ريهام عبد العزيز
حالة تنصر تافهة يطنطن بها القساوسة
د. إبراهيم عوض
Ibrahim_awad9@yahoo.com
http://awad.phpnet.us/
http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9
بينما كنت أبحث عن شىء فى المشباك (الإنترنت) منذ عدة أيام إذا بى، ولا أدرى كيف، آتِى على تسجيلٍ تلفازىٍّ لفتاة مصرية اسمها ريهام عبد العزيز كانت مسلمة ثم تنصرت منذ فترة، وأظهرتها فضائية "الحياة" النصرانية فى حلقة "سؤال جرىء" فى محاولة لتبرئة القَسّ المتهم بتزوير أوراق رسمية من أجل تسهيل زواجها من شاب نصرانى ومساعدتها فى الخروج من مصر. وكان مصادر قضائية مصرية فى أكتوبر 2008م قد قالت "إن محكمة مصرية حكمت امس الأحد على قس وثلاثة مسيحيين مصريين آخرين ومسلمة تنصرت بالسجن لمدة خمس سنوات لإدانتهم بالتزوير. وقال مصدر إن محكمة جنايات الجيزة أثبتت أن القس متاوس عباس زور شهادة ميلاد المتنصرة ريهام عبد العزيز مستخدما بيانات شهادة ميلاد أخته لإصدار بطاقة هوية استعملت في تزويج المتنصرة من المحكوم عليه الثالث أيمن فوزي زخاري. وأضاف أن عباس عقد زواج المتنصرة وزخاري. وتابع أن الزوجين هاربان وقال المصدر إن الحكم صدر على المحكوم عليهما الآخرين اللذين شهدا على عقد الزواج المزور غيابيا. وأضاف أن المحكمة أثبتت أن الشاهدين كانا على علم بالتزوير".
وبالبحث والتحرى وجدتُ التغطية التالية للموضوع فى موقع "ساحة الحوار العربى" بتاريخ الأحد 26 أكتوبر 2008م: "قبل أن تبدأ المرافعات وجدنا كاهنا مسيحيا حائرا وتائها، فور أن دخل القاضي المستشار محمود سامي كامل وبدأ الجلسة نادي عليه وقال له: "معاك محامي يا أبونا؟ المرة خلاص مفيش تأجيل". أجلسه في ركن خاص في المحكمة وطلب من المصورين ألا يقتربوا منه وألا يصوروه. التزم المصورون بما قاله القاضي، لكن الكاميرات الصحفية لم تصمد فسارعت بالتقاط بعض الصور السريعة له. كان بالنسبة لي غامضا للغاية، فما الذي جاء به إلي هنا؟ ماذا يفعل؟ وما هي الجريمة التي ارتكبها ليقف أمام محكمة الجنايات؟ كنت قد اصطدت الحكم الذي صدر ضده، فقد قضت محكمة جنايات الجيزة بالسجن المشدد علي القس متاؤوس عباس وهبة القس بكنيسة كرداسة و4 آخرين هم ريهام عبد العزيز (مسلمة) وأيمن فوزي وروماني نبيل فارس ووائل عزيز شفيق. كانت النيابة العامة قد وجهت لهم تهمة تزوير أوراق رسمية تتمثل في شهادة ميلاد وبطاقة شخصية لتزويج ريهام من أيمن (القبطي). واشترك روماني ووائل في الشهادة علي توثيق العقد، ثم توجها إلي القس متاؤوس الذي قام بتوثيق عقد الزواج. التزوير، كما قالت النيابة، تم بمعرفة روماني نبيل، الذي نزع صورة البطاقة الشخصية لأخته المتوفاة مريم ووضع بدلا منها صورة ريهام المسلمة، وقام بتزويجها للمتهم أيمن فوزي.
كان الحكم صدمة لمتاؤوس. الذين استمعوا إلي كلماته وهو في المحكمة قالوا إنه لا يجيد الحديث ولا يعرف شيئا، إلا أنه تم توريطه في القضية، فقد قام بتزويج فتاة من واقع الأوراق الرسمية التي قدمت له، وليس من شأنه أن يعرف ما إذا كانت الأوراق سليمة أم مزورة، فهو في النهاية ليس جهة رسمية. لم يلتقط متاؤوس أنفاسه فور النطق بالحكم عليه تم اصطحابه إلي غرفة حرس المحكمة تمهيدا لترحيله، لم يضعه القاضي في قفص الاتهام احتراما للزي الذي يرتديه وهو ما فعله معنا إحتراما للمهنة العظيمة والدور الذي نؤديه في المحكمة. وبعد صدور الحكم تحفظت سلطات الأمن علي القس متاؤوس الحاضر الوحيد من المتهمين في القضية، وتم اصطحابه إلي غرفة حرس المحكمة، قبل ترحيله إلي السجن.
قامت قيامة الكنيسة. إنها أمام اتهام واضح لرجلها الذي، كما أشارت المحكمة، زور شهادة ريهام عبد العزيز وزوجها من شاب مسيحي ثم ساعدهما علي الهروب خارج مصر وتحديدا إلي الأردن. وقد تم التعامل مع الاتهام بمنتهي الحزم. لم تتخل الكنيسة عن رجلها. من أمريكا أصدر البابا شنودة تعليماته بألا تتخلي الكنيسة عن رجلها، ربما قناعة ببراءته وربما قناعة بأن ما فعله ليس فيه شيء خطأ. طلبت الكنيسة من النائب العام وقف تنفيذ العقوبة حتي يتم الفصل في النقض الذي تقدمت به إلي المحكمة. هذا هو ما يعرفه الجميع حتي الآن عن كاهن الجيزة الذي زور في أوراق رسمية حتي ينصر فتاة ويزوجها من شاب مسيحي.
لكن ملف القضية نفسه فيه تفاصيل مذهلة: القضية تبدأ من عند يحيي سيد أحمد، وهو أمين سجل مدني كرداسة الذي تم استغلاله من قبل الكاهن متاؤوس ورفاقه ليزور لهم بطاقة برقم قومي 28104282400125. طلب متاؤوس من وائل عزيز شفيق أن يكلف روماني نبيل فارس بأن يستخدم شهادة ميلاد شقيقته المتوفاة مريم لاستخراج بطاقة تحقيق شخصية بالرقم القومي لريهام عبد العزيز باسم شقيقته مريم لتتمكن من الزواج من أيمن فوزي زخاري. ذهبت ريهام إلي موظف السجل المدني وقدمت له طلبا لاستخراج بطاقة تحقيق شخصية باسم مريم نبيل فارس رغم أن مريم توفيت في 30 يونيو 1981. أرفقت ريهام بطلبها مستخرجا لقيد ميلاد مريم، فأثبت موظف السجل البيانات في السجل الخاص، ووقعت عليه ريهام لكن باسم مريم الذي أصبح اسمها الجديد. وقام روماني شقيق مريم بالتوقيع علي صحة البيانات الموجودة في الطلب الذي حرره وائل عزيز شفيق.
وهنا يظهر اسم آخر لموظف تم استغلاله، وهو فيليب ميلاد جورجي الموظف المعتمد بكنيسة الملاك ميخائيل، حيث حرر لريهام وأيمن عقد زواج متحدي الملة والطائفة. قدمت ريهام بطاقتها المزورة للموظف في الكنيسة. شهد روماني علي العقد الذي حرره متاؤوس وهبة وأثبت فيه كل البيانات المزورة رغم أنه يعلم أنها جميعا مزورة. وفي التحقيقات الرسمية قال موظف الكنيسة فيليب ميلاد إن متاؤوس هو الذي تولي تحرير بيانات عقد الزواج وقام بتقديمه له لتوثيقه. الجريمة وقعت، والمحرض والمحرك الرئيسي لها هو الكاهن متاؤوس وهبة. استفادت ريهام من التزوير الذي حدث وذهبت لتكمل باقي خطتها. قدمت بطاقة الرقم القومي إلي مصلحة وثائق السفر والهجرة والجنسية وكنيسة كرداسة، وقدمت كذلك وثيقة زواجها، وذلك لتحصل علي جواز سفر. وبالفعل حصلت عليه برقم 1398382. ومن خلال جواز السفر الذي حمل اسمها الجديد مريم نبيل فارس استطاعت أن تغادر مصر نهائيا لتستقر في الأردن. التهمة التي وجهتها النيابة لمتاؤوس كانت واضحة. جاء فيها: المتهم الخامس بصفته موظف عمومي كاهن بكنيسة الملاك ميخائيل بكرداسة ارتكب تزويرا في محرر رسمي هو عقد زواج متحدي الملة والطائفة بين أيمن فوزي فايق ومريم نبيل فارس، حال تحريره المختص بوظيفته بجعل واقعة مزورة في صورة واقعة صحيحة مع علمه بتزويرها بأن أثبت به بيانات مزورة علي خلاف الحقيقة هي زواج أيمن ومريم رغم علمه بوفاة صاحبة هذا الاسم وتسمي المتهمة الأولي بهذا الاسم علي خلاف الحقيقة، وناول هذا العقد للموثق المختص، وهو فيليب ميلاد جورجي، فأجري التصديق عليه بناء علي ذلك.
والدة ريهام كانت موجودة في المحكمة. اسمها شادية محمد سعيد، عمرها 48 سنة، وتعمل إخصائية في معمل بمدرسة إخناوي الإعدادية المشتركة، وتسكن في 11 شارع عنتر بن شداد آخر علي بك الكبير قسم طنطا ثان بمحافظة الغربية. آثار القضية كلها كانت بادية عليها. لم تكن مشغولة أن يحكم علي الكاهن ورفاقه أم لا. كان يهمها شيء واحد، وهو أن تعود ابنتها إليها. في تحقيقات النيابة اتهمت متاؤوس بشكل واضح وصريح أنه كان وراء تنصير ابنتها وتزوير كل أوراقها حتي تغادر مصر نهائيا.
تركت ريهام بيت أسرتها في 9 مارس 2003، ظلت والدتها ووالدها يبحثان عنها حتي عرفا أنها تزوجت من شخص اسمه أيمن فوزي فايق، وأنها أخذت اسم واحدة تانية ماتت في 1981. قالت الأم إنه كان قسيس أردني اسمه يعقوب فريد موسي يراسلها علي الإنترنت ويرسل لها كتبا علي البيت، وقدمتُ شكوي إلي أمن الدولة، لكن سرعان ما اختفت البنت. وبعد ذلك عرفتُ أن متاؤوس وروماني ووائل زوَّروا لها بطاقة وساعدوها علي الزواج من أيمن. وعرفتُ ذلك من خلال تليفون جاءني من مجهول. وقال لى من تحدث معي إنه قابل ابنتي في القاهرة وعرف منها أنها تزوجت من أيمن فوزي فايق. ولما كشفنا عن اسمه وجدناه متزوجا من واحدة اسمها مريم نبيل فارس، ولما "شفت" صورتها لقيتها ابنتي ريهام.
متاؤوس عباس وهبة عمره 42 سنة، وبالميلاد اسمه جمال عباس وهبه باسيلوس، يعمل راعي كنيسة مارجرجس الواقعة في صفط ميدوم ويقيم في شارع سيد أبو الغيط بأبو قتادة ببولاق الدكرور. سألوه في النيابة عن المسئول عن اتخاذ إجراءات عقد الزواج في الواقعة المتهم فيها؟ فقال:أنا اللي بأعمل العقد وبأكتب بياناته وبأعمل كل إجراءات الزواج وبعدها يتم عرض العقد علي الموثق لاتخاذ إجراءات التوثيق. سألوه عن المسئول بشكل مباشر عن تحرير عقد الزواج؟ فقال: أنا اللي كنت "مختص" بتحريره بصفتي كاهن كنيسة الملاك ميخائيل بكرداسة، ثم روي تفاصيل ما حدث، قال: اللي حصل إنه بتاريخ 8 يوليو 2005 حضر أيمن فوزي فايق ومريم نبيل فارس لعمل محضر خطوبة، وقمت بعمل الخطوبة بكنيسة الملاك ميخائيل بكرداسة، وبعدها تم إرسال محضر الخطوبة إلي مطرانية الجيزة لعمل تصريح الزواج الذي حصلوا عليه في 12 يوليو 2005. وقد تم الزواج في 22 يناير 2006 بكنيسة السيدة العذراء بالدقي، وشهد علي عقد الزواج فوزي فايق زخاري و الشاهد الثاني كان شقيقها روماني.
يبدو من كلام متاؤوس أنه لم يكن يعرف ما فعلته ريهام. لكن لماذا نتعجل الأحداث؟ سألته النيابة: ما هي البيانات التي أثبتها في هذا المحضر؟فقال: أنا أثبتّ خطوبة أيمن فوزي فايق ومريم نبيل فارس بتاريخ 8 مايو 2005، وقد تحققت من خلوهما من الموانع الشرعية لأني كنت أعرف أيمن من قبل، وهو أقر لي بخلوه هو والخطيبة من الموانع الشرعية. سألت النيابة بوضوح، قالت له: كيف تحققت من خلوهما من الموانع الشرعية؟فقال متاؤوس: نظرا لمعرفتي السابقة بأيمن، وهو أقر لي بخلو مريم نبيل فارس من الموانع الشرعية. من هنا تبدأ الثغرات إذن. ولذلك واجهت النيابة متاؤوس وهبة مباشرة، قالت له: ما تعليقك علي ما قرره روماني نبيل فارس لدي استجوابه بالتحقيقات من أنك كنت تعلم يقينا بواقعة تسمي المتهمة ريهام عبد العزيز علي خلاف الحقيقة باسم مريم نبيل فارس حال قيامك بتحرير عقد زواجها من أيمن فوزي فايق؟ رد متاؤوس: أنا معرفش هو بيقول كده ليه، وأنا معرفش حاجة عن الموضوع ده.
الحكم القضائي يؤكد تورط متاؤوس، لكن قراءة ما بين السطور تشير إلي أننا أمام عصابة تنصير كاملة يعمل فيها شباب قبطي بمساعدة مسئولين في الكنيسة، وهو الأمر الذي لم يعد ينكره أحد من الكنيسة،. صحيح أنهم يفعلون ذلك علي استحياء، لكنهم يقولونه. ولذلك كان غريبا أن يقول الأنبا مرقص في حوار أجري معه الأسبوع الماضي علي أحد المواقع الإليكترونية. كان السؤال: هل تقبل الكنيسة حالات تنصير؟ فأجاب مرقص:نعم الكنيسة تقبل حالات تنصير، ولكن في سرية تامة جدا لأن المتنصر لا يقدر أن يغير اسمه. وهي أمور تعرض علينا وندرسها. هذا اعتراف خطير ويمكن، ربما عن عدم قصد، فسر لنا الأنبا مرقص ما حدث في قضية متاؤوس. قد تكون ريهام تنصرت وهي حرة تماما فيما تريده لنفسها، لكن ليس معني أن الدولة تتعنت في استخراج بطاقات للمتنصرين أن يقوم الكهنة بالتزوير في أوراق رسمية حتي يزوجوا المتنصرين. فما دام الباب القانوني والشرعي مغلقا فليست هناك مشكلة لديهم أن يسلكوا الطريق غير الشرعي ويدخلوا من الباب غير القانوني. وهذه هي المشكلة الحقيقية التي لا يمكن أن ننكرها أو نتنكر لها. وقد يكون لهذا حديث آخر نعود إليه فيما بعد".
وفى التسجيل التلفازى المذكور روت البنت وقائع تحولها من الإسلام إلى النصرانية، ذاكرة الشبهات التى دفعتها إلى هذا التحول حسبما لقنها من أظهروها فى الحلقة المذكورة. ولسوف أقوم هنا بعرض تلك الشبهات واحدة تلو الأخرى ثم أنظر فيها لأرى هل لتلك الفتاة أو غيرها عذر فى اتخاذها تكأة فى تسويغ مثل ذلك العمل الشيطانى. والملاحظ أن المتحولين من الإسلام إلى النصرانية على قلتهم البالغة هم من أمثال ريهام ممن لا يستعملون عقولهم ويتّسِمون بضحالة الفكر وتشوّش الذهن رغم أنهم قد يكونون طلابا جامعيين، ومن ثم يمثلون مرعى صالحا يرتع فيه القساوسة البكاشون بأكاذيبهم وافتراءاتهم وينجحون أحيانا فى ختل عقولهم، وإن كانوا يعودون إلى الإسلام مع أول فرصة يتيح الله لهم فيها من يبصرهم بخطئهم ويوضح لهم تفاهة تلك الشهبات. أما المتحولون من النصرانية إلى الإسلام فأعدادهم لا تحصى ولا تعد، وكثير منهم من أصحاب الوزن الثقيل كالكتاب والمفكرين والصحفيين والسفراء والساسة والأدباء والقساوسة والأساقفة وأساتذة الجامعات والفنانين ومن إليهم. والمسلمون لا يطنطنون بذلك على عكس ما يفعله قساوسة النصارى، الذين يرقصون ويتصايحون كلما وقع فى أيديهم بين الحين والحين البعيد صيد هزيل لا يساوى ثمنه، فهم فى هذا كالفقير الذى لا يشتمل جيبه إلا على عدة ملاليم، ومع هذا تراه يصلصل بها طول النهار رغبة منه فى إيهام الناس أن معه مالا، على حين تجد الغنى المتخم بالأموال لا يصنع شيئا من ذلك، وبخاصة أن أمواله من ورق البنكنوت الذى لا يصدر صوتا، وليست من الملاليم التى يشخشخ بها الأطفال!
