[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]
[align=center]من أسرار الإعجاز البياني في القرآن
سر مجيء لفظ (السماء) مجموعًا ومفردًا ، خلافًًا للفظ (الأرض) [/align]

قال الله جل جلاله:{ أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون }[ الأنبياء:30 ]00 وقال عز من قائل:{ وفي السماء رزقكم وما توعدون* فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون } [ الذاريات:22- 23 ]0
والسؤال الذي يتردد كثيرًا: لماذا جاء لفظ ( السماء ) في القرآن الكريم مجموعًأ تارة؛ كما في آية الأنعام السابقة، وجاء مفردًا تارة أخرى؛ كما في آية الذاريات، خلافًا للفظ ( الأرض ) الذي لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردًا؟
والجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما لفظيٌّ0 والآخر معنويٌّ0
1- فأما الوجه اللفظيُّ فإن لفظ السماء هو اسم جنس، يطلق على المقابل للأرض0 والأصل فيه التأنيث؛ كقوله تعالى:{ إذا السماء انشقت }[ الانشقاق:1 ]، وقد يذكر؛ كقوله تعالى:{ السماء منفطر به }[ المزمل:18 ]00 ويستعمل للواحد؛ كما في الآيات السابقة، وللجمع؛ كما في قوله تعالى:{ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات }[البقرة:29]0
ويطلق لفظ (السماء)، ويراد به العلوُّ0 قال بعضهم: كل سماء بالإضافة إلى ما دونها فسماء، وبالإضافة إلى ما فوقها فأرض؛ إلا السماء العليا فإنها سماء بلا أرض00 أما لفظ الأرض- وإن كان اسم جنس مؤنث، يطلق على الجرم المقابل للسماء- فإنه في الأصل مصدر لقولك: أرَضَ، على وزن فعَل؛ كضرب0 ويُعبَّر به عن أسفل الشيء؛ كما يعبَّر بالسماء عن أعلى الشيء0
ويماثل الأرض في لفظها: السَّفْل، والتحْت؛ وهما لا يثنَّيان، ولا يجمعان0 ويأتي في مقابلهما: الفوق، والعلو؛ وهما كذلك، لا يثنَّيان، ولا يجمعان؛ لأن المصادر لا تثنى، ولا تجمع، خلافًا للأسماء00 ولهذا جمع لفظ السماء، ولم يجمع لفظ الأرض0
أما قولهم: الأراضي، والأرَضون فهما خلاف القياس0 يضاف إلى ذلك أنه ليس فيهما من الفصاحة والعذوبة ما في لفظ السموات، بدليل أنك تجد السمع ينبو عنهما بقدر ما يستحسن لفظ السموات00 فلفظ السموات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته، وعذوبته0 أما لفظ الأراضي، أو الأرضون فلا يأذن له السمع إلا على كره0
2- وأما الوجه المعنوي فإن الكلام متى اعتُمِد به على السماء المحسوسة، التي هي السقف الرفيع، وقُصِد به إلى ذاتها، دون معنى الوصف ، صحَّ جمعها00 ومتى اعتمِد الكلام على معنى الوصف- أي: معنى العلو والرفعة- جيء بلفظها مفردًا00 أما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت، والسفل- أي: معنى الوصف- دون أن يقصَد ذواتها وأعدادها0 ولهذا جاء لفظها في القرآن مفردًا0
فإذا جاءت الأرض مقصودًا بها الذات والعدد، جيء بلفظ يدل على التعدد؛ كما في قوله تعالى:{ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا}-[الطلاق:12]0
وقد قيل في تفسير هذه الآية: إن الأرض واحدة، وأن المماثلة بينها، وبين السماوات في التركيب والخصائص0 وقيل: في الإبداع والإحكام0 والصحيح الذي عليه الجمهور أنها سبع، وأن المماثلة بينها، وبين السماوات في التعدد، وفي كونها طباقًا بعضها فوق بعض0 هذا ما نصَّت عليه الآية الكريمة، وأيدته الأحاديث الشريفة، وأكده العلم الحديث0 فأرضنا هذه التي نعيش فوقها هي سبع أرضين، بعضها فوق بعض، وليست أرضًا واحدة0
