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية من المغرب وخارجه من الدول العربية والإسلامية، وكلها رامت ضبط معالم الرؤية والتمثل الموجودين في الوحي للإنسان والكون وللفرد والجماعة وللذات والآخر وغيرها، ومحاولة تصويب المعارف الإسلامية بسبب بعدها عن النص المؤسس من خلال الوحي، الأمر الذي يستدعي ضبطًا وتجديدًا، وهو ما عكفت عليه مداخلات ومحاضرات الباحثين والعلماء، والتي انتقينا منها ما وافق محور مناهج الاستمداد من الوحي ومعالم بناء منهاج قرآني تجديدي للفكر والعلوم الإسلامية.


* إشكالات أمام العلوم الإسلامية:

أكد الدكتور سعيد شبار، أستاذ الفكر الإسلامي والحضارة والعقيدة والأديان المقارنة بجامعة بني ملال، في مداخلته بعنوان "من أجل منهاج قرآني تجديدي في الفكر والعلوم الإسلامية، رؤية منهاجية" أن العلوم الإسلامية تهدف بصفة عامة إلى أن تحقق الهداية والصلة بالله تعالى وأن تُخرج الإنسان المستخلف، وأن تبني مجتمعها وتسهم في إعمار الكون من حولها، مضيفًا أن هذه الأهداف كانت مجتمعة في صدر الإسلام، توجه علوم الأمة في بنائها الذاتي وفي ساحة التدافع والتعارف الكوني، لكن واقعها الراهن لا يسر ولا يفرح، مما يطرح تساؤلات عدة حول حاجة هذه العلوم إلى إعادة بناء أو استئناف من داخل الأصول المُؤسسة لها لا من خارجها".

وأبرز المفكر المغربي ثلاث قضايا وإشكالات رئيسة تفرض الحاجة إلى استئناف تجديدي شامل للعلوم الإسلامية وبناء أصول فكرية؛ أولها أن الأصل في العلوم الإسلامية هو أن يكون بينها وحدة عضوية موضوعية لوحدة الأصل والمصدر، وأن الخيط الكلي الناظم لها ينبغي أن يعكس تكاملها ودورانها مع الأصل حيث دار، غير أن الواقع بعيد عن هذا الأصل، حيث إن كلا من هذه العلوم يكاد يدور في فلك خاص وأطر مرجعية ومنهجية خاصة كأنها جزر منفصلة عن بعضها البعض.

وعدم تفاعلها الإيجابي مع السنن الكونية والاجتماعية أدى إلى نتيجتين: الأولى تعطل جبهة العلوم الكونية والمادية؛ وهو ما أدى إلى العجز الشامل عن بناء النماذج الحضارية الذاتية، والنتيجة الثانية تعطل جبهة العلوم الإنسانية فكان العجز عن بناء نموذج الإنسان المسلم السوي، علما أن العلوم المادية والإنسانية يعدان أهم مداخل استضعاف الأمة واستلابها لنماذج الغرب المهيمنة والغالبة.

والإشكال الثاني، وفق الدكتور شبار، يرتبط بتصنيف هذه العلوم وترتيبها المنهجي والمدرسي التعليمي، مثل التمييز بين العقيدة والشريعة والعادات والعبادات ومدرسة الرأي ومدرسة الأثر والعقل والنقل، فقد تطور الأمر إلى صيغ معاصرة تعكس الصراع نفسه مثل الأصالة والمعاصرة والحداثة والتقليد والعقلانية والشرعانية.

أما الإشكال الثالث فيتعلق بالتحديات التي تواجه الأمة حاليا، فهي جماعية أكثر منها فردية وميدانية أكثر منها نظرية، لكن العلوم الإسلامية الراهنة بطابعها النوازلي الفردي والنظري التجريدي الغالب، مادة ومنهجًا، لا تسعف في مواجهة هذه التحديات وتقديم الإجابات اللازمة.

ودعا شبار إلى بناء هذه العلوم ليس من خلال تشكلاتها التاريخية بل من خلال الأصل الذي انطلقت منه كتابا وسنة نبوية بالشكل الذي تبرز فيه وحدتها وتكاملها وتنتفي كل أشكال التعارض والانفصال الزائف فيها وتبرز أيضا تكاليفها وأحكامها الجماعية مثلما برزت الفردية.