تقول ريهام إنها، بينما كانت تصلى ذات مرة، رفعت بصرها إلى السماء، فرآها أبوها وأنكر ذلك عليها إنكارا شديدا وحذَّرها مَغَبَّةَ ذلك التصرف. ولما حاولت أن تعرف السبب فى حكمة النهى عن هذا أجابها قائلا: لا تناقشى، بل عليك أن تنفّذى فقط. فكان ذلك، كما تقول، أول حاجز ينبنى بينها وبين ربنا، الذى شعرت أن هناك مسافة كبيرة تفصله عنها. ولا أدرى كيف يشكّل مثل هذا الأمر حاجزا بيننا وبين ربنا، وهو الذى يقول: "وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانِ"، و"نحن أقرب إليه من حبل الوريد"؟ وإذا كان البشر يتركون دينهم من أجل مثل ذلك الأمر فالثمرة الطبيعية لهذا هى أن يغير الناس أديانهم كل يوم بل كل دقيقة.
وثم فعلا حديث للنبى يحذر فيه من خطف البصر بعض أقوام كانوا يرفعون وجوههم نحو السماء فى صلاتهم، بَيْدَ أنى لا أحسب هذا التهديد قاعدة عامة. ولننظر أولا فى نص الحديث، وهو قوله : "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟" وأنه "اشتد قوله في ذلك فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم". وقد قرأته البنت المتنصرة من ورقة أعدوها لها فى يدها، ولم تستطع أن تقرأه قراءة صحيحة رغم بساطته التامة، وهو ما يعطينا فكرة عن محدودية ثقافتها وضحالة شخصيتها رغم ما كانوا قد شحنوها به ضد الإسلام ورددته فى الحلقة بسذاجة عجيبة.
والواقع أن النبي ، كما جاء فى حديث آخر، كان "إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"، وهو من أدبه العالى . ومن ذلك: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط"، "خرجت مع رسول الله في غزاة، فلقِينا المشركين (أى وقعت بين المسلمين وبينهم حرب)، فأسرع الناس (أى المسلمون) في القتل حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله فقال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية. فقال رجل: يا رسول الله، أو ليس إنما هم أولاد المشركين؟ فقال: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نَسَمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها"، "ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخَّص فيها؟ والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده"، "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته؟ طلقتُكِ! راجعتُكِ! طلقتُكِ! راجعتُكِ!". ومنه أيضا "أن أم هانئ بنت أبي طالب خرجت متبرجة قد بدا قرطاها (لاحظ معنى التبرج هنا وأنه يعنى ظهور قرطيها لا غير)، فقال لها عمر بن الخطاب: اعملي، فإن محمدا لا يغني عنك شيئا. فجاءت إلى النبي فأخبرته به، فقال رسول الله : ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي، وإن شفاعتي تنال حاء وحَكَم؟ وحاء وحَكَم قبيلتان".
والملاحظ فى حديثنا الذى نحن بصدده أن رسول الله لم يصدر حكما عاما، بل قَصَر التحذير على قوم بعينهم كانوا يرفعون أبصارهم فى ذلك الوقت إلى السماء فى صلاتهم. ولو كان يقصد التعميم لقال مثلا: "ألا من رفع بصره إلى الصلاة وهو يصلى خطف الله بصره"، مثلما فعل فى الحديث التالى: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرط"، إذ بعد أن ذكر ما يصنعه بعض الناس تركهم وعمم الحكم مستخدما اسم الموصول: "مَنْ" الدال على ذلك. ومثله الحديث الآخر الذى استعمل فيه ضمير المخاطبين للإشارة إلى أن الحكم لا يقتصر على من يفعل الأمر الذى حذر منه ، بل يشمل جميع المسلمين، ومن ثم نراه يتحول عمن يقتل ذرارى الكافرين دون سبب ويوجه كلامه نهيا إلى كل مسلم مستخدما ضمير المخاطبين الشامل لأتباعه جميعا: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى قتلوا الذرية؟ ألا لا تقتلوا الذرية! ألا لا تقتلوا الذرية!". والذى أفهمه من الحديث أنه ربما كان هناك قوم من المنافقين يصنعون ذلك استهزاء بالصلاة مثلا أو انصرافا عنها وإظهارا لاحتقارهم لها ونشرا للفتنة والاضطراب بين المسلمين، فقال النبى فى حقهم ما قال، وإلا فما أكثر ما قد ينظر المصلون نحو السماء ويكررون ذلك ثم لا يقع لهم شىء مما حذر منه الرسول، ومنهم تلك البنت المتنصرة التى من الواضح أنه لم يخطف الله بصرها، اللهم إلا إذا كانوا قد لقنوها هذا الكلام لتقوله فى المقابلة المرنائية كى تحدث بلبلة وفتنة بين عوامّ المسلمين الذين لا يستطيعون تمحيص مثل تلك الأمور دون أن يكون قد سبق منها رَفْع لبصرها إلى السماء فى صلاتها أيام كانت مسلمة تصلى. ومن هنا نراه فى هذا الحديث الذات يستمر فى استخدام ضمير الغائبين للدلالة على أن الموضوع محصور فى ذات الأقوام الذين وردت الإشارة إليهم فى ذلك الحديث: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم في صلاتهم؟ فاشتد قوله في ذلك فقال: لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم". وليس معنى ذلك أنه لا بأس على الإطلاق على من يرفع نظره نحو السماء فى صلاته، إذ من شأن ذلك التصرف أن ينصرف ذهنه عن التركيز فى العبادة، وهو ما لا يليق بمن يقف بين يدى ربه . فهى مسألة أدب ولياقة أكثر منها أى شىء آخر.
وسبب آخر يجعلنى أستبعد أن يكون ذلك حكما عاما فى كل من يرفع عينيه نحو السماء خلال صلاته أنه لا يوجد تناسب بين الخطإ والعقوبة إذا ما أخذنا الأمور على ظاهرها. وإذا كان الإسلام قد ترك من لا يصلى أصلا بل من لا يصلى ولا يزكى ولا يصوم ولا يحج دون أن يحذره تلك العقوبة الدنيوية ولا ما هو أقل منها، بل ترك الكافر ذاته، والكُفْر هو ما هو؟، من غير أن يتهدده بشىء من هذا فى الدنيا بتة، فكيف يمكن أن يكون هذا العقاب الشنيع هو العقاب الإلهى الدنيوى الخاص بكل من يرفع بصره فى الصلاة مجرد رفع نحو السماء؟
صحيح أن هناك نصا فى القرآن يتحدث عن العمى العقابى بالمعنى المادى فيما هو واضح، إلا أنه خاص بالكفار المعاندين لا بالنظر إلى السماء ولا بأى شىء آخر دون الكفر، كما أنه لا يقع هنا على الأرض مثل التهديد المذكور فى الحديث الشريف الذى بين أيدينا، بل عند الحشر. يقول فى سورة "الأسراء": وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)". أما سائر ما قيل عن العمى فى القرآن ضمن سياق الزِّرَاية فخاصٌّ بالعمى المعنوى: عمى القلب واستغلاق العقل عن دعوة الحق وتصلب الرقبة والمعاندة الغبية، والتمرد والكفر لوجه التمرد والكفر، ومن ذلك: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)" (البقرة)، "وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72)" (الإسراء)، "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)" (الشورى). والنص التالى واضح الدلالة تماما على أن العمى فى القرآن حين يُذْكَر ضمن سياق الزراية إنما هو العمى المعنوى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور (46)" (الحج). وكل هذا يؤكد أن التهديد الشديد فى الحديث السابق هو تهديد خاص بقوم بأعيانهم يستحقون تلك العقوبة لا لمجرد رفع أبصاهم نحو السماء فى صلواتهم، بل لسبب آخر يكافئ العقوبة حاولتُ أن أتعرف إليه فى السطور السابقة، ولعلى لم أُبْعِد الرَّمْيَة.
إن الفتاة المسكينة، من فرط سذاجتها أو سذاجة من لقنوها هذا الكلام، تظن أن الله يكون موجودا تلقاء أبصارنا حين نرفعها إلى السماء، وأنه حين ينهانا عن ذلك إنما يريد أن يسدل بيننا وبينه ستارا يحجبه عنا كيلا تكون بيننا وبينه صلة مباشرة. وهى، بظنها ذاك، تحدد وجوده بمكان واحد، غافلة عن أن الله أكبر من الأمكنة والأزمنة لأنه خالق الأمكنة والأزمنة فلا تحتويه أبدا. وثم حديث قدسى رواه ابن تيمية فى "مجموع الفتاوى" يقول: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن النقي التقي الوادع اللين"، والعلماء لا يرتاحون إلى ذلك الحديث، وأقصى ما حكم به بعضهم عليه أنه "مأثور". ومع هذا فهو مفهوم ومقبول، ومعناه أن المؤمن يستطيع أن يسع الله فى قلبه وعقله وضميره إيمانا به وحبا له واشتغالا بتمجيده وعبادته وخشية منه وفرحة بشعوره بالقرب منه، فى الوقت الذى لا تسعه سبحانه لا الأرض ولا السماء لأنه سبحانه أكبر من الأرضين والسماوات والكون كله، فهو خالق الأرض والسماء والدنيا جميعا. وقد طلب النبى موسى، وهو من هو؟، أن يراه سبحانه، فقال له ربه: "لن ترانى، ولكن انظر إلى الجبل. فإن استقر مكانه فسوف ترانى. فلما تجلى ربُّه للجبل جعله دَكًّا، وخَرَّ موسى صَعِقًا". ومع هذا فقد بلغت الوثنية فى الكتاب المقدس إلى المدى الذى زَعَم فيه مؤلفوه أن عددا من الأنبياء قد رأوه سبحانه عيانا بيانا، وكأنه مخلوق من المخلوقات يمكن أن يتجسد ويحتويه المكان! فماذا تريد تلك الرعناء؟
وإذا كانت المسكينة ترى فى النهى عن رفع البصر إلى السماء أثناء الصلاة ما يحقر من شأن المصلى لقد كان ينبغى أن يكون نفورها من السجود مثلا أشد وأفدح، إذ هو، بكلّ يقينٍ، أبعد مدى فى صرف البصر عن السماء. أليس كذلك؟ ومع هذا فهى لم تشغب على السجود، وشغبت على النهى عن رفع البصر نحو السماء. فكيف ذلك؟ ألا يرى القراء مدى السطحية فى تفكير المسكينة؟ ولا يظنن القراء الكرام أن السجود هو من سمات الصلاة فى الإسلام وحده، فهو من سمات الصلاة فى دين الأنبياء كلهم من إبراهيم إلى عيسى، عليهم جميعا السلام. وهذه شواهد من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد معا: "فَخَرَّ الرَّجُلُ وَسَجَدَ لِلرَّبِّ" (تكوين/ 24/ 26)، "وَكَانَ عِنْدَمَا سَمِعَ عَبْدُ إِبْرَاهِيمَ كَلاَمَهُمْ أَنَّهُ سَجَدَ لِلرَّبِّ إِلَى الأَرْضِ"(تكوين/ 24/ 52)، "فَآمَنَ الشَّعْبُ. وَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّ الرَّبَّ افْتَقَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ نَظَرَ مَذَلَّتَهُمْ، خَرُّوا وَسَجَدُوا" (خروج/ 4/ 31)، "وَقَالَ لِمُوسَى: «اصْعَدْ إِلَى الرَّبِّ أَنْتَ وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو، وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، وَاسْجُدُوا مِنْ بَعِيدٍ" (خروج/ 24/ 1)، "وَبَكَّرُوا فِي الصَّبَاحِ وَسَجَدُوا أَمَامَ الرَّبِّ" (صمويل الأول/ 1/ 19)، "وَصَلَ دَاوُدُ إِلَى الْقِمَّةِ حَيْثُ سَجَدَ ِللهِ" (صمويل الثانى/ 15/ 32)، "وَكَانَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ عِنْدَ نُزُولِ النَّارِ وَمَجْدِ الرَّبِّ عَلَى الْبَيْتِ، وَخَرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ عَلَى الْبَلاَطِ الْمُجَزَّعِ، وَسَجَدُوا وَحَمَدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ صَالِحٌ وَإِلَى الأَبَدِ رَحْمَتُهُ" (أخبار الأيام الثانى/ 7/ 2)، "وَبَارَكَ عَزْرَا الرَّبَّ الإِلهَ الْعَظِيمَ. وَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «آمِينَ، آمِينَ!» رَافِعِينَ أَيْدِيَهُمْ، وَخَرُّوا وَسَجَدُوا لِلرَّبِّ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ" (نحميا/ 8/ 6)، "هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ وَنَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا" (مزامير/ 95/ 6)، "قَالَ لَهُ يَسُوعُ:«اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ»" (متى/ 4/ 10).
وقالت البنت المتنصرة أيضا إنها، منذ وقت طويل، كانت تشفق على النصارى. لماذا؟ هكذا سألها مقدم البرنامج، فكان جوابها أن فى القرآن آية تقول عن المسيح واليهود: "وما قتلوه وما صلبوه، ولكنْ شُبِّه لهم"، فكيف يترك الله البشر طوال كل تلك القرون فى عماية من حقيقة الأمر يظنون أن المصلوب المقتول هو عيسى، على حين أنه كان شخصا آخر؟ ثم ما ذنب هذا الشخص الآخر حتى يُصْلَب ويُقْتَل دون ذنب جناه؟ وكما هو واضح هنا أيضا فليست هناك أية علاقة بين الأمرين، إذ إن أقصى ما يمكن أن يقال هو أن ثمة خطأ تاريخيا فى الآية. أما أن يقال إنها تبعث على الشفقة فى النصارى فهو ما لا يستطيع أى عاقل أن يفهمه أو يقبله.
وفضلا عن هذا فمن الواضح أنها تظن أن النصارى المثلثين هم النصارى الوحيدون فلا نصارى سواهم، وهو جهل سخيف، إذ النصارى الحقيقيون الأصلاء هم الذين يعتقدون أن عيسى هو عبد الله ورسوله ليس غير، إلا أنه سرعان ما ظهرت، بعد توفى الله نبيه إليه، فرقة وثنية زعيمها بولس اليهودى الأصل تدعى أنه ابن الرب، ووقعت بسبب ذلك اختلافات حادة بين الفريقين، وعُقِدت بعد ذلك بزمن طويل عدة مجامع مقدسة لمناقشة تلك القضية كانت الكفة فيها فى مبدإ الأمر لصالح المؤمنين الصادقين، لكن المؤامرات وتدخلات بعض الملوك الذين تلطخت عقولهم وقلوبهم بحمأة الوثنية قد حولت الدفة لصالح المثلِّثِين. ومع هذا فلا يزال هناك نصارى كثيرون جدا حتى يوم الناس هذا لا يؤمنون بعيسى إلا بوصفه نبيا لا يزيد عن ذلك شعرة واحدة. على أن الغالبية الساحقة من الغربيين النصارى اسما، وكثيرا جدا من أمثالهم من غير الغربيين، لا يعتقدون فى صحة النصرانية أصلا. ولقد كان ينبغى أن يساعد هذا تلك المسكينة على فهم الأمور فهما أوضح وأحجى، إلا أن الرعونة والسذاجة والجهل من ناحية، والخبث والدهاء والكذب من الناحية الأخرى، قد فعلت فعلها فى عقل تلك البنت التى من الواضح أن فى مسألتها شيئا خفيًّا لم يتضح بعد يمكن أن يفسر الأمر على حقيقته.
