(جنات تجري من تحتها الأنهار). . (خالدين فيها). . (نزلا من عند الله). . (وما عند الله خير للأبرار). .
آل عمران:198


إن الله - سبحانه - في موضع التربية ,
وفي مجال إقرار القيم الأساسية في التصور الإسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر ,
ولا يعدهم بقهر الأعداء ,
ولا يعدهم بالتمكين في الأرض ,
ولا يعدهم شيئا من الأشياء في هذه الحياة . .
مما يعدهم به في مواضع أخرى , ومما يكتبه على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائه .


إنه يعدهم هنا شيئا واحدا . هو (ما عند الله).

فهذا هو الأصل في هذه الدعوة .
وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة:
التجرد المطلق من كل هدف ومن كل غاية ,
ومن كل مطمع
- حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله وقهر أعداء الله -
حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون , ويكلوا أمرها إليه ,
وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها !


هذه العقيدة:
عطاء ووفاء وأداء . . فقط .
وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض ,
وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء . .
ثم انتظار كل شيء هناك !

ثم يقع النصر , ويقع التمكين , ويقع الاستعلاء . .
ولكن هذا ليس داخلا في البيعة .
ليس جزءا من الصفقة .
ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا .
وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء . . والابتلاء . .


على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة ;
وعلى هذا كان البيع والشراء .

ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء ;
ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية ,
إلا حين تجردوا هذا التجرد , ووفوا هذا الوفاء:

قال محمد بن كعب القرظي وغيره:
قال عبد الله بن رواحة - - لرسول الله [ ]
يعني ليلة العقبة ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه [ ] على الهجرة إليهم :
اشترط لربك ولنفسك ما شئت .
فقال:" أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا . وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " .
قال:فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟

قال:" الجنة " . .
قالوا:ربح البيع . ولا نقيل ولا نستقيل . .



هكذا . . "الجنة " . . والجنة فقط !
لم يقل . . النصر والعز والوحدة . والقوة . والتمكين . والقيادة .
والمال . والرخاء - مما منحهم الله وأجراه على أيديهم -
فذلك كله خارج عن الصفقة !


وهكذا . . ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل . .
لقد أخذوها صفقة بين متبايعين ;
أنهي أمرها , وأمضي عقدها .
ولم تعد هناك مساومة حولها !


وهكذا ربى الله الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض ,وزمام القيادة ,
وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها , وكل رغباتها , وكل شهواتها ,
حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها , والمنهج الذي تحققه , والعقيدة التي تموت من أجلها .

فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه ,
أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة .


(في ظلال القرآن)