* معالم منهاج قرآني تجديدي:

وتحدث الباحث المغربي عن كون مقولات رائجة الآن يراد منها صوغ فكر كوني نمطي مثل حوار الحضارات والثقافات وحوار الأديان أو عكسها من أفكار تنذر بالصدام، تطرح على الفكر الإسلامي باعتباره ممثل حضارة وثقافة ودين أن يكون له إسهام فيها وترشيدها وتصويبها للخير والنفع العام، فضلا عن قضايا عاجلة من قبيل البطالة والأمية وحقوق الإنسان ومشكلات البيئة والحروب وغيرها كلها تستدعي اجتهادًا وتجديدًا غير منقطع في الفكر الإسلامي المعاصر بما يحقق راهنيته.

بعد ذلك، تطرق شبار في مداخلته إلى رؤيته لبعض المعالم الرئيسة لمنهاج قرآني بنائي وتجديدي للفكر والعلوم الإسلامية يمكنه إذا ما تم تنزيله جزئيا على مختلف العلوم والمعارف الإسلامية أن يحدث تغييرات جذرية فيها، وهذه المعالم كما حددها المفكر المغربي هي كالتالي:ـ

ـ أن ينطلق هذا المنهاج من مصادر المعرفة في تكاملها (الوحي والعقل والواقع) حيث يتكامل عالم الغيب مع عالم الشهادة وتُقرأ آيات الكون كما تُقرأ آيات النص، فلا يطغى جانب على جانب آخر.

ـ أن يستصحب المنهاج القرآني التجديدي قيم الهداية والرحمة واستشعار مسئولية الاختلاف والتعمير وحمل الأمانة مما يجعل المعرفة المُنتَجة شعارا للهداية والأمن والجدال بالتي هي أحسن.

ـ وأن ينبني المنهاج على خصائص: التوحيدية والعالمية والوسطية والإنسانية والواقعية تنفي عنه الانغلاق والتحيز والغلو والتشدد والإفراط والتفريط والصورية والتجريد.

ـ ثم أن تكون للمنهاج البنائي التجديد محددات مثل ختم النبوة والهيمنة والتصديق والوحدة البنائية للنص حتى لا تتسرب إليه الخرافات والشوائب التاريخية.


* بناء منهج للاستمداد من الوحي:

وارتأى من جانبه الأستاذ عبد السلام الأحمر، عضو الرابطة المحمدية للعلماء، أن ينطلق في محاضرته من أصول المعارف المُستمدة من الوحي التي حددها في سبع نقاط:

ـ معرفة الله تعالى بصفاته العلا وأسمائه الحسنى، وأنه سبحانه لا حد لكلماته، ومعرفة ملائكته المقربين ورسله المصطفين لتبليغ رسالاته للناس.

ـ معرفة علاقة المخلوقات بالخالق، وأنها إما عبودية مفروضة أو عبودية مختارة.

ـ معرفة خصوصيات آدميين باعتبارهم مستخلفين في الأرض، ومسخر لهم ما فيها وما للكون، ومسئولين عن أعمالهم بين يدي الله تعالى يوم القيامة.

ـ معرفة حقيقة الحياة الدنيا باعتبارها مجال استخلاف الإنسان وممارساته للتكليف.

ـ معرفة شرع الله "موضوع المسئولية الإنسانية"، ونهجه المرتضى اعتقادا وعبادة وسلوكا لنيل السعادة في الدنيا والآخرة..

ـ معرفة جانب الغيب المرتبط بمهمة الاستخلاف وتبعاتها: مثل البعث والحساب والثواب في الجنة والعقاب في جهنم.

ـ معرفة أحكام الشريعة الأصلية واستنباط حكم الله للقضايا المستجدة في واقع الإنسان المتغير على امتداد الزمان والمكان.

ثم بين الأحمر في عرض مداخلته للمحددات الرئيسة لبناء منهج سديد للاستمداد من الوحي متمثلة في:

ـ إخلاص القصد لله والتزام النزاهة العلمية، ذلك أن كل عملية استمداد من الوحي تؤطرها خلفية فكرية وعقدية ومذهبية معينة توجهها في قناعاتها ويدافع عنها وينسجم مع توجهات تلك الخلفية ولا يتعارض معها.