هذه واحدة، والثانية هى أن الكتاب المقدس وما فيه من قصص ليس معصوما من الخطإ. ولقد بلغ الأمر المدى الذى عدّل أصحابه اعتقادهم فيه فجعلوا يقولون إنه من حيث العقائد والتشريعات وما إلى ذلك لا يعرف سوى الصواب، بخلاف ما يتضمنه من مسائل التاريخ والجغرافية والحساب وغيرها من مكتسبات المعرفة البشرية، فهذه قابلة للخطإ لأنها تعكس المعارف المحدودة لمؤلفى ذلك الكتاب. والحق أن الكتاب المقدس يعجّ بالأخطاء من كل لون وصنف حتى فيما يتصل بالعقيدة والأخلاق والتشريعات: فمثلا هل يمكن أن يكون آدم ابن الله، أو أن يندم الله أو يحقد على الإنسان أو يكون بحاجة إلى أن يستريح؟ ومع هذا فالكتاب المقدس ينسب إليه سبحانه هذا كله. ترى هل يصح أن يقول كاتب سفر الخروج فى موضع إن ابنة فرعون انتشلت تابوت موسى الرضيع من الماء وإنها سمته بهذا الاسم لهذا السبب، وفى موضع آخر إن أخت موسى ظلت تحمل تابوته إلى أن وصلت قبالة قصر فرعون فوضعته على الشط بين الحلفاء، ومن ثم لم يوضع فى النهر بتاتا لا فى البداية ولا فى النهاية؟ ومع هذا فقد وقع الكاتب فى ذلك التناقض المضحك. ترى هل من الممكن عقلا أو واقعا أن يكون أصغر أبناء الرجل أكبر من أبيه بعامين؟ ومع هذا يقول مؤلفو الكتاب المقدس ذلك الكلام الأبله عن أحد الملوك وابنه! هل تعرف المسكينة أن مؤلفى الكتاب المقدس لم يتركوا تقريبا نبيا ولا رسولا إلا لوثوا سمعته وشوهوا سيرته: فنسبوا إلى سيدنا إبراهيم الدياثة، وإلى لوط الزنا بالمحارم، وإلى يعقوب الكذب والحسد والغش، وإلى موسى القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وإلى هارون صُنْع العجل ليعبده بنو إسرائيل ويرقصوا حوله عرايا، وإلى داود الزنا بامرأة قائد جيشه وجاره ثم اغتياله، وإلى سليمان مساعدة زوجاته على ممارسة الوثنية وعبادة الأصنام... إلخ؟ هل قرأت البنت الرعناء نسب السيد المسيح فى الأناجيل ورأت التناقضات العجيبة بين ما قاله متى وما قاله لوقا؟ هل اطلعت على قصة الصلب ذاتها فى الأناجيل وقارنت بعضها ببعض وتنبهت إلى ما تنبه له كل الدارسين من نصارى وغيرهم من أنها قصة مضطربة لا تستقيم أمام العقل أبدا جَرّاء الاختلافات الحادة بين كل تفصيلة ونظيرتها بين تلك الأناجيل؟ هذا، ولم نتطرق من بعيد أو من قريب إلى الأناجيل الأخرى التى تُعَدّ بالمئات، بل اقتصرنا على الأناجيل التى اعتمدتها الكنيسة. فهل يصح أن تتخذ البنت المسكينة ذلك الكتاب مقياسا للصواب والخطإ تحاكم القرآن إليه فى قضية الصَّلْب أو سواها؟
ولقد ظلت الكنيسة تحمّل اليهود على مدار القرون جريمة صلب عيسى ، ثم رأيناها فى ستينات القرن الماضى تنسى هذا كله كأن لم يكن، وتبرئ جميع اليهود ما عدا الذين صلبوا المسيح فى زعمهم. فكيف أساغ ضمير البنت الرعناء هذا، وهى التى تستغرب كيف أن القرآن قد صحح الخطأ الذى وقع فيه الناس طوال أزمان بخصوص حقيقة الشخص المصلوب؟ الواقع أنه ليس هناك فرق بين الحالتين، إذ الكنيسة تدعى لنفسها العصمة، مَثَلُها مَثَلُ الإله سواء بسواء! كذلك هل صَلْب المسيح هو وحده الأمر الذى ظل فريق من البشر يعتقد صحته خطأ لمدة متطاولة؟ ترى ماذا تقول فى عُبّاد البقرة؟ هل توافقهم على أنها إله؟ إنهم يؤمنون بهذا لا منذ قرون فقط، بل منذ آلاف السنين. فلماذا تركهم الله طيلة هذا الزمن السحيق دون أن يرسل إليهم من يقول لهم صراحة إنكم مخطئون ثم لا يدعهم إلا وهم موحِّدون؟ بل ماذا تقول فيما قرره القرآن فى مسألة الصلب وأن عيسى لم يُصْلَب ولم يُقْتَل؟ ترى لماذا ترك الله سبحانه المسلمين فى عمايتهم (من وجهة نظر النصارى حسبما يزعمون) فلم يرسل من يصحح لهم الخطأ الذى ضللهم به نبيهم؟ بل لماذا ترك الله اليهود يقتلون المسيح ظلما وعدوانا إذ لم يجترح ما يستحق الصلب بسببه؟ هل يعرف أحد على وجه اليقين علاقة ثورة يوليه بالمخابرات الأمريكية؟ إن هناك من يتهم رجالها بأنهم ضالعون معها، وهناك من يؤكد أنها ثورة تحررية كانت على عداء طوال الوقت مع الأمريكان. فأين الحقيقة؟ لا أحد يدرى، وما زال الناس منقسمين بهذا الشأن. ترى هل هناك من هو موقن يقينا جازما بسر مقتل عبد الحكيم عامر؟ ذلك أن ثمة من يقول إنه انتحر، وفى ذات الوقت ثمة من يتهمون عبد الناصر باغتياله. وما زال الاختلاف فى هذه القضية مستمرا. وبالمثل من قتل كيندى الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية؟ ومن قتل مارلين مونرو؟ ومن نفذ أحداث سبتمبر 2001م فى الولايات المتحدة الأمريكية؟ الآراء والنظريات مختلفة إلى حد التناقض. والأمثلة لا تنتهى كما هو معروف، فالتاريخ معظمه تخمينات. بل لماذا يترك الله البشر يعانون الويلات من هذا المرض أو ذاك دهورا متطاولة دون أن يهديهم من البداية إلى علاجه كالبلهارسيا مثلا التى كانت معروفة منذ قدماء المصريين على الأقل؟ بل لماذا كان هناك ظلم واستبداد وسرقة وقتل ومؤامرات وحروب ودمار واغتيالات... دون أن يلوح فى الأفق أن شيئا من ذلك إلى زوال؟ بل لماذا خلق الله الكَبَد والتعب والشقاء فى الدنيا، ولم يجعلها سعادة نقية لا تشوبها شائبة؟
ولسوف ننظر معا فى النصوص الخاصة بالموضوع الذى نحن بإزائه، وهو موضوع محاكمة للمسيح وصلبه ودفنه وقيامته من الموت طبقا لروايات مؤلفى الأناجيل. ولسوف نورد النصوص أولا ثم نثنِّى بتحليلها ومقارنة بعضها ببعض لنرى مدى اتساقها أو اختلافها أو تناقضها، ومن ثم مدى جواز الاستناد إليها فى كتابة التاريخ. ونبدأ بنصوص المحاكمة:
متى (ف 27): "11فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قَائِلاً: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُول. 12وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. 13فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟ 14فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ،حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا.15وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَادًا فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا،مَنْ أَرَادُوهُ. 16وَكَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ. 17فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُس: مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ 18لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 19وَإِذْ كَانَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: إِيَّاكَ وَذَلِكَ الْبَارَّ،لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِه. 20وَلَكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. 21فَأَجَابَ الْوَالِي وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ مِنْ الاِثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ فَقَالُوا: بَارَابَاسَ! 22قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ! 23فَقَالَ الْوَالِي: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: لِيُصْلَبْ! 24فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ،أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ! 25فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَقَالوُا: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا. 26حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ،وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. 27فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ، 28فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيًَّا، 29وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! 30وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. 31وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ".
مرقس ( ف 15) "1وَلِلْوَقْتِ فِي الصَّبَاحِ تَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ، فَأَوْثَقُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. 2فَسَألَه بِيلاَطُسُ: أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَقُول. 3وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا. 4فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ أَيْضًا قائِلاً: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ انْظُرْ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ! 5فَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ أَيْضًا بِشَيْءٍ حَتَّى تَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ. 6وَكَانَ يُطْلِقُ لَهُمْ فِي كُلِّ عِيدٍ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ طَلَبُوهُ. 7وَكَانَ الْمُسَمَّى بَارَابَاسَ مُوثَقًا مَعَ رُفَقَائِهِ فِي الْفِتْنَةِ الَّذِينَ فِي الْفِتْنَةِ فَعَلُوا قَتْلاً. 8فَصَرَخَ الْجَمْعُ وَابْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ دَائِمًا يَفْعَلُ لَهُمْ. 9فَأَجَابَهُمْ بِيلاَطُسُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟ 10لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 11فَهَيَّجَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْجَمْعَ لِكَيْ يُطْلِقَ لَهُمْ بِالْحَرِيِّ بَارَابَاسَ. 12فَأَجابَ بيِلاطُس ُأيْضًا وَقَالَ لَهُمْ: فَمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أَفْعَلَ بِالَّذِي تَدْعُونَهُ مَلِكَ الْيَهُودِ؟ 13فَصَرَخُوا أَيْضًا: اصْلِبْهُ! 14فقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فَازْدَادُوا جِدًّا صُرَاخًا: اصْلِبْهُ! 15فَبِيلاَطُسُ إِذْ كَانَ يُرِيدُ َنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ، أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ، بَعْدَمَا جَلَدَهُ، لِيُصْلَبَ. 16فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ، الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ.17وَأَلْبَسُو ُ أُرْجُوانًا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ، 18وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! 19وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ، وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ. 20وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ. 21فَسَخَّرُوا رَجُلاً مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ، لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ".
لوقا (ف 15- 16): "1وَلِلْوَقْتِ فِي الصَّبَاحِ تَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ، فَأَوْثَقُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. 2فَسَألَه بِيلاَطُسُ: أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَقُول. 3وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا. 4فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ أَيْضًا قائِلاً: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ انْظُرْ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ. 5فَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ أَيْضًا بِشَيْءٍ حَتَّى تَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ. 6وَكَانَ يُطْلِقُ لَهُمْ فِي كُلِّ عِيدٍ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ طَلَبُوهُ. 7وَكَانَ الْمُسَمَّى بَارَابَاسَ مُوثَقًا مَعَ رُفَقَائِهِ فِي الْفِتْنَةِ الَّذِينَ فِي الْفِتْنَةِ فَعَلُوا قَتْلاً. 8فَصَرَخَ الْجَمْعُ وَابْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ دَائِمًا يَفْعَلُ لَهُمْ. 9فَأَجَابَهُمْ بِيلاَطُسُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟ 10لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 11فَهَيَّجَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْجَمْعَ لِكَيْ يُطْلِقَ لَهُمْ بِالْحَرِيِّ بَارَابَاسَ. 12فَأَجابَ بيِلاطُس ُأيْضًا وَقَالَ لَهُمْ: فَمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أَفْعَلَ بِالَّذِي تَدْعُونَهُ مَلِكَ الْيَهُودِ؟ 13فَصَرَخُوا أَيْضًا: اصْلِبْهُ! 14فقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فَازْدَادُوا جِدًّا صُرَاخًا: اصْلِبْهُ! 15فَبِيلاَطُسُ إِذْ كَانَ يُرِيدُ َنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ، أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَسْلَمَ يَسُوعَ، بَعْدَمَا جَلَدَهُ، لِيُصْلَبَ. 16فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ، الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ.17وَأَلْبَسُو ُ أُرْجُوانًا، وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ، 18وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! 19وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ، وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ. 20وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ. 21فَسَخَّرُوا رَجُلاً مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ، لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ".
يوحنا (ف 18- 19): "28ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ. 29فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ؟ 30أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ! 31فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُم. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدا. 32لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ.33ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ 34أَجَابَهُ يَسُوعُ: أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟ 35أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟ 36أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا. 37فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟ أَجَابَ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي. 38قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: مَا هُوَ الْحَقُّ؟ وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. 39وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِدًا فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟ 40فَصَرَخُوا أَيْضًا جَمِيعُهُمْ قَائِليِنَ: لَيْسَ هَذَا بَلْ بَارَابَاسَ! وَكَانَ بَارَابَاسُ لِصًّا. 19- 1فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. 2وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوانٍ، 3وَكَانُوا يَقُولُونَ: السّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! وَكَانُوا يَلْطِمُونَهُ. 4فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا خَارِجًا وَقَالَ لَهُمْ: هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَة. 5فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجًا وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: هُوَذَا الإِنْسَانُ!. 6فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا قَائِليِنَ: اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ! قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ، لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّة. 7أَجَابَهُ الْيَهُودُ: لَنَا نَامُوسٌ، وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ، لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّه. 8فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفًا. 9فَدَخَلَ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَابًا. 10فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟ 11أَجَابَ يَسُوعُ: لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذَلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَم. 12مِنْ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ، وَلَكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِليِنَ: إِنْ أَطْلَقْتَ هَذَا فَلَسْتَ مُحِبًّا لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكًا يُقَاوِمُ قَيْصَرَ!.13فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْبَلاَط وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ جَبَّاثَا. 14وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ، وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: هُوَذَا مَلِكُكُمْ! 15فَصَرَخُوا: خُذْهُ! خُذْهُ! اصْلِبْهُ! قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟ أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرَ! 16فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ".
ومن خلال القراءة لنصوص الأناجيل فى هذه الواقعة يتبين لنا الآتى: أن ثمة تناقضا بين رواية يوحنا من جهة وروايات المؤلفين الثلاثة الآخرين من جهة أخرى، فعلى حين يتفق هؤلاء الثلاثة فى أن عيسى بن مريم لم يجب الوالى بأى شىء، اللهم سوى رده بكلمة "أنت قلت" على سؤاله: "أنت ملك اليهود؟"، نراه فى إنجيل يوحنا يناقش الوالى ويجادله ويشرح له موقفه وعقيدته وكيف أنه أتى إلى العالم من أجل مهمة محددة لولا هى لسارع إلى إنقاذه من سماهم: "خُدَّامِى". وها هما ذان النصان، وهما يدلان على أننا أمام روايتين لا يمكن التوفيق بينهما بحال مهما كان الموفِّق بهلوانيا عريقا فى البهلوانية. وسوف أكتفى، من الروايات الثلاث المتفقة، برواية مرقس لأنها، فيما يخص كلام السيد المسيح فى رده على الوالى بيلاطس وصَمْته التام فيما عدا عبارة "أنت قلت"، لا تختلف عن الروايتين الأُخْرَيَيْن فى شىء، وهذه هى أولا: "15 1وَلِلْوَقْتِ فِي الصَّبَاحِ تَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ، فَأَوْثَقُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. 2فَسَألَه بِيلاَطُسُ: أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَقُول. 3وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا. 4فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ أَيْضًا قائِلاً: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ انْظُرْ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ! 5فَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ أَيْضًا بِشَيْءٍ حَتَّى تَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ. 6وَكَانَ يُطْلِقُ لَهُمْ فِي كُلِّ عِيدٍ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ طَلَبُوهُ"، ثم ها هى ذى رواية يوحنا: "28ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ، وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا، فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ. 29فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ؟ 30أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ! 31فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُم. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدا. 32لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُوتَ.33ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ 34أَجَابَهُ يَسُوعُ: أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟ 35أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟ 36أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا. 37فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟ أَجَابَ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي. 38قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: مَا هُوَ الْحَقُّ؟ وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ: أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. 39وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِدًا فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟".
ولست أحسب الأمر الآن إلا قد اتضح تماما بحيث لا يمكن أن يخطر فى ذهن عاقل، أو حتى مجنون، أن هناك شبهةَ إمكانيةٍ للتوفيق بين الحكايتين. لو أن الأمر اقتصر على أن بعض الروايات قد أَوْجَزَتْ، وبعضها الآخر قد فَصَّل لما كانت هناك مشكلة لأن هذا لا يكون بالضرورة تناقضا، أما أن تقول بعض الروايات إنه لم يردّ على أى سؤال وجهه له بيلاطس، وتقول رواية أخرى إنه أجاب على كل أسئلة الوالى، فمن المؤكد أن ثمة خللا كبيرا وشيئا فاسدا يحتاج إلى الشعور بالخجل من الزعم بأن هذه اللخبطات هى وحى إلهى.
كذلك هناك مشكلة باراباس: فهل كان لصا كما تقول بعض الروايات؟ أم هل كان أحد المشاركين فى الفتنة وأعمال القتل طبقا لما ورد فى رواية أخرى؟ هذه أيضا مشكلة! وفوق ذلك لدينا فى رواية لوقا أن بيلاطس لم يحكم على السيد المسيح ابتداءً، بل انتهز معرفته، أثناء مداولاته مع اليهود، بأنه من الجليل فحوّله إلى هيرودس، الذى يقول لوقا إنه كان متشوقا لرؤية المسيح لعله يستطيع أن يصنع أمامه آية. أما فى الروايات الأخرى فقد حكم عليه بيلاطس منذ البداية دون الرجوع لهيرودس. فكيف نحل هذه أيضا؟ الواقع أَنْ ليس هناك ما يمكن الاستناد إليه فى التوفيق بين الروايات فى هذه النقطة بأى حال أو على أى وضع!
وفى روايات الصَّلْب نجد ذات العجب: ففى بعض الروايات أن الذى حمل الصليب الخاص بصلب المسيح رجل من القيروان (القيروان التى لم تُبْنَ إلا بعد ذلك بنحو ألف عام!) اسمه سمعان، أما عند يوحنا فالذى حمل صليب المسيح هو المسيح ذاته وليس شخصا آخر لا من القيروان ولا من الظهران ولا من أم درمان. ثم عندنا الرجلان اللذان صُلِبا معه: واحد عن يمينه، والآخر عن يساره، واللذان تقول بعض الروايات إنهما كانا يعيّرانه ويتهكمان عليه مع المتهكمين، على حين يقول يوحنا إن مصلوبا واحدا هو فقط الذى كان يسخر به، أما الآخر فكان يقرِّع زميله الساخر ويدافع عن عيسى ، بل ويناديه: "يا ربى"، طالبًا منه أن يتذكره فى ملكوت السماوات، فيرد عليه المسيح مؤكدا له أنه سوف يكون معه فى الفردوس! والآن: أنت أيها القارئ من أى الشيعتين؟ عليك أن تضرب الودع كى تعرف الحقيقة وسط هذا الركام من الخيوط المتشابكة المعقدة، ثم تعال قابلنى!