تأمل بعد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:” من ظلم شبر أرض طُوِّقه من سبع أرَضين“، تجد أن المقصود به ذات الأرضين، وأنفسها على التفصيل والتعيين لآحادها، دون الوصف لها بتحت أو سفل، في مقابلة فوق أو علو00 ولهذا جيء بلفظها مجموعًا؛ كما جيء بلفظ السماء مجموعًا للعلة نفسها00 هذا فرق0
وفرق آخر: وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها؛ بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء0 فهي- وإن تعددت، وتكبَّرت- فإنها بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل0 ولهذا اختير لها اسم الجنس0
وفرق ثالث: وهو أن الأرض دار الدنيا التي هي بالإضافة إلى الآخرة؛ كما يدخل الإنسان أصبعه في اليمِّ، فما تعلق بها هو مثال الدنيا من الآخرة00 والله تعالى لم يذكر الدنيا إلا مقللاً لشأنها0 وأما السموات فليست من الدنيا- على أحد القولين فيها- وإنها مقرُّ ملائكة الرب تعالى، ومحل دار جزائه، ومهبط وحيه0 ولهذا ناسب التعبير عنها بلفظ الجمع؛ لأن المقصود ذواتها، لا مجرد العلو والفوق00 أما إذا أريد الوصف الشامل للسموات- وهو معنى العلو والفوق- أفرد لفظها بحسب ما يتصل به من الكلام والسياق(1)0
تأمل بعد ذلك كيف جاء لفظ السماء مجموعًا في قوله تعالى:{ وهو الله في السموات والأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون }[ الأنعام:3 ]0 والسر في ذلك يرجع إلى أن المراد من الآية: هو الله المعبود في كل واحدة من السموات0 ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه والمعبود00 فذكر الجمع- هنا- أبلغ، وأحسن من الاقتصار على لفظ الجنس الواحد0
وتأمل كيف جاء لفظها مجموعًا في قوله تعالى:{ تسبح له السموات السبع } [ الإسراء:44 ]0 والسر في ذلك يرجع إلى أن المراد من الآية: الإخبار بأنها تسبح له سبحانه، بذواتها وأنفسها، على اختلاف عددها0 وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد، ولم يقتصر على السموات0
ونحو ذلك قوله تعالى:{ أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون }[ الأنبياء:30 ]0 فالمراد من الآية الدلالة على إلاهيته، ووحدانيته سبحانه، وأنه لا مبدع، ولا خالق سواه0 ولهذا كان لفظ السموات مجموعًا أبلغ من مجيئه مفردّا0
ثم تأمل كيف جاء لفظ السماء مفردًا في قوله تعالى:{ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور* أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير }[ الملك:16- 17 ]0 والسر في ذلك يرجع إلى أن المراد من الآية: الوصف الشامل، والفوق المطلق للسماء، ولم يُرَد سماء معينة مخصوصة0
أما قوله تعالى:{ وفي السماء رزقكم وما توعدون }[ الذاريات:22 ]، فجاء لفظ السماء فيه مفردًا؛ لأن الرزق هو المطر، والذي وعدنا به هو الجنة، وكلاهما في هذه الجهة، لا في كل واحدة من السموات، فكان لفظ الإفراد أليق بالمقام00 وجاء لفظ السماء والأرض مفردين في قوله تعالى:{ فورب السماء والأرض إنه لحق مثلما أنكم تنطقون}[ الذاريات:23 ]، إرادة لهذين الجنسين0 أي: رب كل ما علا، وكل ما سفل0 فلما كان المراد عموم ربوبيته تعالى، أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمَّى سماء، وكل ما يسمَّى أرضًا؛ وهو أمر حقيقي لا يتبدل، ولا يتغير، وإن تبدلت عين السماء والأرض0
فتأمل هذه الأسرار المعجزة، التي ينطق بها البيان الأعلى في كل لفظ من ألفاظه، مما يشهد أنه تنزيل من حكيم حميد0
ــــــــــــــــــ
(1)- هذه الفروق مع الشواهد ذكرها ابن قيِّم الجوزية في كتابه البديع ( بدائع الفوائد )0 وقد نقلتها عنه بتصرف0


محمد إ سماعيل عتوك