ـ العلم بالعربية وعلوم الوحيين الفقه واستنباط المعاني والحكم والأحكام، والوعي بالتوجهات الفكرية العالمية وأزمة الحضارة المعاصرة.

ـ استخلاص مقاصد الوحي الأساسية باستقراء توجيهاته وأحكامه ومضامينه، لكون المقاصد بكل مراتبها من أهم ما يتعين استحضاره في عملية الاستمداد من القرآن والسنة، ويكون للمقاصد دور حاسم في توجيه نتائج الاستمداد وتقويم المناهج المتبعة فيه.

ـ إدماج المقاصد الأساسية في مقصد أساسي عام، واختبار مدى شمولية هذا المقصد العام وتسديده لعملية الاستمداد بالاحتكام إلى معايير منهجية منها استيعابه لكليات الدين وغاياته الكبرى وامتداد حضوره في جميع توجيهات الشرع وأحكامه التفصيلية، وإثبات قدرته على تيسير فهم نصوص الوحي وطبيعة الحياة وتفسير معضلاتها وحل مشاكلها.


* تحقيق الشهود الحضاري:

أما الدكتور المصطفى الهند، أستاذ الفكر الإسلامي وعضو الرابطة المحمدية للعلماء، فقد أورد بدوره ما يراه مقدمات منهجية رئيسية اعتمدها الفكر المعاصر للإسهام في تحقيق الشهود الحضاري للأمة الإسلامية.

وتتمثل المنهجية الأولى في شمولية الرؤية الحضارية في كون الأمة الإسلامية ما دامت قد استطاعت في الماضي إنشاء حضارة رائعة في عصور التخلف، فإنها أقدر على إقامة مثل تلك الحضارة في عصور التقدم العلمي، أخذا بعين الاعتبار أن المنطقة العربية تحتل موقعا وسطا وتتبوأ القلب النابض للعالم، فهي منطقة تفاعل لا تجاهل.

أما المقدمة الثانية -حسب الهند- فهي التي تتعلق بربط عملية التحضير بعلم السنن، وهي مقدمة يمكن اعتبارها نقطة الارتكاز للشهود الحضاري للأمة الإسلامية التي تأتي بعد شمولية الحضارة، وعلم السنن لم يجد الاهتمام المطلوب من طرف العلماء والباحثين، فهو علم مؤثر ذلك لأن السنن حيادية لا تحابي أحدًا، وهي رحى كل بناء حضاري، كما أنها مبنية على منظومة عقدية يجب مراعاتها.

وأردف الباحث المغربي مجموعة دلائل لإبراز أهمية قضية السنن، حيث اعتبر أبو الأعلى المودودي أن الأمم تسقط بعوامل داخلية وأسباب ذاتية، وأن أي حضارة تنشأ تجمل فناءها في داخلها، واهتم بهذه المسألة مالك بن نبي الذي تبنى منهج ابن خلدون في التأصيل السنني لقيام الحضارات، لكنه أضاف سنة "التغيير" كمقوم أساسي يجب إيلاؤه الاهتمام والاعتبار..

وتتمثل المقدمة المنهجية الثالثة في إحياء القيم الحضارية الإسلامية من قبيل القيم الروحية والقيم العلمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك بعد أن خضعت الأمة لهيمنة الفكر الغربي وحضارته في شتى المجالات الحياتية، في حين ترمي المقدمة المنهجية الرابعة إلى تجديد الفقه الحضاري.. ولعل هذا المبحث يلتقي فيه مصطفى الهند مع سعيد شبار، حيث يرى أستاذ الفكر الإسلامي أنه يمكن تحقيق هذا المبتغى إذا ما تمت مراعاة تنوع الواقع الإسلامي ووحداته المكونة له، وفتح أبواب الاجتهاد والحوار بما يستوعب الآراء والتصورات التي ستضبط مسألة التغيير الحضاري المنشود وتُقلص هامش الخطأ ما أمكن.