أتعرف، أيها القارئ الكريم، أن كثيرا من الباحثين والعلماء الغربيين ينكرون وجود شخص اسمه عيسى، ويؤكدون أنه ليس سوى خرافة؟ وكل هذا بسبب تلك الروايات المضطربة التى تحير العقل وتستعصى على المنطق وتتناقض كذلك فيما بينها تناقضا لا يمكن القفز فوقه بأى حال! فإذا قلنا لهم إن كتابكم قد حُرِّف وأصابه عبث شديد شتموا سيد الأنبياء والمرسلين، ولا أدرى لماذا، مع أنه هو الوحيد الذى دافع عن المسيح وأمه، فضلا عن أن القرآن الذى نزل عليه من عند الله الواحد الأحد قد أسبغ على المسيح صفات البركة والحنان والبر والرحمة واحترام الأم وتبجيلها، نافيا عنه بذلك عار ما جاء فى الأناجيل مما يشينه شينا كبيرا، إذ يصوره كتبة تلك الأناجيل، كما قلنا، عصبيا جافيا خشنا شتاما عيابا متكبرا على المسحوقين ناظرا إليهم من عَلٍ متهما جميع الناس حتى حوارييه أنفسهم بقلة الإيمان لامزًا أمه هى وإخوته حين قال عنهم إنهم ليسوا أمه وإخوته، إذ أمه وإخوته هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها، بما يعنى أنهم لم يكونوا كذلك! كما ذكر القرآن أنه سوف ينكر يوم القيامة أشد الإنكار ما نُسِب إليه من أنه كان يدعو إلى الثالوث ويطلب من الناس اتخاذه إلها!
ثم مَنْ أولئك النسوة اللاتى كن واقفات على مقربة منه وشاهدنه يُصْلَب؟ هنا تختلف الروايات: فإحداها (وهى الرواية الموجودة فى الإنجيل الذى يحمل اسم يوحنا) تذكر مريمين معينتين هما أمه وخالته، أما الروايات الباقيات فلا تذكر أيا من هاتين المريمين، بل تذكر مريمين أخريين! وعجيب غريب غاية العجب والغرابة ألا يأتى ذكر الأم والخالة فى الروايات التى تدور فى هذا السياق تحت أى اعتبار! واضح أن هناك تخليطا بسبب اسم مريم. وثَمّ اختلاف آخر فى الأسماء يستطيع القارئ أن يدركه بنفسه دون مساعدة من أحد. وبالمثل فإن رواية يوحنا هى الرواية الوحيدة التى تتحدث عن توصية المسيح أحد تلاميذه أن يأخذ باله من أمه، على حين لم تقل أية رواية أخرى شيئا من هذا. ذلك أن مريم ليس لها وجود فى تلك الروايات كما لاحظنا. وبالمناسبة فقد كان المسيح لا يزال، حتى وهو على الصليب، جافا جافيا مع أمه لا يترك شكاسته معها، إذ بدلا من مناداته لها بــ"يا أمى الحبيبة" مثلا نجده يقول لها: "يا امرأة"! أيمكن أن يكون هذا هو عيسى الذى أثنى القرآن عليه وعلى بِرّه بأمه؟ كذلك تختلف الروايات حول الكلمات التى قالها الضابط ومن معه حين شاهدوا هبوط الظلمة على الأرض وانشقاق حجاب الهيكل ساعة صلب المسيح، فهل قال ذلك الضابط: "حقا كان هذا ابن الله"؟ أم هل كان ما قاله هو: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًّا"؟ لاحظ أنه لا سبيل للتوفيق بين العبارتين، فبينهما من التباعد فى المعنى والمغزى والاعتقاد مسافة تقدَّر بملايين السنين الضوئية!
كذلك هل قال عيسى بن مريم حسبما تقول الأناجيل المؤلفة بأيدى البشر: "إِيلِي،إِيلِي، لَمَا شَبَقْتَنِي؟"؟ أم هل كانت صيحته: "إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ (أى "يا إلهى، لماذا تركتنى؟")؟ أم هل قال: "يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي"؟ أم هل كل ما قاله هو: "أنا عطشان"، وبعدما بَلَّ ريقه من إسفنجة الخل التى قُدِّمَتْ له قال: "قد أُكْمِِل"، ثم فارق الحياة؟ إن معنا هاهنا أربع روايات بأربع عبارات مختلفة، وليس من أمل فى التوفيق بينها، فى أمرٍ هو أهم الأحداث فى حياة المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى سيد النبيين والمرسلين أصدق الصلوات وأحسن التساليم، فهل يليق بل هل يصح هذا؟
ثم خذ عندك أيضا حكاية الدفن: فهل الذى قام بالدفن هو يوسف الرامىّ وحده، أم هل كان معه نيقوديموس؟ هنا روايتان لا رواية واحدة. فهيا شمر عن ساعد التفكير والحيرة وحاول أن تحل ذلك اللغز أيضا بالمرة! ثم هل قام يوسف الرامىّ هذا بتطييب جسد المسيح قبل دفنه بمائة مَنٍّ من مزيج المر والعود، وكأنه كان سيطيب أجساد الموتى كلهم؟ أم هل اكتفى يا ترى بلفّه فى كتان، ثم ذهبت أمه فأعدت الأطياب، وإن لم تمكنها الفرصة لتطييبه بسبب قيامه قبل ذلك من الأموات حسبما كتب مؤلفو الأناجيل؟ وقبل ذلك كله هل الإله يحتاج إلى طيب، وهو خالق الطيب والعطور التى فى الدنيا كلها؟ بل لماذا يُطَيَّب أصلا؟ أترى الآلهة تُنْتِن؟
ولو تركنا وراء ظهورنا هذه المشكلة إلى أن يجد أحد لها حلا، وهذا مستحيل، وانتقلنا إلى موضوع آخر هو موضوع الحَجَر الذى زُحْزِح من فوق فوهة القبر المدفون فيه المسيح لوجدنا مشكلة أعقد، وكل ما فى تلك الديانة معقد تعقيدا لم تتعقده أية قضية أخرى: فهل كانت مريم أمه وخالته هما اللتين ذهبتا إلى القبر؟ أم هل كانت مريم المجدلية ومريم الأخرى؟ أم هل كانت المجدلية وحدها؟ وهل كان ذلك فى غلس الظلام؟ أم هل كان عند الفجر؟ أم هل كان بعد بزوغ الشمس؟ وهل دخلت مَنْ ذهبتْ هناك إلى القبر أو لم تدخله وانصرفت كما جاءت؟ وهل كان هناك ملاك واحد أو اثنان أو شابّ أو لم يكن هناك ملائكة ولا ناس بالمرة؟ وهل كل الذى قيل هو أن يسوع قام من الأموات وينتظر تلاميذه فى الجليل؟ أم هل قيل كلام أكثر من ذلك؟ وهل أتى بعض التلاميذ للقبر ليتأكدوا مما حدث أَوْ لا؟ وهل لمست مريم المسيح كما جاء فى الرواية التى تقول إنها ورفيقتها أمسكتا بقدميه وسجدتا له؟ أم هل منعها من لمسه بذريعة أنه لم يصعد بعد إلى السماء، وكأنها بعد صعوده للسماء ستراه مرة أخرى وتلمسه كما تحب؟ والمضحك أنه بعد كل ما قاله لها عن "أبيه وأبيهم وإلهه وإلههم" نسمعها تقول إنها قد رأت "ربّها"! وها هى ذى النصوص أضعها أمام القارئ ليقارن بينها ويتحقق من الأمر بنفسه:
متى (ف 27- 28): "62وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاِسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ 63قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ،قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. 64فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ،لِئَلا يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ: إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ،فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى! 65فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُون. 66فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ. 28- 1وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. 2وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ،وَجَلَسَ عَلَيْهِ. 3وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ،وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. 4فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ. 5فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لاَ تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ. 6لَيْسَ هُوَ هَهُنَا،لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ! هَلُمَّا انْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعًا فِيهِ. 7وَاذْهَبَا سَرِيعًا قُولاَ لِتَلاَمِيذِهِ: إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا. 8فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ،رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ. 9وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكُمَا. فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. 10فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: لاَ تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي".
مرقس (ف 16): "1وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْتُ، اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ، حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيَدْهَنَّهُ. 2وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. 3وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ: مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ؟ 4فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ! لأَنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا. 5وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ، فَانْدَهَشْنَ. 6فَقَالَ لَهُنَّ: لاَ تَنْدَهِشْنَ! أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ الْمَصْلُوبَ. قَدْ قَامَ! لَيْسَ هُوَ هَهُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ. 7لَكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُسَ: إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُم. 8فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ. 9وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ. 10فَذَهَبَتْ هَذِهِ وَأَخْبَرَتِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبْكُونَ. 11فَلَمَّا سَمِعَ أُولَئِكَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَقَدْ نَظَرَتْهُ، لَمْ يُصَدِّقُوا".
لوقا (ف 24): "1ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ، أَوَّلَ الْفَجْرِ، أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ، وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. 2فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ، 3فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. 4وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ، إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. 5وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ، قَالاَ لَهُنَّ: لِمَاذَا تَطْلُبْنَ الْحَيَّ بَيْنَ الأَمْوَاتِ؟ 6لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، لَكِنَّهُ قَامَ! اُذْكُرْنَ كَيْفَ كَلَّمَكُنَّ وَهُوَ بَعْدُ فِي الْجَلِيلِ 7قَائِلاً: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُوم. 8فَتَذَكَّرْنَ كَلاَمَهُ، 9وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ. 10وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَيُوَنَّا وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَالْبَاقِيَاتُ مَعَهُنَّ، اللَّوَاتِي قُلْنَ هَذَا لِلرُّسُلِ. 11فَتَرَاءَى كَلاَمُهُنَّ لَهُمْ كَالْهَذَيَانِ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُنَّ. 12فَقَامَ بُطْرُسُ وَرَكَضَ إِلَى الْقَبْرِ، فَانْحَنَى وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَحْدَهَا، فَمَضَى مُتَعَجِّبًا فِي نَفْسِهِ مِمَّا كَانَ".
يوحنا (ف 20): "1وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِرًا، وَالظّلاَمُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعًا عَنِ الْقَبْرِ. 2فَرَكَضَتْ وَجَاءَتْ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَإِلَى التِّلْمِيذِ الآخَرِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ، وَقَالَتْ لَهُمَا: أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ، وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ! 3فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ وَأَتَيَا إِلَى الْقَبْرِ. 4وَكَانَ الاِثْنَانِ يَرْكُضَانِ مَعًا. فَسَبَقَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ بُطْرُسَ وَجَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ، 5 وَانْحَنَى فَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ. 6ثُمَّ جَاءَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ، وَدَخَلَ الْقَبْرَ وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً، 7وَالْمِنْدِيلَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعًا مَعَ الأَكْفَانِ، بَلْ مَلْفُوفًا فِي مَوْضِعٍ وَحْدَهُ. 8فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضًا التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي جَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ، وَرَأَى فَآمَنَ، 9لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10فَمَضَى التِّلْمِيذَانِ أَيْضًا إِلَى مَوْضِعِهِمَا. 11أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجًا تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ، 12فَنَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ، حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعًا. 13فَقَالاَ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ قَالَتْ لَهُمَا: إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي، وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ! 14وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ، فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفًا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. 15قَالَ لَهَا يَسُوعُ: يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟ فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ، وَأَنَا آخُذُه. 16قَالَ لَهَا يَسُوعُ: يَا مَرْيَم فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: رَبُّونِي! الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ. 17قَالَ لَهَا يَسُوعُ: لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُم. 18فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هَذَا".
ويتبقى لنا المشهد الأخير من قصة المسيح، وهو الخاص بظهوره لحوارييه بعد قيامه من الأموات على ما يقول القوم لا على ما نقول نحن. وسوف أورد أولا ما قاله كل من مؤلفى الأناجيل ثم أعقب عليه بملاحظاتى تاركا كل قارئ يكوّن رأيه فيما بينه وبين نفسه:
متى (ف 28): "16وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ،حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. 17وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ،وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. 18فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.20وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْر. آمِينَ". وهنا نلاحظ أن عيسى بن مريم قد قابل أحد عشر حواريا فقط لا غير، فعدد الحواريين قد نقص واحدا بعد سقوط يهوذا، الذى لا أدرى لماذا استُبْعِد، مع أنه كان ينبغى أن يكون أقربهم الآن إلى معلمه وأحظاهم لديه لو كانت الأمور هنا تسير على منطق العقل، إذ لولا أنه ساعد اليهود على القبض عليه وصلبه فكيف كانت الخطة الإلهية لغفران الذنوب البشرية المتلتلة تتم؟ ما علينا! المهم أنه قابل تلاميذه وأنهم سجدوا له، وإن كان بعضهم شك فيه، وأن عيسى أخبرهم أنه قد أخذ كل سلطان فى السماء والأرض، بما يعنى أن الآب قد تنازل له عن صلاحياته جميعا لأن المثل يقول: "إنْ كَبِرَ ابنُك خاوِه"، مع أن الأمر الآن ليس مخاواة، بل سلبا لجميع السطات من بابا وشطبه بأستيكة! فلننتقل الآن إلى مرقس لنرى ماذا قال هو أيضا:
مرقس (ف 16): "9وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ، الَّتِي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ. 10فَذَهَبَتْ هَذِهِ وَأَخْبَرَتِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبْكُونَ. 11فَلَمَّا سَمِعَ أُولَئِكَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَقَدْ نَظَرَتْهُ، لَمْ يُصَدِّقُوا. 12وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ بِهَيْئَةٍ أُخْرَى لاِثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَهُمَا يَمْشِيَانِ مُنْطَلِقَيْنِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. 13وَذَهَبَ هَذَانِ وَأَخْبَرَا الْبَاقِينَ فَلَمْ يُصَدِّقُوا وَلاَ هَذَيْنِ. 14أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ. 15وَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. 16مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ. 17وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِي وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ. 18يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لاَ يَضُرُّهُمْ، وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُون. 19ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ. 20وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ".
ومن الواضح أن الكلام هنا غيره هناك، فالحواريون هنا لم يسجدوا ولا صدّقوا، بل شكّوا كلهم، على عكس ما سمعناه من السيد متّى، الذى قال إن الشك كان من بعضهم فقط. كما أن المسيح هنا قد وبخهم للمرة اللاأدرى كم، وكأنه كان يتلذذ بتسفيههم وتحقير إيمانهم فى كل فرصة تسنح، وهو ما يدفعنا للقول بأنه إذا كان الحواريون أنفسهم قليلى الإيمان وقساة القلوب إلى هذا الحد، فكيف يكون حال المؤمنين العاديين؟ لا شك أن رأيه عليه الصلاة والسلام فيهم لا يسر عدوا ولا صديقا. لكننا لن نقف أمام هذه النقطة طويلا رغم خطورتها. وبالمثل فنحن هنا نسمع شيئا جديدا لم نسمعه هناك، فعيسى بن مريم يبشرهم أن كل مؤمن سيكون عنده المقدرة على شفاء جميع الأمراض، والتعرض للحيّات دون خوف عليه، وكذلك شرب السم دون أن يؤثر فيهم. حواةٌ هم إذن ورفاعية، وهذا النوع من البشر متوفر فى مصر، والواحد منهم (فيما أسمع) على استعداد لإخراج ما شئت من ثعابين من شقوق جدران بيتك! وكان منهم عم شاهين بياع الجاز (على العربية أم حصان) بالقرية فى طفولتنا، وكان يحمل معه دائما مخلاة فيها عدد من الثعابين يفتحها كلما خَفَّتْ أرجل الزبائن ويخرجها ويلعب بهاأمامنا، وكنا ننظر له مبهورين، وكنت أنا بالذات أحسده، وأتمنى أن أكون مثله، ولم أكن أعلم وقتها أنه يصنع ما يصنعه تلاميذ المعلم دون كرازةٍ ولا أَخْذِ سلطانٍ من الرب ولا دياولو، بل حاجة ع الماشى كده! وكلما تذكرت عم شاهين ومخلاته تلذعنى الحسرة على أننى لم أصبح مثله رغم أننى ألاعب الآن حيات البشر الذين يلدغون الضمائر ويقتلون العقول لو استطاعوا، وأثرّم لهم أسنانهم وأفرّج عليهم الأطفال والكبار على السواء وأجعل الذى لا يشترى يتفرج، وكله ببلاش لوجه الله!
وهنا نتوقف وننتقل إلى ما كتب السيد لوقا (ف 24):"13وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً، اسْمُهَا عِمْوَاس. 14وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. 15وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ، اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا. 16وَلَكِنْ أُمْسِكَتْ أَعْيُنُهُمَا عَنْ مَعْرِفَتِهِ. 17فَقَالَ لَهُمَا: مَا هَذَا الْكَلاَمُ الَّذِي تَتَطَارَحَانِ بِهِ وَأَنْتُمَا مَاشِيَانِ عَابِسَيْنِ؟ 18فَأَجَابَ أَحَدُهُمَا، الَّذِي اسْمُهُ كَِلْيُوبَاسُ: هَلْ أَنْتَ مُتَغَرِّبٌ وَحْدَكَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلَمْ تَعْلَمِ الأُمُورَ الَّتِي حَدَثَتْ فِيهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؟ 19فَقَالَ لَهُمَا: وَمَا هِيَ؟ فَقَالاَ: الْمُخْتَصَّةُ بِيَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي كَانَ إِنْسَانًا نَبِيًّا مُقْتَدِرًا فِي الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَمَامَ اللهِ وَجَمِيعِ الشَّعْبِ. 20كَيْفَ أَسْلَمَهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَحُكَّامُنَا لِقَضَاءِ الْمَوْتِ وَصَلَبُوهُ. 21وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ. وَلَكِنْ، مَعَ هَذَا كُلِّهِ، الْيَوْمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ مُنْذُ حَدَثَ ذَلِكَ. 22بَلْ بَعْضُ النِّسَاءِ مِنَّا حَيَّرْنَنَا إِذْ كُنَّ بَاكِرًا عِنْدَ الْقَبْرِ، 23وَلَمَّا لَمْ يَجِدْنَ جَسَدَهُ أَتَيْنَ قَائِلاَتٍ: إِنَّهُنَّ رَأَيْنَ مَنْظَرَ مَلاَئِكَةٍ قَالُوا إِنَّهُ حَيٌّ. 24وَمَضَى قَوْمٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَنَا إِلَى الْقَبْرِ، فَوَجَدُوا هَكَذَا كَمَا قَالَتْ أَيْضًا النِّسَاءُ، وَأَمَّا هُوَ فَلَمْ يَرَوْه. 25فَقَالَ لَهُمَا: أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ 26أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟ 27ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ.28ثُمَّ اقْتَرَبُوا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ إِلَيْهَا، وَهُوَ تَظَاهَرَ كَأَنَّهُ مُنْطَلِقٌ إِلَى مَكَانٍ أَبْعَدَ. 29فَأَلْزَمَاهُ قَائِلَيْنِ: امْكُثْ مَعَنَا، لأَنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَار. فَدَخَلَ لِيَمْكُثَ مَعَهُمَا. 30فَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، 31فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا، 32فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟ 33فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ، هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ 34وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّبَّ قَامَ بِالْحَقِيقَةِ وَظَهَرَ لِسِمْعَانَ! 35وَأَمَّا هُمَا فَكَانَا يُخْبِرَانِ بِمَا حَدَثَ فِي الطَّرِيقِ، وَكَيْفَ عَرَفَاهُ عِنْدَ كَسْرِ الْخُبْزِ. 36وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسَطِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ! 37فَجَزِعُوا وَخَافُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. 38فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ، وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟ 39اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي. 40وَحِينَ قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. 41وَبَيْنَمَا هُمْ غَيْرُ مُصَدِّقِين مِنَ الْفَرَحِ، وَمُتَعَجِّبُونَ، قَالَ لَهُمْ: أَعِنْدَكُمْ هَهُنَا طَعَامٌ؟ 42فَنَاوَلُوهُ جُزْءًا مِنْ سَمَكٍ مَشْوِيٍّ، وَشَيْئًا مِنْ شَهْدِ عَسَلٍ. 43فَأَخَذَ وَأَكَلَ قُدَّامَهُمْ.44وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِير. 45حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46وَقَالَ لَهُمْ: هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدًَا مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذَلِكَ. 49وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي. فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي. 50وَأَخْرَجَهُمْ خَارِجًا إِلَى بَيْتِ عَنْيَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَبَارَكَهُمْ. 51وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ، انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. 52فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، 53وَكَانُوا كُلَّ حِينٍ فِي الْهَيْكَلِ يُسَبِّحُونَ وَيُبَارِكُونَ اللهَ. آمِين"َ.
وفى هذا النص نقرأ أن من قابله أولا وأخبر التلاميذ بقيامه من الأموات هو هذان الرجلان لا مريم. هذه واحدة، والثانية أن هذين الرجلين وصفا عيسى، وعلى مسمع منه، بأنه "إنسان نبى"! يسلم فمك يا رجل أنت وهو! إن هذا ما نقوله من الصبح، لكن القوم يشتموننا نحن ورسولنا. والثالثة أن المسيح يطلب منهما أن يجسّاه حتى يطمئنا إلى أنه هو المسيح، مع أنه سبق أنْ نهى أمه عن لمسه مجرد لمس بذريعة أنه لم يصعد بعد إلى أبيه الذى فى السماوات. طيب، فهو حتى الآن لم يصعد أيضا إلى أبيه الذى فى السماوات، فلماذا هذه التفرقة؟ والرابعة أنه رغم قوله لهم إنه لم يعد من لحم ودم نراه لا يجد طريقة يؤكد لهما من خلالها أنه هو المسيح إلا أن يناولاه بعض الطعام فيأكله، مع أن هذا الدليل هو فى نظرى آخر دليل يمكن أن يصلح هنا، إذ الروح لا تستطيع أن تأكل أكلنا ولا أن تشرب شرابنا. وهذا هو ما يعترضون به على جنة الإسلام رغم أن الإسلام لم يقل قط إن طعام الجنة أو شرابها أو نساءها ستكون كمثيلاتها فى الدنيا، بل ستكون شيئا آخر لا عين رأته من قبل ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر. والخامسة أن السجود للمسيح إنما تم بعد صعوده للسماء وليس أول ما رأوه عند خروجه من القبر. ودعنا من مسألة التناقض، وإلا فلن ننتهى إلى الأبد! والسادسة أننا هنا أمام حدوتة مختلفة تماما، وهى حدوتة تليق بعشاق "ألف ليلة وليلة" وما فيها من خيال عجائبى خِصْب من النوع الذى يسمى هذه الأيام بــ"الواقعية السحرية"! والسابعة أنه أمرهم أن يَبْقَوْا فى أورشليم حتى يفيض الله عليهم نعمته ويعطيهم القدرة على التحكم فى الشياطين والمقدرة على شفاء الأمراض، وهذا عكس ما فعل مع التلاميذ فى رواية متى ومرقس. وبالمناسبة فمن الواضح أنه نسى أنه كان أعطاهم هذا السلطان من قبل فى حياته. ولكن معلهش، فزيادة الخير خيران!
وهنا يأتى دور يوحنا (ف 20- 21)، فلنسع روايته هو أيضا: "19وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: سلاَمٌ لَكُمْ! 20وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ. 21فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا: سلاَمٌ لَكُمْ! كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا. 22وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. 23مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَت. 24أَمَّا تُومَا، أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. 25فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ! فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ، وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ، لاَ أُومِن.26وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ، وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ وَقَالَ: سلاَمٌ لَكُمْ! 27ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنا. 28أَجَابَ تُومَا وَقَالَ لَهُمْ: رَبِّي وَإِلَهِي! 29قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا.30وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. 31وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ. 21- 1بَعْدَ هَذَا أَظْهَرَ أَيْضًا يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتَّلاَمِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هَكَذَا: 2كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ، وَتُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ، وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ، وَابْنَا زَبْدِي، وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ مَعَ بَعْضِهِمْ. 3قَالَ لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنَا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّد. قَالُوا لَهُ: نَذْهَبُ نَحْنُ أَيْضًا مَعَك. فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ لِلْوَقْتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئًا. 4وَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ، وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلَكِنَّ التَّلاَمِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. 5فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَامًا؟ أَجَابُوهُ: لاَ! 6فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَأَلْقَوْا، وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ. 7فَقَالَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ: هُوَ الرَّبُّ! فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ، اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ، لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا، وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. 8وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَةِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ الأَرْضِ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَيْ ذِرَاعٍ، وَهُمْ يَجُرُّونَ شَبَكَةَ السَّمَكِ. 9فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأَرْضِ نَظَرُوا جَمْرًا مَوْضُوعًا وَسَمَكًا مَوْضُوعًا عَلَيْهِ وَخُبْزًا 10قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ الآن. 11فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلَى الأَرْضِ، مُمْتَلِئَةً سَمَكًا كَبِيرًا، مِئَةً وَثلاَثًا وَخَمْسِينَ. وَمَعْ هَذِهِ الْكَثْرَةِ لَمْ تَتَخَرَّقِ الشَّبَكَةُ. 12قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: هَلُمُّوا تَغَدَّوْا!. وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ. 13ثُمَّ جَاءَ يَسُوعُ وَأَخَذَ الْخُبْزَ وَأَعْطَاهُمْ وَكَذَلِكَ السَّمَكَ. 14هَذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ بَعْدَمَا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. 15فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّك. قَالَ لَهُ: ارْعَ خِرَافِي. 16قَالَ لَهُ أَيْضًا ثَانِيَةً: يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّك. قَالَ لَهُ: ارْعَ غَنَمِي. 17قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، أَتُحِبُّنِي؟ فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّك. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ارْعَ غَنَمِي. 18اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ، وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاء. 19قَالَ هَذَا مُشِيرًا إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعًا أَنْ يُمَجِّدَ اللَّهَ بِهَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. 20فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ؟ 21فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هَذَا قَالَ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ، وَهَذَا مَا لَهُ؟ 22قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ!. 23فَذَاعَ هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ: إِنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ لاَ يَمُوتُ. وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَسُوعُ إِنَّهُ لاَ يَمُوتُ، بَلْ: إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟ 24هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.25وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ".
ونحن هنا مع حكاية أخرى. ولم لا، والتسلية لا تضر، وبخاصة هذه الأيام النحسات، فها هو ذا المسيح يأتى بنفسه دون سابق إنذار فيقف بين التلاميذ ويعرّفهم بنفسه. والثالثة أن المسيح قد أخذ يد توما وجعله يَجُسّ يده وجنبه حتى يطمئن ويؤمن، ثم لم يتركه دون أن يغمزه غمزة من إياها فينعته بضعف الإيمان كالعادة!
ومن ضمن ما قالته تلك المسكينة أن الإسلام يسمى البشر: عباد الله، أما فى النصرانية فهم أبناؤه وبناته كما أفهمها القساوسة. وهى ترفض أن تكون أَمَة لله، وتريد أن تكون ابنة له حرة تتمتع بشخصية مستقلة. وتعليقا على هذا نقول إن هناك فرقا بين لفظ "العبد" حين يضاف إلى الله، ولفظ "العبد" هو ذاته لدن إضافته إلى أحد من البشر: الأول يُجْمَع على "عِبَاد"، أما الثانى فعلى "عبيد" أو عُبْدَان". وهذا الفرق فى الصيغة الجمعية يعكس فرقا فى المعنى، إذ عبد البشر يعنى أنهم قد اشتروه وأنهم من ثم يملكونه، وعليه أن يصدع بالأمر الذى يصدرونه إليه دون مناقشة فيخدمهم ويلبى لهم مطالبهم دون تذمر، ووقته ملك لهم فى المقام الأول لا له، وهو أدنى منهم فى الدرجة الاجتماعية، وربما الإنسانية أيضا. وإذا كانت أنثى فيحق لسيدها أن يعاشرها... إلى آخر ما نعرف عن العبد والعبدة (أو الأَمَة) بهذا المعنى. أما عبد الله فإن الله لا يشتريه ولا يملكه كما يملك البشر شخصا أو شيئا، بل هو خالقه ورازقه الذى ينبغى للبشر أن يؤدوا له واجب العبادة. أم ترى النصرانية ليس فيها عبادة؟ أرأى القراء كيف يتلاعب الأباليس بالألفاظ ويلبّسون على السذّج دينهم؟ كما أنه سبحانه لا يعاشر أحدا من خلقه. ومن ثم فإن "عبد الله" أقرب إلى أن يكون معناه خلق الله الذى ينبغى له أن يعبده سبحانه تأدية لواجب الحمد والتمجيد. ثم إنه سبحانه حين يأمرنا بشىء أو ينهانا عن شىء فإنه عز شأنه لا يريد منا أن نفعل ذلك عن إجبار وكراهية ودون فهم، بل عن تعقل وتدبر واقتناع وحب. لقد وهبنا سبحانه العقل والإرادة الحرة، وعلينا الاستعانة بهما فى التدبر والقبول أو الرفض، وعلينا كذلك تحمل مسؤولية الطاعة والمعصية، والإيمان والكفر.
وعلى أية حال فإن الإسلام لا ينفرد باستخدام هذا اللفظ للبشر، ففى العبرية نجد كلمة "عابد"، ومعناها حسبما نجد فى "دائرة المعارف الكتابية" هو "عبد"، وهذا نص ما جاء فى الموسوعة المذكورة تحت عنوان "عابد": "عابد: اسم عبري معناه "عبد"، ولعله اختصار لاسم "عبد إيل"، أي عبد الله". وفى كثير من أسفار العهد القديم يتكرر وصف الله سبحانه لإبراهيم ويعقوب وموسى وداود وأيوب ونبوخذنصر وزربّابل بـ"عَبْدِى"، أو "عَبْده". وفى "أخبار الأيام الأول" و"دانيال" و"رؤيا يوحنا اللاهوتى" وُصِف موسى بأنه "عبد الله"، وهو ذات اللقب الذى وُصِف به النبى دانيال فى السفر الأخير. أما فى أسفار "التثنية" و"يشوع" و"أخبار الأيام الثانى" فقد تكرر وصف موسى مرات بأنه "عَبْد الرب"، وكذلك وُصِف يشوع فى السفر الأخير بنفس اللقب أكثر من مرة. ومن أسماء النصارى: "عبد الله" و"عبد الأحد" و"عبد المسيح" و"عبد الفادى"، بل كذلك "عبد الصليب" و"عبد الشهيد". أى أن النصارى يستعملون هم أيضا كلمة "عبد" مضافة إلى الرب، وإلى المسيح، بل وإلى الصليب والشهيد. وفى "رسالة بولس إلى أهل رومية" نراه يلقب نفسه بأنه "بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". وفى "رسالته إلى أهل كورنثس" يقول: "الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ"، وهو نفس ما قاله فى "رسالته إلى أهل كولوسى" عن إنفراس. وفى "رسالته إلى تيطس" يسمى نفسه بأنه "عَبْدُ اللهِ". وفى الرسالة المنسوبة إلى يعقوب نجد كاتبها يلقبه بأنه "عَبْدُ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ". وفى كل من الرسالتين المنسوبتين إلى بطرس ويهوذا يلقَّب كل منهما على التوالى بأنه "عبد يسوع المسيح". وفى إنجيل لوقا تسمى مريم نفسَها بـ"أَمَة الله": "46فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، 47وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، 48لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي". وقبل ذلك كله هناك عيسى، وقد تحدث عن نفسه فقال إنه يعبد الله، والله وحده. وهو ما يعنى أنه "عبد الله" لأن العبودية هنا معناها كما وضحنا آنفا أن الإنسان يمجد الله ويعبده. ذلك أنه، حين حاول الشيطان إغراءه بالسجود وتقديم واجب العبادة له أجابه قائلا حسبما قص علينا متى ولوقافى إنجيليهما: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ، وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». ويوصف المسيح فى مواضع متعددة من العهد الجديد بأنه "عبد الله"، وهذه بعض تلك المواضع فى الترجمة الكاثوليكية واليسوعية: ففى الفقرة الثامنة عشرة من الإصحاح الثانى عشر فى الإنجيل الذى ألفه متى يقول الله عن المسيح إنه "عبدى": "هو ذا عبدي الذي اخترته، حبيبي الذي عنه رضيت. سأجعل روحي عليه فيبشر الأمم بالحق". وفى "أعمال الرسل (3/ 13): "إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله آبائنا، قد مجد عبده يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام بيلاطس، وكان قد عزم على تخلية سبيله". وفى "أعمال الرسل" أيضا (3/ 26): "فمن أجلكم أولا أقام الله عبده وأرسله ليبارككم، فيتوب كل منكم عن سيئاته". وفى أعمال الرسل كذلك (4/ 27): "تحالف حقا في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبدك القدوس يسوع الذي مسحته". وفى أعمال الرسل للمرة الرابعة (4/ 30): "باسطا يدك ليجري الشفاء والآيات والأعاجيب باسم عبدك القدوس يسوع" (واللفظ بالإنجليزية: "servant"، وبالفرنسية: "serviteur"). فمن تكون ريهام عبد العزيز بالنسبة إلى هؤلاء الرسل والأنبياء، بل بالنسبة إلى عيسى الإله ومريم أم الإله لدى النصارى المثلِّثين الذين ضحكوا على المسكينة وأوهموها أن وصف المسلم بأنه "عبد الله" والمسلمة بأنها "أمة الله" هو مما يشينهما ويحقرهما؟
إن القساوسة الشياطين يخدعون الساذجين والساذجات من المسلمين بإنكارهم أن يكون الواحد منا عبدا لله، إذ قالوا للبنت المسكينة إنها فى الإسلام عبدة لله، أما فى النصرانية فهى "بنت الله" على اعتبار أن الله أبونا نحن البشر. ولكن هل تغير وضعها فى الحياة بانتقالها، على سبيل الوهم طبعا، من عبودية الله إلى بنوته؟ ترى هل ازداد حظها من السعادة؟ هل ارتفع نصيبها من المال والجمال والصحة والرشاقة والسكينة والأمن والنجاح والحب، وأُعْفِيَتْ من المرض والفقر والتعب والعجز والضعف والقلق والتوتر والشقاء والفشل الذى يخضع الناس جميعا له من مسلمين وغير مسلمين؟ بطبيعة الحال لا. ففيم إذن كل تلك الطنطة حول العبودية الإسلامية والبنوة النصرانية؟ ومن ناحية أخرى ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام إن البشر عيال الله؟ ألم يقل إن الله أرحم بعباده من الأم بولدها؟ ألا يقول القرآن إن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد؟ ترى هل يمكن أن يكون الأب أو الأم بهذا القرب من ابنهما أو بنتهما؟ وهل الله يريد من عباده أن يسمعوا وينفّذوا دون فهم أو مناقشة؟ أليس القرآن يمتلئ بالآيات التى تحض على التأمل والتفكير وتقليب الذهن واستعمال العقل فى كل ما يعرض للإنسان حتى لو كانت دعوة الإسلام ذاتها؟ ألم يؤكد القرآن أنه "لا إكراه فى الدين"؟ ألا نقرأ فى القرآن أنه "من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر"؟ أيوجد شىء من هذا فى النصرانية التى يقول قساوستها إن واجب الإنسان أن يؤمن دون تفكير أو مناقشة، وإن أسرار النصرانية هى أمور فوق العقل لا يمكن فهمهما، فضلا عن الجدال فيها، فضلا عن إنكارها ورفضها؟ أليس عندهم أن الدين شىء، والعقل شىء آخر، وأن مجاليهما مختلفان بل متناقضان؟ ألم يبين لنا رسول الإسلام أن المجتهد الذى بذل ما فى وسعه تفكيرا وتنفيذا ثم أخطأ ولم يصب الغاية مأجور؟ فأَنَّى يجد الواحد منا شيئا من هذا خارج نطاق الإسلام؟
على أن المسألة لـمّا تتم فصولا، فلدينا ما حدث ليهوذا بعد صلب المسيح حسبما كتب مؤلفو الأناجيل. ذلك أننا، بعد صلب المسيح طبقا لما يقول القوم وندم يهوذا على ما ارتكب من غدر وخيانة، نجد هاتين الروايتبن: الأولى، وهى موجودة لدى كتاب الأناجيل، تقول إنه ذهب فردَّ الثلاثين فضة التى كان قد أخذها من الكهنة لقاء خيانته وغدره بمعلمه، ثم ثنّى بشنق نفسه: "27- 1وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، 2فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي. 3حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ ،نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ 4قَائِلاً: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئا. فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ! 5فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ،ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. 6فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَم. 7فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. 8لِهَذَا سُمِّيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ حَقْلَ الدَّم إِلَى هَذَا الْيَوْمِ" (متى/ 27، وبقية الأناجيل تنحو نفس المنحى)، أما الرواية الثانية فنعثر عليها فى "أعمال الرسل"، وفيها أنه قد انشق بطنه فى الحقل ولم ينتحر: "18فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. 19وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ حَتَّى دُعِيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ حَقْلَ دَمٍ). 20لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ" (أعمال الرسل/ 1). والآن أترك القارئ يحاول أن يزيل هذا التناقض براحته! المهم أنى قلت ما عندى، والسلام!

ومما تناولته البنت المضلَّلة التى تردد كالببغاء ما تسمعه من القساوسة دون فهم رغم ظهور عوراته لكل ذى عينين، وإن كانت العينان لا تصنعان شيئا لمن عَمِىَ قلبه وانطمس عقله وزاغت بصيرته كما يبين لنا القرآن الكريم، موضوع العلاقة بين البشر والله ، إذ زعمت أنها فى الإسلام تقوم على الخوف، أما فى النصرانية فعلى المحبة، إذ هو يحبهم ولا يعاقبهم. وهى تقصد ما زرعوه فى ذهنها الضيق المتهافت من أن عيسى عليه الصلاة والسلام نزل من علياء ربوبيته وقدم نفسه ضحية على الصليب فداء للبشرية من خطيئتها الأولى كما يقولون. فلنتأمل إذن هذا الأمر بهدوء لنرى أبعاده وإلام تأخذنا: لن أقف طويلا أمام ما أكده القرآن بصدد عصيان آدم وحواء فى الجنة الأولى وكيف تابا فتاب الله عليهما فى الحال وكأن شيئا لم يكن، وأصبحنا أولاد اليوم لا الأمس، على عكس النصرانية التى تبدئ وتعيد فى هذه المسألة لا تكل ولا تمل مع أنها قد حُسِمَت من يومهما وانتهى الأمر، وكان الله يحب المحسنين.
يقول : " وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)" (البقرة)، "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)" (طه).
فبالله أي الأمرين يدل على حب الله للبشر؟ وما الذى دفع الرب إلى هذا التصرف المستحيل لا المجنون فقط؟ ومن أجبره على هذا يا ترى؟ وكيف يقتل الرب نفسه؟ ومن كان يصرّف أمور الكون طوال موته؟ وهل الرب يموت يا إلهى؟ إنها أشياء تبعث على الجنون! ثم هل رأيتم محبا من الناس يتصرف على هذا النحو الذى ينسبه النصارى المثلِّثون للرب إلا إذا كان بعقله خلل؟ لن أسوق هنا إلا شاهدين اثنين لا غير، وهما كُثَيِّر عَزَّة الشاعر الأموى المعروف، وفان جوخ الرسام الهولندى الشهير: فأما كثير فقد تمنى، من فرط حبه لعَزَّة، التى تزوجت من غيره، أن يذهب إلى مضارب قبيلتها وينزل ضيفا عليها، ثم تضيع ناقته وتشل رجله حتى لا يستطيع العودة إلى دياره فيظل بجوار حبيبة الفؤاد. يقول فى تائيته الرائعة التى يجد القارئ تحليلا مفصلا لها فى كتابى: "فى الشعر الإسلامى والأموى- تحليل وتذوق":
خليليّ، هذا رَسْمُ عَزَّةَ، فاعقلا * قَلُوصَيْكما ثم انظرا حيث حَلَّتِ
وما كنت أدري قبل عزةَ ما الهوى * ولا مُوجِعات الحزن حتى تَوَلَّتِ
فقد حَلَفَتْ جَهْدًا بما نحرتْ له * قريشٌ غداة المأزِمَيْن وصَلَّتِ
أناديك ما حجّ الحجيج وكبّرت * بفَيْفا غزالٍ رُفْقَةٌ وأَهَلَّتِ
وكانت لقطع الحبل بيني وبينها * كناذرةٍ نَذْرًا فأَوْفَتْ وحُلَّتِ
فقلت لها: يا عزّ، كل مصيبةٍ * إذا وُطِّنَتْ يومًا لها النفس ذَلَّتِ
ولم يلق إنسانٌ من الحب مَيْعَةًً * تَعُمّ ولا غَمّاءَ إلا تجلَّتِ
كأني أنادي صخرة حين أعرضت* من الصُّمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زَلَّتِ
صَفُوحًا فما تلقاك إلا بخيلةً * فمَنْ مَلَّ منها ذلك الوصلَ مَلَّتِ
أباحت حِمًى لم يَرْعَه الناس قبلها * وحَلّت تِلاعًا لم تكن قبل حُلَّتِ
فليت قَلُوصي عند عزة قُيِّدَتْ * بحبلٍ ضعيفٍ عزّ منها فضَلَّتِ
وغودر في الحي المقيمين رَحْلُها * وكان لها باغٍ سواي فبلّتِ
وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحةٍ* ورجلٍ رمى فيها الزمان فشَلَّتِ
وكنت كذات الظّلع لما تحاملت * على ظلعها عند العِثار استقلَّتِ
أريد الثَّواء عندها وأظنها * إذا ما أطلنا عندها المكث مَلَّتِ
فما أنصفت: أما النساءَ فبغّضَتْ * إليّ، وأمّا بالنوال فضَنَّتِ
يكلِّفها الغيرانُ شتمي، وما بها * هواني، ولكن للمَلِيك استذلّتِ
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامِرٍ * لعَزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلَّتِ
وكان كُثَيِّر يوصف بالحماقة، فلا غرابة إذا ما سمعنا منه هذا الكلام إذن. أما فان جوخ فكان العيار فى حالته ثقيلا حَبَّتَيْن، فلهذا أقدم على قطع أذنه ولَفِّها وإرسالها هدية لحبيبته كى يثبت لها شدة تعلقه بها. كما وضع يده، لنفس السبب المجنون، على فتيلة المصباح المشتعل حتى احترقت وفاحت رائحة الشواء. فإذا كان هذا هو رأى الناس فى تصرفات بشر مثلهم، فما بالنا إذا ما أقدم الرب على تصرف مثل هذا بل أشنع وأبشع؟ ثم ما الذى أسكته سبحانه طوال تلك الدهور المتطاولة وجعله يؤجل هذه التضحية المجنونة منذ عصيان آدم وحواء بأكلهما من الشجرة المحرمة إلى ما بعد ميلاد المسيح بنحو ثلاثة عقود؟ بل ما الذى جعله ينتظر كل تلك المدة الممتدة منذ ولادة مريم للمسيح إلى أن بلغ ثلاثين سنة ونيفا؟ لماذا، حين تذكر أن هناك خطيئة أصلية قديمة قِدَمَ البشرية كانت منسية وتحتاج إلى تصفية، لم يأخذها من قصيره فينزل من السماء وينصب من فوره فى أى ميدان عام صليبا ثم يصيح فى المتجمهرين حوله كالعادة: "من يحب النبى يصفق!"، ويطلب من واحد منهم قوىٍّ عَفِىٍّ أن يعكمه ويعلقه على الصليب ويمسمره ويشتمه ويبصق عليه ويضربه بالرمح فى جنبه حتى يصرخ ويسمعه الناس ويشعروا بألمه من أجلهم، ثم يقتله وتنتهى المسألة فى دقائق بدلا من كل تلك اللفة الطويلة العريضة التى نقرؤها فى الأناجيل؟
ولكن ماذا عن الناس الذين مَضَوْا قبل ذلك دون أن تكون التضحية قد تمت بعد؟ وماذا عن الناس بعد هذا؟ هل سيدخلون كلهم الجنة ما دام الله قد ضحى من أجلهم محبةً لهم ورغبةً فى أن يعفيهم من العذاب؟ لكن النصارى لا يقولون هذا، بل يؤكدون أن من لا يرافئهم على عقديتهم هذه الغريبة فى السيد المسيح ذاهب إلى الجحيم لا مُشَاحَّة فى ذلك. فما جدوى الصلب إذن؟ وماذا عن يهوذا، الذى دل عليه اليهود فقبضوا عليه وصلبوه؟ أسيدخل الجنة، وبخاصة أنه كان العامل الأساسى فى تنفيذ المشيئة الإلهية المجنونة فى الموت فداء للمحبوب؟ لكنهم يقولون إنه ملعون، ولن يريح رائحة ملكوت السماوات أبدا. وبغض النظر عن أن النصارى يقولون إن المسيح الرب قد باء باللعنة جراء صَلْبه طبقا لما يقوله العهد القديم فى المصلوبين، وتحمَّلها نيابة عن البشرية، فمعنى حكمهم على يهوذا أن تضيحة الرب بنفسه لا تشمل ذلك الرجل! فما جدوى هذا الذى أقدم عليه المسيح إذن؟ أنقول إن تضحيته بنفسه قد طلعت فاشوشا؟ إن هذا يهدم الأمر كله من القواعد دون هوادة، فهل يقبلون ذلك؟ وحين مات المسيح، الذى هو الرب، فمن أعاده إلى الحياة يا ترى، ولم يكن هناك فى ذلك الوقت رب لأنه كان قد مات؟ بل من جعله ربا مرة أخرى، والرب قد انتهى أمره بنزوله إلى الأرض وتحوله إلى إنسان، والإنسان لا يصنع الأرباب ولا يعيدهم مرة أخرى إلى ربوبيتهم؟ إن الأسئلة الحيرى كثيرة ولا تنتهى، ولكن لا داعى للمُضِىّ قُدُمًا أكثر من هذا، فالضرب فى الميت حرام!
لقد أفهموا المسكينة أن النصرانية هى حب فى حب، وكأننا فى فلم "سنجام" الهندى، الذى عُرِضَ فى مصر فى منتصف ستينات القرن البائد، وكان كله غراما فى غرام ورقصا متواصلا وأغانى تخرّ رومانسية لم نكن نفهم منها كلمة واحدة مكتفين بحلاوة موسيقى القرب الهندية المصاحبة لها، والسلام. والواقع أن كل تصرفات المسيح حسب ما هو مقيد فى الأناجيل تدل على عكس هذا الادعاء، إذ صوروه عصبيا نافد الصبر دائما جافيا شتاما هجاما لا يوقر كبيرا ولا صغيرا ويكره الجميع ولا يطيق أحدا. ولنبدأ بما قاله فى حق اليهود، والمفروض أنه أتى الدنيا ليفدى البشرية من خطيئتها، واليهود جزء من تلك البشرية، فكان ينبغى أن يكف لسانه عنهم، وإلا فلماذا عَنَّى نفسه بمبارحة عرشه فى السماء ومخالطة أولاد البُلَغ الذى اسمهم "بَشَرٌ" والموت فى سبيلهم إذا كان يكره فريقا منهم كل تلك الكراهية؟
صحيح أنه قال لمستمعيه فى موعظة الجبل هذا الكلام العظيم الذى أورده متى فى الإصحاح الخامس من إنجيله: "43"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. 44وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، 45لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. 46لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ 47وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟ 48فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ". ولكن فلننتظر حتى نرى إلى أى مدى طبَّق هو تلك النصائح الذهبية. لقد لعن سنسفيل اليهود وسنسفيل آبائهم، وتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وهددهم بمصير أسود من قرن الخروب فى الدنيا والآخرة، داعيا إياهم بــ"الحيات أولاد الأفاعى"، ورفض كل ما كانوا يفعلونه حتى غسل أيديهم قبل الطعام مفضلا الأكل دون أن يطهر يديه لا لشىء إلا العناد ونشوفة الدماغ، وتوعَّدهم بمصائب الدنيا والدين قبل انصرام وقت طويل.
ولا يظنن أحد أن نفاد صبره وطول لسانه إنما كانا مقصورين على اليهود، إذ لم يسلم أقرب المقربين إليه من بركات لسانه الذى كان يشبه الكرباج، فقد نادى أمه قائلا لها بكل غلظة وجلافة: "ما لى وما لك يا امرأة؟"، كما نفى أن تكون هى وإخوته هم أمه وإخوته فعلا، مؤكدا أن أمه وإخوته الحقيقيين هم الذين يلتفون حوله ويسمعون كلامه، بما يفيد أنها وأنهم لم يكونوا من هؤلاء. وقال لأخلص حوارييه: يا منافق! يا شيطان! ونهر الفقراء الذين كانوا يريدون أن يصنع لهم المعجزات قائلا: جيل فاسق وشرير يطلب آية! أما المرأة الكنعانية المسكينة التى أرادت أن تستفيد بقدرته على الشفاء فقد قهرها وأذلها ولم يقبل رجاءها إلا بعدما رضيت أن تكون كالكلاب التى تلتقط فتات الطعام من تحت المائدة، قائلةً هذا بصريح العبارة فى انكسار ومسكنة تقطع القلوب. فحينئذ، وحينئذ فقط، رضى أن تنضم إلى زمرة المستفيدين من قدرته على الشفاء: "21ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. 22وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً:«ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». 23فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ:«اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» 24فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». 25فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً:«يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» 26فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب». 27فَقَالَتْ:«نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». 28حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ" (متى/ 15). فما معنى أنه نزل لفداء البشرية جميعا إذن؟ لقد رأينا أنه لم يكن راضيا لا عن اليهود ولا عن غير اليهود، فمن هم الذين نزل ليُصْلَب ويُقْتَل فى سبيلهم إذن؟ وإذا كان هذا هو الحب، فكيف تكون الكراهية يا ترى؟
هذا عن النصرانية، فماذا عن الإسلام؟ إن من صفات المؤمنين أنهم يبادلون ربهم الحب والرضا، فهو يحبهم وهم يحبونه، وهو راضٍ عنهم وهم راضون عنه. ويلح القرآن الكريم والحديث الشريف على غفران الله ورحمته ويلفتاننا إلى أن باب التوبة مفتوح دائما أبدا لا يغلق ليل نهار، ويؤكدان أنه سبحانه يعفو عن كثير، بل يغفر الذنوب جميعا مهما تكررت من الإنسان الذنوب ما دام يفىء إلى ربه ويستغفره وينوى ألا يعود إلى المعصية، إذ الإنسان بطبيعته خَطّاء، والمهم عدم الإصرار على الخطإ. كما يقرر الإسلام أنه سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، ومن ثم إذا ما اجتهد الشخص واستفرغ وسعه ثم أخطأ فليس عليه من بأس، بل له أجر بمشيئة الله، وهو ما لا وجود له فى أى دين أو مذهب: سياسيا كان هذا المذهب أو فلسفيا أو تربويا. وهذا كله دون وثنيات تجعل من الله خروفًا يُضَحَّى به فداء لعباده.
ولنطالع هذه الدرر العبقرية التى ليس لها نظير فى أى دين. ونيدأ بالآيات القرآنية: "يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)" (النساء)، "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)" (البقرة)، "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)" (آل عمران)، "وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)" (النساء)، "... وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)" (آل عمران)، "وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)" (الأعراف)، "إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)" (الفرقان)، "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)" (العنكبوت)، "وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)" (الشورى)، "إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)" (الحجرات)، "إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ (32)" (النجم)، "وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)" (الشورى)، "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156)" (الأعراف)، "إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)" (فاطر)، "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)" (الزُّمَر)، "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)" (الفاتحة)، "مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)" (الأنعام).
ثم نثنّى بالأحاديث المحمدية: "كل بني آدم خَطّاء، وخير الخطّائين التوابون"، "أَذْنَبَ عبدٌ ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال : أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أَيْ رَبِّ، اغفر لي ذنبي. فقال : عبدي أذنب ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب فقال: أَيْ رَبِّ، اغفر لي ذنبي. فقال : أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. اعمل ما شئتَ، فقد غفرتُ لك"، "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل"، "ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر"، "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم. ويقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم. فيقرره ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم"، "بينما رجل يمشي بطريق فاشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغني. فنزل البئر فملأ خفه فأمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. فقالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر"، "بينما كلب يطيف برَكِيَّةٍ قد كاد يقتله العطش إذ رأته بَغِيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت مزقها فاستقت له به، فسقته إياه، فغفر لها به"، "قدم على رسول الله بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. فقال رسول الله : أتَرَوْنَ هذه طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا والله وهي تقدر ألا تطرحه. فقال رسول الله : الله أرحم بعباده من المرأة بولدها"، "قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به، ولا يعمل بمثله. فقال رسول الله : المرء مع من أَحَبّ"، "قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل. فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها. وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها. فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها. وقال رسول الله : قالت الملائكة: ربّ، ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة ( وهو أبصر به )، فقال: ارقبوه. فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن تركها فاكتبوها له حسنة. إنما تركها من جَرَّاي. وقال رسول الله : إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تُكْتَب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وكل سيئة تُكْتَب بمثلها حتى يلقى الله "، "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي"، "رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه"، "لَلّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها. وفي الصحيحين عنه أنه قال: إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة: أنزل منها رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها من تلك الرحمة، واحتبس عنده تسعا وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة جمع هذه إلى تلك فرَحِم بها عباده".
ومن بين ما تطرقت إليه البنت المسكينة الحديث الذى يقول: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه" والذى قالت إنه جعلها أوّلاً تشعر بالغيرة لأن الله يفضّل المسيح على محمد، ثم كانت ثمرته بعد ذلك مع غيره من العوامل ترك الإسلام والتحول إلى النصرانية. وكان زكريا بطرس قد كتب فى موقعه المشباكى كلمة بعنوان "بين السيد المسيح والنبى محمد فى القرآن والإنجيل" فى المقارنة بين عيسى بن مريم والرسول الكريم بغية الوصول إلى أن ثمة فرقا شاسعا لا يمكن اجتيازه بين المسيح (الله أو ابن الله حسبما يزعم) وبين محمد، قال فيها إن عيسى هو وحده الذى مُسِح من الأوزار، ثم تساءل قائلا: "وماذا عن محمد؟"، وهذا ما قاله نَصًّا: "ممسوح من الأوزار: (انظر حتمية الفداء ص 24): (1) [سورة مريم]. (2) [سورة آل عمران]. (3) الإمام الرازى ج3 ص6764. (4) أبى هريرة. (5) صحيح البخارى. وماذا عن محمد؟".
وهو بإشارته إلى سُورَة "آل عمران" إنما يقصد قوله تعالى عن امرأة عمران (أم مريم ) حين وضعتْ مريم وإعاذتها إياها هى وذريتها من الشيطان الرجيم: "فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (آل عمران/ 36)، أما سورة "مريم" فلم أجد فيها شيئا يتعلق بالموضوع الذى نحن بإزائه. وبالنسبة لما جاء فى "آل عمران" فليس فيه سوى أن زوجة عمران قد استعاذت لابنتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم، وهو ما يفعله كل مؤمن لنفسه ولأولاده. وفى تفسير الرازى: "روى أنس عن النبي أنه قال: من استعاذ في اليوم عشر مرات وَكّل الله تعالى به مَلَكًا يَذُود عنه الشيطان". وفى "سنن أبى داود" عن ابن عمر أن رسول الله قال: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطُوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه. فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تَرَوْا أنكم قد كافأتموه". فليس فى الآية فى حد ذاتها إذن ما يدل على أن عيسى كان ممسوحا وحده من الأوزار دون الأنبياء والمرسلين، وإن كنا نؤمن أنهم جميعا، عليهم الصلاة السلام، كانوا من خيرة صفوة البشر، وكانت أخلاقهم من السمو والرفعة بحيث تتلاءم والمهمة الجليلة التى انتدبهم الله لها من بين سائر البشر.
ومع هذا فهناك مثلا، فى مسند ابن حنبل، حديث عن النبى رواه أبو هريرة يقول فيه: ‏"ما من مولود يُولَد إلا ‏ ‏نخسه الشيطان ‏ ‏فيستهلُّ صارخا من ‏ ‏نخسة الشيطان ‏ ‏إلا ابن مريم ‏ ‏وأمه. ‏‏ثم قال ‏ ‏أبو هريرة: ‏اقرءوا إن شئتم: وإنى أُعِيذُها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". وفى "سنن الدارمى" عن ابن عباس أنه قال: "‏ليس من مولود إلا ‏ ‏يستهلّ، ‏ ‏واستهلاله ‏ ‏يعصر الشيطان بطنه، فيصيح إلا ‏ ‏عيسى ابن مريم". وليس فيه، كما هو واضح، أية إشارة إلى مسحه من الأوزار والخطايا، بل الكلام فيه عن نخسة الشيطان التى يبكى الطفل بسببها عند الولادة أول ما يستقبل الحياة والتى يقول الأطباء إن سببها هو استنشاقه لأول مرة الهواء استنشاقا مباشرا، فهو رد فعل بيولوجى لا مَعْدَى عنه لأى طفل. لكنْ لأن ولادة عيسى كانت ولادة غير طبيعية فلربما كان ذلك هو السبب فى أنه لم يصرخ عند نزوله من بطن أمه كما يصنع سائر الأطفال.
وأغلب الظن أن النبى عليه الصلاة والسلام قد أراد بذلك الحديث أن يدفع عن أخيه الصغير عيسى وأمه من طَرْفٍ خَفِىٍّ قالةَ السوء والشُّنْع التى بهتهما بها اليهود الأرجاس. إذن فليس فى القرآن ولا فى الحديث أن سيدنا عيسى كان ممسوحا من الأوزار والخطايا وحده دون النبيين والمرسلين أجمعين، وإن لم يَعْنِ هذا أنه كان ذا أوزار وخطايا، إذ الأنبياء والرسل كلهم هم من ذؤابة البشر خُلُقًا وفضلاً وسلوكًا لا عيسى وحده. ومع ذلك فقد قرأنا فى حديث الشفاعة العظمى كلام الرسول الأعظم عن غفران الله له هو كل ذنوبه: ما تقدم منها وما تأخر، وهو ما استحق به وبغيره تلك المرتبة العالية، وإن لم يعن هذا أيضا أنه، ، كانت له ذنوب تُذْكَر، وإلا ما قال الله فيه: "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيمٍ" أو "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عَنِتّم، حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم" أو "إن الله وملائكته يصلّون على النبى. يا أيها الذين آمنوا، صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليما". وقد أورد الرازى الذى يستشهد به زكريا بطرس الحديثَ التالى: "ما منكم أحد إلا وله شيطان. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأَسْلَم". وأظن أن هذا الحديث يضع حدا للجدال السخيف الذى فتح بابَه ذلك الكذاب!
ثم إن للأناجيل فى هذه القضية قولا آخر، إذ تذكر أن الشيطان تعرَّض لعيسى وقاده من قمة الجبل إلى سطح الهيكل يحاول إغواءه وإضلاله ودَفْعه إلى الشرك بالله، والعياذ بالله، حين أمره أن يسجد له. ولو كان الأمر كما يَدَّعِى الحمقى لما حدث شىء من هذا. إذن فالشيطان يتعرض له كما يتعرض لسواه من البشر. هذه واحدة، أما الثانية فإن عبارة "الشيطان الرجيم" تعنى: اللعين المطرود من رحمة الله. فماذا يقول النصارى فى أن كتاب العهد الجديد يقول بحلول اللعنة عليه؟ ألا يقولون بصَلْبه؟ ألا يقول العهد القديم بأن من عُلِّقَ على خشبة، أى على صليب، فهو ملعون؟ ألا يقول بولس بصريح العبارة إن عيسى قد تحمل اللعن نيابة عن البشرية؟ إذن فعيسى، حسب اعتقادات القوم، لم يتعرض لمحاولة الشيطان إغواءه واستفزازه إلى الشرك فقط، بل لقد تحمل اللعنات التى فى الأرض جميعا؟ وفوق ذلك ألم يُسْمِع عيسى أمه قارص القول فى أكثر من مناسبة؟ أهذا يليق بإنسان لديه ذرة من الشعور بحق الأم على ابنها حتى ولو كانت كافرة؟ ألم يأمر عيسى أحد أتباعه أن يذهب إلى إحدى الحظائر ويسرق الحمار الموجود هناك كى يركبه عند دخوله أورشليم؟ فكيف يصنف القوم مثل ذلك التصرف؟ وفى أية خانة يضعونه؟ ألم يلعن شجرة التين لأنها لم تكن مثمرة، وكان هو جائعا يريد شيئا يُسْكِت عنه صراخ الجوع وقرصاته؟ فما ذنب التينة المسكينة إذا كنا فى غير موسم التين؟ هل كان عليها أن تضرب الأرض فتُطْلِع تينا؟ ألم يَسُبَّ بعض حوارييه المقربين ناعتا إياه بــ"الشيطان" مرة، وبــ"المنافق" مرة أخرى؟ ألم يستذل الكنعانية المسكينة المسحوقة حتى قبلت تشبيهه إياها بالكلاب، فعندئذ، وعندئذ فقط، رضى أن يمد لها يد العون، تلك اليد التى لم تكن لتكلفه شيئا؟ ألم يضعف حين اقترب موعد الصلب معبرا عن النكسار روحه وانهيار معنوياته؟ ألم ينس المهمة التى يقول النصارى إنه أتى إلى العالم من أجل أدائها، ألا وهى قبول الصلب والقتل، فأخذ يجأر إلى السماء أن تسرع لمعونته وإعفائه من شرب تلك الكأس المرة؟ أَوَكُلُّ هذا، ويزعم الزاعمون أنه كان ممسوحا من الأوزار؟ وبالمناسبة فلسنا نحن الذين نقول هذا بل هم. وعلى الناحية الأخرى ينبغى ألا ننسى الحديثَ الذى مر آنفا، ويقول فيه الرسول الكريم : "ما منكم أحد إلا وله شيطان. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأَسْلَم".
كذلك ذكر إنجيل متى ولوقا أن عيسى بن مريم مولود من صُلْب يهوذا الزانى الوقح، وداود القاتل الزانى، وسليمان صاحب نشيد الإنشاد الذى بلغ فى العُهْر والفُحْش والعُرْى مبلغا غير متصَوَّر فى "أدب الفِرَاش"، ومن رَحِم ثامار التى خططت واجترحت عن عمد وسبق إصرارٍ زنا المحارم، والتى قالت عنها "دائرة المعارف الكتابية": "ثامار زوجة عِير بكر يهوذا بن يعقوب (تك 38: 6ــ 30)، وكان عِير شريرا في عيني الرب فأماته الرب، فتزوجت حسب العادة المتبعة من أخيه أُونان، الذي لم يشأ أن ينجب منها نسلا لأخيه، فقَبُحَ ذلك في عيني الرب فأماته أيضا. فقال لها يهوذا أن تقعد أرملة في بيت أبيها حتى يكبر شِيلة ابنه الثالث. لكن يهوذا لم يبرّ بوعده، فقد كبر شيلة، ولكنه لم يزوجها منه. فخلعت ثياب ترملها وتغطت ببرقع وجلست في طريق يهوذا في مدخل عينايم التي على طريق تمنة، فرآها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت متنكرة في ثياب زانية من زواني العبادات الوثنية، ودخل عليها فحبلت منه. ولما نما الخبر إلى يهوذا بأن كنته حبلى حكم عليها بالموت حرقا، ولكن ثامار دفعت عن نفسها التهمة وأثبتت أنها حبلى من يهوذا نفسه. وهكذا برّأت نفسها ونجت من الموت. وقد ولدت ليهوذا توأمين هما فارص وزارح، ومن نسل فارص جاء داود الملك، ومنه جاء يسوع المسيح ( مت 1: 3 و 6، لو 3: 31ــ 33 )". وعندنا فى سلسلة نسب المسيح أيضا راحاب العاهرة. وإلى جانب هذا وذاك هناك نسبته فى الأناجيل إلى يوسف النجار أكثر من مرة، لا على لسان الآخرين فحسب، بل على لسان أمه نفسها أيضا. فما معنى هذا؟ ولست محتاجا بطبيعة الحال إلى أن أقول إننا نحن المسلمين لا نعتقد شيئا من هذه الضلالات، إذ هو لدينا نبى كريم نبيل طاهر، لكننا إنما نحاجّ القوم بما يعتقدونه ويتساخفون معنا به!
أما ما قاله الرازى فى هذا الموضوع فها هو ذا: "ذكر المفسرون في تفسير ذلك القبول الحسن (يقصد القبول المذكور فى سورة "آل عمران" حين ابتهلت أم مريم إلى الله أن يعيذ ابنتها وذريتها من الشيطان الرجيم) وجوهًا: الوجه الأول: أنه تعالى عصمها وعصم ولدها عيسى من مس الشيطان. روى أبو هريرة أن النبي قال: "ما من مولود يُولَد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخًا من مس الشيطان إلا مريم وابنها"، ثم قال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتم: وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ الرَّجِيمِ". طعن القاضي في هذا الخبر وقال: "إنه خَبَرُ واحدٍ على خلاف الدليل، فوجَب ردُّه، وإنما قلنا إنه على خلاف الدليل لوجوهٍ أحدُها: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشر من يعرف الخير والشر، والصبي ليس كذلك. والثاني: أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إهلاك الصالحين وإفساد أحوالهم. والثالث: لِمَ خُصَّ بهذا الاستثناء مريمُ وعيسى دون سائر الأنبياء ؟ الرابع: أن ذلك النخس لو وُجِد بَقِيَ أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء، فلما لم يكن كذلك علمنا بطلانه". واعلم أن هذه الوجوه محتملة، وبأمثالها لا يجوز دفع الخبر، والله أعلم". ومن هذا يتبين لنا بأجلى بيان أن الكذاب لم يقطع عادته فى الكذب والتدليس، إذ لم يقل الرازى إن عيسى قد مُسِح من الأوزار والخطايا، بل ساق كلام المفسرين القائلين بذلك، لكن بإيجاز شديد، أما من نَفَوْا هذا فقد فصَّل كلامهم تفصيلا. ثم اكتفى بالقول بأن وجوه الاعتراض التى اعترض بها هؤلاء ليست قاطعة فى النفى، وإن كان من الممكن رغم ذلك أن تكون صحيحة. أى أنه لم يَنْفِ ولم يُثْبِتْ، بل اكتفى بإيراد الرأيين. وأقصى ما يمكن نسبته له من الرأى فى هذه القضية أن الأدلة التى احتج بها القاضى (عبد الجبار المعتزلى) لا تحسم الأمر. وهذا كل ما هنالك.
ثم إنى أتساءل: وهل الله يولد أصلا حتى تظن البنت المسكينة أن عيسى إله؟ إنه لأمر لا يقبله العقل. ثم ما داموا يستشهدون بالقرآن فليقرأوه ويفهموه كيما ينبغى أن ُيقْرَأ ويُفْهَم. إن مريم، فى سورة "آل عمران"، تبتهل إلى الله أن يعيذ ابنتها وذريتها من الشيطان الرجيم. ومعنى هذا أن مريم وذريتها، وذريتها هى المسيح ، بحاجة إلى الحماية من الشيطان. فهل يقال عن الله إنه محتاج إلى من يحميه من الشيطان الرجيم؟ ومن يحميه؟ إنه هو الله! أى أن الله سيحمى الله من الشيطان الذى خلقه الله! فتأمل واعجب من هذا المنطق الظريف!
كذلك بَدَرَ من البنت الرعناء، لَدُنْ كلامها عن تجربتها الأثيمة الكافرة فى الانتقال من دين التوحيد إلى دين الوثنية والتثليث، كلام تعيب به الإسلام لتفرقته بين الذكر والأنثى لصالح الذكر بطبيعة الحال كما يقولون. فكيف نسيت أن النبى فضَّل الأم على الأب، وهو ذكر، وهى أنثى؟ وذلك حين سأله أحدهم أربع مراتٍ دِرَاكًا: مَنْ أَحَقُّ الناس بصُحْبَتى يا رسول الله؟ فقال له: أمك، ثم أمك، ثم أمك: ثلاث مرات، ثم فى الرابعة فقط قال: أبوك. وكيف فاتها أنه فى الوقت الذى جعل النبى فيه تربية البنت وتزويجها طريقا مشرعا إلى الجنة أكيدا لا نجده يقول شيئا مثل هذا بخصوص الأولاد؟ وكيف لم تتنبه إلى مغزى توريث الإناث كما يُوَرَّث الذكور مع أن الإناث مُعْفَيَات من واجب الإنفاق فى البيت، سواء كان بيت الأب أو الزوج أو الابن أو الأخ؟ وكيف تجاهلت ما هو معروف للقاصى والدانى من أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفض تماما أن تتزوج الفتاة أو المرأة ممن لا تحبّ؟ ومن أقواله : "خَيْرُكم خَيْرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي". وكان "آخر ما تكلم به أنْ قال: أوصيكم بالضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم".
ومن الناحية الأخرى سوف نرى بعد قليل ما تقوله، فى موضوع النساء، النصرانية التثليثية التى يأخذ قساوستها على عاتقهم شتم النبى محمد والدين الذى أتى به وكأن التطاول السفيه عليه فرض دينى أمرهم به السيد المسيح، الذى لا يكفون عن الإشادة بما أتى به من سلام ورحمة وتسامح، وهم لا يعرفون شيئا عن السلام ولا الرحمة ولا التسامح، بل يتباذؤون ليل نهار فى حق الرسول الكريم رغم كل الاحترام الذى يبديه الإسلام لعيسى بن مريم وأمه . ولسوف يتبين لنا أن موقف النصرانية من النساء أبعد ما يكون عما أوهموا به البنت المسكينة من أنها تَنْصُرها على الرجل وتدفعها إلى مناطحته، بَلْهَ التغلبَ عليه وكسر أنفه وإرغامه فى التراب طبقا لما تتنادى به الببغاوات من الفارغين والفارغات الفاشلين فى الحياة حقدًا منهم ورغبةً فى هدم البيوت تحت المسميات واللافتات البراقة الكاذبة.
والآن إلى ما كتبه فى هذا الموضوع بولس فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس فى الإصحاح الحادى عَشَر ما يلى، وهو مجرد مثال: "1كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ. 2فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ. 3وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. 4كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. 5وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. 6إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ. 7فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. 8لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. 9وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ. 10لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ. 11غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. 12لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ مِنَ الرَّجُلِ، هكَذَا الرَّجُلُ أَيْضًا هُوَ بِالْمَرْأَةِ. وَلكِنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنَ اللهِ. 13احْكُمُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: هَلْ يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى اللهِ وَهِيَ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ؟ 14أَمْ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ؟ 15وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ تُرْخِي شَعْرَهَا فَهُوَ مَجْدٌ لَهَا، لأَنَّ الشَّعْرَ قَدْ أُعْطِيَ لَهَا عِوَضَ بُرْقُعٍ. 16وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُظْهِرُ أَنَّهُ يُحِبُّ الْخِصَامَ، فَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ عَادَةٌ مِثْلُ هذِهِ، وَلاَ لِكَنَائِسِ اللهِ".
ثم ما كتبه بولس أيضا فى الإصحاح الخامس من رسالته إلى أهل أفسس: "22أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، 23لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. 24وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ"، وكذلك ما كتبه فى الإصحاح الرابع من رسالته إلى أهل كولوسِّى: "18أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ فِي الرَّبِّ"، وفى الإصحاح الثانى من رسالته إلى تيموثاوس: "8فَأُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ الرِّجَالُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، رَافِعِينَ أَيَادِيَ طَاهِرَةً، بِدُونِ غَضَبٍ وَلاَ جِدَال. 9وَكَذلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ يُزَيِّنَّ ذَوَاتِهِنَّ بِلِبَاسِ الْحِشْمَةِ، مَعَ وَرَعٍ وَتَعَقُّل، لاَ بِضَفَائِرَ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ لآلِئَ أَوْ مَلاَبِسَ كَثِيرَةِ الثَّمَنِ، 10بَلْ كَمَا يَلِيقُ بِنِسَاءٍ مُتَعَاهِدَاتٍ بِتَقْوَى اللهِ بِأَعْمَال صَالِحَةٍ. 11لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. 12وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، 13لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، 14وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. 15وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ".
ثم ما جاء فى الإصحاح الثالث من الرسالة الأولى المنسوبة لبطرس: "1كَذلِكُنَّ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ، كُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِكُنَّ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ لاَ يُطِيعُونَ الْكَلِمَةَ، يُرْبَحُونَ بِسِيرَةِ النِّسَاءِ بِدُونِ كَلِمَةٍ، 2مُلاَحِظِينَ سِيرَتَكُنَّ الطَّاهِرَةَ بِخَوْفٍ. 3وَلاَ تَكُنْ زِينَتُكُنَّ الزِّينَةَ الْخَارِجِيَّةَ، مِنْ ضَفْرِ الشَّعْرِ وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَلِبْسِ الثِّيَابِ، 4بَلْ إِنْسَانَ الْقَلْبِ الْخَفِيَّ فِي الْعَدِيمَةِ الْفَسَادِ، زِينَةَ الرُّوحِ الْوَدِيعِ الْهَادِئِ، الَّذِي هُوَ قُدَّامَ اللهِ كَثِيرُ الثَّمَنِ. 5فَإِنَّهُ هكَذَا كَانَتْ قَدِيمًا النِّسَاءُ الْقِدِّيسَاتُ أَيْضًا الْمُتَوَكِّلاَتُ عَلَى اللهِ، يُزَيِّنَّ أَنْفُسَهُنَّ خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، 6كَمَا كَانَتْ سَارَةُ تُطِيعُ إِبْرَاهِيمَ دَاعِيَةً إِيَّاهُ «سَيِّدَهَا»، الَّتِي صِرْتُنَّ أَوْلاَدَهَا، صَانِعَاتٍ خَيْرًا، وَغَيْرَ خَائِفَاتٍ خَوْفًا الْبَتَّةَ".
وفى الختام أهدى للبنت المسكينة الحكاية التالية، وهى منقولة عن كتاب ابن عبد ربه: "العقد الفريد": "حدثني أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن الأجدع الكوفي بهيت، قال: حدثني إبراهيم بن علي مولى بني هاشم، قال: حدثنا ثقات شيوخنا: أن جَبَلة بن الأيهم بن أبي شمر الغساني لما أراد أن يُسْلِم كتب إلى عمر بن الخطاب من الشام يعلمه بذلك يستأذنه في القدوم عليه، فسُرَّ بذلك عمر والمسلمون، فكتب إليه أن: اقْدَمْ، ولك ما لنا، وعليك ما علينا. فخرج جبلة في خمسمائة فارس من عَكّ وجَفْنَة، فلما دنا من المدينة ألبسهم ثياب الوَشْي المنسوج بالذهب والفضة، ولبس يومئذ جبلةُ تاجَه، وفيه قرط مارية، وهي جدته، فلم يبق يومئذ بالمدينة أحد إلا خرج ينظر إليه حتى النساء والصبيان، وفرح المسلمون بقدومه وإسلامه، حتى حضر الموسم من عامه ذلك مع عمر بن الخطاب. فبينما هو يطوف بالبيت إذ وطئ على إزاره رجل من بني فزارة فحَلَّه. فالتفت إليه جبلة مغضبًا، فلطمه فهشم أنفه. فاستعدى عليه الفزاري عمر بن الخطاب، فبعث إليه فقال: ما دعاك يا جبلة إلى أن لطمت أخاك هذا الفزاري فهشمت أنفه؟ فقال: إنه وطئ إزاري فحَلَّه. ولولا حرمة هذا البيت لأخذت الذي في عيناه. فقال له عمر: أما أنت فقد أقررتَ. فإما أن ترضيه، وإلا أَقَدْتُه منك. قال: أتُقِيده مني، وأنا ملك، وهو سُوقَة؟ قال: يا جبلة، إنه قد جمعك وإياه الإسلام، فما تَفْضُله بشيء إلا بالعافية. قال: والله لقد رجوتُ أن أكون في الإسلام أعزَّ مني في الجاهلية. قال عمر: دع عنك ذلك. قال: إذن أتنصَّر. قال: إن تنصَّرْتَ ضربتُ عنقك. قال: واجتمع قوم جبلة وبنو فزارة فكادت تكون فتنة. فقال جبلة: أخِّرْني إلى غد يا أمير المؤمنين. قال: ذلك لك. فلما كان جِنْح الليل خرج هو وأصحابه، فلم يَئِنْ حتى دخل القسطنطينية على هرقل فتنصَّر، وأقام عنده. وأعظمَ هرقلُ قدومَ جبلة وسُرَّ بذلك، وأقطعه الأموال والأراضي والرِّبَاع.
فلما بعث عمر بن الخطاب رسولاً إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام أجابه إلى المصالحة على غير الإسلام. فلما أراد أن يكتب جواب عمر قال للرسول: ألَقِيتَ ابن عمك هذا الذي ببلدنا (يعني جبلة) الذي أتانا راغبًا في ديننا؟
قال: ما لقِيتُه.
قال: الْقَهُ، ثم ائتني أُعْطِك جواب كتابك.
وذهب الرسول إلى باب جبلة، فإذا عليه من القهارمة والحجّاب والبهجة وكثرة الجمع مثل ما على باب هرقل. قال الرسول: فلم أزل أتلطف في الإذن حتى أذن لي، فدخلت عليه فرأيت رجلاً أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسمر أسود اللحية والرأس. فنظرت إليه فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسُحَالة الذهب فذَرَّها في لحيته حتى عاد أصهب، وهو قاعد على سرير من قوارير، قوائمه أربعة أُسُود من ذهب. فلما عرفني رفعني معه في السرير، فجعل يسائلني عن المسلمين، فذكرت خيرًا وقلت: قد أضعفوا أضعافًا على ما تعرف.
فقال: كيف تركت عمر بن الخطاب؟
قلت: بخير.
فرأيت الغم قد تبين فيه لما ذكرت له من سلامة عمر. قال: فانحدرت عن السرير، فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ قلت: إن رسول الله نهى عن هذا. قال: نعم، ، ولكن نَقِّ قلبك من الدنس، ولا تُبَالِ علامَ قعدت. فلما سمعته يقول: "" طمعتُ فيه. فقلت له: ويحك يا جَبَلة! ألا تُسْلِم، وقد عرفتَ الإسلام وفضله؟
قال: أبعد ما كان مني؟
قلت: نعم، قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت. ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف، ثم رجع إلى الإسلام، وقُبِل ذلك منه، وخَلَّفْتُه بالمدينة مسلما.
قال: ذَرْني من هذا. إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام.
قلت: ضمنت لك التزوج، ولم أضمن لك الإمرة.
قال: فأومأ إلى خادم بين يديه، فذهب مسرعًا، فإذا خدم قد جاءوا يحملون الصناديق فيها الطعام، فوُضِعَتْ ونُصِبَتْ موائد الذهب وصحاف الفضة، وقال لي: كل.
فقبضت يدي وقلت: إن رسول الله نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة.
فقال: نعم، ، ولكن نَقِّ قلبك، وكُلْ فيما أحببت.
قال: فأكل في الذهب والفضة، وأكلتُ في الخليج. فلما رُفِع الطعام جيء بطِسَاس الفضة وأباريق الذهب، وأومأ إلى خادم بين يديه، فمر مسرعًا، فسمعت حِسًّا فالتفتُّ، فإذا خدم معهن الكراسي مرصعة بالجواهر، فوُضِعَتْ عشرة عن يمينه وعشرة عن يساره. ثم سمعت حِسًّا، فإذا عشر جَوَارٍ قد أقبلن مطمومات الشعر متكسرات في الحَلْي عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهن على الكراسي عن يمينه. ثم سمعت حِسًّا، فإذا عشر جوارٍ أخرى، فأجلسهن على الكراسي عن يساره. ثم سمعت حِسًّا، فإذا جارية كأنها الشمس حُسْنًا، وعلى رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها اليمنى جامٌ فيه مسك وعنبر، وفي يدها اليسرى جامٌ فيه ماء ورد. فأومأتْ إلى الطائر، أو قال: فصفرت بالطائر، فوقع في جامِ ماء الورد فاضطرب فيه. ثم أومأت إليه، أو قال: فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ماء ريشه عليه، وضحك جَبَلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: بالله أطربنني. فاندفعن يتغنَّيْنَ، يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لله دَرُّ عصابة نادمتُهم * يومًا بجِلَّقَ في الزمان الأوّلِ
يُسْقَوْن من ورد البريص، عليهمو * بَرَدَى يصفّق بالرحيق السَّلْسَلِ
أولاد جفنة حول قبر أبيهمو * قبر ابن ماريةَ الكريم الـمُفْضِلِ
يُغْشَوْن حتى ما تهرُّ كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبلِ
بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شُمّ الأنوف من الطراز الأولِ
قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟
قلت: لا.
قال: قائله حسان بن ثابت شاعر رسول الله .
ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره، فقال: بالله أَبْكِينَنَا.
فاندفعن يتغنَّيْنَ، يخفقن بعيدانهن ويقلن:
لمن الديارُ أقفرتْ بمعانِ * بين أعلى اليرموك فالخمّانِ؟
ذاك مَغْنًى لآل جفنةَ في الدهــــــــــــــــر محلاًّ لحادث الأزمانِ
قد أراني هناك دهرًا مكينًا * عند ذلك التاج مقعدي ومكاني
ودنا الفِصْحُ فالولائد يَنْظِمـْــــــــــــــــ ــــــن سراعًا أَكِلّة المرجانِ
لم يُعَلَّلْن بالمغافير والصمـــــــــــــــغ ولا نَقْف حنظل الشريانِ
قال: فبكى حتى جعلت الدموع تسيل على لحيته، ثم قال: أتدري من قائل هذا؟
قلت: لا أدري.
قال: حسان بن ثابت.
ثم أنشأ يقول:
تنصَّرَتِ الأشراف من عار لطمةٍٍ * ما كاان فيها، لو صبرتُ لها، ضررْ
تكنَّفني منها لجاجٌ ونخوةٌ * وبعتُ لها العين الصحيحة بالعَوَرْ
فيا ليت أمي لم تلدني، وليتني * رجعتُ إلى الأمر الذي قال لي عمرْ
ويا ليتني أرعى المِخَاض بقفرة * وكنتُ أسيرًا في ربيعةَ أو مُضَرْ
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةٍ * أجالس قومي ذاهبَ السمعِ والبصرْ
ثم سألني عن حسان: أحيٌّ هو؟
قلت: نعم، تركتُه حيًّا.
فأمر لي بكُسْوَةٍ ومالٍ ونُوقٍ مُوقَرَةٍ بُرًّا، ثم قال لي: إن وجدتَه حيًّا فادفع إليه الهدية وأقرئه سلامي. وإن وجدته ميتًا فادفعها إلى أهله، وانحر الجمال على قبره.
فلما قدمتُ على عمر أخبرته خبر جبلة وما دعوته إليه من الإسلام، والشرط الذي شرطه، وأني ضمنت له التزوج، ولم أضمن له الإمرة. فقال: هلا ضَمِنْتَ له الإِمْرَة؟ فإذا أفاء الله به الإسلام قضى عليه بحكمه . ثم ذكرتُ له الهدية التي أهداها إلى حسان بن ثابت. فبعث إليه وقد كُفَّ بصره، فأُتِيَ به وقائدٌ يقوده. فلما دخل قال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد رياح آل جفنة عندك.
قال: نعم، هذا رجل أقبل من عنده.
قال: هات يا ابن أخي. إنه كريم من كرامٍ مدحتُهم في الجاهلية، فحلف أن لا يَلْقَى أحدًا يعرفني إلا أهدى إليَّ معه شيئًا. فدفعتُ إليه الهدية: المال والثياب، وأخبرته بما كان أَمَرَ به في الإبل إن وُجِد ميتًا. فقال: وددت أني كنت ميتًا فنُحِرَتْ على قبري. وانصرف حسان وهو يقول:
إن ابن جفنة من بقية معشرٍ * لم يَغْذُهم آباؤهم باللُّومِ
لم ينسني بالشام إذ هو ربُّها * مَلِكًا ولا متنصِّرًا بالرومِ
يعطى الجزيل، ولا يراه عنده * إلا كبعض عطيّة المذمومِ
فقال له رجل كان في مجلس عمر: أتذكر ملوكًا كفرةً أبادهم الله وأفناهم؟ قال: ممن الرجل؟ قال: مُزَنِيّ. قال: أمَا والله لولا سوابق قومك مع رسول الله لطوَّقْتُك طَوْقَ الحمامة.
قال: ثم جهَّزني عمر إلى قيصر وأمرني أن أضمن لجبلة ما اشترط به، فلما قدمتُ القسطنطينية وجدتُ الناس منصرفين من جنازته، فعلمتُ أن الشقاء غَلَبَ عليه في أُمّ الكتاب".
Ibrahim_awad9@yahoo.com
http://awad.phpnet.us/
http://www.maktoobblog.com/ibrahim_awad9